انتقل إلى المحتوى

الشعب الروماني

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من رومان (شعب))
الشعب الروماني
اللاتينية: Rōmānī
الإغريقية: Ῥωμαῖοι، Rhōmaîoi[ا]
لوحة جدارية من القرن الأول الميلادي عُثر عليها في بومبي تصور مأدبة تجمع عدة أجيال
معلومات عامة
الفترة الزمنية
اللغات
اللغة الأم
اللغة المستعملة
الدين
المجموعات العرقية المرتبطة
فرع من
أوروبيون [لغات أخرى]
اللاتينيون [لغات أخرى]
مقيم [لغات أخرى] عدل القيمة على Wikidata
مجموعات ذات علاقة

الشعب الروماني (اللاتينية: Rōmānī؛ الإغريقية: Ῥωμαῖοι)[ا] مجموعة إثنية إيطاليقية شكّلت العرقية والكتلة الأساسية للمواطنين الرومان خلال فترات المملكة الرومانية، والجمهورية الرومانية، والإمبراطورية الرومانية. خضع هذا المفهوم لتغييرات كبيرة عبر التاريخ الطويل للحضارة الرومانية، تزامناً مع توسع حدودها وانكماشها. فبينما كانت المواطنة الرومانية تضم في الأصل اللاتين عرقياً من مدينة روما نفسها فقط، فقد امتدت لتشمل بقية الشعوب الإيطاليقية بحلول القرن الأول قبل الميلاد، ثم شملت كل رعايا الإمبراطورية الرومانية تقريباً في العصور القديمة المتأخرة. وفي ذروة قوتهم، حكم الرومان أجزاء واسعة من أوروبا والشرق الأدنى وشمال أفريقيا من خلال الفتوحات التي تمت خلال عهد الجمهورية والإمبراطورية اللاحقة.[2] وعلى الرغم من تعريف "الرومانية" (الإنجليزية: Roman-ness) في المقام الأول على أنها مواطنة، إلا أنها وُصفت أيضاً وبأشكال مختلفة كهوية ثقافية، أو قومية، أو تعددية إثنية شملت في نهاية المطاف تنوعاً إقليمياً هائلاً.[3][4][ب][5][6]

أدت منح المواطنة، والنمو السكاني، والمستعمرات الاستيطانية والعسكرية إلى زيادة سريعة في عدد المواطنين الرومان. وبلغت هذه الزيادة ذروتها مع الدستور الأنطوني الذي أصدره الإمبراطور كاراكلا عام 212 م، والذي منح حقوق المواطنة لجميع السكان الأحرار في الإمبراطورية. وفرت الهوية الرومانية شعوراً أوسع بالهوية المشتركة وأصبحت مهمة عند التمييز عن غير الرومان، مثل المستوطنين والغزاة البرابرة.[7][8] لم تكن الثقافة الرومانية متجانسة على الإطلاق؛ ورغم وجود نسق ثقافي مشترك، فإن إحدى نقاط قوة الإمبراطورية الرومانية كانت تكمن أيضاً في قدرتها على دمج تقاليد من ثقافات أخرى، لا سيما اليونان، ولكن ليس حصراً.

تغيرات حدود الدولة الرومانية من القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن الخامس عشر الميلادي

أنهى انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس الهيمنة السياسية للإمبراطورية الرومانية في أوروبا الغربية، لكن الهوية الرومانية استمرت في الغرب كمورد سياسي مهم. ومن خلال إخفاقات الإمبراطورية الرومانية الشرقية الباقية والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية في استعادة السيطرة على الغرب والحفاظ عليها، والقمع الذي مارسته الممالك الجرمانية[الإنجليزية] الجديدة، تلاشت الهوية الرومانية في الغرب واختفت تقريباً في القرنين الثامن والتاسع. أما في الشرق الناطق باليونانية، الذي ظل تحت السيطرة الإمبراطورية، فقد استمرت الهوية الرومانية حتى سقوط الإمبراطورية البيزنطية عام 1453 وما بعدها.

وفي حين تلاشت الهوية الرومانية في معظم الأراضي التي كانت بارزة فيها ذات يوم، فقد أثبتت أنها أكثر رسوخاً بشكل ملحوظ في بعض المناطق ولدى بعض الشعوب. في إيطاليا، ظل اسم "الرومان" (باللاتينية والإيطالية:Romani) هو اسم النسبة لمواطني روما بشكل مستمر ودون انقطاع من تأسيس المدينة حتى يومنا هذا. وخلال فترة الإمبراطورية الرومانية الشرقية ولفترة من الزمن بعد سقوطها، عرّف اليونانيون أنفسهم باسم الروم[الإنجليزية]، أو أسماء ذات صلة. وفي سويسرا، توجد عدة أسماء تعد إشارات رومانية، مثل الروماند[الإنجليزية] وهم السويسريين الناطقين بالفرنسية، وشعب الرومانش. كما تشتق عدة أسماء من اللاتينية (اللاتينية: Romani) مثل الرومانيين، والأرومانيين، والإسترو-رومانيين، أو من الكلمة الجرمانية والخاز[الإنجليزية]، وهو مصطلح كان يشير أصلاً إلى الرومان؛ واعتُمد بصيغة الأفلاخ[الإنجليزية] كتسمية ذاتية للمِغلينيون الرومانيون[الإنجليزية].[9]

الرومانية

[عدل | عدل المصدر]

معنى «روماني»

[عدل | عدل المصدر]
ستة من بورتريهات مومياء الفيوم، صور معاصرة لأشخاص في مصر الرومانية من القرن الأول ق.م إلى القرن الثالث م.

يُستخدم مصطلح «روماني» اليوم بالتبادل للدلالة على فترة تاريخية وثقافة مادية وموقع جغرافي وهوية شخصية. ورغم ترابط هذه المفاهيم، فإنها ليست متطابقة. ويميل كثير من المؤرخين المعاصرين إلى تبني تصورٍ معيّن لما كان يعنيه أن يكون المرء «رومانياً»، وهو ما يُشار إليه أحياناً بمفهوم الهوية الرومانيّة[الإنجليزية]، مع أن هذا المصطلح نفسه كان نادراً في الاستعمال داخل روما القديمة.[10] وكغيرها من الهويات، كانت الهوية «الرومانية» مرنة وديناميكية ومتعددة الطبقات،[11] ولم تكن ثابتة أو غير قابلة للتغير.[10] وبالنظر إلى اتساع الدولة الرومانية جغرافياً وطول عمرها التاريخي، لا يوجد تعريف بسيط جامع لمعنى «أن تكون رومانيّاً»،[12] كما أن التعريفات لم تكن متسقة حتى في العصور القديمة.[13] ومع ذلك، ظلت بعض العناصر مشتركة عبر جزء كبير من التاريخ الروماني.[10]

اعتبر بعض الرومان القدماء أن الجغرافيا واللغة والأصل الإثني مؤشرات مهمة للرومانية، في حين رأى آخرون أن المواطنة الرومانية والثقافة أو السلوك أهم.[14][15][16][17] وفي ذروة الإمبراطورية الرومانية أصبحت الهوية الرومانية هويةً جيوسياسية جماعية امتدت لتشمل معظم رعايا الأباطرة، مع احتوائها على تنوع إقليمي وإثني واسع.[2] وكثيراً ما كان ما يؤمن به الفرد وما يفعله أهم في تصور الهوية الرومانية من الأنساب الطويلة أو الانحدار المشترك.[14] وقد رأى بعض الخطباء الرومان البارزين، مثل شيشرون، أن جوهر «الرومانية» يتمثل في الالتزام بالتقاليد الرومانية وخدمة الدولة الرومانية.[18] وتشكل هذا المنظور عند شيشرون جزئياً بحكم كونه «رجلاً جديداً»، أي أول فرد من أسرته يصل إلى مجلس الشيوخ الروماني دون أن يمتلك هو نفسه سلالات نسب رومانية مرموقة.[19] ولا يعني ذلك أن أهمية القرابة الدموية قد أُهملت تماماً؛ فقد كان خطباء مثل شيشرون يخاطبون النبلاء مطالبين إياهم بالارتقاء إلى «عظمة أسلافهم».[18] غير أن مثل هذه النداءات كانت تُوجّه عادة إلى الأسر النبيلة اللامعة، بينما أكدت تقاليد أخرى مهمة فكرة الانحدار الجماعي لروما.[15][20]

طوال تاريخها، بدت روما قادرةً على استيعاب شعوب أخرى ودمجها (الرومنة). ويُردّ هذا التصور إلى أساطير تأسيس المدينة، ومنها تصوير روما على أنها تأسست كنوع من «ملجأ سياسي» على يد رومولوس، وكذلك أسطورة اختطاف نساء السابينيين[الإنجليزية] التي تمثل ضمن هذا الفهم، امتزاج الشعوب منذ بدايات المدينة.[15][20] وسخر شيشرون وغيره من الكتّاب الرومان من شعوب مثل الأثينيين الذين تفاخروا بانحدارهم المشترك، وبدلاً من ذلك عبّروا عن اعتزازهم بمكانة روما باعتبارها «أمة هجينة».[21] بل إن المؤرخ اليوناني الذي عاش في العصر الروماني ديونيسيوس الهاليكارناسي بالغ في تصوير الأصل متعدد الثقافات للرومان، فكتب أن الرومان منذ تأسيس روما رحبوا بمهاجرين لا يُحصون ليس فقط من بقية إيطاليا، بل من العالم كله، واندمجت ثقافاتهم بثقافة الرومان.[21]

جداريات من فيلا الأسرار في بومبي، فن روماني يؤرخ لمنتصف القرن الأول ق.م.

عبّر عدد قليل من المؤلفين الرومان مثل تاسيتوس وسويتونيوس عن قلقٍ في كتاباتهم بشأن «نقاء الدم الروماني» مع تزايد عدد المواطنين القادمين من خارج إيطاليا الرومانية. ومع ذلك، لم يقترح أيٌّ منهما وقف تجنيس المواطنين الجدد، وإنما الدعوة إلى تقليل وتيرة العتق (تحرير العبيد) ومنح المواطنة. ولا تتطابق هذه المخاوف مع مفاهيم العِرق أو الإثنية بمعناها الحديث، ولم تكن مرتبطة كثيراً بسمات مثل لون البشرة أو المظهر الجسدي.[22] كما أن مصطلحات مثل «أثيوبي» (الإنجليزية: Aethiop) التي استخدمها الرومان للسود[الإنجليزية] لم تكن وفق هذا الطرح تحمل دلالات اجتماعية خاصة، ومع أن الصور النمطية المتعلقة بالمظهر كانت موجودة، فإن السمات الجسدية الموروثة لم تكن عادةً ذات صلة بالمنزلة الاجتماعية.[23] ولا توجد وفقاً لهذه القراءة سجلات عن وصمٍ أو تحيزٍ ضد علاقات «مختلطة العِرق»[الإنجليزية].[24] ويُذكر أن الفوارق الاجتماعية الأساسية في روما القديمة لم تُبنَ على السمات الجسدية بقدر ما بُنيت على الطبقة أو الرتبة. كما مارست روما العبودية على نطاق واسع، لكن العبيد كانوا من جماعات إثنية متعددة ولم يُستعبدوا بسبب انتمائهم الإثني.[25] وبحسب المؤرخة الإنجليزية إيما دينتش[الإنجليزية]، كان «من الصعب على نحو مشهور» تمييز العبيد في روما القديمة من مظهرهم.[22]

غير الرومان

[عدل | عدل المصدر]
عملة للإمبراطور قسطنطين الثاني والذي حكم من 337 م إلى 340 م، تُظهر الإمبراطور على ظهر حصان وهو يدوس إثنان من البرابرة.

على الرغم من أن روما القديمة وُصفت أحيانًا بأنها مجتمع غير عنصري بصورة واضحة،[23] فإن الرومان حملوا قوالب ثقافية نمطية وتحيزات تجاه الشعوب والثقافات التي لم تندمج في العالم الروماني، والتي أُطلق عليها «البرابرة». وقد تباينت هذه المواقف عبر مراحل التاريخ الروماني، إلا أن بعض كتاب أواخر العصور القديمة عبّروا عنها بعبارات قاسية، مثل القول إن «البرابري الجيد هو البرابري الميت».[26] كما عكست الدعاية الرسمية هذه النظرة، حيث ظهرت على العملة صور تُظهر الإمبراطور أو إلهة النصر وهي تدوس الأعداء البرابرة المهزومين أو تجرّهم.[27] ووفقًا لكتابات شيشرون، لم يكن معيار وصف الآخرين بالبرابرة قائمًا على اللغة أو الأصل بقدر ما كان مرتبطًا بالعادات والأخلاق، أو ما اعتُبر افتقارًا إليهما.[28] فقد نظر الرومان إلى أنفسهم بوصفهم أرقى من غيرهم، غير أن هذا الشعور بالتفوق كان نابعًا من الاعتقاد بتفوّق نمط حياتهم،[25] لا من اختلافات بيولوجية مفترضة. ولذلك كان مصطلح «برابري» ذا طابع ثقافي أكثر منه بيولوجيًا، ولم يكن من المستحيل أن يتحول «البرابري» إلى روماني، إذ رأت الدولة الرومانية نفسها مسؤولة عن إخضاع الشعوب الأخرى و«تمدينها».[29]

نقش بارز من قوس تيتوس يُظهر روماناً يحملون غنائم من الهيكل في القدس.

ومن بين الجماعات غير الرومانية التي وُصفت بأنها كانت مكروهة داخل الإمبراطورية، برزت جماعة اليهود.[30] وتشير بعض الدراسات إلى أن عامة الناس في روما كانوا يميلون إلى النفور من اليهودية، مع وجود تباين في مواقف النخب.[30] فبينما أبدى تاسيتوس عداءً واضحًا تجاه اليهود،[31] كان موقف شيشرون أقرب إلى اللامبالاة غير المتعاطفة.[32] ومع ذلك، لم تكن الدولة الرومانية معادية لليهود بشكل مطلق، إذ وُجدت جماعة يهودية كبيرة في روما نفسها، إضافة إلى عدد من الكُنس.[33] وتُفسَّر العداوة الرومانية لليهود — والتي أدت إلى حروب واضطهادات ومجازر في إقليم يهودا — بأنها لم تقم على أساس عرقي بحت، بل على تصور مفاده أن اليهود، على نحو فريد بين الشعوب الخاضعة، رفضوا الاندماج في المجتمع الروماني.[30] فقد تمسكوا بمنظومة خاصة من القواعد والالتزامات الدينية،[34] غالبًا ما أساء الرومان فهمها أو لم يستحسنوها،[30] كما حافظوا على ولائهم لدينهم. وقد أثارت هذه الخصوصية، إلى جانب رفضهم التخلي عن عاداتهم لصالح العادات الرومانية حتى بعد إخضاعهم،[34] الشكوك والريبة لدى الرومان.[30]

العصور القديمة

[عدل | عدل المصدر]

العصور القديمة الكلاسيكية

[عدل | عدل المصدر]

أساطير التأسيس ورومان الجمهورية

[عدل | عدل المصدر]
جدارية لمشهد وليمة رومانية من هيركولانيوم، إيطاليا، نحو 50 ق.م.

كان تأسيس رُوما، وتاريخ المدينة وأهلها في قرونها الأولى، مشوبين بالأسطورة والغموض. فالتاريخ التقليدي لتأسيس رُوما، وهو سنة 753 ق.م، والتاريخ التقليدي لقيام الجمهورية الرومانية، وهو سنة 509 ق.م، يظلان غير يقينيين وتغلب عليهما الصبغة الأسطورية، وإن شاع استعمالهما حتى في الكتابات التاريخية الحديثة.[35][ج] وقد جمعت الأساطير المحيطة بتأسيس رُوما، وربما خلطت، بين روايات مختلفة؛ من أصول الشعب اللاتيني في عهد ملك يُدعى لاتينوس، إلى إيفاندر[الإنجليزية] من بالّانتيوم[الإنجليزية]، الذي قيل إنه أدخل الثقافة اليونانية إلى إيطاليا، ثم الرواية التي تجعل الأصل طرواديًا عبر شخصية البطل إينياس. أما المؤسس الأسطوري الفعلي للمدينة نفسها، رومولوس، فلا يظهر إلا بعد أجيال كثيرة داخل هذه الشبكة المعقدة من أساطير التأسيس. وقد اختلف مؤلفو العصور القديمة في تفسير هذه الأساطير،[د] لكن معظمهم اتفقوا على أن حضارتهم نشأت من مزيج من المهاجرين والفارين. وكانت روايات الأصل هذه تمهّد، في ما بعد، لعمليات واسعة من إدماج الأجانب في العالم الروماني.[40]

أما أصول الجماعة التي صار أفرادها أوائل الرومان فهي أوضح. فكما في دول المدن المجاورة، تألف الرومان الأوائل في معظمهم من شعوب إيطاليقية ناطقة باللاتينية،[41][42] عُرفت باسم اللاتين. وكان اللاتين شعبًا ذا طابع متوسطي واضح، يرتبط بشعوب إيطاليقية مجاورة أخرى، مثل الفاليسكيين[الإنجليزية].[43] وكان الرومان الأوائل جزءًا من موطن اللاتين، المعروف باسم لاتيوم[الإنجليزية]، وكانوا هم أنفسهم لاتينيين. وبحلول القرن السادس قبل الميلاد، كان سكان رُوما قد غزوا ودمّروا سائر المستوطنات والجماعات اللاتينية، مثل أنتمنة[الإنجليزية] وكولاتيا[الإنجليزية]، كما أنهوا هيمنة ألبا لونغا، التي كانت قد وحّدت الشعب اللاتيني تحت زعامتها. ومنذ ذلك الحين انتقلت هذه الزعامة إلى رُوما.[44]

ومنذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، حققت رُوما سلسلة من الانتصارات مكّنتها بحلول سنة 270 ق.م من حكم إيطاليا كلها جنوب نهر بو. وبعد فتح إيطاليا، خاض الرومان حروبًا ضد القوى الكبرى في عصرهم: قرطاج في الجنوب والغرب، والممالك الهلنستية المختلفة في الشرق. وبحلول منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، كان جميع خصوم رُوما قد هُزموا، وصارت الدول الأخرى تعترف بها قوةً مهيمنة على البحر الأبيض المتوسط.[45] وبحلول أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، كان نحو ثلث سكان إيطاليا جنوب نهر بو قد حصلوا على المواطنة الرومانية، مما جعلهم ملزمين بالخدمة العسكرية، بينما أصبح الباقون حلفاء، كثيرًا ما كانت رُوما تستدعيهم للمشاركة في حروبها.[45] وفي النهاية، مُنح هؤلاء الحلفاء أيضًا المواطنة الرومانية، بعدما قوبل رفض الحكومة الرومانية منحهم إياها بالحرب الاجتماعية. وبعد تلك الحرب، امتدت المواطنة الرومانية إلى جميع سكان إيطاليا جنوب نهر بو.[46] وفي سنة 49 ق.م، وسّع يوليوس قيصر حقوق المواطنة لتشمل سكان غاليا القبلية.[47] ثم ازداد عدد الرومان سريعًا في القرون اللاحقة، مع توسيع نطاق المواطنة مرات أخرى.[47] وكانت هناك عادةً خمس طرائق لاكتساب المواطنة الرومانية: الخدمة في الجيش الروماني، أو تولي منصب في المدن ذات الحق اللاتيني[الإنجليزية]، أو الحصول عليها مباشرةً من الحكومة، أو الانتماء إلى جماعة مُنحت المواطنة دفعةً واحدة، أو أن يكون المرء عبدًا يعتقه مواطن روماني.[48] وكما كان يمكن اكتساب الصفة الرومانية، كان يمكن فقدانها أيضًا؛ كأن ينخرط صاحبها في ممارسات تُعدّ فاسدة، أو يُساق أسيرًا في غارات الأعداء، وإن كان يستطيع استعادة صفته الرومانية إذا عاد من الأسر.[49]

رومان الإمبراطورية المبكرة

[عدل | عدل المصدر]
مجموعة من التماثيل النصفية الرومانية لرجال ونساء، محفوظة في متاحف الفاتيكان في رُوما.

في أوائل الإمبراطورية الرومانية، تكوّن السكان من جماعات ذات أوضاع قانونية متباينة، منها المواطنون الرومان أنفسهم (cives Romani)، وسكان الولايات (provinciales)، والأجانب (peregrini)، وغير المواطنين، مثل المعتقين، أي العبيد المحررين، والعبيد. وكان المواطنون الرومان خاضعين للنظام القانوني الروماني، أما سكان الولايات فظلوا خاضعين للقوانين والأنظمة القانونية التي كانت قائمة في مناطقهم عند ضمّها إلى الحكم الروماني. ومع مرور الوقت، أخذت المواطنة الرومانية تتسع تدريجيًا، وانتقل الناس بانتظام من الفئات القانونية الأقل امتيازًا إلى الفئات الأوفر امتيازًا، فازدادت نسبة الرعايا الذين عُدّوا رومانًا بفضل إدماج سكان الولايات والأجانب.[50] وكانت قدرة الإمبراطورية الرومانية على استيعاب الشعوب الأجنبية من أهم العوامل التي ضمنت نجاحها. ففي العصور القديمة، كان من الأسهل بكثير أن يصبح الأجنبي رومانيًا من أن يصبح عضوًا أو مواطنًا في أي دولة معاصرة أخرى. وقد رأى بعض الأباطرة أنفسهم أن هذه السمة من سمات الدولة الرومانية بالغة الأهمية.[51] فعلى سبيل المثال، أشار الإمبراطور كلوديوس (حكم 41–54 م) إلى ذلك حين سأله مجلس الشيوخ عن قبول الغاليين في عضويته، فقال:[51]

«ما الذي كان سبب هلاك لاكيديمون أو أثينا، على ما كان لهما من قوة عسكرية، سوى سياستهما في إبقاء المغلوبين بعيدين بوصفهم غرباء المولد؟ أما بُعد نظر مؤسسنا رومولوس، فقد كان من شأنه أنه قاتل شعبًا وجعله مواطنًا في اليوم نفسه غير مرة!»[51]

لوحة جدارية رومانية قديمة من الطراز البومبياني الرابع (45–79 م)، محفوظة في المتحف الأثري الوطني في نابولي، إيطاليا.

ومنذ قيام النظام الإمبراطوري المبكر (27 ق.م – 284 م)، استقر البرابرة داخل العالم الروماني واندمجوا فيه. وكان هؤلاء المستوطنون يحصلون على بعض الحقوق القانونية لمجرد وجودهم داخل الأراضي الرومانية، فيصبحون من سكان الولايات، ومن ثم يحق لهم الخدمة في القوات المساعدة، وهي خدمة تفتح لهم بدورها طريق الحصول على صفة المواطن الروماني كاملة. وبفضل هذه العملية السريعة نسبيًا، كان آلاف من البرابرة السابقين يستطيعون أن يصيروا رومانًا في وقت قصير. وقد بلغت هذه السياسة القائمة على الإدماج المباشر ذروتها في الدستور الأنطوني، الذي أصدره الإمبراطور كركلا سنة 212 م، ومنح بموجبه المواطنة لجميع سكان الإمبراطورية الأحرار.[52][53] وأسهم هذا المنح في زيادة كبيرة في عدد من حملوا النومن[الإنجليزية] العائلي «أوريليوس».[54][ه] وبحلول زمن الدستور الأنطوني، كان كثير من سكان الولايات يعدّون أنفسهم رومانًا، وكان الآخرون ينظرون إليهم كذلك. فقد أدّى التوسع الروماني عبر القرون إلى استقرار أعداد كبيرة من المحاربين القدامى وأصحاب الفرص في الولايات. أما المستعمرات التي أسسها يوليوس قيصر وأغسطس وحدهما، فقد شهدت انتقال ما بين 500 ألف ومليون شخص من إيطاليا إلى ولايات رُوما. وفي سنة 14 م، كان ما بين أربعة وسبعة في المئة من الأحرار في ولايات الإمبراطورية يحملون المواطنة الرومانية بالفعل.[47] وإلى جانب المستعمرين، حصل كثير من سكان الولايات أيضًا على المواطنة بمنح من الأباطرة أو بطرائق أخرى.[55]

الإمبراطورية الرومانية سنة 117 م، في أقصى اتساعها.

وفي معظم الحالات، لا يتضح إلى أي مدى كان أغلب المواطنين الرومان الجدد ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم رومانًا، ولا إلى أي مدى نظر إليهم الآخرون كذلك.[7] فبعض سكان الولايات الخاضعة للحكم الروماني لم يعرفوا «الرومان» قبل حصولهم على المواطنة إلا من خلال نظام جباية الضرائب، الذي كان يتسم أحيانًا بالقسر، أو من خلال الجيش. ولم تكن هذه الجوانب قادرة على خلق هوية جماعية جامعة تمتد في أنحاء الإمبراطورية.[56] وقد مثّل منح كركلا للمواطنة تحولًا جذريًا في سياسة الإمبراطورية تجاه سكان الولايات.[57] وربما كانت عقود، بل قرون في حالات كثيرة، من الرومنة بفعل التأثير الثقافي الروماني قد بدأت بالفعل في تكوين هوية رومانية «قومية» قبل سنة 212 م، ثم جاء ذلك المنح ليضفي صفة قانونية على مسار كان قائمًا.[58] لكنه ربما كان أيضًا شرطًا مهمًا لظهور هوية رومانية جماعية أوسع في مرحلة لاحقة. ويرى الفقيه البريطاني توني أونوريه أن هذا المنح أعطى ملايين كثيرة، وربما أغلبية سكان الإمبراطورية، وعيًا جديدًا بأنهم رومان.[57] ومن المرجح أن الهويات المحلية بقيت بعد منح كركلا، وظلت بارزة في أنحاء الإمبراطورية، لكن تعريف المرء نفسه بأنه روماني وفر شعورًا أوسع بالانتماء المشترك، وصار مهمًا عند التعامل مع غير الرومان والتمييز عنهم، مثل المستوطنين والغزاة من البرابرة.[8]

نقش مصري يصوّر الإمبراطور تراجان (حكم 98–117 م؛ إلى اليمين) في هيئة فرعون.

وفي حالات كثيرة، ربط الرومان القدماء هويتهم بالأمور نفسها التي يربطها بها المؤرخون اليوم: الأدب اللاتيني القديم الغني، والعمارة الرومانية المهيبة، والتماثيل الرخامية الشائعة، وتنوع مواضع العبادة، والبنية التحتية الرومانية، والتقاليد القانونية، فضلًا عن الهوية شبه المؤسسية للجيش الروماني. وكانت هذه كلها وسائل ثقافية ورمزية للتعبير عن الهوية الرومانية.[59] ومع أن هوية رومانية جامعة، إلى حد ما، كانت موجودة، فإن الثقافة الرومانية في العصر الكلاسيكي لم تكن متجانسة. كان هناك نسق ثقافي مشترك، استند جزء كبير منه إلى الثقافة الهلنستية السابقة، لكن قوة رُوما قامت أيضًا على مرونتها وقدرتها على استيعاب تقاليد الثقافات الأخرى. فقد تبنّت، مثلًا، ديانات كثير من الشعوب التي غزتها، عبر مزج آلهة المجامع الدينية الأجنبية بآلهة المجمع الديني الروماني. وفي مصر، عُدّ الأباطرة الرومان خلفاء للفراعنة، ويسميهم المؤرخون المحدثون «الفراعنة الرومان»، وصُوّروا بهذه الصفة في الأعمال الفنية والمعابد. كما انتشرت عبادات كثيرة من شرق البحر الأبيض المتوسط وما وراءه إلى أوروبا الغربية خلال مدة الحكم الروماني.[60]

العصور القديمة المتأخرة

[عدل | عدل المصدر]
صورة لامرأة من مصر الرومانية تعود إلى القرن الرابع الميلادي.

كانت مدينة رُوما، التي مثّلت يومًا قلب الهوية الرومانية القديمة، قد فقدت تدريجيًا مكانتها الاستثنائية داخل الإمبراطورية في العصور القديمة المتأخرة.[61] وبحلول نهاية القرن الثالث، صار شأن المدينة يكاد يكون رمزيًا أو فكريًا في المقام الأول، وبدأ عدد من الأباطرة والمغتصبين يحكمون من مدن أخرى أقرب إلى حدود الإمبراطورية.[62] وانعكس تراجع مكانة رُوما أيضًا في نظرة الرومان أنفسهم إلى المدينة. ففي كتابات أمّيانوس مرقيلينوس، الجندي والمؤلف الروماني الناطق باليونانية في القرن الرابع، تُوصَف رُوما كأنها مدينة أجنبية تقريبًا، مع تعليقات تنتقص من فسادها وقذارتها.[61] ولم يكن كثير من الرومان في العصور القديمة المتأخرة يجمعون كل مظاهر الرومانية التقليدية. فقد جاء كثير منهم من ولايات بعيدة أو أقل مكانة، ومارسوا أديانًا وعبادات لم تكن معروفة في رُوما نفسها. كما كان كثيرون منهم يتكلمون «لغات بربرية» أو اليونانية بدلًا من اللاتينية.[63] ولا تذكر إلا نقوش قليلة من العصور القديمة المتأخرة أشخاصًا بصراحة بوصفهم «مواطنين رومانًا» أو «رومانًا». فقبل الدستور الأنطوني، كان الانتماء إلى الرومان علامة تميّز كثيرًا ما يُشدَّد عليها، أما بعد القرن الثالث فصار الوضع الروماني أمرًا مفروغًا منه. ولا يعني هذا الصمت أن الرومانية لم تعد ذات شأن في الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، بل يعني أنها أصبحت أقل تميّزًا من علامات هوية أخرى أكثر تحديدًا، مثل الهويات المحلية، ولم تعد تحتاج إلى إبراز إلا إذا كان الشخص قد صار رومانيًا حديثًا، أو إذا كان وضعه الروماني محل شك.[64] وكان الرأي السائد بين الرومان أنفسهم أن الشعب الروماني، أو populus Romanus، «شعب بحكم الدستور»، بخلاف الشعوب البربرية التي عُدّت gentes، أي «شعوبًا بحكم النسب» أو الجماعة العرقية.[65]

وبما أن الرومانية صارت شبه عامة داخل الإمبراطورية، أخذت الهويات المحلية تزداد بروزًا.[64] ففي الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، كان بوسع المرء أن يعرّف نفسه رومانيًا بوصفه مواطنًا في الإمبراطورية، أو بوصفه منتميًا إلى أحد الأقاليم الكبرى، مثل أفريقيا أو بريطانيا أو الغال أو هسبانيا، أو بوصفه منحدرًا من ولاية أو مدينة بعينها.[66][و] ومع أن الرومان أنفسهم لم يعدّوا هذه المفاهيم متكافئة، فلا فرق جوهريًا بين هذه الهويات الرومانية الفرعية والهويات الجِنسية التي نُسبت إلى البرابرة.[67] وفي بعض الحالات، نسب مؤلفون رومان صفات مختلفة إلى مواطني أقاليم مختلفة من الإمبراطورية؛ ومن ذلك أن أمّيانوس مرقيلينوس كتب عن الفروق بين «الغاليين» و«الإيطاليين».[66] وفي الجيش الروماني المتأخر، كانت هناك أفواج حملت أسماء هويات رومانية فرعية، مثل «الكلت» و«الباتافيين»، إلى جانب أفواج حملت أسماء شعوب بربرية، مثل الفرنجة أو السكسون.[68]

جنود رومان متأخرون، ربما كانوا من أصل بربري، كما يظهرون في نقش من عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (حكم 379–395).

شهد الجيش الروماني في القرن الرابع تغيرات كبيرة، ومرّ بما سماه بعض الباحثين «البربرة»،[68] وهي تُفهم تقليديًا على أنها نتيجة تجنيد أعداد كبيرة من الجنود البرابرة.[69] ومع أن الأصول البربرية كانت نادرًا ما تُنسى، فإن ضخامة الجيش الروماني وطابعه القائم على الكفاءة جعلا دخول المجندين «البرابرة» إلى الجيش، ثم ترقيهم في مراتبه اعتمادًا على المهارة والإنجاز، أمرًا يسيرًا نسبيًا.[70][ز] ولا يتضح إلى أي مدى كان هناك تأثير غير روماني فعلي في الجيش. فمن المحتمل أن أعدادًا كبيرة من البرابرة أُدمجت في الجيش الروماني المعتاد، ومن المحتمل بالقدر نفسه أن يكون قد ظهر، إلى جانب ذلك أو بدلًا منه، نوع من «الذوق البربري[الإنجليزية]» في الجيش، يشبه إلى حد ما الزواف الفرنسيين في القرن التاسع عشر، وهي وحدات عسكرية فرنسية في شمال أفريقيا تبنّت لباسًا وممارسات ثقافية محلية.[68] وقد لا يكون صعود العادات غير الرومانية في الجيش الروماني ناتجًا من ازدياد المجندين البرابرة، بل من تكوين الوحدات الرومانية على حدود الإمبراطورية هوياتها الخاصة المميزة.[72] وفي أواخر الإمبراطورية، كان الرومان من غير العسكريين يستعملون أحيانًا لفظ «بربري» بمعنى عام للإشارة إلى الجنود الرومان المرابطين على حدود الإمبراطورية، بسبب ما كانوا يرونه فيهم من نزعة عدوانية.[73] وأيًا كان السبب، فقد أخذ الجيش الروماني يجسد على نحو متزايد سمات «بربرية» كانت في العصور السابقة تُعد مناقضة للمثال الروماني.[68] وشملت هذه السمات إبراز القوة والتعطش للقتال، وتبنّي استراتيجيات وعادات «بربرية»، مثل البارّيتوس[الإنجليزية]، وهي صيحة قتال جرمانية الأصل، ورفع الإمبراطور المنتخب على ترس[الألمانية]، فضلًا عن التشكيلات القتالية الجرمانية. وقد يكون تبنّي هذه العادات راجعًا، لا إلى البربرة، بل إلى أن الجيش الروماني أخذ ببساطة عادات وجدها نافعة، وهي ممارسة مألوفة. وقد اعتز بعض الجنود البرابرة الذين جُنّدوا في الجيش الروماني بالهوية الرومانية،[ح] بل إن الأصل البربري لبعض أفراد العصر الروماني المتأخر أُهمل تمامًا أحيانًا في العالم الروماني الأوسع.[ط]

رمز كاي رو كما يظهر على تابوت حجري من القرن الرابع، وانتشار المسيحية من سنة 325 م باللون الأزرق الداكن إلى سنة 600 م باللون الأزرق الفاتح.

كانت الديانة دائمًا علامة مهمة من علامات الرومانية. ومع تحوّل المسيحية تدريجيًا إلى الدين الغالب في الإمبراطورية الرومانية خلال العصور القديمة المتأخرة، ثم صيرورتها في النهاية العقيدة القانونية الوحيدة، اضطرت الأرستقراطية الرومانية المسيحية إلى إعادة تعريف هويتها الرومانية بعبارات مسيحية. ولم يمر صعود المسيحية دون أن يلاحظه أو يعارضه المحافظون من النخبة الرومانية الوثنية، بعدما أدركوا أن السلطة تفلت من أيديهم. وتحت ضغط المسيحيين، الذين أخذ موقفهم من الوثنية يزداد عداءً وتشددًا، شدد كثير من هؤلاء على أنهم وحدهم «الرومان الحقيقيون»، لأنهم حافظوا على الدين الروماني التقليدي والثقافة الأدبية الرومانية.[77] وبحسب رجل الدولة والخطيب الروماني كوينتوس أوريليوس سيماخوس (نحو 345–402)، كان الرومان الحقيقيون هم الذين اتبعوا نمط الحياة الروماني التقليدي، بما في ذلك دياناته القديمة، وكان التمسك بهذه الديانات هو ما سيحمي الإمبراطورية في النهاية من أعدائها، كما حدث في القرون السابقة. وعند سيماخوس وأنصاره، لم تكن الرومانية مرتبطة بالمسيحية، بل بماضي رُوما الوثني وبمكانتها قلبًا لإمبراطورية واسعة متعددة الآلهة.[78] ولم تلقَ أفكار سيماخوس قبولًا بين المسيحيين. فقد شن بعض قادة الكنيسة، مثل أمبروسيوس رئيس أساقفة ميديولانوم، هجمات رسمية عنيفة على الوثنية وعلى أفراد النخبة الذين دافعوا عنها. ومثل سيماخوس، رأى أمبروسيوس أن رُوما أعظم مدن الإمبراطورية الرومانية، لا بسبب ماضيها الوثني، بل بسبب حاضرها المسيحي. وطوال العصور القديمة المتأخرة، أخذت الرومانية تتحدد شيئًا فشيئًا بالإيمان المسيحي، حتى صار ذلك في النهاية هو المعيار.[79] كما ارتفعت مكانة المسيحية كثيرًا بعد أن اعتنقها الأباطرة الرومان.[80] وطوال العصور القديمة المتأخرة، نُظر إلى الأباطرة وبلاطاتهم بوصفهم التجسيد الأكمل للرومان.[81]

ومع فقدان الإمبراطورية الرومانية السيطرة على بعض الأقاليم، أو تنازلها عنها، لحكام برابرة مختلفين، أصبح وضع المواطنين الرومان في تلك الولايات موضع تساؤل أحيانًا. فقد كان الأشخاص الذين وُلدوا مواطنين رومانًا في مناطق خضعت لاحقًا لسيطرة برابرة عرضةً للتحيز نفسه الذي كان يُوجَّه إلى البرابرة.[82][ي] وعلى امتداد تاريخ الإمبراطورية الرومانية، وصل رجال من معظم ولاياتها تقريبًا إلى الحكم أباطرةً. ولذلك ظلت الهوية الرومانية سياسية لا عرقية، ومفتوحة أمام أناس من أصول مختلفة. وقد حال هذا الطابع للهوية الرومانية دون ترسخ «هوية مركزية» قوية للرومان في إيطاليا، لكنه أسهم على الأرجح في دوام الدولة الرومانية ونجاحها على المدى الطويل. وتزامن سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية مع أول مرة يستبعد فيها الرومان جماعة أجنبية مؤثرة داخل الإمبراطورية، هم القادة العسكريون البرابرة أو المنحدرون من أصل بربري في القرن الخامس، من الهوية الرومانية ومن الوصول إلى العرش الإمبراطوري الروماني.[83]

التاريخ اللاحق

[عدل | عدل المصدر]

يسّر اتساع الإمبراطورية الرومانية انتشار الهوية الرومانية في رقعة واسعة من الأراضي لم تكن لها من قبل هوية مشتركة، ولم تعرف هوية كهذه بعد ذلك. وكان أثر الحكم الروماني في الهويات الشخصية لرعايا الإمبراطورية كبيرًا، حتى إن الهوية الرومانية الناتجة من ذلك بقيت قائمة قرونًا بعد زوال السيطرة الإمبراطورية الفعلية.[85]

أوروبا الغربية

[عدل | عدل المصدر]

الاستمرار المبكر للهوية الرومانية

[عدل | عدل المصدر]
لوح قنصلي مزدوج لروفيوس غيناديوس بروبوس أوريستيس، وهو قنصل روماني عُيّن في الفترة التي كانت فيها رُوما خاضعة للحكم القوطي الشرقي.

منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في أواخر القرن الخامس حتى حروب الإمبراطور جستنيان الأول في القرن السادس، غلب على بنية المجتمعات في الغرب جيش يكاد يكون بربريًا بالكامل، إلى جانب إدارة مدنية وأرستقراطية تكادان تكونان رومانيتين بالكامل.[86] وسعى الحكام البرابرة الجدد إلى إظهار أنفسهم حكامًا شرعيين داخل الإطار الروماني،[87] وكان ادعاء الشرعية قويًا بوجه خاص بين حكام إيطاليا.[88] فقد كان ملوك إيطاليا الأوائل، أودواكر ثم ثيودوريك العظيم، من الناحية القانونية والظاهرية نوابًا للإمبراطور الشرقي، ومن ثم مندمجين في الحكومة الرومانية. وكما فعل الأباطرة الغربيون قبلهم، واصلوا تعيين قناصل غربيين، وكان هؤلاء يُقبَلون في الشرق وعند الملوك البرابرة الآخرين.[89] كما منح البلاط الإمبراطوري في الشرق ألقابًا وتشريفات مختلفة لحكام برابرة أقوياء في الغرب، وفسرها هؤلاء الحكام على أنها تعزز شرعيتهم، ثم استخدموها لتبرير التوسع في أراضٍ جديدة.[90] وفي أوائل القرن السادس، كاد كلوفيس الأول ملك الفرنجة وثيودوريك العظيم ملك القوط الشرقيين يخوضان حربًا بينهما، وكان من الممكن أن يؤدي ذلك الصراع إلى إعادة تأسيس الإمبراطورية الغربية تحت حكم أحدهما.[91] وخشيةً من هذا الاحتمال، لم يمنح البلاط الشرقي بعد ذلك حكام الغرب تشريفات مماثلة، بل بدأ يؤكد شرعيته الرومانية الحصرية، وهو نهج استمر عليه طوال تاريخه اللاحق.[90][91]

وعلى المستويين الثقافي والقانوني، ظلت الهوية الرومانية بارزة في الغرب قرونًا،[92] وظلت تمنح حوض البحر الأبيض المتوسط شعورًا من الوحدة.[82] فقد حافظت المملكة القوطية الشرقية في إيطاليا على مجلس الشيوخ الروماني، الذي كثيرًا ما هيمن على السياسة في رُوما،[93] وهو ما يبيّن استمرار المؤسسات والهوية الرومانيتين وبقاء احترامهما.[94] وواصل الملوك البرابرة استخدام القانون الروماني طوال أوائل العصور الوسطى،[92] وكثيرًا ما أصدروا مجموعات قانونية خاصة بهم. وتُظهر المجموعات القانونية التي أصدرها القوط الغربيون في إسبانيا والفرنجة في بلاد الغال في القرن السادس أن أعدادًا كبيرة من السكان في تلك المناطق ظلت تعرّف نفسها بوصفها رومانية؛ إذ كانت تلك المجموعات تميّز بين البرابرة الذين يعيشون وفق قوانينهم الخاصة، والرومان الذين يعيشون وفق القانون الروماني.[92] وحتى بعد أن فتح اللومبارديون إيطاليا في أواخر القرن السادس، دلّ استمرار الإدارة والحياة الحضرية في شمال إيطاليا على بقاء المؤسسات والقيم الرومانية.[94] وظل ممكنًا في الغرب، حتى القرنين السابع والثامن، أن يصبح غير المواطنين، مثل البرابرة، مواطنين رومانًا. وتشرح عدة وثائق قوطية غربية وفرنجية باقية مزايا الحصول على المواطنة الرومانية، كما توجد سجلات لحكام ونبلاء أعتقوا عبيدًا وجعلوهم مواطنين.[95] ومع ذلك، كانت الهوية الرومانية في تراجع حاد بحلول القرنين السابع والثامن.[k]

الجمهورية الرومانية

[عدل | عدل المصدر]

تاريخ سياسي

[عدل | عدل المصدر]

كانت الحرب إحدى أهم جوانب الحياة الرومانية القديمة، فكان الرومان يشاركون في الحملات العسكرية كل عامٍ تقريبًا، وكانت طقوس إعلان بداية ونهاية مواسم الحملات وانتخابات كبار القضاة (منصب يعادل قادة الجيش) تحدث في حلبة مارس (كامبوس مارتيوس، ومارس هو إله الحرب لدى الرومان). أُلزم كافة المواطنين الرومان بأداء الخدمة العسكرية، فكان أغلب الشباب يخدمون عدة سنوات. بإمكان كافة الجنود اكتساب مكافآت ومراتب شرف تقديرًا لبسالتهم وشجاعتهم في المعركة، لكن أعلى مكافأة عسكرية كانت احتفال النصر الروماني، وهو مخصص للقادة والجنرالات. خلال القرون القليلة الأولى من تاريخ المدينة، لم تحقق الأعمال الحربية الرومانية نجاحًا ساحقًا، فكانت معظم الحملات عبارة عن اشتباكات صغيرة مع دول المدن اللاتينية الأخرى في الجوار المباشر، لكن بدءًا من منتصف القرن الرابع قبل الميلاد وما بعد، حقق الرومان سلسلة من الانتصارات أدت إلى بسط سيطرتهم على كامل إيطاليا جنوب نهر بادي بحلول العام 270 قبل الميلاد.[45]

ملاحظات

[عدل | عدل المصدر]
  1. 1 2 كانت اللغتان الرسميتان لـالإمبراطورية الرومانية هما اللاتينية واليونانية.[1]
  2. على الرغم من أن الرومان لم يكونوا مجموعة عرقية تشترك في نفس السلالة الجينية، إلا أنه يمكن، حسب ديمن (2021) وباحثين آخرين، اعتبارهم إثنية بمعنى "هوية اجتماعية قائمة على التمايز عن الآخرين، وتتميز بصلة قرابة مجازية أو افتراضية".[4]
  3. كان تيتوس بومبونيوس أتيكوس، الباحث في الآثار القديمة، أول من اقترح سنة 753 ق.م تاريخًا لتأسيس رُوما، ثم أخذ بها العالم ماركوس تيرينتيوس فارو، فصارت تُعرَف باسم «التسلسل الزمني الفاروني».[36][35] ومع ذلك، طُرحت في العصور القديمة نفسها تواريخ أخرى لتأسيس المدينة وقيام الجمهورية.[35] ولم يحظَ تسلسل أتيكوس وفارو بقبول عام إلا بعد زمن طويل من اقتراحه أول مرة.[35] وتتراوح التواريخ التي ذكرها مؤلفون قدماء آخرون بين سنتي 814 و729 ق.م.[37] وفي أقدم الروايات اليونانية عن التاريخ الروماني، التي صيغت في القرن الخامس قبل الميلاد، اعتقد اليونانيون أن رُوما أقدم من مستعمراتهم في غرب البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يضع تأسيس المدينة قبل القرن الثامن قبل الميلاد. وليس هذا التاريخ المبكر مستحيلًا، إذ تؤكد الأدلة الأثرية في رُوما أن الموقع كان مأهولًا على الأقل قبل سنة 753 ق.م.[38]
  4. حاول بعض المؤلفين الرومان، مثل ليفي (64/59 ق.م – 12/17 م)، أن يجمعوا أساطير التأسيس في روايات واضحة نسبيًا، في حين ترك آخرون، مثل مؤلف كتاب "أصل الشعب الروماني[الإنجليزية]" في القرن الرابع الميلادي، مواضع التناقض قائمة دون حسم.[39]
  5. وعلى الرغم من أن اسم «كركلا» راسخ في الكتابات التاريخية الحديثة، فإنه لم يكن سوى لقبٍ للإمبراطور، أما اسمه الحقيقي فكان ماركوس أوريليوس سيفيروس أنطونينوس.[54]
  6. عرّف المؤرخ الغالي الروماني غريغوريوس التوري[الإنجليزية]، في القرن السادس، نفسه في كتاباته على نحو متكرر بأنه «أرفرني» لا روماني. ومع أن غريغوريوس قلّما ناقش الهويات العرقية في كتاباته، ولم يشر إلا إشارات قليلة إلى شعوب بربرية مختلفة، فإن أنماط الهوية التي بدت ذات شأن كبير عنده كانت civitas، أي المدينة أو المستوطنة التي ينتمي إليها المرء، وducatus، أي إقليم أوسع قليلًا، مثل منطقة شامبانيا.[67]
  7. كان إدخال العناصر البربرية في الجيش الروماني يسبب أحيانًا حرجًا، بسبب الصور النمطية المعادية للبرابرة التي كانت سائدة. ففي الحرب الأهلية التي دارت في القرن الرابع بين ثيودوسيوس الأول (حكم 379–395) وماغنوس مكسيموس (حكم 383–388)، كان جيش ماغنوس مكسيموس مؤلفًا من جنود رومان فقط، في حين عزّز ثيودوسيوس المنتصر قواته بجنود قوط. وبسبب الصورة السلبية عن البرابرة، وصف الخطيب المادح لاتينيوس باكاتوس دريبانيوس[الإنجليزية] (نشط 389–393) قوات مكسيموس بأنها «فقدت» رومانيتها لأنها اتبعت مغتصبًا للعرش، في حين شدّد على الصفات الرومانية في الجنود القوط. ومع ذلك، وعلى الرغم من ولائهم، لم يصفهم باكاتوس قط بأنهم «رومان»، بل قال إنهم، على غير المألوف في البرابرة، أظهروا وفاءً وانضباطًا وطاعةً للأوامر. ومع أن طبيعتهم البربرية تُذكر مرارًا، فإن الصفات الرومانية التي أظهرها المحاربون القوط جعلت جيش ثيودوسيوس، في نظر باكاتوس، جيشًا رومانيًا في جوهره. وبحسب باكاتوس، عفا ثيودوسيوس عن بقية جنود مكسيموس بعد هزيمة مغتصب العرش، وبذلك صاروا رومانًا من جديد. وهكذا رأى باكاتوس أن الفضيلة واتباع القائد الروماني الشرعي يكفيان، لمن وُلدوا داخل الإمبراطورية، ليكونوا رومانًا؛ أما الجنود البرابرة الذين أظهروا الصفات نفسها، فلم يكن ذلك كافيًا لهم.[71]
  8. فعلى سبيل المثال، يرد في نقش جنائزي من القرن الثالث في بانونيا: Francus ego cives Romanus miles in armis، ومعناه: «أنا فرنجي، مواطن روماني، وجندي في السلاح».[74]
  9. أما الأصل البربري لفلافيوس ستيليكو (نحو 359–408)، الذي كان أبوه ونداليًا وأمه رومانية، وكان وصيًا على الإمبراطورية الرومانية الغربية في أوائل عهد هونوريوس (حكم 393–423)، فلم يكن موضع جدل إلا بعد سقوطه من الحظوة وإعدامه سنة 408.[75] وخلال مدة وصايته، قورن ستيليكو مرارًا بأبطال الجمهورية الرومانية القديمة، مثل سكيبيو الإفريقي.[76]
  10. وُلد أوريستيس، وهو من أبرز شخصيات العصر الروماني المتأخر، مواطنًا رومانيًا في بانونيا، وكانت اللاتينية لغته الأم. وفي ثلاثينيات القرن الخامس، تنازلت الإمبراطورية عن بانونيا لأتيلا الهوني، فالتحق أوريستيس بخدمته كاتبًا. ومع أنه لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن أوريستيس نفسه شك يومًا في رومانِيّته، فإن فقدان ولايته الأصلية لصالح البرابرة، وارتباطه الشخصي بأتيلا، جعلاه عرضة للتحامل نفسه الذي كان يوجَّه إلى غير الرومان والبرابرة. وتشير بعض الأخبار إلى أن أوريستيس استاء من معاملته في البلاط الإمبراطوري معاملةً أدنى من معاملة المحاربين الهون الذين رافقوه.[82] ومع ذلك، ظل أوريستيس روماني النظرة في جوهره، ثم أصبح مع الوقت قائدًا في جيش الإمبراطورية. وفي سنة 475، نصّب أوريستيس ابنه رومولوس أوغستولوس آخرَ إمبراطور للإمبراطورية الرومانية الغربية.[81]

المراجع

[عدل | عدل المصدر]

الاستشهادات

[عدل | عدل المصدر]
  1. Rochette 2012، صفحة 553.
  2. 1 2 Stouraitis 2018، صفحة 127.
  3. Gruen 2014، صفحة 426.
  4. 1 2 Diemen 2021، صفحة 47.
  5. Darling Buck 1916، صفحة 51.
  6. Faniko & Karamuço 2015، صفحة 3.
  7. 1 2 Hope 1997، صفحة 118.
  8. 1 2 Milavec 2020، صفحات 91–92.
  9. Pohl 2014، صفحة 417.
  10. 1 2 3 Revell 2009، صفحة x.
  11. Pohl 2018، صفحة 8.
  12. Hope 1997، صفحات 118–119.
  13. Pohl 2018، صفحة 4.
  14. 1 2 Arno 2012، صفحة 12.
  15. 1 2 3 Dench 2010، صفحة 7.
  16. Gruen 2013، صفحة 4.
  17. Stouraitis 2018، صفحة 137.
  18. 1 2 Arno 2012، صفحة 57.
  19. Arno 2012، صفحة viii.
  20. 1 2 Gruen 2014، صفحة 5.
  21. 1 2 Gruen 2014، صفحة 4.
  22. 1 2 Dench 2010، صفحة 8.
  23. 1 2 Thompson 1993.
  24. Snowden 1997، صفحات 40–41, 50–51.
  25. 1 2 Rubel 2020، صفحة 11.
  26. Śliżewska 2018، صفحة 34.
  27. Caló Levi 1952، صفحات 27, 31.
  28. Rubel 2020، صفحة 4.
  29. Rubel 2020، صفحة 9.
  30. 1 2 3 4 5 Rubel 2020، صفحة 10.
  31. Yavetz 1998، صفحة 91.
  32. Yavetz 1998، صفحة 81.
  33. Yavetz 1998، صفحة 96.
  34. 1 2 Yavetz 1998، صفحة 105.
  35. 1 2 3 4 Sanders 1908، صفحة 316.
  36. Forsythe 2005، صفحة 94.
  37. Sanders 1908، صفحات 322–324.
  38. Sanders 1908، صفحة 320.
  39. Pohl 2014، صفحة 410.
  40. Pohl 2014، صفحة 411.
  41. Bradley & Glinister 2013، صفحة 179.
  42. Dawson & Farquharson 1923، صفحة 132.
  43. Dawson & Farquharson 1923، صفحة 135.
  44. Dawson & Farquharson 1923، صفحة 144.
  45. 1 2 3 Rich & Shipley 1995، صفحة 2.
  46. Rich & Shipley 1995، صفحة 3.
  47. 1 2 3 Lavan 2016، صفحة 2.
  48. Lavan 2016، صفحة 7.
  49. Conant 2015، صفحة 159.
  50. Mathisen 2015، صفحة 153.
  51. 1 2 3 Pohl 2018، صفحة 9.
  52. Mathisen 2015، صفحة 154.
  53. Conant 2015، صفحة 158.
  54. 1 2 Lavan 2016، صفحة 5.
  55. Lavan 2016، صفحة 3.
  56. Stouraitis 2014، صفحة 184.
  57. 1 2 Williams 2018، صفحة 18.
  58. Stouraitis 2014، صفحة 185.
  59. Pohl 2014، صفحات 406–407.
  60. Pohl 2014، صفحات 409–410.
  61. 1 2 Pohl 2018، صفحات 9–10.
  62. Omissi 2018، صفحة 14.
  63. Pohl 2018، صفحة [بحاجة لرقم الصفحة].
  64. 1 2 Pohl 2018، صفحة 5.
  65. Pohl 2018، صفحة 7.
  66. 1 2 Halsall 2018، صفحة 49.
  67. 1 2 Halsall 2018، صفحة 46.
  68. 1 2 3 4 Halsall 2018، صفحة 50.
  69. Bileta 2016، صفحة 25.
  70. Bileta 2016، صفحة 26.
  71. Diemen 2021، صفحات 46–54.
  72. Bileta 2016، صفحة 28.
  73. Bileta 2016، صفحات 29–30.
  74. Pohl 2018، صفحة 16.
  75. Sánchez-Ostiz 2018، صفحة 313.
  76. Sánchez-Ostiz 2018، صفحة 320.
  77. Hen 2018، صفحات 61–62.
  78. Hen 2018، صفحة 63.
  79. Hen 2018، صفحة 64.
  80. Hen 2018، صفحة 61.
  81. 1 2 Conant 2015، صفحة 157.
  82. 1 2 Conant 2015، صفحة 156.
  83. Pohl 2014، صفحة 415.