عبارة (صوفية)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
جزء من سلسلة مقالات
التصوف
Semakar white.svg

العبارة عند الصوفية هي تصريح عن معارف وأحاسيس ومشاهدات وتجارب، على خلاف تلميح الإشارة، مردها إلى كثرة ذكر وتدبر المريد وشعوراته وأذواقه ضمن مقام الإحسان.[1]

تعريف[عدل]

العبارة هي إفصاح رمزي من معالم الخطاب الصوفي القائم كذلك على لطف "الإشارة الصوفية"، ضمن خطاب تؤطره روحانية المشهد وبُعد غور المعتقد.[2]

فالعبارة كلام منطوق أو مكتوب يخرج من لب المريد، كما وصفها ابن عطاء الله السكندري:[3]

«كُلُّ كَلاَمٍ (أي: عبارة) يَبْرُزُ، وَعَلَيْهِ كِسْوَةُ الْقَلْبِ الَّذِي مِنْهُ بَرَزَ» – الحكم العطائية

أسبابها[عدل]

تنقسم مسببات بروز العبارة من أفواه وكتابات المريدين إلى قسمين: "التعبير المأذون" و"التعبير المُتكلَّف".[4]

أما فيما يخص التعبير المأذون، فيقول عنه ابن عطاء الله السكندري:[5]

«مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي التَّعْبِيرِ: فُهِمَتْ فِي مَسَامِعِ الْخَلْقِ عِبَارَتُهُ، وَجُلِّيَتْ إِلَيْهِمْ إِشَارَتُهُ» – الحكم العطائية

أي من أذن الله -تعالى- له من العارفين في التعبير عن الحقائق، وهي العلوم الوهبية، فُهِمت في مسامع الخلق عبارته، فلم يفتقروا إلى معاودة ولا تكرار، وجُلِّيت وظهرت إشارته إليهم فلم يحتاجوا إلى إطناب ولا إكثار.[6]

بخلاف غير المأذون له في ذلك، حينما يكون "التعبير مُتَكَلَّفًا" كما يقول عنه ابن عطاء الله السكندري:[7][8]

«رُبَّمَا بَرَزَتِ الْحَقَائِقُ مَكْسُوفَةَ الأَنْوَارِ: إِذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَكَ فِيهَا بِالإِظْهَارِ» – الحكم العطائية

فربما برزت الحقائق التي هي العلوم الوهبية مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك في إظهارها فتمجها الأسماع ولا يحصل بها للسامعين استبصار، وقد كان أبو العباس المرسي يقول:[9]

«كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار. حتى أن الرَّجُلَيْنِ ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وترد على الآخر» – أبو العباس المرسي

وكان يقول:[10]

«الْوَلِيُّ يَكُونُ مَشْحُونًا بِالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَالْحَقَائِقُ لَدَيْهِ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى إِذَا أُعْطِيَ الْعِبَارَةَ: كَانَ كَالإِذْنِ مِنَ اللهِ لَهُ فِي الْكَلاَمِ» – أبو العباس المرسي

أهدافها[عدل]

تنقسم أهداف ظهور العبارة من لدن أفئدة المتصوفة إلى قسمين: "فيض الوجد" و"هداية المريد".[11]

وأبانت إحدى الحكم العطائية عن هذا الفرق حين يقول ابن عطاء الله السكندري:[4]

«عِبَارَاتُهُمْ إِمَّا لِفَيَضَانِ وُجْدٍ، أَوْ لِقَصْدِ هِدَايَةِ مُرِيدٍ. فَالأَوَّلُ حَالُ السَّالِكِينَ، وَالثَّانِي حَالُ أَرْبَابِ الْمَكِنَةِ وَالْمُحَقِّقِينَ» – الحكم العطائية

فعباراتهم التي يعبرون بها عن العلوم والمعارف التي يجدونها في باطنهم لا تكون إلا لأحد أمرين: إما لفيضان وُجد -بضم الواو-، أي لفيضان ما يجدونه في قلوبهم من ذلك، فيخرج قهراً عنهم، وهذا حال السالكين المهديين.[10]

وإما لقصد هداية مريد، وهم أرباب المكنة أي التمكين فيلزمهم ذلك لما فيه من الإرشاد إلى سلوك سبيل الرشاد، فإن عبر السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى.[12]

وإن عبر المتمكن لغير قصد هداية مريد كان من إفشاء السر الذي لم يؤذن له فيه.[13]

فوائدها[عدل]

حينما ينطق العارف بالله -تعالى- ببعض الفتح المغدَق عليه، فإن لذلك بعض الفوائد على المريدين متى توفر الإخلاص ووُجد الصواب.[14]

وقد أوضح ابن عطاء الله السكندري فضل التعبير عن الواردات حينما قال:[4]

«الْعِبَارَاتُ قُوتٌ لِعَائِلَةِ الْمُسْتَمِعِينَ، وَلَيْسَ لَكَ إِلاَّ مَا أَنْتَ لَهُ آكِلٌ» – الحكم العطائية

فالعبارات التي يعبر بها الصوفية عن العلوم والمعارف هي من حيث معناها قوت لأرواح جماعة المستمعين المريدين، كما أن الأطعمة الحسية قوت لأبدان المحتاجين لها.[15]

وهذه الأقوات المعنوية كالأقوات الحسية من حيث إنها تختلف باختلاف الطبائع، فكما أن بعض الأطعمة قد يصلح لشخص دون آخر للاختلاف في الطبيعة والمزاج، فكذلك الأقوات المعنوية منها ما يصلح لواحد دون آخر.[16]

وليس لك إلا ما أنت له آكل، أي إلا ما فهمته عنهم، لاختلاف المذاهب وتباين المطالب، فقد تُلْقَى العبارة على جماعة، فيفهم كل واحد منهم ما لا يفهمه الآخر، وقد يفهم بعضهم من الكلام معنى لم يقصده المتكلم، ويتأثر باطنه بذلك تأثراً عجيباً، وربما فهم منه ضد ما قصده المتكلم.[11]

محاذيرها[عدل]

يعتري التعبير المسترسل عن الأذواق والأسرار والأنوار والمشاهدات العديد من المفاسد والمحاذير.[17]

وجاء التحذير من الإفصاح عن هذه المواجد في ما ورد عن ابن عطاء الله السكندري:[18]

«لاَ يَنْبَغِي لِلسَّالِكِ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ وَارِدَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقِلُّ عَمَلَهَا فِي قَلْبِهِ، وَيَمْنَعُهُ وُجُودَ الصِّدْقِ مَعَ رَبِّهِ» – الحكم العطائية

فلا ينبغي للسالك أن يعبر عن الواردات التي ترد عليه من العلوم الوهبية والأسرار التوحيدية اختياراً منه، بل يصونها عن كل أحد إلا عن شيخه.[14]

فإن إفشاءها والبوح بها للغير يقل عملها في قلبه من التأثير المحمود، فلا يحصل له كمال الانتفاع بها، ويمنعه وجود الصدق مع ربه، لأن النفس تجد عند التعبير بها لذة وانشراحاً فيغلب عليه حظ نفسه.[19]

ذلك أن المريد في حال سيره إلى الله مأمور بالكتمان لعلمه وعمله وحال وارداته، فإفشاؤه لعمله من قلة إخلاصه، وإفشاؤه لأحواله من قلة صدقه مع ربه.[20]

فيديوهات[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ الخطاب الصوفي بين لطف الإشارة ورمزية العبارة – Aqlam Alhind نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ الإشارة والعبارة نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  3. ^ الحكم العطائية - عبد الله الشرقاوي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  4. أ ب ت الموسوعة الشاملة - شرح الحكم العطائية نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  5. ^ حِكمُ ابن عطاءِ السّكندري | طواسين للتصوف والاسلاميات نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  6. ^ شرح الحكم العطائية - الشرنوبي - عبد المجيد بن إبراهيم/الشرنوبي - كتب Google نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  7. ^ جزايرس : حكمة عطائية نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  8. ^ إبعاد الغمم عن إيقاظ الهمم في شرح الحكم - أبي العباس أحمد بن محمد/ابن عجيبة الحسني - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  9. ^ الموسوعة الشاملة - إيقاظ الهمم شرح متن الحكم نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  10. أ ب شرح الحكم العطائية - الشرنوبي - عبد المجيد بن إبراهيم/الشرنوبي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  11. أ ب شرح الحكم العطائية المسمى الهدى للإنسان إلى الكريم المنان- البيومي - علي نور الدين بن حجازي/البيومي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ فقه الهجرة إلى الله في ظلال الحكم العطائية - أحمد الوتاري - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  13. ^ الحكم العطائية - ابن عطاء الله السكندري, دار الكرمة - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  14. أ ب شرح الحكم العطائية - الشرنوبي - عبد المجيد بن إبراهيم/الشرنوبي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  15. ^ الحكم العطائية - عبد الله الشرقاوي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  16. ^ غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية - أبي عبد الله محمد بن عباد/النفزي الرندي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  17. ^ إبعاد الغمم عن إيقاظ الهمم في شرح الحكم - أبي العباس أحمد بن محمد/ابن عجيبة الحسني - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  18. ^ الموسوعة الشاملة - شرح الحكم العطائية نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  19. ^ علم الحرم شرح الحكم - د. إبراهيم بن أحمد مسلم الحارثي - Google Livres نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.
  20. ^ 161 - لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته، فإن ذلك يقل عملها في قلبه و يمنعه وجود الصدق مع ربه نسخة محفوظة 2 نوفمبر 2020 على موقع واي باك مشين.