دستانغي

دستانجوي أو دستانغي (بالأردية: دستان گوئی) هو شكل فني من أشكال سرد القصص الشفهي باللغة الأردية في القرن الثالث عشر.[1][2] تطور النمط الفارسي للدستان في القرن السادس عشر.[3] أحد أقدم الإشارات المطبوعة إلى دستانجوي هو نص من القرن التاسع عشر يحتوي على 46 مجلدًا من مغامرات أمير حمزة بعنوان دستان أمير حمزة.
وصل هذا الشكل الفني إلى ذروته في شبه القارة الهندية في القرن التاسع عشر ويقال إنه مات بوفاة مير باقر علي في عام 1928 م. أُحيِيَ الدستانجوي[4] من المؤرخ والمؤلف والمخرج محمود فاروقي[الإنجليزية] في عام 2005 م.[5] دمج سيد سهل آغا[الإنجليزية] دستانجوي مع الموسيقى والغناء في عام 2010 م.[6]
في قلب دستانغوي، يُوجد الدستانغو، أو الراوي، الذي يُعد صوته أداته الفنية الرئيسة في إعادة سرد الدستان أو القصة شفويًا. ومن أبرز الدستانغو في القرن التاسع عشر: أمبا براساد راسا، ومير أحمد علي رامبوري، ومحمد أمير خان، وسيد حسين جاه، وغلام رضا.



علم أصول الكلمات
[عدل]أصل كلمة دستانغوي هو من الفارسية. حيث تعني دستان حكاية؛ واللاحقة -غوي تجعل الكلمة بمعنى "سرد حكاية".
التاريخ
[عدل]نسب الأنثروبولوجي الحضري الهندي غوث أنصاري أصل فن "القصصية" أو "الدستانغوي" إلى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وبيّن كيف أن انتشار الإسلام شرقًا حمل هذا الفن إلى إيران، وأن الفُرس حملوه للعالم وبذلك وصل إلى دلهي في الهند. فقد كانت الأدبيات العربية ما قبل الإسلام زاخرةً بالحكايات البطولية عن زعماء القبائل وشجاعتهم في ميادين القتال، وكان هذا جزءًا من فن السرد العربي المعروف بـ"السيرة" و"القصة". ويُشتق اسم "دستانغوي" من أشهر رواية حب عربية في ذلك الزمان، وهي "سيرة عنترة".[7]
في بلاد فارس، شهد فن الدستانغوي تطورًا بإدخال مفهوم "الملك المقدّس" أو "الملك المثالي" ضمن الحكايات. فغالبًا ما سعى الشعراء والرواة الفُرس إلى إبراز الجوانب الخيّرة والنبيلة في شخصية الملك، لخلق صورة محببة تستأثر بقلوب الناس وخيالهم، حيث يُصوَّر الملوك كمرشدين روحيين ومعلمين، وكان يُمنح بعضهم لقب صاحبقران، تعبيرًا عن سموهم الروحي والمعنوي. وقد انتقل هذا الجانب من الفن الفارسي إلى الهند المغولية، حيث تبنّى مغول الهند مفاهيم العدالة المطلقة، وقدموا تصوّرًا للملكية أشبه بالقداسة والتصوف، لا بالاستبداد. ومن خلال رعايتهم للحكايات التي تجسّد هذا التصوّر، مثل "قصة الأمير حمزة"، ضمن المغول أن القصص الشائعة في أرجاء إمبراطوريتهم تعكس صورة إيجابية للحكام والمحاربين.[8]
كان السلطان أكبر مولعًا للغاية بحكايات الأمير حمزة، حتى إنه كان يرددها لنفسه. وقد أطلق أحد أوائل مشاريعه الفنية في بلاطه، وهو التكليف بإنجاز النسخة المصوّرة من قصة الأمير حمزة، المعروفة باسم "حمزة نامه". وكان هذا المشروع عملاقًا، يتكون من 1200 ورقة (فوليو)، وشمل ما يقارب 1400 حمزة بسبب صعوبة القراءة لدى أكبر (عسر القراءة). وقد مكّنت "حمزة نامه" من انتشار قصص الأمير حمزة في كافة أرجاء الهند وخارجها. ونظرًا لأن غاية الدستانغوي كانت التسلية والتواصل مع الجمهور، فقد تأثرت النسخة الهندية بعناصر من الثقافة المحلية؛ حيث تُظهر الرسوم المصغّرة الجنود بزي مغولي، بل وحتى بأسلحة نارية لم تكن موجودة في الروايات الأصلية. كما تظهر التماثيل الهندوسية في بعض الرسومات، مثل إحدى صفحات الحمزنامه المعروضة في متحف فكتوريا وألبرت. أما النسخ اللاحقة، مثل نسخة منطقة جوانبور في القرن الخامس عشر، فقد صوّرت النساء بملابس هندية محلية.[9]
كانت مهارة القاصّ (الدستانغو) تكمن في قدرته على جذب انتباه الجمهور باستمرار. ولمنع تشتت المستمعين عند أدنى انخفاض في الإثارة، تطلب الفن قدرات تمثيلية وأدائية تشمل التمثيل، والرقص، والإيماء، وفنون الأداء. وكان على القاصّ أن يمتلك معرفة واسعة بفنون الحرب والسياسة، لنسج حكايات مشوقة تأسر العامة والنخبة على حد سواء.[10] وتصف بعض مشاهد "قصة الأمير حمزة" المعارك بتفاصيل دقيقة، ما يعكس الإلمام العميق للسارد بالأسلحة والآلات الحربية وتكتيكات الجيش. وكان لهذا الإلمام أثره في منح القصاصين مكانة بارزة في بلاطات الملوك، حتى إن الحكام كانوا يتنافسون لاستقطابهم بوعدهم بمكافآت أكبر. وتذكر المصادر، على سبيل المثال، القاصّ عناية الله دربار خان، الذي خدم الإمبراطور أكبر، وكان ابن الراوي الشهير في الدولة الصفوية بإيران زين العابدين تكلتو خان. وقد تولّى دربار خان إضافةً إلى الرواية، مهام المستشار السياسي والمبعوث الخاص لأكبر.[11][12]
في البدايات، كانت قصص الدستانغوي تدور حول السحر، والحروب، والمغامرات، وكانت تستقي مادتها بحرية من روايات مثل "ألف ليلة وليلة"، ومن شعراء مثل جلال الدين الرومي، ومن تقاليد قصصية أخرى كـ"الفصول الخمسة" الهندية. ومنذ القرن الرابع عشر، بدأ الرواة الفُرس بالتركيز على حياة ومغامراتالأمير حمزة، عمّ النبي محمد. وقد أضاف التيار الهندي من القصصية عناصر جديدة مثل العيّارين (الخداع والمكر).[13]
خلال ثورة الهند الكبرى سنة 1857، انتقل العديد من الفنانين والكتاب والرواة من دلهي إلى لكناؤ. وهناك، أصبح فن الدستانغوي رائجًا بين جميع الطبقات، وكان يُؤدّى في أماكن متنوعة مثل الساحات العامة (الشّوك)، والمنازل الخاصة، وحتى أفيون خانات (بيوت تعاطي الأفيون[الإنجليزية]). وكما كتب أنصاري: "بلغ هذا الفن من الشعبية بين مدمني الأفيون، أنهم جعلوا الاستماع إلى القصص عنصرًا أساسيًا في جلساتهم؛ فكانت السُّكر الطويلة تقترن بالحكايات الطويلة التي يرويها رواة محترفون. وكان لكل بيت أفيون قصّاصه الخاص لتسلية الزبائن، بينما كانت الأسر الثرية تعيّن الراوي كعضو دائم في طاقم خدمها." وقد صنّف المؤرخ والكاتب عبد الحليم شرر، أحد أبرز مؤرخي لكناو في القرن التاسع عشر، فن الدستانغوي ضمن المحاور التالية: "الحرب"، "المتعة"، "الجمال"، "الحب"، و"الخداع".[14]
وقد صاحب هذا الازدهار في فن القصصية ظرفٌ سياسي فريد. إذ يرى رالف رَسل أن رواج القصصية تزامن مع أفول الدولة المغولية، في فترة من الاضطرابات السياسية، فغدت القصصية ملاذًا للناس، يفرّون بها من الواقع المضطرب إلى عالم متخيَّل مفعم بالجمال، حيث الأبطال يجسّدون أسمى القيم الإسلامية.[15]
بحلول القرن العشرين، بدأت شعبية دستانجوي بالتراجع. أدى ظهور الحكم البريطاني في الهند وظهور أشكال الترفيه الحديثة، مثل صناعة السينما الهندية ، إلى تحول اهتمام الناس عن السرد الشفهي التقليدي. وشهدت تلك الفترة أيضًا تبنيًا للقيم الأدبية الفيكتورية ، وأشاد الناس بالروايات الأخلاقية والواقعية والقصائد السردية الطويلة. في الوقت نفسه، أصبح يُنظر إلى الدستانجوي على أنها غير أخلاقية وفاحشة.
وبحلول القرن العشرين، بدأت شعبية القصصية تتراجع. فقد أدى بسط الاستعمار البريطاني سلطته، وظهور وسائل ترفيه حديثة كصناعة السينما الهندية، إلى تحوّل اهتمام الناس بعيدًا عن فنون السرد الشفهي التقليدية. كما بدأت القيم الأدبية الفيكتورية تفرض نفسها، وصار الناس يميلون إلى الروايات الأخلاقية والواقعية، وإلى القصائد الطويلة، بينما أصبحت القصص تُعتبر خادشة للحياء ومفسدة للأخلاق.
كان مير باقر علي آخر دستانغو شهير في الهند. ويُقال إنه كان يحفظ آلاف الأبيات عن ظهر قلب، وامتلك من المهارة ما يمكّنه من تقمّص الشخصيات المختلفة بسلاسة تامة، سواء أكان ملكًا أو عجوزًا أو غير ذلك. ومع وفاته سنة 1928، دخل فن الدستانغوي في طور من الخفوت والانقطاع.
قائمة الدستانات الأردية المبكرة
[عدل]- سب راس - ملا وجهي
- ناو طرز مرسى - حسين عطا خان تحسين
- ناو آين هندي (قصي مالك محمود جيتي أفروز) - مهر تشاند خاطري
- جازب عشق - شاه حسين حقيقة
- ناو طرز مرصع - محمد هادي الملقب بميرزا مغل غافل
- أرايش محفل ( قصي حاتم طائي ) - حيدر بخش حيدري
- باغ وبهار (قصي شهار درويش) - مير عَمّان[الإنجليزية]
- دستان أمير حمزة - خليل علي خان عشق
- فسانة عجيب - رجب علي بيج سرور
- ديفال ديفي[الإنجليزية] -خيزر خان - (دستان رومانسي لأميرة فاجيلا وملك دلهي خالجي ) - أمير خسرو
- الخمسة (خمسة خسرو) خمس رومانسيات كلاسيكية دستان : هشت بيهشت ، ماتلول أنور، خسرو وشيرين ، ليلى والمجنون وآينا سيكنداري. - أمير خسرو
دستانجوي في الطباعة
[عدل]نشرت كلية فورت ويليام في كلكتا نسخة أردية من الدستان لأمير حمزة في بداية القرن التاسع عشر.[16] بدأ منشي نوال كيشور[الإنجليزية]، وهو ناشر في لكناو، في نشر الدستان بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر. كما تم إصدار بعض المنشورات باللغة الفارسية أيضًا.
- في عام 1881 م، كلّف نوال كيشور ثلاثة دستانغو، هم محمد حسين جاه، وأحمد حسين قمر، والشيخ تصدّق حسين، بطباعة دستان حمزة كاملاً. على مدى خمسة وعشرين عامًا، أنتج هذا الثلاثي مجموعة من 46 مجلدًا. يُمكن قراءة كل مجلد على حدة أو كجزء من العمل الكامل.
- دستان الهند، هي مجموعة من الدستانات والفولكلور الهندي، وقد قدمها العديد من الفنانين حول العالم، على يد سيد سهل آغا[الإنجليزية]. 2010.[17][18]
- توه هازيرين هوا يون... دستان أنكيت تشادها - مجموعة من الدستانات المنسوجة من تأليف أنكيت تشادها[الإنجليزية]. 2019.[19][20]
- دستانغوي-٢ هو تكملة للكتاب السابق. يحتوي على مجموعة من الدستانات الحديثة، كتبها وعدّلها محمود فاروقي[الإنجليزية]. 2019.
طالع أيضًا
[عدل]مراجع
[عدل]- ^ "How a collective of storytellers is reviving the ancient art of dastangoi". The Sunday Guardian Live (بالإنجليزية الأمريكية). 29 Jun 2019. Archived from the original on 2025-01-24. Retrieved 2019-07-30.
- ^ "Dastangoi - the Re-discovered Art of Urdu Storytelling". Internet Archive. مؤرشف من الأصل في 2020-02-21. اطلع عليه بتاريخ 2024-12-18.
- ^ اردو میں تاریخ گوئی اور داستان گوئی کی روایت اور فن
- ^ "Dastangoi - The Re-discovered Art of Urdu Storytelling". dastangoi.com. مؤرشف من الأصل في 2019-07-29. اطلع عليه بتاريخ 2019-08-21.
- ^ "Persian art of storytelling festival brings delight for Delhi theatre buffs". The New Indian Express. 12 يوليو 2019. مؤرشف من الأصل في 2025-01-24. اطلع عليه بتاريخ 2019-08-21.
- ^ Syeda Eba (8 Feb 2020). "Dastangoi: Bringing stories alive". Millennium Post (بالإنجليزية الأمريكية). Archived from the original on 2024-12-21. Retrieved 2020-02-10.
- ^ Heath، Peter (1996). The Thirsty Sword: Sirat Antar and Arabian Popular Epic. University of Utah. ص. xvii–xviii.
- ^ Shirazi، Quratulain (1 يونيو 2014). "Sahibqirani: An Ideal of Kingship and Manhood in the Romance of Amir Hamza". Journal of Religion and Popular Culture. ج. 26 ع. 2: 193. DOI:10.3138/jrpc.26.2.187.
- ^ Farooqui، Musharraf. "The Simurgh-Feather Guide to the Poetics of Dastan-e Amir Hamza Sahibqiran". Annual of Urdu Studies: 140.
- ^ Shirazi، Qurratulain (2014). "Themes and Motifs in the Adventures of Amir Hamza". Department of Languages and Cultures of Asia: 56.
- ^ Mohamad Khan، Pasha (2019). "What storytellers were Worth in Mughal India". Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East: 14.
- ^ Mohamad Khan، Pasha (2020). "'Abd al-Nabī Fakhr al-Zamānī and Other Storytellers of the Sixteenth and Seventeenth Centuries". Urdu and Indo-Persian Thought, Poetics, and Belles Lettres: 4.
- ^ Farooqui، Mahmood (Autumn–Winter 2011). "Dastangoi: Revival of the Mughal Art of Storytelling". Context: Journal of the Development and Research Organisation for Nature, Arts and Heritage. ج. VIII ع. 2: 31–37. مؤرشف من الأصل في 2016-07-22. اطلع عليه بتاريخ 2012-12-20.
- ^ Harcourt، E.S (2012). Lucknow the Last Phase of an Oriental Culture (ط. seventh). Delhi: Oxford University Press. ص. 92. ISBN:978-0-19-563375-7.
- ^ Russel، Ralph (1992). Pursuit of Urdu Literature: A Select History. Oxford University Press. ص. 89.
- ^ Krishnan، Nandini (4 مايو 2012). "Dastaan-e-Dastangoi". Fountain Ink. مؤرشف من الأصل في 2012-11-14. اطلع عليه بتاريخ 2012-12-20.
- ^ "DastanGoi, Dastan-e-Amir kusrow". karmpatr.com. 12 ديسمبر 2017. مؤرشف من الأصل في 2018-01-27. اطلع عليه بتاريخ 2017-12-12.
- ^ prakruti (30 نوفمبر 2019). "On the art of storytelling: Dastango Syed Sahil Agha". www.purplepencilproject.com. مؤرشف من الأصل في 2025-08-14. اطلع عليه بتاريخ 2019-11-30.
- ^ Indian Express Delhi. "Stories Never Die". epaper.indianexpress.com. مؤرشف من الأصل في 2018-12-22. اطلع عليه بتاريخ 2018-12-21.
- ^ Chadha، Ankit (2018). To Hazreen Hua Yun... SAKSHI PRAKASHAN. ISBN:9789384456726.
روابط خارجية
[عدل]- Pritchett، Frances W. (1991). The Romance Tradition in Urdu : Adventures from the Dastan of Amir Hamzah. دار نشر جامعة كولومبيا. ISBN:9780231071642. مؤرشف من الأصل في 2023-05-13. اطلع عليه بتاريخ 2012-12-19.
- Farooqui، Mahmood (Autumn–Winter 2011). "Dastangoi: Revival of the Mughal art of storytelling". Context: Journal of the Development and Research Organisation for Nature Arts and Heritage. ج. VIII ع. 2: 31–37. مؤرشف من الأصل في 2024-08-17. اطلع عليه بتاريخ 2012-12-19.
- Ghalib Lakhnavi & Abdullah Bilgram, trans Musharraf Ali Farooqi (2012). The Adventures of Amir Hamza: Special Abridged Edition. New York: دار النشر الحديثة. ISBN:978-0-8129-7744-8.