عبد الله المأمون

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
شعار مراجعة الزملاء
شعار مراجعة الزملاء
هذه المقالة تخضع حاليًّا لمرحلة مراجعة الزملاء لفحصها وتقييمها، تحضيرًا لترشيحها لتكون ضمن المحتوى المتميز في ويكيبيديا العربية.
تاريخ بداية المراجعة 13 أكتوبر 2023
أَميرُ اَلمُؤمِنين
عَبدُ اَلله اَلمأمُون
عَبدُ الله بنُ هارُون بنُ مُحَمَّد بنُ عبدُ الله بنُ مُحَمَّد بنُ عَليّ بنُ عَبدُ الله بنُ اَلعَبَّاس بنُ عَبدَ اَلمُطَّلِب الهاشِميّ القُرَشيّ العَدنانيّ
رَسم تَخَيُلي للخَليفة العبَّاسي أبو العبَّاس عبد الله بن هَارون، المُلقَّب بِالمأمون.

معلومات شخصية
الميلاد 15 رَبيع الأوَّل 170هـ
(14 سبتمبر 786 م)
بَغْداد، الخلافة العبَّاسيَّة
الوفاة 18 رَجَب 218 هـ

(9 أُغُسْطُس 833 م)
(بالهِجْريّ:48 سنة و4 أشهُر و3 أيَّام)

(بالمِيلادِيّ: 46 سنة و 10 أشهُر و 26 يوم)
طَرْسُوس، الخلافة العبَّاسيَّة
سبب الوفاة الحُمَّى
مكان الدفن ضَريح المأموُن، مَرسِين، تُركيَّا
مواطنة الدولة العباسية  تعديل قيمة خاصية (P27) في ويكي بيانات
الكنية أبُو العَبَّاس
أبو جَعْفَر
اللقب المأموُن
العرق عربيٌّ
الديانة مُسْلِمٌ سُنِّيٌّ مُعْتَزَليّ
الزوجة أُمُّ عِيسى بنتُ الهادِيّ
بُوران بنتُ الحَسَن
الأولاد طالع ذُريته
الأب هارُون الرَّشيد
الأم مَراجِل الباذِغِيسيَّة
إخوة وأخوات طالع أُسرتُه
عائلة بنو العباس  تعديل قيمة خاصية (P53) في ويكي بيانات
منصب
الخَليفةُ اَلعَبَّاسيُّ السَّابِع
الحياة العملية
معلومات عامة
الفترة 25 مُحَرَّم 198 - 18 رَجَب 218 هـ
(25 سَبْتَمْبَر 813 - 9 أُغُسْطُس 833 م)
(عُشرون عاماً وخَمْسَة شُهور وثَلاثَةٌ وعُشْرُون يَوماً)
مُحَمَّد الأمين
مُحَمَّد المُعْتَصِم
وليّ العَهد العبَّاسي
الفترة 182 - 195 هـ
(799 - 810 م)
مُحَمَّد الأمين
القاسِم المُؤتَمِن
السلالة عبَّاسيُّون
المهنة خليفةُ المُسْلِمين، وعالِم، وشاعر، وأديب
اللغة الأم العربية  تعديل قيمة خاصية (P103) في ويكي بيانات
اللغات العربية  تعديل قيمة خاصية (P1412) في ويكي بيانات


أمِيرُ اَلْمُؤْمِنِين وَخَلِيفَةُ المُسْلِمِين وَالإمَامُ اَلْعَالِم أَبُو اَلْعَبَّاس عَبْدُ اَللَّهْ اَلْمَأْمُون بن هَارُونْ اَلرَّشِيد بن مُحَمَّد اَلْمَهْدِي بن عَبْدِ اَللَّهْ اَلْمَنْصُور اَلْعَبَّاسِي اَلْهَاشِمِيِّ اَلْقُرَشِيِّ (الخامِس عَشَر مِن رَبيع الأوَّل 170 - التَّاسِع عَشَر مِن رَجَب 218 هـ / الرَّابِع عَشَر مِن دِيسَمْبَر 786 - التَّاسِع مِن أُغُسْطُس 833 م)[1]، المعرُوف اختصارًا بإسم المأمُون، هو سابِِع خُلفاء بَني العبَّاس، والخَليفة السَّادس والعشرُون في ترتيب الخُلَفاء بعد النبيُّ مُحَمَّد، حَكَم دَوْلة الخِلافَة العَبَّاسيَّة مِن عام 198هـ / 813 م حتى وفاتُه عام 218هـ / 833م، بعد أن خلف أخيه غير الشقيق مُحَمَّد الأمين، وذلك بعد حربٍ أهليَّة استمرت لثلاثَةِ أعوام لأسباب كثيرة، حتى استطاع نيل مَنْصِب الخِلافَة.

وُلِد المأمُون في الياسريَّة مِن العاصِمة العبَّاسيَّة بَغْداد، حيث تلقَّى تعليمًا جيدًا مُنذ صِغَره، كان فَطِنًا، ومُثقفًا، ومعروفًا بسُرعة البَديهة، وبعد وُصوله إلى منصب الخِلافَة، ورث المأمُون بِلاداً مُترامية الأطراف، فقد امتدَّ أرجاء حُكمِه من بِلاد ما وراء النَّهر و السَّند شَرقاً، حتى إفريقية غرباً، ومن اليَمَن جُنوباً، حتى آران وبِلاد الكرج شمالاً، وقد واجه الخليفةُ المأمُون العديد من الثَّورات والاضطِّرابات والتحديات التي عَصَفت في البِلاد، فقد ظهر الخُرَّمية بقيادة بابَك الخُرَّمي في بِلاد أذَرُبَيجان، وثَورة الأقْباط في مِصْر، وخلعه مِن قبل أهالي بَغْدَاد وتعيينهم عمِّه إبراهِيم بن المِهدي، وثورة أبُو السَّرايا الشيباني العَلويَّة، وغيرها من القلاقِل والتَّمرُّدات التي هدَّدت حُكمِه ونُفوذه، إلا أنه استطاع احتواء بعضها عبر سياسات حكيمة، والقضاء على مُعظمها بالقُّوة العسكريَّة.

تفرَّد عَهد المأمُون بتشجيع مُطلق للتقدُّم العِلمي وحركة التَّرجَمَة وازدياداً للمعرفة، من فلسفة وطُب ورياضيات وعِلم الفَلَك، وكان لهُ اهتِمام خاص بعلوم الإغريق، وللخليفة المأمُون اليدُ الطُّولى في دعم بيت الحكمة في بَغْداد، والتي كانت من أكبر جامِعات عصرِها، وطُوِّر اَلْأَسْطُرْلَابُ في عَهدِه تطويراً كبيراً، وحاول العُلماء بدعمِه، قياس مُحيط الأرض، ما يُدلّ على الاعتِراف بكُرَويَّتها من ناحية، وتطوُّر المجال العِلميّ من ناحية أُخرى[وب 1]، وقد تكون حركة التَّرجَمَة التي رعاها هو وحاشيته وولاته، مِن أبرز سمات عهده، إذ ازدادت كمية النقل خلالها للعلوم والآداب السريانيَّة، والفارسيَّة، واليونانيَّة إلى العربيَّة[وب 2]، حيث اكتسبت من خلاله اللُّغة العربيَّة مكانة مرموقة وبلغت مبلغاً عظيماً[وب 2]، إذ تحولت من لغة دينٍ وشعرٍ وأدب، إلى علمٍ وطُب وفلسفةً، وذلك لأنه شارك فيها بنفسه، ويُعزى إلى أيام خِلافَتِه ببداية العَصْر الذَّهَبيُّ للإسلام.[2]

عَهد بولاية العَهد مِن بَعده للإمام عليُّ الرِّضا، وهو الإمام الثَّامن حسب فُرُق عديدة مِن الشيعة، وتبنَّى عَلى إثرِه، الرَّايات الخُضُر بدلاً من السُّود، إلا أنه بعد سنتين، وعلى إثر وفاة الرِّضا، عاد إلى لِباس ورايات بني العبَّاس الأسود، ولم يُعيَّن وليَّاً للعهد مِن بعده حتى احتِضاره.

زار المأمُون عددًا من البُلدان، مِثل خُراسان، والجَزيرة، ومِصْر، وبلاد الشَّام في فترات عديدة، كما قام بشن ثلاثُ حملات جِهاديَّة واسعة النطاق ضد الإمبراطورية البيزَنطيَّة في أواخر أيَّامه، وقد عُرف المأمُون بدعمه لمذهب المُعْتَزِلة في آخر سِنين حياتِه، في فترة عُرفت بمحْنَة خَلْق القُرآن.

تُوفي المأمُون في طرسُوس، والتي تقع من منطقة الثُّغور، في شِمال بلاد الشَّام ودُفن بِها، وذلك أثناء تجهيزه لحملة جِهاديَّة جديدة ضد الرُّوم، في التَّاسِع عَشَر مِن رَجَب 218هـ/ التَّاسِع مِن أُغُسْطُس 833م، وأولى بالعَهْد لأخيه مُحَمَّد المُعتَصم بالله أثناء اِحتِضارِه بعد تأخر حُضور ابنه العَبَّاس، وقُد عرف عن المُعْتَصِم استمراره على نُهج أخيه إلى حدٍ ما، وذلك في جِهاد الرُّوم، وإنهاء الخُرَّمية، ودعم الفكر المُعتَزَلي.

نشأته[عدل]

نسبه[عدل]

هو عبدُ الله المأموُن بن هارُون الرَّشيد بن مُحَمَّد المِهديّ بن عَبدُ الله اَلمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بن عَبدِ الله بن العَبَّاس بن عَبد المُطَّلِب بن هاشِم بن عَبد مَناف بن قُصي بن كِلاب بن مُرة بن كَعب بن لُؤي بن غالِب بن فَهر بن مالِك بن النَّضر بن كِنانة بن خُزَيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مَضَر بن نِزار بن مُعد بن عدنان.

والدهُ هو الخليفة العبَّاسي الخامس هارُون الرَّشيد، وكان قد نالَ منصب الخِلافَة بعد أخيه مُوسى الهادي في يوم وِلادة المأمُون.[3]

والدتُه هي مَراجِل بنت أُسْتاذ سيس، وهي جارية باذغيسيَّة[4][5]، ويُقال أنها فارسيَّة، وعلى كُل حال فهي امرأة خُراسانيَّة، وكان والِدُها ثائراً على الخِلافَة في زمن الخليفة أبُو جَعْفَر المَنْصُور، وقيل أنهُ ادَّعى النُبوَّة، حتى قضى على ثورته القائد العبَّاسِي خازم بن خُزَيْمة التَّميميّ في سنة 150 هـ / 767 م، أيّ قبل تَسعة عَشر عاماً من وِلادة المأمُون.[6]

ولادته[عدل]

كانت الزَوْجَة الأوُلى للخليفة هارُون الرَّشيد، زُبَيْدَة بنتُ جَعْفَر الأكْبَر، لم تكُن قد حَمَلت بعد، وطالَ أمدُ ذلك، فاشْتَكى الرَّشيد إلى بعض خواصِه، ونصحهُ بأن ينظُر إلى جوارِيه، وكان الرَّشيد قد دخل يوماً إلى المَطْبَخ، فرأى مَراجِل، والتي كانت تعْمَل كطابِخة، فأعْجَبَتْه، وعلِمَت زُبَيْدَة بالأمْر، وأنَّ مَراجِل قد حَبَلت بَعْدها بِفَترة، وما هي إلَّا أيَّام حتى حَبَلت زُبَيْدَة بمُحَمَّد الأمين.[5]

وُلد عبدُ الله في لَيلةِ الجُمعَة، يوم الخامِس عَشْر مِن رَبيع الأوَّل 170 هـ / الرَّابِع عَشَر مِن سَبْتَمْبَر 786 م[1]، في قريةٍ على ضَفَّة نهر عيسى، تُسمَّى الياسريَّة، بينها وبين العاصِمة بَغْداد ميلان فقط، حيثُ كان يُقيم فيها والِدَهُ الرَّشيد، حينما كان يُواجه ضُغوطات مِن أخيه الخليفة مُوسى الهادي، في مُحاولاته لِسلب حَقِّهِ في الخِلافَةِ مِن بعده[4]، وكان ميلاد المأمُون، هو اليَوم نَفسُه، الذي مات فيه عمّه الخليفة الهادي، وهو اليوم ذاتُه، الذي ولي فيه والده حُكم الخِلافَة، وهي ليلة سُميت بليلة الخِلافَة[3] أو ليلَة الخُلَفاء لأنَّهُ فيها مات خليفة وتولَّى الحُكم خليفة ووُلد خليفة[وب 3]، ويبدو أنهُ كان بمَثابَة بُشرة خَير لأبيه، فقد وُلِدَ في يوم اِنتهاء مِحنته مع أخيه الهادي، كما أنَّهُ أول ذكرٍ يُولِدُ له[7]، وكانت أُمَّهُ قد توفَّت في فترة نفاسها به، مما جعلهُ ينشأ يتيم الأُم.

طفولته[عدل]

كان عَبدُ الله طِفلًا ذكيًا منذ نُعومةِ أظافره، وكان والِدهُ يُؤثِرهُ على إخوَتِه، وكَنَّاه أبو العبَّاس، ومعّ ذلك، كانت عِلاقتهُ جيدة مع جميعُ إخوَتِه بمن فيهُم مُحمد، إلَّا أنه كان يُحب أخوه أبو عيسى حُبًا شديدًا.[8] وقد دخل الرَّشيد عليه ذات مرَّة، فوجدهُ يقرأ كِتاباً، فقال: ما هذا؟ فرد عَبدُ الله: «كتاب يشحذ الفِكرة، ويُحسّنُ العشرة»، فقال الرَّشيد: «الحمدُ لله الذي رزقني من يرى بعين قلبِه، أكثر مما يرى بعينِ جِسمه».[9]

أدَّبهُ العالِم اللُّغويّ يحيى بن المُبارك اليَزيديّ، وكان مُعجباً بذكاء عَبدُ الله وقُوُّة شخصيَّتِه ورزانته منذُ كان صغيراً[8]، وساهم في تنشئتِهِ، حيثُ علَّمهُ الأدَب والعِفَّة وحُسنَ الخُلُق، ولم يكُن يتورَّع عن تقويمِهِ بالعَصا إن لَزِمَ الأمر، وكان عَبدُ الله، وبالرُّغمِ مِن أنه ابنُ خَليفة، يعلَم أنَّهُ يحتاجُ للتَعليم.[10]، حيث يَروي مُؤدِبهُ اليَزِيديّ ما يُدل على عَبدُ الله ووَعيه مُنذ طُفولتِه، فقال: «كُنتُ أؤدب المأمُون، وهو في كفالة سعيد الجوهريّ، فجئت دار الخِلافَة، وسعيد قادمٌ إليها، فوجهتُ إلى المأمُون بعض خدمِه يعلمه بمكاني، فأبطأ عليّ -أي تأخَّر-، ثُم وجهت آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى رُبما تشاغل بالبطالة وتأخر، فقال: أجل! ومع هذا فإنه اذا فارقك تعرَّم على خدمِه، ولقوا منه أذىً شديداً، فقوِّمهُ بالأدب (أي بالضَّرب الغير مُبرِح)، فلما خرج -أي المأمُون- تناولتُه ببعض التأديب، فإنه ليدلُك عينيه من البكاء»، وفي هذه الأثناء، جاء نبأ بقدُوم الوزير جَعْفَر بنُ يَحيى البرمَكيّ، وحينما علِم عَبدُ الله بذلك، أخذ منديلاً ومسح عينيه، وجمع ثيابُه، وقام إلى فراشِه وقعد مُتربعاً، ثُم أذِن عَبدُ الله للوزير جَعْفر بالدُخول، وبعد أن انتهى من مُحادثتُه، وكان اليزيدي مِن خوفِه، ذهَب إلى عَبدُ الله وحاول إضحاكه حتى ضحِك ثُم ترك المجلس، وبعد أن غادر الوزير، دعا عَبدُ الله اليَزيديّ، وأشار لهُ بأن يُكمل بقيَّة تأديبه! فقال لهُ اليَزيديّ: «أيها الأمير، أطال الله بقاءك! لقد خِفتُ أن تشكوني إلى جعفر ابن يِحيى، ولو فعلت تتنكَّر لي»، فأجابَهُ عَبدُ الله: «تُراني يا أبا مُحَمَّد كُنتُ اطّلِعُ الرَّشيد على هذه! فكيف بجعفر بن يحيى حتى أُطَّلِعُه على أنني أحتاجُ إلى أدَب! خُذ في أمرِك، عافاك الله! فقد خطر ببالك ما لا تراهُ أبداً، ولو عُدتَ إلى تأديبي مائة مرة!».[11]

صباه[عدل]

كانت السيَّدة زُبيدة بنتُ جَعفر، تشعُر بحُب زوجِها الرَّشيد لعبدُ الله، وعطفِهِ الزائد عليه أكثر بكثير مِما كانت تشعُر بِهِ مِنْه تِجاه ابنهُما مُحمَد، وقد نالتها الغيرة مِن ذلك، فشكَت ذلك إلى الرَّشيد، وكانت تُعاتِبهُ على ذلك دائماً، وقد نُقِلت حادثة شَهيرة عن ذلك، ففي يومٍ من الأيَّام، قال لها الرَّشيد: «تُريدين أن أُعرَّفكِ الفَرق بين مُحَمَّد وبين عبدُ الله ؟» فأجابت: «الأمرُ لَك»، فدعا خادِمَين وقال لأحدهما: «امضِ إلى مُحمد واجلُس عِنده وانبسط في الحديث ثم قل له في أثناء كلامك: يا سيّدي إذا أفضت الخِلافة إليك ماذا تصنعُ معي؟» وقال للآخر:«امضِ إلى عبدُ الله واجلُس عِنده وتحدّث معه وقل له في أثناء حديثك مثل هذا وأعد عليّ ما يكون في جَوابِه» فمضيا ولبثا ساعةً.[12]

وعاد الخادم الذي أرسلهُ إلى مُحمد فقال له الرَّشيد: «هاتِ ما عِندك» قال: «يا أمير المُؤمِنين، دخلت على مُحمد وعنده جماعة من المُطربين والمساخر والصفاعنة ... وهو يشرُب وهُم يتصافعون، ويتشاتمون، وهو يضحك، فجلست وتحدَّثت كما أمرتني، ثم قُلتُ له في أثناء كلامي: يا سيّدي إن أفضت الخِلافة إليك ما تصنعَ بي؟ فقال لي: أُعطيك كذا وكذا ألف دِينار وأُقطِعَك الضَّيعة الفُلانية وأفعلُ معك وأصنَع».[12]

وبينما هُم في الحَديث، جاء الخادِم الآخر من عِند عَبدُ الله، فقال له الرَّشيد: «هاتِ ما عِندك» قال: «يا أميرُ المُؤمِنين، دخلتُ على عبدُ الله فرأيت مجلسَهُ مغتصّا بالفُقَهاء، والشُّعَراء، والقُرّاء، و أصحاب الحَديث، وهو يُفاوضهم، فصَبِرت حتَّى تقوَّض المَجلس ودنوتُ مِنه، ودعوتُ له، وقلت: يا سيّدي، أرى والله مَخايل النَّجابة عَليك، وإني لأشمّ من أعطافك روائحَ الخِلافة، فإن أفضَت إليك، فماذا تصْنَع معي؟ فلما سَمِع هذا الكلام مِنّي استشاط غَضَباً وأخذ دَواة كانت بين يديه فرماني بها وقال: بل يُطيل الله بقاء أميرُ المُؤمِنين، ويُديم دَوْلتُه، ويمدّ في عُمره، ويجعلنا فِداه، ويلك قد جئت تبشّرني بموت أبي، وتطلب مني عند ذلك مراعاتي لك وإحساني إليك؟ لا أرانا الله يومَهُ وقدَّمَنا قبلُه» فلما سمَعَ الرَّشيد وزُبَيْدَة جوابهما، قال لها: «أتلومينني على المَيْل إلى عبدُ الله أكثر من مُحمد؟ والله ثم والله لولا مُراقبتي لك، وإشفاقي على قلبِك، لِخَلعتُ مُحمداً من العَهد، وقدَّمتُ عبدُ الله عَليه».[12] وقيل أن الرَّشيد في نهاية الحَديث قال لزُبيدة: «كيف ترين؟ ما أُقدّم ابنك إلّا متابعةً لرأيك، وتركاً للحزم».[13] ويقول الباحِث أحمد فريد رِفاعي، أنّ نَجابَة وذكاء المأمُون قد يرجِع إلى أنَّهُ جَمَع بين الدَّم الآريّ والدَّم السَّاميّ، حسب مذهب القائلين بذلك.[14]

تعليمُه[عدل]

تلقَّى دُروسًا في اللغة العربيَّة والأدَب من إمام اللُّغة والنَّحو أبو الحَسَن الكِسائي، والذي علَّم أباهُ الرَّشيد مِن قبلِه[وب 4]، وكان مُؤدِّب أخاه مُحَمد.[15]

انكبَّ عَبدُ الله على دِراسة الحديث النبويّ، فسَمَع مِن أبيه هارون الرَّشيد، وهشيم بن بشير، وعبَّاد بن العوَّام، ويُوسف بن عطيَّة، وأبي مُعاوية الضَّرير، وإسماعيل بن عليَّة، وحُجَّاج الأعور[16]، وساعدهُ في ذلك ذاكِرتهُ القويَّة الحافِظة، ويُروى أن ابنُ إدريس الكُوفي، حدَّث بمائة حديث، فقال لهُ عَبدُ الله: «يا عم، أتأذن لي أن أُعيدها مِن حفظي ؟ فوافق، وأعادهم، فعجب مِن حِفظِه»[17]، كما تعلَّم الفُقْه الإسلاميّ على مذهب أبي حُنيفة النُّعمان، من خِلال شَيْخِهِ الحَسَن بنُ زياد اللُّؤلُؤي، وبَرَع فيه[18]، وساهم في تنشئتِهِ جمعٌ من الفُقَهاء، فبرع في عُلوم الأوائل، وقِصصَ المُلوك، ومَهَر فيها، وحينما شبّ، زادَ اِهتمامُهُ بالفلسفة، وجَرَّهُ ذلك إلى القول بخَلْق القُرآن.[19]

ولاية العهد[عدل]

قبل تولية العهد[عدل]

قرر الخليفة الرَّشيد عقد ولاية العَهد لابنِه مُحَمَّد، في سنة 175هـ / 786م، وكان يبلغُ من العُمر حينها خَمْسةُ أعوام، وهو ابن الأميرة زُبَيْدة بنت جعفر الأكبر الهاشميَّة العربيَّة، ولقَّبهُ بالأمين، وأخذ لهُ البيعة، وبالرغم من أن عَبدُ الله يكبُره بستة أشهر، إلا أن الرَّشيد آثر إرضاء وجُوه بَني هاشِم والعرب، وزوجته زَبيدة بتعيين مُحَمَّد الأمين صاحب الدَّمُ العَربي الهاشِمي من الأبوين، وكان لعيسى بن جعفر الأكبرأثر واضح في ذلك، حيث أنه أقنع، وزير الرَّشيد، الفَضْل بن يحيى البرمكي لإقناع الخليفة في عقد الولاية للأمين.[6]

تعيينه ولياً للعهد[عدل]

وبعد مُرور أربعة أعوام من تعيين مُحَمَّد الأمين ولياً للعَهد، قرر الخليفة الرَّشيد عقد ولاية العهد الثَّانية لابنِه عبد الله في سنة 182]هـ / 799م، ، وكان يبلغ من العُمر ثلاثةَ عَشر عاماً، ولقَّبهُ بالمأمُون، وذلك بأن يتولَّى الخِلافة بعد أخيه الأمين، وكان سبب تقديم الأمين عليه لكون والدته الأميرة زُبَيْدة بنت جعفر كانت إمرأة حُرَّة، وهاشميَّة عربيَّة، ويُفضله وجوه بني هاشم والعرب، أما سبب تعيين المأمُون في ذلك، فهو لأنه رأى مِنهُ صِفات القائد والطُّموح والبُعد عن اللهو بعكس أخيه الأمين، وقد سلم الرَّشيد ابنه عبد الله المأمُون، إلى الوزير جعفر بن يحيى البرمكي، كي يُساعده ويُعلمه أصول الحُكم، ثم ولَّاهُ الرَّشيد كامل إقليم خُراسان، وما يتصل بها إلى هَمَذان، ومنحه بمقتضى ذلك صلاحيَّات شبه كاملة، مُشكلاً بذلك استقلالاً كبيراً عن أخيه مُحَمَّد الأمين حين يتولَّى منصب الخِلافَة.[20]

وقد كان عَبدُ الله مُستعداً مُنذ نشأتِه، على أن يكون رجُل جَماعة، إذ كان لهُ موهبة الخطابةِ والتبريزِ فيها، فحينما بَلَغ عَبدُ الله، وأصبح في حدّ الرِّجال، أمر والدهُ الخليفة الرَّشيد أن يُحضّر نفسُه لأن يُؤدي خُطبة الجُمعة، فكان جهير الصُّوت، حسِن اللَّهجة، وقد رقَّت لهُ قُلوب النَّاس[21]، مدحَهُ على اثرِها مُؤدِّبهُ يِحيى اليَزيديّ، فقال قصيدةً طويلة تُثني عليه، فلمَّا سَمِعها الرَّشيد أمر لأبي مُحَمَّد اليَزيديّ بِخمسين ألف درهم ولإبنِهِ مُحَمَّد مِثلها، جاءَ مِن القصيدة:[22]

لِتَهْنِ أميرَ المُؤمِنينَ كَرامةٌعَليهِ بِها شُكرُ الإلهِ وُجُوبُ
بأنَّ وَليُّ العَهدِ مأمونَ هاشِمُبَدا فَضْلُهُ إذ قام وهو خَطيبُ
ولمَّا رماهُ الناسُ مِن كُل جانبٍبأبصارِهِم والعُودُ مِنهُ صَليبُ
رَماهُم بقولٍ انصِتُوا عَجَبًا لهُوفي دُونِه للسَّامِعينَ عجيبُ
ولمَّا وَعَت آذانُهُم ما أتى بِهِأنابَت ورقَّت عِندَ ذاكَ قُلُوبُ
فأبكى عيونَ الناسِ ابلغُ واعظٍأغَرُّ بِطاحيُّ النِّجار نَجيبُ
مَهيبٌ عليهِ للوِقارِ سَكِينةٌجريُ جَنانٍ لا أكَعُّ هَيُوبُ
ولا واجِبُ فوق المنابِرِ قلبُهُإذا ما اعْتَرى قلبَ النَّخيبِ وجَيبُ
إذا ما علا المأمونُ أعوادَ مِنبرٍفليسَ لهُ في العالَمِين ضَريبُ


كتاب ولاية العهد[عدل]

وفي سبيل تعزيز أواصر العلاقة بين الأمين والمأمُون، والتأكيد على احترامهما للبيعة والسير في خُطة والدهما، قرر الرَّشيد في سنة 186 هـ / 803 م، أن يحجَّ ومعه اِبنِيهِ الأمينُ والمأمُون، وكان كُلاً منهما في حدود عمر السابِعَةَ عَشْرَ عاماً، وفي البيت الحرام أخذ عليهما المواثيق المؤكدة بأن يخلُص كل منهما لأخيه، وأن يترك الأمين للمأمون، كل ما عهد إليه من بلاد المشرق، ثغورها، وكورها، وجندها، وخراجها، وبيوت أموالها، وصدقاتها، وعشورها، وبريدها، وفي المُقابل، يتولَّى الأمين، العراق والشام حتى آخر المغرب.[23] كما عقد البيعة لأخوهما، القاسم ولقَّبهُ المُؤتمن، إلا أن أمر وِلاية المؤتمن للعهد، موكولة إلى أخيه المأمُون بما يراه، إن شاء أبقاه، وإن شاء خلعه، وسجَّل الرَّشيد هذه المواثيق، على شكل مراسيم، وعلقها في مبنى الكعبة لتزيد من قُدسيتها، ويُصبح تنفيذها واجباً، كما كتب منشوراً عاماً بهذا المعنى للآفاق، وقد كان للناس تشاؤم من هذه المسألة، وقالوا بأن الرَّشيد قد أوقع بينهم الشرّ والحرب[23]، وعلى أيَّة حال، فقد ضمن وجوه العرب الخِلافَة لعربيّ النسب من جهة الأم، أما العجم بزعامة البرامكة، فقد ضمنوا الشرق -أيّ خُراسان- لرجل أخواله عجم.[24]

المسير الأول مع والده إلى خُراسان[عدل]

وفي فترةٍ بعد نكبة البرامكة، توجَّه الخليفة الرَّشيد إلى الرَّي في سنة 189هـ / 805م، وسبب ذلك أن علي بن عيسى بن ماهان، الوالي على خُراسان، قد ظلم أهلها، وأساء السيرة فيهم، فكتب وجهاء أهلها، وأشرافها، إلى الرَّشيد، يشكون سوء سيرته، وظلمه، واستخفافه بهم، وأخذ أموالهم، حتى قيل للرشيد، إن ابن ماهان، قد أجمع على الخلاف، فسار إلى الرَّي في جَمادَى الأولى / أبْرِيل، ومعه ابناه عبد الله المأمُون والقاسم المؤتمن، وأحضر القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما في الجيش هذا، من الأموال، والخزائن، والسلاح، والكراع، وغير ذلك، للمأمون وأنه ليس له، أو لأحد منها شيء[25]، وكان هذا الإقرار من الرَّشيد للمأمون، مُزعجاً بشدَّة لمُحَمَّد الأمين.[26]

وأقام الرَّشيد بالرَّي، أربعةَ أشهُر، حتى أتاهُ ابن ماهان من خُراسان، فلما قدِم عليه، أهدى لهُ الهدايا الكثيرة، والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته، وولده، وكتابه، وقواده، من الطرف والجواهر، وغير ذلك، ورأى الرَّشيد خِلاف ما كان يظن، فرده إلى وِلاية خُراسان.[27]

رسم تخيُّليّ للخليفة هارون الرَّشيد، والد كُلاً من مُحَمَّد الأمين وعبد الله المأمُون.

الاستخلاف على الرقة[عدل]

وقبل التوجُّه إلى منطقة الثُّغُور تمهيداً لحملة عبَّاسيَّة، قرر الرَّشيد استخلاف ابنِه المأمُون على الرَّقَّة في سنة 190 هـ / 806 م، وكان عمره عُشْرُون عاماً، وفوَّض بموجِب ذلك الاستخلاف إليه الأمور لفترة، وكتب إلى الآفاق بالسمع والطَّاعة له، ودفع إليه خاتم أبو جعفر المنصور يتيمَّن به، وهو خاتمه الخاص، وكان نقشه: «الله ثقتي آمنت به»، ثم توجَّه الرَّشيد، للغزو الموسميّ المعروف بالصَّائفة على الأناضُول مِن بلاد الرُّوم.[28]

وفي هذه الأثناء، أسلم الفَضْل بْن سَهْل السَّرْخَسِي على يد المأمُون، بعد أن كان مجوسياً، فاعتقَد بالتشيُّع وأصبح مُقرباً منه.[28]

المسير الأخير مع والده إلى خُراسان[عدل]

توجَّه الرَّشيد إلى خُراسان في سنة 192 هـ / 808 م، وذلك بعد أن تمرَّد الوالي رافع بن الليث بن نصر بن سيَّار، وكان الرَّشيد مريضاً في هذه الأثناء ومُتعباً، واستخلف على الرَّقَّة ابنه القاسم المؤتمن، وضم إليه خزيمة بن خازم، وسار من بَغْداد إلى النهروان عشيَّة الإثنين، في الخامِس والعُشْرُون مِن شَعْبان / السَّابِع والعُشرُون مِن يونيو مِن العام نفسه[29]، واستخلف على بغدادابنهُ مُحَمَّد الأمين، وأمر المأمُون بالتزام البقاء في بغداد، فأشار الفَضْل بنُ سَهْل على المأمُون أن يسير مع أبيه، فهو لا يعلم ما الذي سيحدث له، وخُراسان مِن المُفترض أنها ضمن ولايته، وأن أخيه مُحَمَّد الأمين مُقدَّم عليه بولاية العهد، وإن أفضل ما يصنع به، أن يخلعه من الولاية، وهو ابن زُبَيْدة وأخواله بنو هاشم، وأن يطلب إلى أمير المؤمنين الرَّشيد، أن يسير معه، فطلب المأمُون من أبيه، وألح بذلك مُتعللاً بأنه مريض، ويريد أن يُخدِمُه، وأنه لا يُكلَّفهُ شيئاً، فوافق أبيه بعد امتناع.[30]

وفاة والده الرَّشيد[عدل]

بعد أن وصل الخليفة هارون الرَّشيد إلى جرجان في صَفَر 193 هـ / دِيسَمْبَر 808 م، بهدف مُحاربة ثورة رافع بن الليث، شعر بالتَّعب الشديد، فوجَّه ابنهُ عبد الله المأمُون، إلى مرو الروذ، والتي تُعرف اختصاراً، مَرُو، وكان معهُ عدد من القادة، ثم سار الرَّشيد إلى طوس، واشتدَّ به الوجع، وعجز عن الحركة، فتوفي في الثَّلاثيِن مِن جَمادَى الأوُلَى 193 هـ / الرَّابِع والعِشرُون مِن مارس 809 م.[31]

حرب الخلافة[عدل]

الخلفية[عدل]

بيعة الأمين[عدل]

في صبيحة اليوم التَّالي مِن وفاة الخليفة هارون الرَّشيد، يوم الأوَّل مِن جَمادَى الآخِرة 193 هـ / الخامِس والعُشْرُون مِن مارس 809 م[32]، بوُيَع مُحَمَّد الأمين بالخِلافَة في عسكر الرَّشيد، وعُمرهُ اِثنان وعُشْرُون عاماً، وكان المأمُون يُماثله في العُمر، وكان حينئذ بمرو، بوُيع الأمين من أهل الحلَّ والعقد ووجوه بَغْداد، وكان معه الخاتم والبردة للنبي مُحَمَّد، وصلَّى بالناس الجُمعة، ثم صعد المنبر فنعى الرَّشيد، وعزَّى نفسه والناس ووعدهم الخير، وأمَّن الأبيض والأسود، وفرق في الجند الذين ببَغْداد رزق أربعة وعشرين شهراً، ودعا إلى البيعة، فبايعهُ جُلَّ أهلِ بيتِه، وأمرَ سُليمان بن المنصور، بأخذ البَيعَةَ على القُوَّاد وغيرهم، وأمر السِّنديّ أيضاً بمُبايعة من عَدَاهُم.[32]

وقد قام الأمين، بحيلة منذ مسير أبيه الرَّشيد إلى خُراسان، بسبب مرضه، فقام بدسّ كُتُب محفوظة ملبوسةً في جلود البقر، بيد رسولِه، بكر بن المعتمر، وأمرهُ أن لا يظهر الكُتُب أو الرَّسائل لأي أحد، سِواءً لأبيه الرَّشيد، أو أحدٍ من العَسكر، إلا إن مات والدهُ الرَّشيد، فيُظهر الكِتاب لكلّ رجُل منهم حتى يُبايعوه ويوالوه.[26] وحينما وصل الكِتاب إلى جمع من القادة، ومنهم الفَضْل بن الرَّبيع، اختار اللحاق بالأمين، وأمر من معهُ بالرَّحيل، وتركوا العهود التي أُخذت عليهم للمأمون.[33]

كتاب الأمين للمأمون[عدل]

ومن جُملة ما كان مع رسول الأمين، بكر بن المعتمر، كِتاباً مُوجه إلى عبد الله المأمُون، وكان هذا نصُّها:

إذا ورد عليك كتاب أخيك- أعاذه الله من فقدك- عند حلول ما لا مرد له، ولا مدفع مما قد اخلف، وتناسخ في الأمم الخالية، والقرون الماضيه، فعز نفسك بما عزاك الله به، واعلم أن الله جل ثناؤه، قد اختار لأمير المؤمنين، أفضل الدارين، وأجزل الحظين، فقبضه الله طاهراً زاكياً، قد شكر سعيه، وغفر ذنبه إن شاء الله، فقم في أمرك، قيام ذي الحزم والعزم، والناظر لأخيه، ونفسه، وسلطانه، وعامة المسلمين، وإياك أن يغلب عليك الجزع، فإنه يحبط الأجر، ويعقب الوزر وصلوات الله على أمير المؤمنين حياً وميتاً، وإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وخذ البيعه عمن قبلك من قوادك، وجندك، وخاصتك، وعامتك لأخيك، ثم لنفسك، ثم للقاسم ابْن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها لك أمير المؤمنين من نسخها له وإثباتها، فإنك مقلد من ذاك ما قلدك الله وخليفته، وأعلم من قبلك رأيي في صلاحهم، وسد خلتهم والتوسعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته، أو اتهمته على طاعته، فابعث إلي برأسه مع خبره، وإياك وإقالته، فإن النار أولى به.

واكتب إلى عمال ثغورك، وأمراء أجنادك، بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أن الله لم يرض الدنيا له ثواباً، حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته، مغبوطاً، محموداً، قائداً لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله، ومرهم أن يأخذوا البيعه على أجنادهم، وخواصهم، وعوامهم، على مثل ما أمرتك به من أخذها على من قبلك، وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوة على عدوهم، واعلمهم إني متفقد حالاتهم، ولام شعثهم، وموسع عليهم، ولا تنسى في تقوية أجنادي، وأنصاري، ولتكن كتبك إليهم كتباً عامة، لتقرأ عليهم، فإن في ذلك ما يسكنهم، ويبسط أملهم.

واعمل بما تأمر به لمن حضرك، أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى وتشاهد، فإن أخاك يعرف حسن اختيارك، وصحة رأيك، وبُعد نظرك، وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشد بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء، وكتب بكر بْن المعتمر بين يدي، وإملائي في شوال سنه ثنتين وتسعين ومائة.[26]

فلما بلغ المأمُون ما جَرى من الفَضْل بن الرَّبيع، جمع من عنده من قوَّاد أبيه، وهم عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، وغيرهم، وأهمَّهم كان ذو الرَّياستين، الفَضْلُ بنُ سَهْل، وكان رأيهم أن يلحقوهم في ألفي فارس، فيردُّوهم، فخلا الفَضْل بالمأمُون، وأخبره أنه إن فعلت ما أشاروا به، جعلوك هديَّةً إلى أخيك، ولكنّ الرأي أن تكتب إليهم كتاباً، وتوجّه رسولاً يذكّرهم بالبيعة، ويسألهم الوفاء، ويحذرهم الحنث في العهد ومافيه، دُنيا وآخرة.[33]

أسباب خلع المأمُون[عدل]

التقسيمات الإداريَّة للخِلافة العبَّاسيَّة، في عهد الخليفة هارون الرَّشيد.

وبعد عودة الفَضْل بن الرَّبيع من طُوس إلى بَغْدَاد في سنة 194 هـ / 809 م، علِمَ أن المأمُون إن أفضت لهُ الخلافة، لن يُبقي عليه حيَّاً، فقد نكث عهده الذي قطعهُ للخليفة الراحل الرَّشيد، بأن يكون مُخلصاً وتابعاً للمأمون، فسعى في إغراء الخليفة الشاب، بحُكم أنهُ وزيرُه والحريص على مُلكِه، أن يُسارع في خلع المأمُون، والبيعة لابنه موسى، وقد كان الأمين في البِداية مُتردداً من هذا العرض، خوفاً من الغدر بوصيَّة والده، ومن قُوَّة المأمُون في بلاد خُراسان التي تواليه، إلا أن الفَضْل لم يزل يستصغر من شأن المأمُون في عين أخيه الخليفة، حتى قال له: «ما تنتظر بعبد الله والقاسم، فإن البيعة كانت لك قبلهما، وإنما أُدخلا فيها بعدك!»، وقد أيَّد هذه الخُطوة القائد العسكري ابن ماهان، والسِّنديّ بن شاهك وغيرهما، فاقتنع الأمين إلى قولِهم.[34] وقد طلب الأمين الاجتماع مع عبد الله بن خازم التميميّ، ولم يزل يُحدَّثهُ الخليفة الأمين ويُناظره حول خلع المأمُون حتى انقضى الليل، وكان مما قالهُ عبد الله : «أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تكون أول الخلفاء نكث عهده، ونقض ميثاقه، ورد رأي الخليفة قبله»، فقال لهُ الأمين: «اسكُت! فعبد الملك كان أفضل مَلِك رأياً، وأكملُ نظَراً» وأورد له مقُولة عَبد المَلِك بن مُروان الشَّهيرة:«لا يَجتمِع فَحلان في أجِمَّة».[34] ثم جمع الأمين، القادة العسكريين، وعرض عليهم مسألة خلع المأمُون، فأبوا ذلك، حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم التميمي، فقال: «يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذَّبك، ولم يغشَّك من صدَّقك، لا تُجرئ القادة على الخلعِ، فيخلعوك، ولا تُحمِّلهُم على نكث العهد، فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول والناكث مغلول».[34] فنظر الأمين مُتأثراً بكلامه إلى قائده العسكريّ الكبير ابن ماهان فتبسَّم الأخير، وقال له في محاولة ليُطمئنُه: «لكن شيخ الدعوة ونائب هذه الدولة، لا يُخالف على إمامه ولا يُوهن طاعتِه»، ثم رفعه الأمين إلى موضع لم يرفعه إليه قبلها، لأنه كان هو والفَضْل بن الرَّبيع، يعينانه على الخلع، ونوى الأمين فعلياً في البدء بخطوات خلع المأمُون.[34]

تعيين موسى بن الأمين ولياً للعهد[عدل]

ومن ضمن أوَّل الخطوات الأمينيَّة لخلع المأمون، قرر الخليفة الأمين، أن يكتُب إلى جميع خُطباء المساجد، ووُلاة الأمصار، بالدُّعاء لابنه مُوسى بالإمرة، ولقَّبهُ النَّاطِق بالحَق، ومن بعده يكون الدعاء للمأمون وللمؤتمن، وكان ذلك في رَبيع الأوَّل 194 هـ / يَناير 810 م[35][34]، فلما بلغ ذلك المأمُون الخبر، وكذلك وُرود الخبر عن عزل أخوه المُؤتَمِن عن ولاية الجزيرة قبل فترة بسيطة، وجعلهُ يُقيم عِنده في العاصمة بَغْداد، قرر المأمُون إسقاط اسم الأمين من الطرز وقطع البريد عنه.[34] وكان رافع بن الليث، والذي كان مُتمرداً على الخليفة هارون الرَّشيد، لما بلغهُ حُسن سيرة المأمُون، طلب الأمان، فأجابه إلى ذلك، فحضر عند المأمُون، وأقام هرثمة بن أعين بمدينة سمرقند ومعه طاهِر بن الحُسَيْن، ثم جاء هرثمة على المأمُون، فأكرمه وولاه قيادة الجيش، فأنكر ذلك كله الخليفة الأمين، فكان مما يتواتر عنه، أنه كتب إلى العبَّاس بن عبد الله بن مالك، وهو حاكم نيابةً عن المأمُون على الرَّي، يأمره أن ينفذ بغرائب غروس الرَّي، يريد امتحانه إليه بما أمره، وكتم ذلك عن المأمُون والفَضْل بنُ سَهْل، فبلغ المأمُون خبَرُه، فعزلهُ وعيَّن مكانهُ، الحسن بن علي المأمُوني.[34]

ثم وجَّه الأمين إلى المأمُون، وفداً من أربعة أشخاص، وهم عيسى بن جعفر الأكبر العبَّاسيّ، والعبَّاس بن موسى بن عيسى العبَّاسيّ، وصالح صاحب المصلى ومُحَمَّد بن عيسى بن نهيك، من أجل أن يطلب من المأمُون أن يُقدَّم ابنه موسى على نفسه، ويحضر عنده إلى بَغْداد، فقد استوحش لبعده، فبلغ الخبر المأمُون، وكتب إلى عماله بالرَّي ونيسابور وغيرهما، يأمرهم فيه، بإظهار العدَّة والقُوَّة، ففعلوا ذلك، وجاء الوفد على المأمُون وأبلغوه الرسالة، وكان ابن ماهان أشار بذلك، وأخبر الأمين أن أهل خُراسان معه، فلما سمع المأمُون هذه الرسالة، وبعد استشارة الفَضْل بنُ سَهْل، وكان المأمُون قد عزم على الامتناع على الذهاب إلى بَغْداد.[34] فأحضر العبَّاس بن عيسى، وأعلمه أنه لن يحضر، وأنه لا يقدم موسى على نفسه،، فقال العبَّاس بن موسى: ما عليك أيها الأمير من ذلك، فهذا جدي عيسى بن موسى قد خُلع، فما ضرُّه، فصاح به الفَضْل بنُ سَهْل قائلاً: اسكت!، إن جدك كان أسيراً في أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته.[36]

دينار عبَّاسي ذهبي صُكَّ في عهد المأمُون، ويظهر عليه كلمة ذو الرئاستين وهو لقب فضل بنُ سَهْل السرخسي، وزير المأمُون.

ثم قاموا وانتهى الاجتماع، فخلا الفَضْل بنُ سَهْل، بالعبَّاس بن موسى واستماله، ووعدَهُ بتولّي إمرة الموسم، ومواضع من مِصْر، فأجاب إلى بيعة المأمُون، وسُمي المأمُون ذلك الوقت بالإمام، فكان العبَّاس يكتب إليهم بالأخبار من بَغْداد، وعاد الرُسُل إلى الأمين، فأخبروه بامتناع المأمُون، وعلم أنه لن يتابعه على ما يُريد، وألحَّ كُلاً من الفَضْل بن الربيع وابن ماهان على الأمين في خلع المأمُون، والبيعة لابنه موسى، وكان الأمين قد كتب إلى المأمُون يطلب منه أن ينزل عن بعض كور خُراسان وأن يكون له عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار، فاستشار المأمُون خواصه وقُوَّاده، فأشاروا باحتمال هذا الشرّ والإجابة إليه، خوفاً من شر هو أعظم منه، إلا أن الحسن بنُ سَهْل، أخبرهم أن الأمين يطلُب ما ليس له، كما كان رأي أخيه الفَضْل بنُ سَهْل، بعدم مُهادنة الأمين أو منحه أي شيء، وكان هذا الرأي هو الأصوب بالنسبة للمأمون، وامتنع عن التنازل عن أي كور من خُراسان، أو إنشاء بريد للأمين عليها، وعيَّن المأمُون، حرساً على حدود خُراسان، فلا يعبُر أحداً إلاَّ من كان ثِقة من ناحيته، وضبط الطُّرُق.[36]

وقيل إن الخليفة الأمين، لما عزم على خلع المأمُون، وزين له ذلك الفَضْل بن الرَّبيع وابن ماهان، دعا يحيى بن سليم، وهو رجُل يُشهد لهُ بالخِبرة والحِنكة، وشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تفعل ذلك مع ما قد أكد الرَّشيد من بيعته، وأخذ الشرائط والأيمان في الكتاب الذي كتبه، فقال الأمين، أن رأي الرَّشيد كان فلتة، شبَّبها عليه جَعْفَر بن يحيى البرمَكيّ، فلا ينفعنا ما نحن فيه، إلا بخلعه، وقلعه، واحتشاشه، فقال يحيى: إذا كان رأي أمير المؤمنين خلعُه، فلا تُجاهره ليستنكر الناس ذلك، ولكن، تستدعي الجُند بعد الجُند، والقائد بعد القائد، وتؤنسهما بالألطاف والهدايا، وتُفرق ثقاته، ومن معه، وترغبهم بالأموال، فإذا وهنت قوته، واستفرغت رجاله، أمرته بالقدوم عليك، فإن قدم، صار الذي تريد منه، وإن أبى، كنت قد تناولته، وانقطع عزه، فقال الأمين رافضاً لهذه السَّياسة: أنت مِهذارٌ خطيب، ولست بذي رأي مُصيب، قم، فالحق بمدادك وأقلامك.[37]

خلع المأمُون[عدل]

وبعد أن فشلت المُفاوضات والمُراسلات بين الطَّرفين، قَرَّر الخليفة الأمين إيقاف الدعاء للمأمون ومعهُ المُؤتمن نهائيًا من على مَنابر المَساجد، وأعلن البيعة لابنه الأمير موسى النَّاطق بالحَق، وذلك في صَفَر 195 هـ / نُوفَمْبَر 810 م، وكان موسى صغيراً، يكاد يبلغ خَمسةُ أعوامٍ، ومع ذَلك، بدأ بنقش اسمه على النُّقُود، كما أوقف ما ضُرب لأخيه المأمُون، من الدراهم والدنانير في خُراسان، وكان هذا بمثابة خلع رسميّ للمأمون مِن ولاية العهد، ثم بعث من يسرق الكتابين المُعلَّقين في الكَعْبة، ومزَّقهُما الفَضْل بن الرَّبيع بنفسه، ويكون بذلك قد نقض وصيَّة والدهُ الرَّشيد.[37]

ابتداء الحرب بين الأخوين[عدل]

الحرب في بلاد فارس[عدل]

أمام هذا الإعلان والإجراءات التي تتابعت، رأى المأمُون ومُستشاروه، أنَّهُ لا مفرّ من القِتال، وأن الحرب قادِمة لا محالة، فجهَّز جيشاً كبيراً من الخُراسانيين، وحشده على حدود خُراسان في مدينة الرَّي، وولّى عليه قائدين من أتباعِهِ المُخلصين وهما طاهر بن الحُسين، وهرثُمة بن أعيُن، الذي يعود إليهما الفَضْل في إعداد جيش المأمُون، إعداداً قوياً ومُنضبطاً على الرُّغم من أنَّهُ لم يتجاوز أربَعةِ آلاف حسب بعض التقديرات.[38]

أما الخليفة مُحَمَّد الأمين، فقد اختار علي بن عيسى بن ماهان، المعروف بابن ماهان، أحد كبار رجال الدولة، والذي كان والياً على خُراسان في عهد الرَّشيد، وسبب اختيار ابن ماهان، أن وزير المأمُون الفَضْل بنُ سَهْل، لديه جاسوساً، يعود الفَضْل بن الرَّبيع إلى قوله، ويثقُ برأيه، فكتب وزير المأمُون إليه، أن ينصح بتعيين ابن ماهان لحربهم، وكان هدفُه أن ابن ماهان لما كان والياً على خُراسان أيام الرَّشيد، أساء السيرة في أهلها وظلمهم، فنفروا منه وأبغضوه، فأراد الفَضْل بنُ سَهْل، أن يزداد أهل خُراسان ضراوةً، وأكثر تصميماً من أيّ وقتٍ مضى، غير مُترددين، في قِتال الأمين وأصحابه، وعلى أيَّة حال، فقد خرجت السيدة زُبَيْدة بنت جعفر الهاشِميَّة، أُمّ الخليفة الأمين، ووصَّت ابن ماهان، أنه إن استطاع القبض على المأمُون، أن يرأف بحاله، ولا يُجابهه في الكلام، فهو ليس لهُ بنظير، ولا يُعنِّفه أو يسُوقَهُ سوق العبيد، وإن شتمه أن يحتمل منه، وأن لا يمنع عنهُ جارية، ولا خادِمًا، وأن لا يركب قبلهُ، وأعطته قيداً من فضة، حتى يتم قيده بمادَّة ثمينة بعض الشيء، بدلاً من الحديد، وأجابها بأنه سيفعل كما أمرت.[39]

وبعدما عُيَّن ابن ماهان على رأس جيش الأمين، وكان أكثر عدداً وعِدةً، حتى بلغ أربعُون ألفًا[40] وقيل خمسُون ألفًا[39]، وانطلق من العاصمة بَغْداد، في الخامِس عَشَر مِن جَمادى الآخِرة 195 هـ / الثَّامِن عَشَر مِن مارس 811 م، نحو مدينة الرَّي لقتال طاهِر بن الحُسَيْن، المُعين على رأس جيش المأمُون، بسبب استهانتِهِ بشأن طاهر، وخُبرته العسكريَّة لحداثة سِنِّه، حيث كان طاهِر يُدبر أمرهُ ويسير سير من يُريد مواقعة عدوّ أكثر منه عددًا وعِدَّة، واستقرَّ رأيهُ على أن يجعل مدينة الرَّي مِن خلفه، وقد انتَهت المعركة بانتصار ساحِق لجيش المأمُون، وقُتل ابن ماهان في الرَّابِع مِن شَوَّال 195 هـ / الثَّالِث مِن يُوليو 811 م، وأرسَلَ طاهِرًا رأسَهُ مع كٍتابِه إلى المأمُون، وكان خبر الانتصار مُفرحًا، فأمدَّ طاهراً بالمزيد من الرِّجال والقُوَّاد، وسمَّى طاهراً ذا اليمينين وصاحبُ حبل الدين، ولم تكُن أخبار الهزيمة إلا صادمة لأهالي بَغْداد وعلى رأسهم الخليفة الأمين[41]، وقرر إرسال جيشاً ثانياً يبلغ قوامُهُ عُشرُون ألفاً، تحت قيادة عبد الرحمن بن جبلة الأنباري، وأعطاه من الأموال والسلاح والخيل، كما أن الأمين قد أوصاه بأن يبتعد عن الاغترار والتضجُّع الذي كان بهِ ابن ماهان، فسار عبد الرَّحمن نحو هَمَذان وتحصَّن بها[41]، والتقَى بجيش طاهِر بن الحُسَيْن إلى أن انهزم حتى انسحب إلى حُصن همذان كي يقوّي جُندُه وتندمل جِراحهم، وبعد أن خرج لهم مرةً أخرى، انهزم ثم عاد إلى الحُصن، وبعد فترة من الحصار، طلب الأمان لهُ ولمن معه، فأمَّنهُ طاهر، إلَّا أن عبد الرَّحمن بن جَبَلة قد غَدر بطاهِر وجُندُه، ولم يشعر الأخير بذلك، فاقتتلوا أشد اقتتال، حتى تقطَّعت السُيوف، وتكسَّرت الرِّماح، وانهزم عبد الرَّحمن قائد جيش الأمين، حتى أنَّبهُ أصحابُه بأنه كان يستطيع الهَرَب! وكان يخشى أن يراه الأمين مُنهزِماً، فما زال يُقاتل حتى قُتل.[42] واستطاع طاهِر أن يطرُد عُمَّال الأمين من قُزوين، وصلت الأخبار إلى بَغْداد، وسبَّبت ارتباكاً حقيقياً للأمين ووزيرُه الفَضْل، وحينما أراد توليَة أسد بن يزيد، رفض ونقَم عليه بسبب تهاونُه في أمر الرَّعية ولعبة الصَّيد في هذه الظروف الصعبة، فسجنه الأمين[43]، وقد استنزفت هذه الجيوش موارد الخليفة الأمين، وخِزانة أمواله، فلم يستطع تحريك جيوش أخرى، ليبدأ الانعطاف الكبير في مجرى الحرب، حيث تحولت من أطراف خُراسان، إلى أبواب بَغْداد.[43][44]

وصول الجيش المأموني إلى العراق[عدل]

وفي سنة 196 هـ / 812 م، وجَّه أحمد بن مزيد على رأس عُشرون ألفاً، وعبد الله بن حميد بن قحطبة قائداً على عُشرون ألفاً أيضاً، إلى مدينة حلوان، واستطاع طاهر أن يعمل حيلة في إيقاع الفِرقة بين الأميرين، فاختلفا ورجعا ولم يُقاتلاه، وصل إلى مدينة خانقين ثم توجَّه هرثُمة بن أعيُن بقرارٍ من المأمُون إلى الأهواز، وفي هذه الأثناء، رفع المأمُون منزلة الفَضْل وولَّاه أعمالاً كبيرة تقديراً له، وسمَّاه ذا الرَّياسَتَيْن.[43]

وفي هذه الأثناء، أطلق الأمين، عبد الله بن صالح بن علي العبَّاسي من سجنه والذي حُبس في عهد الرَّشيد، وولَّاهُ الشام والجزيرة، وبدأ عبد الله باستقدام جنداً من قبائل العرب، قد خاضوا الحرب وأدَّبتهم الشدائد، وأتاه الزعيم بعد الزعيم، والجماعة بعد الجماعة، فأتاه أهل الشَّام والأعراب واجتمعوا عنده، لكن حدث شيئًا غيَّر مجرى الأمور، فقد حصلت مشكلة بسيطة بين جُندي خُراساني، وجُندي من الشَّام، فتعصَّب كُل شخص لجماعته، فاقتتلوا فيما بينهم، وقد أرسل عبد الملك بن صالح العباسي، رسولاً يأمرهم بترك الاقتتال، فرموه بالحجارة، وحينما أُخبر بكثرة من قُتل من العرب، قال واذلاه، ستُضام العربُ في دارها ومحلها وبلادها، وكان ذلك بمثابة مُحفزاً على الفِرقة، وقرر أهل الشَّام الرَّحيل، وفي تِلك الأثناء قام بأمر الخُراسانيين من جُند الأمين، الحُسين بن ابن ماهان، ونادى عسكرهُ بالرَّحيل قاصدًا بَغْداد، وحينما وصلها، حرَّض على خلع الأمين، وتوجَّه بهم حيُث يُقيم، وذلك في الحادِية عَشْر مِن رَجَب 196 هـ / الأوَّل مِن أبْريِل 812 م، ونادوا بالبيعة إلى المأمُون، إلا أن رجال الأمين المُخلصين أمثال مُحَمَّد بن أبي خالد وأسد الحربي، استطاعوا أسر الحُسين بن ابن ماهان، وفكّوا قُيود الأمين وأقعدوه في مجلس الخِلافَة، وقد عفا عنه الأمين، إلا أنَّهُ حينما قرر الهرب من بَغْداد، أدركهُ حرس الأمين وقتلوه.[45]

وفي أثناء هذا الصَّراع والاضطراب في جُند الأمين، كان جُند المأمُون على العكس تمامًا، فكانوا مُنظمين ويزدادون قوةً مع مرور الأيَّام، وقد انقسم إلى فريقين، فريق يقودهُ هرثمة بن أعين قاصدًا بَغْداد من جهة الشَّرق، وفريقًا يقودهُ طاهِر بن الحُسَيْن، يُريد بَغْداد من جهة الأهواز والبصرة[46]، وقد استولى طاهر على إقليم فارس، وولَّى على اليمامة وإقليم البحرين وعُمان، وقد زحف باتجَّاه البصرة، والكوفة واستولى عليهما، وأنفذ كُتُب التولية إلى العُمال، وقد بُويع المأمُون من قبل عمَّهُ وأمير البصرة المنصور بن المهديّ، وكل هذه الأحداث تمَّت في رَجَب 196 هـ / أبْريِل 812 م، وقد جاءتهُ البيعة من والي مكة المُعيَّن من قبل الأمين، داوُد بن عيسى، حيث جمع الفُقُهاء والقُرشيين وحجبة الكعبة ومن شهد على ما في الكِتابين من الشهود، وذكَّرهُم بأن يكونوا مع المظلوم على الظالم من ولديه، وأن مُحَمَّداً الأمين، قد ابتدأ بالظلم وخلع أخويه وبايع لإبنهِ الصغير، فأجابه أهل مكة ونادى داوُد في البيت الحرام بخلع الأمين، وبيعة المأموُن وذلك في السَّابِع والعُشرُون مِن رَجَب 196 هـ / السَّابِع عَشَر مِن أبْريِل 812 م[46]، وقد فرح المأمُون كُل الفرح بذلك، وتيمَّن ببركة مكَّة والمدينة، وكتب إلى أهل الحجاز، يعدهم فيها خيرًا ويبسط أملهم، كما أقر داوُد على ولاية الحِجاز، كما بايعت اليمن المأمُون بعد أن وجَّه إليها يزيد بن جرير القسريّ والياً عليها، وقد ازداد المأمُون في هذه الأحداث قوةً في موقفه، وبتقدُّم شأنُه، وكان هذا الموقف، بمثابة انحسارًا لنُفوذ وسُلطة الأمين انحساراً كبيراً.[46]

حصار بَغْداد[عدل]

خريطة للعاصمة العبَّاسيَّة بَغْداد، بين 150 إلى 300 هـ المُوافِق من 767 إلى 912 م

تقدَّم جيش المأمُون نحو عاصِمة الخِلافَة العبَّاسيَّة بَغْداد، حيث اتفق القائدين طاهِر بن الحُسَيْن، وهرثمة بن أعين، على أن يقوم طاهر بمهاجمة بَغْداد من جهة الغرب والجنوب، بينما يهاجمها هَرثمة من ناحية الشرق والشمال، وتقدم الجيشان حتى بلغا أبواب بَغْداد، حيث حدثت معارك مختلفة بين قوات الأمين وقوات المأمُون، ولم يكن جيش الأمين قوياً، كما لم يكن قاداتِه في حالة معنوية جيَّدة، وقد استمال جيش المأمُون بعضًا من قادة جيش الأمين بالهدايا والهِبات فانضموا إليه واحداً تِلو الآخر[47]، وقد نزل هرثُمة في نهربين، وأعدَّ المجانيق والعرادات، ونزل عبيد الله بن الوضَّاح الشمَّاسيَّة، وجاء طاهر في باب الأنبار، ونزل المسيب بن زهير قصر رقَّة كلواذي، ونصَّبوا المجانيق واحتفروا الخنادق، وقد قاست العاصِمة بَغْداد بعظَمتها آنذاك، من الهدم والتحريق، وسفك الدماء، والجوع الشَّديد، نتيجةً للحصار الذي ضُرب على المدينة، وقد أحسَّ الأمين بالضّيق ومُنعت عنه الأموال، فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة وضرب آنية الذهب والفضة وغيرها لجنوده في نفقاته.[48] وكان الأمين قد استعان في حُروبِه بالعيارون أو الشُّطَّار، وهي مجموعة من مختلف الطوائف والمذاهب الإسلامية المختلفة يجمعهم الفقر واستباحة السرقة، وقد دافع العيارون عن بَغْداد ببسالة نادرة، بالرغم من أنهم كانوا يُقاتلون عُراةً، في أوساطهم المآزر، وعلى الرغم من مقاومة هذه المجموعة، فقد أصيبت المدينة مِنهم أكثر مما أصابها من العدوّ المُهاجم بالنسبة للأمين.[49]

وقد بقي مُعظم بنو العبَّاس، سواءً أُمراء أم أفراد، يتَّخذون موقف الحياد آنذاك، لا ينحازون إلى فريق، إلا أنَّهُ وبعد استمرار الفِتنة لأكثر من عامين، لم يجدوا إلَّا باتخاذ فريق لا بُد منه، فمالوا إلى المأمُون في النَّهاية وبايعوه بعد استتباب الأحوال لأمره.[50]

مقتل الأمين[عدل]

استمرَّت هذه الشدائد على بَغْداد حتى استنفد الأمين كل وسائل الدفاع، فاستشار من بقي من قُوَّاده، وأشاروا عليه أن يطلب لنفسه الأمان من هرثُمة بن أعين، وكتب إلى هرثُمة بذلك، وأجابه بالقبول، وحلفَ لهُ أنَّهُ سيُقاتل دُونه حتى إن همَّ المأمُون بقَتْلِه[51]، إلا أنَّ طاهِر بن الحُسَيْن، وبعد معرفتِه بذلك، رفض بشدَّة، وأبى إلا أن يكون خروج الأمين إليه إذا شاء أن يستسلم، ولأن الأمين فضَّل هرثُمة لكبر سنَّه، وأنَّهُ لم يقبل الخُروج إلى طاهر، بسبب قسوتِه.[51] وذكر أحمد بن سلَّام، صاحب المظالم، أن الأمين خَرَج مع خاتم الخِلافَة والبردة، في قارب نحو هرثُمة، فاجتَمَع هرثُمة مع الأمين، وأبدى لهُ احترامًا كبيرًا يُليق بمكانتِه، فقد احتضنُه وقبَّل يداه، ثم ركبا قارباً واحداً، فلم يسر القارب إلا قليلًا، حتى خرج رجال طاهِر يرمون القارب بالسِّهام والحِجارة بأوامر مِن طاهِر، فدخل الماء إلى الحرَّاقة، وغَرَقت، واضطر هرثمة والأمين أن يسقطوا في النَّهْر، واستطاع الاثنان النجاة بالإبحار نحو الشاطئ، فأما هرثمة فعاد إلى جنوده سالماً، وأما الأمين، فقد قبض عليه جُنود طاهِر.[51]

أبقوا الأمين في غُرفة مع أحمد بن سلَّام، وقد كان ابن سلَّام اشترى نفسُه بعشرة آلاف دَرْهم، وكان الأمين خائفاً، ومُضطَّرِباً من هَول المَوْقِف، وحينما انتصفَ الليل، دخل جُنود خُراسانيُّون وبيدهم السيُوف المسلولة، فلما رآهم الأمين قام قائماً، وتشهَّد، وبدأ يستغيث بقُربِهِ للنبيُّ مُحَمَّد، وبوالده هارُون، وبأخيه المأمُون، إلا أنهم دخلوا عليه وقتلوه وحزُّوا رأسُه، فقُتل ليلةُ الأحد يوم الخامِس والعِشرون من مُحَرَّم 198 هـ / الخامِس مِن سَبْتَمْبَر 813 م[52]، وتُعلَن بيعة المأمُون للخِلافة، وقد أمَّن طاهر أهالي بَغْداد وهدَّأ النَّاس وخطب بهم خطبة بليغة حثَّ فيها على الطَّاعة ولزوم الجماعة قبل يومين من مقتل الأمين، لينتهي فصلًا دمويًا وحادثة فرَّقت بين الأُمَّة.[53][54]

وقد أرسَل طاهِر بنُ الحُسَين رأس الأمين، مع البَردة، والقضيب والخاتِم، وحينما رآه سَجَد شُكراً[52]، وقيل، أنَّهُ تألم وحَزَن عليه بِشدَّة، فكان يُود الإبقاء عليهِ حياً لينظُر في أمرِه، وكان قد أرسل أيضاً ابني الأمين، هُما عبدُ الله، ومُوسى، وحينما وصلا إلى مدينة مَرُو حيثُ يُقيم المأمُون، عانقَهُما وقبَّلهُما، وأكرمهُما، وأحضَر الفُقَهاء والقُضاة، وزوَّجهُما ابنتين له.[55]

خلافته[عدل]

بوُيِعَ المأمُون بالخِلافَة أثناء وجوده في خُراسان بعد مقتل الأمين مُباشرةً، وذلك في الخامِس والعُشرون من مُحَرَّم 198 هـ / الخامِس مِن سَبْتَمْبَر 813 م[56]، وكان يبلغُ من العُمر سبعةً وعُشْرُون عاماً، وعشرةُ أشهُر، وسِتةُ أيَّام، إلا أنهُ لم ينتقل إلى بَغْداد عاصِمَة الخِلافَة العبَّاسيَّة، بل ظل مقيماً في مدينة مرو بخُراسان مدة ست سنوات تقريباً، فكان يجمع العُلماء والفُقهاء ويجلس معهم، ويتكلَّم معهم في الفَقْه والأدب والحديث، حتى أحبُّوه ولا يُخفى ما لهذا من تأثير في قُلوب النَّاس، أن يكون الخليفة قريبًا من الجميع[57]، انتقل بعدها إلى بَغْداد في السَّادِس عَشَر مِن صَفَر 204هـ / الخامِس عَشَر مِن أُغُسْطُس 819 م، ويقال، أن سبب ذلك، هو أن المأمُون كان يخشى أهل بَغْداد أنصار أخيه، وقيل كذلك أن وزيره الفَضْل بنُ سَهْل هو الذي أقنعه بذلك كي يكون مركز الدولة بين الفرس في خُراسان.[58]

وقد اتَّسمت سياسة المأمُون بأنها جمعت بين المواقف المتناقضة والتي يصعب التوفيق بينها، فكان يميل إلى الفرس تارة، ثم إلى العلويين تارة أخرى، ثم يميل إلى أهل السنة والجماعة تارة ثالثة، فاستطاع بتلك السياسة المرنة، أن يُرضي جميع الأحزاب، ويتغلب على مُعظم الصعاب.[وب 3]

مُنمنمة مِنَ القرن السادِس عَشر تُصور مُبايعة الناس للخَليفة المأمُون سَنة 813.

ثورة أبو السرايا الشيباني[عدل]

تُعتبر ثورة أبو السَّرايا -وهو أحد القادة الكبار الذين تبعُوا القائد العسكري هرثمة بن أعين-، من أُولى الثورات التي بدأت في عهد المأمُون المُبكر كخليفة، فبعد أن بُويع بالخِلافَة في بَغْداد وكان المأمُون آنذاك في مَرُو، أصدر قراراً بتغيير واليه طاهِر بنُ الحُسَين، وعيَّن بدلاً منه وزيرُه المُقرَّب مِنه، ذي الرّياسَتَيْن الفَضْل بن سَهْل وأسند إليه شُؤونِها، فشاع في أنحائِها، أن وزيرُهُ قد استحكم أمور الخِلافَة، وأثارت هذه التَّراكُمات والقَرارات، غَضَب أهل العِراق من بَني هاشِم ووجُوه العَرَب، فأشاعوا بأن بني سَهَل الفُرس، قد حَجبوا الخليفة واستبدُّوا بالرأي دونه، وتزعَّمُ الثَّورة السُّريّ بن مَنْصُور الشَّيْبانِيّ، المعرُوف باسم أبُو السَّرايا، والذي التقى مُحَمَّد بن إبراهيم طباطبا الحسنيّ العلويّ، المشهور بابن طباطبا، وبايعهُ كخليفة لإضفاء شرعيَّة على ثَورَتِه، فكان أبو السَّرايا رجلًا طمُوحاً وكان لهُ التأثير والسُلطة الأكبر في هذه الثَّورة.[59][60]

خرَج أبو السَّرايا ثائرًا من مدينة الكُوفة، في العاشِر مِن جَمادى الآخِرة 199هـ / التَّاسِع والعُشرون مِن يَناير 815م[61]، وقد انضمَّ إليهِ، عددٌ كبيرٌ من العَلويين النَّاقمين على بَني العبَّاس وتسيَّدهُم للخِلافَة المُمتدة من السَّنْد حتَّى إفريِقيَّة، وكان المأمُون لا يعرف شيئاً عن هذه الثَّورة أو الاضطَّرابات، بسبب أن الفَضْل حَرَص على أن ينتقي الأخبار التي تَذهبَ إليه، واضطَّر للتعامُل مع الأمر بمُفرده، فأرسل جيشًا من 10 آلاف مُقاتل بقيادة زُهير بن المُصيب لمحاربة أبو السَّرايا الذي سيطر على الكوفة من واليها سُليمان بن المَنْصُور، إلا أن قوَّات أبو السَّرايا استطاعت أن تهزم كتائب الفَضْل في الثَّلاثين مِن جَمادَى الآخِرة 199هـ / الثَّامِن عَشَر مِن فَبْرايِر 815م، وفي اليوم التالي من المَعْركة، تُوفي ابنُ طباطبا وفاةً مُفاجئة، وتُشير الدلائِل أن أبو السَّرايا سمَّمُه، لأنهُ أحصى غنائِم المَعركة، ومنعَ أبو السَّرايا من التصرُّف بها، وكان الجُند مُطيعين له في هذا، فخشي أبو السَّرايا من نُفوذه، وعمل على التخلُّص مِنه بالسُّم، وقام على إثر وفاتُه، بتعيين مُحَمَّد بن زيد بن عليّ زَيْن العابِدين الحُسينيّ العلويّ مكانُه، وكان غُلاماً صَغيراً، فكان أبو السَّرايا بذلك الآمِر النَّاهي، حيثُ يُولّي من يُريد ويعزُل من يَشاء.[61]

أرسل الفضْل جيشًا آخر بقيادة عبُوس بن مُحَمَّد بن خالد، فتوجَّه إليه أبو السَّرايا وقاتلهُ حتى انتصر عليه وقتلهُ في السَّابِع عَشَر مِن رَجَب 199 هـ / السَّادِس مِن مارس 815 م واستباح عسكَرُه، وبعد المعركة وتوالي الانتِصارات، بدأ أبو السَّرايا صكَّ الدراهِم، ووجَّه وُلاةً عَنه، فأرسل العبَّاس بن مُحمَّد الجعفريّ إلى البصْرة، بينما ثبَّت الحُسين الأفْطَس بن الحَسَن بنُ عليّ زين العابِدين على مكَّة، وولَّى إبراهِيم بن مُوسى الكاظِم على اليَمَن، وبعثَ من العلويين مِن غيرهم إلى فارِس والبَصْرة والأهْواز مما زادُه قُوةً ونُفوذاً.[62]

شَعَر الفَضْل بالعَجزِ الحقيقيّ عن مُحاربته وازدياد شأنِه وتوسُّعِه، فأرسَل يستعين بالقائد العسكريّ هرثُمة بنُ أعيُن، مُفضلاً إيَّاه عن طاهِر بن الحُسين، فسار هَرثُمة على رأس الجيش العبَّاسيّ لمُلاقاته، ووقعت بينهُ وبين قُوات أبو السَّرايا عدة وقعات انهزم فيها أبو السَّرايا وقُتل الكثير من أصحابِه، وعندها، اضطر ابو السرايا للهرب من الكُوفة لعدم قدرته على مُواجهة جيش هرثُمة مُجدداً، وقد أمَّن هرثُمة أهالي الكُوفة، وكان معهُ منصُور بن المهدي، وذلك في يوم الأحد السَّادِس عَشَر مِن مُحرَّم 200 هـ / التَّاسِع والعُشرُون مِن أُغسْطُس 815 م[63]، وتوجَّه بدايةً الى القادِسيَّة ثم فارقها الى واسِط فقاتل ضد الحسن بن علي الباذغيسيّ، وهو أحد القادة العباسيين حتى انهزم أبو السَّرايا وانجرح بشدَّة، ثم الى جَلوْلاء، حيثُ أُلقي القبض عليه من قبل واليها، ومن ثُمَّ، سلَّمهُ الى الحَسَن بنُ سَهْل أخُو الفضْل، ليأمر بضَرب عُنُقِه، وذلك مِن يوم الخَميس في العاشِر مِن رَبيع الأوَّل 200هـ / الواحِد والعُشرون مِن أُكْتُوبَر 815م، وكان بين خُروجه بالكوُفة ومقتله عشرة أشهر.[60][62]

مقتل هرثمة بن أعين[عدل]

كان القائد العبَّاسي هرثُمة بنُ أعيُن قد حاول أن يصل إلى الخَليفة المأمُون في مكان إقامته في مَرُو، ليُطلِعَهُ على حقيقة الأحوال والاضطَّرابات التي نَشَبَت بعد قضائِهِ على ثَورَة أبو السَّرايا، فأرسل لهُ كُتُباً أن يذهب إلى الشَّام والحِجاز، وكان قد وصَل خُراسان، فرفَض هرثُمة وقال «لا أرجِعُ حَتَّى ألقى أميرُ المُؤمِنين» وكان هدفِهِ أن يُبيَّن لهُ ما يُدبِّر عليه الفَضْل وزيرُه، وما يكتمُ عنهُ من الأخبار، فعلِم الفَضْل بذلك، وبدأ بتحريض المأمُون عليه، فادَّعى أن هرثُمة هو من حثَّ أبو السَّرايا على الخُروج والثَّورة[64]، فتغيَّر قلب المأمُون، وقد خشي هرثُمة أن يُكتم قدومِه عن الخَليفة، فأمر بالطُّبول لتُضرب كي يسمعها الخليفة المأمُون، وحينما علِمَ أنَّهُ هرثُمة، أمر بدخوله عليه في قصرِه، وكان قد قيل لهُ أنَّ هرثُمة قد أقبل يرعد ويَبرق، وقد زجرهُ المأمُون، فاتَّهمهُ بأنَّهُ سالَمَ أهل الكُوفَة شيعةُ العَلويين، وسمح بهُروب أبو السَّرايا، وأنَّهُ كان يستطيع أن يُنهي ثَوْرَتَهُم، فاعتذَر هرثُمة، ولكنَّهُ لم يقبل المأمُون مِنه، فأمر به، فداسهُ الحَرَس في بطنِه وضُرب حتَّى سُحِب من بين يديه، ثُمَّ زُجَّ في السَّجن المُشدَّد بأوامر من الفَضْل، فمكث هرثُمة أياماً في حبسه، ثم دسُّوا إليه سُماً ليُقْتل[65]، وقيل دُسَّ إليهِ مَن قَتلَه، وذلك في ذو القَعْدَة 200 هـ / يُونيو 816 م.[66]

ثورة مُحَمَّد بن جعفر الصادق[عدل]

قبل خمسةِ أشهُر من بِداية ثوْرة أبو السَّرايا، سيطر الحُسين الأفْطَس بن الحَسَن بن عليّ زينَ العابِدين العلويّ على مدينة مَكَّة في الأوَّل مِن مُحرَّم 199 هـ / الخامِس والعُشْرُون مِن أُغسْطُس 814 م[67]، وذلك بعد أن غادر والي مَكَّة الأمير داوُد بنُ عِيسى العَبَّاسِيّ ومعهُ بَنو العَبَّاس مدينة مَكَّة، رُغم مُطالبة مسرُور الكَبير، وذلك حِفظاً لبيت الله الحَرَام وقُدسيَّة المكان.[68] قام الحُسَين الأفْطَس بخلع كَسْوَةِ الكَعْبة المُشرَّفة، وفرَّقها بين أصحابِه من بني عَمِّه وأتباعِهِ على مراتِبهُم عِنده، مُعتبِراً أن هذه الكَسْوَة، هي كَسْوَةِ الظَّلَمة أيّ العَبَّاسِيّين، وطرح عليها كَسْوَة جديدة بعثها إليه أبو السَّرايا آنذاك، واستمرَّ الحُسين الأفْطَس مُسيطرًا على مَكَّة[67]، وكُلما سَمِع بوجود وديعة لبني العَبَّاس عِند أحدٍ في المدينة، يهجم عليه في دارِه، فإن وجد عنده شيئاً أخذهُ وعاقبُه، وإن لم يجد عِنده شيئاً، حبسهُ وعذَّبُه حتى يفتدي نفسُه بِطُولِه، وكان لديهِ رجُل من أهل الكُوفة، يملُك دارًا تُدعى دار العَذاب، فأخافوا النَّاس، وهرب مِنهم الكثير من أصحاب النِّعَم والثَّراء[67][69]، فتعقَّبهُم وهدم منازِلهُم، وقلعوا الحديد الذي كان على شبابيك زَمْزَم، وبيِعَ بثمنٍ بخِس.[67]

بعد أن بلغ الحُسين الأفْطَس ومَن معهُ من العَلويين أن النَّاس يكرهون سُوء سيرَتِه ومَن معه، إضافةً إلى وُصول خَبَر مَقْتل أبو السَّرايا في العاشِر مِن رَبيع الأوَّل 200 هـ / الواحِد والعُشْرُون مِن أُكْتُوبَر 815 م، وأنَّ العَبَّاسيين قرروا طرد العَلويين مِن العِراق وكُورِها على خلفيَّة وُقوفِهم إلى جانب أبو السَّرايا، اجتمع وُجُوه العَلويين في مَكَّة وعلى رأسهم الحُسين الأفْطَس مع مُحَمَّد الدِّيباجْ بن الإمام جَعْفَر الصَّادِق، وكان معروفًا بالدّيباج لحُسن وجهه، وكان شيخًا وادِعًا ومُحبَّبًا، ورغم أنه كان كارهًا لها، إلا أن الحُسين الأفْطَس جلب إليه جمعٌ من أهالي مَكَّة، وأرغَمَهُم على مُبايعة مُحَمَّد الدِّيباج، وذلك في الرَّابِع والعُشْرُون مِن رَبيع الآخِر 200 هـ / الرَّابِع مِن دِيسَمْبَر 815 م، فبايعوه طُوعاً وكُرهاً، وسمُّوه أمير المُؤمنين، على الرُّغم من أنَّهُ ليس لهُ من الأمر شيئاً، فالحُسين الأفْطَس هو الآمر النَّاهي[67]، وكان ولد مُحَمَّد الدّيباج ويُدعى عليّ ومعهُ الحُسين الأفْطَس، قد زادوا في بَغيهم وسُوء السيرة، وقد تعدّوا الأموال إلى الأعراض، وكان ذلك على مرأى ومَسمع من أهالي مَكَّة، فضاقوا ذرعًا لسوء سيرتهم وتعدَّياتهم، فقرروا إغلاق محلَّاتهم، واجتمعوا في المَسجِد الحَرام، وذهبُوا مع الطَّوَّافُون نحو دار مُحَمَّد الدّيباج مُحتجين على تصرُّفاتِهم، وهددوا بخلعِه وقَتلِه حتى يرد على مطالبِهم، فأجاب لبعض مطالبهم بما استطاع منه.[67] وبعد أيَّام من هذه الحادثة، جاء الأمير إسحاق بن مُوسَى العبَّاسي والي اليمن، فقاتلهم أيامًا، ولكنَّهُ كره القِتال والحَرب، إلا أن ورقاء بن جميل ومن معه أقنعوه بالبقاء، ودارت معركة ضد العَلويين وكان على رأسهم مُحَمَّد الدّيباج، فلما انهزم، طلب الأمان له ولمن معه حتى يخرجوا من مَكَّة، ويذهبوا حيث شاؤوا، فأجيبوا وأُمهلوا ثلاثة أيام، فخرجوا مِنها، ودخل الجيش العبَّاسي مكة وأمَّن أهلها، وذلك بحلول جَمادى الآخِرة 200 هـ / يَنايِر 816 م.[70]

وفي أثناء مسير مُحَمَّد الدّيباج ومن معه نحو جَدَّة، لقيُه رجُل يُدعى مُحَمَّد بن حكيم بن مُروان، وكان الحُسين الأفْطَس ومن معه، قد قاموا سابقاً باقتحام دارُه، وعذَّبوه عذاباً شديداً، فلمَّا علم بخُروجهم، جمع عبيداً وجمراً غفيراً مِنهم للحاق به، وكان من موالي بَنو العَبَّاس، فنهب قافلته وجرَّدهُ مِمَّا معه، وهمَّ بقتلِه، إلا أنَّهُ آثر ذلك وترك لهُ بعضاً من الدراهم والملابس، وقد وقعَ فيما بعد، بينه وبين هارون بن المسيب، والي المَدينة العَبَّاسي، قِتال، فانهزم مُحَمَّد الدّيباج، وفُقئت عينُه بنشَّابة، وقُتل من أصحابِه عدد كبير، وكان قد طلب الأمان من رَجاء، ابن عَم الفَضْل بنُ سَهْل، فدخل مَكَّة، يوم الأحد، الثَّاني عَشَر مِن ذو الحِجَّة / الخامِس عَشَر مِن يُوليو م مِن نفسِ العام، وأعلن خَلع نَفْسِه، أمام الحُجَّاج وجمعٌ من وُجوه قُريش، وبايعَ المأمُون[71]، ثُمَّ سلَّمهُ الحَسَن بنُ سَهْل إلى الخليفة المأمُون، فعفى عنه، وأكرَمَه، وجعلهُ يُقيم عِندهُ في مَرُو حتَّى تُوفي مُحَمَّد الدّيباج في جَرْجان سنة 203 هـ / 818 م، وصلَّى عليهِ المأمُون.[72]

الاضطرابات في بَغْداد[عدل]

حينما بلغ العراقيين الشائعات أن الفَضْل بنُ سَهْل قد حجز الخليفة، وأنَّهُ يُبرم الأمور على هواه، وعيَّن أخاه والياً على العراق، كما أنهم غضبوا وثاروا على الوالي الحسن بنُ سَهْل بسبب قتل هرثُمة، بدأت الاضطرابات تظهر في منطقة الحربيَّة، وعرضوا على عمَّه المنصور بن المهدي أن يُبايعوه خليفةً فرفض، ثم اقترحوا عليه أن يكون أميرهم ويدعو للمأمون، فوافق، فتغلَّبوا على الكوفة ومُعظم جُنوب العراق إلى بَغْداد[65]، إلا أنها كانت خالية من الجيش، كما نتج عن ذلك حدوث فساد شديد وانتشار لعدم الاستقرار والأمان من قبل الشُّطَّار الذي كانوا في الحربيَّة والكرخ، فكانوا يأخذون الغُلمان والنَّساء علانيةً من الطريق[65]، وكانوا يأخذون ما يستطيعون من متاع وأموال من النَّاس، فقام رجُل من ناحية طريق الأنْبَار، يُدعى خالد الدريوش، فدعا جيرانه وأهله أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، من دون أن يطلِبوا الحُكْم[73]، فأجابوه والتفوا حوله، وبدأ يشد على الشُّطَّار، ومنعهم مما كانوا يصنعون، ثم قام من بعده رجُل يدعى سهل بن سلامة الأنصاريّ، ودعا للأمر بالمعروف، وعلَّق مُصحفاً في عُنُقه، وبدأ بأهل جيرانه ومحلَّه فأمرهم بالمعروف ونهاهم فقبلوا منه، وقد كثُر أتباع الرَّجُلين وإن لم يكونا على وِفاق، كل ذلك، والمأمُون في مرُو، لا يعلم شيئاً عمَّا يحدث، فقد كان الفَضْل بنُ سَهْل يحجب الأخبار عنه،[74] حتَّى بلغ خبرهُما مَنْصُور بن المِهْديّ، وعِيسى بن مُحَمَّد بن أبي خالِد، فرفضوا ذلك، فدخلوا بَغْدَاد بعد أن عُقد صلحاً مع الحَسَن بنُ سَهْل.[73]

تقربه من العلويين[عدل]

علم مُشابه للعلم الذي بدَّل المأمُون لونهُ من الأسود إلى الأخضر، وقد دام عامين تقريباً، من 817 إلى 819م، ثم عاد أسوداً.

في أثناء الاضطرابات في العراق، كان المأمُون يُميل نحو العلويين، فكانت نظرتُه إليهم تتسم بالعطف والتَّسامح، وقد قام المأمُون في خُطوة احتار المُفسّرون لغرابتِها، وهي أنه في يَوم الثُّلاثاء، في الثَّاني من رَمَضان 201هـ / الثَّالِث والعُشْرُون مِن مارس 817م[75]، عيَّن عليُّ بن موسى الكاظم الحُسيني الهاشِميّ وليَّاً للعَهْد مِن بَعدِه، والذي يُعد الإمام الثامن حسب الطائفة الإمامية الإثني عشرية، ولقَّبهُ بالرِّضا من آلِ مُحَمَّد، وأخذ العهد من كبار الشخصيَّات وقادة جيشه في مَرُو التي كان يُقيم بها، بالولاء للوريث الجديد، والذي كان يرتدي ملابس خضراء، وأمر جنوده بإزالة السَّواد شعار العباسيين، ولبس الثياب الخضراء شعار العلويين، وكتب بذلك إلى سائر أنحاء دولة الخِلافَة.[76] وكان السبَب وراء ذلك كما جاء في بعض الرُّوايات، بأنَّ المأمُون قد نظر في بَنو العَبَّاس، وفي بنو عَليّ، فلم يجِد أحداً أفضل ولا أوْرَع ولا أعلمُ مِنه[77]، وزوَّجهُ ابنته أم الحَبيب، في خُطواتٍ غير مسبوقة، وكُل ذلك في وقتٍ واحد[78]، وكانت تُمثل خطوة التعيين لعَلويّ والمُصاهَرة معه على المُصالحة بين العبَّاسيين والعَلويين أبناء العُموم من بَني هاشِم إلى أن توفَّى الرِّضا في الثلاثُون مِن صَفَر 202 هـ / السَّادِس مِن يُونيو 818 م.[72]

ثورة إبراهيم بن المهدي[عدل]

وبعد أن شاع في العِراق أن الفَضْل بنُ سَهْل قد احتجز الخليفة، وأنَّهُ الآمر الناهي في الأمر، خلعَ أهالي بَغْداد من العراقيين والعبَّاسيين الخليفة المأمُون، وبايعوا عمَّهُ إبراهيم بن المَهدي خليفةً عليهم، ولقَّبوه بالمُبارك، وذلك في لأوَّل مِن مُحَرَّم 201هـ / الثَّالِث والعُشرُون مِن يُوليو 817م، كما كانت الأخبار بمُبايعة عليُّ الرّضا كوليّ عَهْد بعد المأمُون مرفوضة لديهم، وقال القائل منهم: «لا تخرج الخِلافَة من وُلد العبَّاس»، فسيطروا على الكوفة ومُعظم أرض السَّواد إلى بَغْداد.[79]

افتضاح أمر الفَضْل[عدل]

في بداية الأمر، لم تصل أخبار ثَوْرة العراقيين وبيعتهم لإبراهيم بن المهدي إلى المأمُون، فقد كان وزيرُه الفَضْل يتعمَّد إخفائها عنه كما أخفى عنهُ ثورة أبو السَّرايا وفشله في مُحاربته، وكذلك تحريضهُ للمأمون على قَتل هرثُمة والذي حاول المجيء بنفسه وإخبار الخليفة بما وَجَد، وتعدَّدت الآراء حول أسباب الفَضْل في ذلك، وقيل أنَّهُ أراد نقل الخِلافَة إلى العَلويين[79]، إلَّا أنَّ الشخص الوحيد الذي تجرَّأ على إخبار المأمُون بأخبار هذه الفتن، هو وليُّ عهده عليُّ الرضا[79]، وقد رَفَض المأمُون في البِداية أن يكون عَمَّهُ إبراهِيم قد بُويع بالخِلافَة، فأخبرهُ عليُّ الرِّضا أنَّ الفَضْل كَذَّب عليه، وأن الحرب قائمة بين الحَسَن بنُ سَهْل وبين الأمير إبراهِيم بن المهديّ، وأن النَّاس كارهون لولاية عَهْدِه مِن بعدِه ويتحدثُّون بأن المأمُون أصابَهُ السَّحر أو الجُنون، فسأل المأمُون عمَّن يعلم غيرُه، فأخبرهُ الرِّضا أنَّ العديد من وُجُوهِ العَسْكَر يعلمون بالخَبَر، فأمر المأمُون بالوَفْدِ عليه، وبعد أن طلبوا منهُ الأمان من الفَضْل، أخبروه بصحَّة الأنباء، ومنها أنَّ أهل بَغْداد قد بايعوا عَمَّهُ إبراهِيم، وسمُّوه الخليفةُ السُّنِّي، بينما يتَّهمون المأمُون بالرَّفض لِمكان عليُّ الرِّضا مِنه، وأنَّ قائدهُ المُخلِص هرثُمة بن أعيُن حاول أن يأتي لينصحه، فقتله الفَضْل بالتَّحريض عليه، وأنَّ قائد الجُند طاهِر بنَ الحُسَيْن قد أبلى في طاعتِه ما يُعرف عنه، ثُمَّ أُخرج من الأمر كُلَّه، فعُزل عن تولّي العِراق لصالِح بنوُ سَهْل، وأنَّهُ جُعل في زاوية بعيدة في الرَّقَّة، لا يُستعان بِهِ على شيء، حتَّى ضُعِفَ أمرُه، وثارَ عليهِ جُنْدُه، وأنَّ طاهِراً لو كان في بَغْداد لاستتابت الأمُور إلى الخليفة، وأنَّ الثَّورات قد عَصَفَت في أقطارِها، واقترحوا على المأموُن العَودة إلى بَغْداد، فإنَّ أهلها إن رأوه، أطاعوه.[80] وقد علِم الفَضْل بما قام به هؤلاء الجُند من إخبار للمأمُون، فضَرب بعضهم، وحبس آخرون، فأخبر عليُّ الرِّضا الخليفة المأمُون بما حصل لهم، وأعلمهُ بما كان لهُم من ضَمانة آنذاك، فقال «أنا أُداري» أيّ أنَّهُ على عِلم.[81]

مقتل الفَضْل بنُ سَهْل[عدل]

في الثَّاني مِن شَعْبان 202 هـ / السَّادس عَشَر مِن فَبْرايِر 818 م، وفي أثناء ما كان الخَليفة المأمُون قد شدَّ الرِّحال من مَرُو نحو سَرْخَس، هَجَم في هذا اليَوم أربعة أشخاص على الفَضْل في الحَمَّام حتَّى قَتلُوه، وكانوا القَتلة هُم غالب المسعوديُّ الأسْوَد، وقِسْطَنْطين الرُّوميّ، وفَرَج الدَّيْلَمي، ومُوفَّق الصَّقلُبي، وهربوا بعد الحادِثة، ثُمَّ جعل المأمُون لِمَن يأتي بهم عشرةُ آلافِ ديِنار، فجاء بهم العبَّاس بنُ الهَيْثَم الدِّينوريُّ، وقد قال القَتَلة للمأمُون «أنتَ أمَرْتَنا بِقتْلِه»، وكانت أصابع الاتَّهام تُشير إليه، فقد كانوا أيضاً ينتمون لقوميَّات مُختلفة، وهكذا يضيعُ دمُه بين الجميع فلا يُطالب بِه الخُراسانيّين، كما تزوَّج المأمُون في نَفس السَّنة ببوران بنتُ الحَسَن بنُ سَهْل أُخت الفَضْل.[80]

وفاة علي الرضا[عدل]

في فترةٍ أثناء مسير المأمُون البطيء إلى بَغْداد، توفي وليُّ عَهْدِه عليُّ الرّضا، إثر تناوله عنباً مسموماً في مدينة طُوس، وذلك في الثَّلاثُون مِن صَفَر 202 هـ / السَّادِس مِن يُونيو 818 م[82] أيّ بعد قرابة أربَعةَ أشهُر من مَقْتَل الفَضْل، وقد تضاربت الرِّوايات التَّاريخيَّة، فقيل أن المأمُون قتلُه، واستبعد هذا الخيار المُؤرِّخ ابن الأثير[82] كما رفضها المُؤرِّخ سَبَط ابن الجَوْزي، وذَكر أنَّ المأمُون حزِن عليه، وبقي أيَّاماً لا يأكُل طَعاماً ولا يشربُ شراباً، وهَجَرَ اللَّذات[83]، ويُروى أن المأمُون دخَل عِند الرِّضا يعودُه حيث كان يحْتَضِر، فبكى المأمُون، وقال: «أعزز عليَّ يا أخي بأن أعيش ليُومِك، وقد كان في بقائكَ أمَل، وأغلظ عليَّ مِن ذلِك وأشدُّ أن النَّاس يقولون إني سقيتُك سُماً، وأنا إلى الله مِن ذلِك بريء»، فردَّ عليه الرِّضا: «صدقتَ يا أمير المُؤمِنين، أنت والله بريء»، ثُمَّ خرج المأمُون مِن عِنده، وتُوفي الرِّضا، وصلَّى المأمُون عليه، ثُم حضر دفنِه قبل أن يُحفر قبرُه، وأمر أن يُحفر إلى جانب أبيه الرَّشيد.[84] ولم تلبث أن قامت حول مقامه مدينة جديدة، وهي مدينة مَشْهَد، التي بُنيت على أنقاض مدينة طُوس القديمة، وهي تعتبر اليوم من أهم الأماكن الشيعية المُقدَّسة بعد كَرْبَلاء.[85]

دخول بَغْداد[عدل]

وبعد أن زالت الأسباب التي دعت إلى غضب أهلها، دخلَ الخَليفة عبدُ الله المأمُون بَغْداد مِن يَوم السَّبت في السَّادِس عَشَر مِن صَفَر 204 هـ / الخامِس عَشَر مِن أُغُسْطُس 819 م، في لِباسٍ أخضَر والألوان الخَضراء على الأقبية والقلانِس والأعلام[81] فقِدم الرَّصافة، ثُم مضى ونزل قصرُه على شاطئ دَجْلَة، وأمر القُوَّاد أن يلزموا مُعسكَرَهُم[72]، وكانت عَودِته، هي المرَّة الأولى لهُ في العاصِمة منذ إحدى عشرة عامًا مضت، حيث أقبل أهل بيتِه من بَنُو العَبَّاس ووُجوه أهل بَغْداد، والقادة، ومِنهم طاهِر بنُ الحُسَيْن، على السَّلام عليه ومُبايعته، وكان أهلُ بَغْداد قد خلعوا عَمَّهُ إبْراهيم من الخِلافَة سابِقاً وخَطَبوا للمأمُون، والذي اضطَّر للاختِفاء منذُ ليلة الأربعاء السَّابع عشر مِن ذُو الحجَّة 203 هـ / الثَّامِن عَشَر مِن يُونيو 819 م[81]، أيّ قبل عدة أشهر من دخُول المأمُون إلى بَغْداد، ورُغم أن المأمُون كان قد عفا عَنْه، إلَّا أنَّهُ حاسَب من سعى في بيعة عَمّه، فجلدهم وقتلهم، ثم عزل الحَسَن بنُ سَهْل من ولاية العِراق، وبهذا يكون قطَع صِلتهُ تماماً عن بني سَهْل الفُرس.

العودة إلى السَّواد[عدل]

كان النَّاس يدخلون قصر المأمُون في ثيابٍ خُضْر والذي استمرَّت سياسة المأمُون فيه حتَّى مع وفاة وليُّ عِهْدِه عليُّ الرِّضا، ودام النَّاس على هذه الحال ثمانيةُ أيَّام مُنذُ عودة المأمُون إلى بَغْداد، حتَّى تكلَّم في ذلك بَنو هاشِم وابنِهِ العَبَّاس، وقالوا: «يا أميرُ المُؤمِنين، تَركْتَ لِباس آبائِكَ وأهلُ بَيْتِك ودَولَتِك، ولبست الخضْرة»، كما سألهُ طاهِر بن الحُسَيْن أن يعود لِلبس السَّواد، وكانت الأميرة العَبَّاسيَّة زيْنَب بنتُ سُليْمان - حسب المُؤرَّخ المَسْعُوديّ- هي السَّبب في إقناع المأمُون، فقد كان خُلفاء بني العبَّاس منذ السَّفَّاح يُجلُّونها ويُعظِّمونها، وشَهَدت تأسيس الخِلافَة العَبَّاسيَّة[86]، وعلى كُلٍ، فحينما رأى الخليفة المأمُون طاعة النَّاس لهُ في لِبس الخَضْرة مع كراهتِهِم لها، دعا بلباسٍ أسود فلبسُه، ثم أمر بجلب خلعة سَواد، وألبسها بدايةً طاهِر بنُ الحُسَيْن، ثم دعا بعدُه من قُوَّادِه، فألبسهم أقبية وقلانِس سوداً، وذلك في يَوم الأحَد الرَّابع والعُشْرُون مِن صَفَر 204هـ / الثَّالِث والعُشْرُون مِن أُغُسْطُس 819م، وبذلك تكُون خِلافة ومُلك المأمُون، قد بدأت فعليَّاً دون مُنافِس على وجه التَّعبير، كما يصف ذلك المُؤرّخ الخُضْري.[87]

ثورة عبد الرحمن الهاشمي[عدل]

وقد حدث أن الوُلاة على اليَمَن، قد أساؤوا السيرة إلى النَّاس، وبسبب ذلك، خَرَج عبد الرَّحمن بن أحمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عُمر الأطْرَف بن عليُّ بن أبي طالِب الهاشِميّ، في بلاد عَكْ مِن اليَمَن، يدعو إلى الرَّضا مِن آل مُحَمَّد، وذلك في سنة 207 هـ / 822 م، فلما ظَهَر عبد الرَّحمن، بايعهُ جُل من النَّاس، فبلغ شأنُه الخليفةُ المأمُون، وقرر إرسال دِينار بنُ عبد الله على رأس جيشٍ كثيف، ومعهُ كِتاب أمان لعبد الرَّحمن إن أراد التسليم، فسمع عبد الرَّحمن بكِتاب الأمان، فوضع يدُه في يد القائد دينار، وسار معهُ إلى بَغْداد، وبايَع المأمُون، ولبِس السَّواد.[88]

ثورة نصر بن شبث[عدل]

بحلول عام 209 هـ / 824 م، وبعد أن كان المشهد في بعض أنحاء بلاد الشام والجزيرة يتَّجه للهدوء والاستقرار، كان ما يزال يضطَّرب في بعض أنحائها، فقد قامت ثورة بقيادة نَصْر بن شَبَث العُقَيْليّ، وكان ذلك منذ ثورة أبو السَّرايا، أيّ في سنة 198 هـ / 813 م، إلَّا أن ثورتُه لم تُحسم، فقد سيطر على كَيْسُوم حينها، وهي ناحية من شمال حَلَب، وكان نَصْر مُبايعاً للخليفة مُحَمَّد الأمين، ولهُ ميلٌ كبير إليه، فلمَّا قُتل الأمين، أظهر نَصْر الغضب، وتغلَّب على ما جاورها من البِلاد، وسيطر على سُمَيْساط[89] فاجتَمَع إليه عدد كبير من الأعراب، وقُويت نفسُه، فعبر الفُرات باتجاه الشَّرق، ونوى أن يُسيْطر عليها، وحينما رأى النَّاس ذلك، كثرُت جُموعُه، وزادت عما كانت.[89]

استطاع نَصْر بن شَبَث مُحاصرة حرَّان، وقُويت شَوْكَتُه، وذلك سنة 199 هـ / 814 م، ويُروى، أنَّهُ جاء إليه جماعة من الشّيعة، وطلبوا منهُ أن يُبايع خليفةً من العَلَويين، فرَفَض قائلاً «أبايع بعض أولاد السوداوات فيقول إنه هو خلقني ورزقني؟»، وحينما قالوا أن يُبايع لأحد من الأمَويين، قال «أولئك قد أدبر أمرهم، والمُدبر لا يُقبل أبداً، ولو سلَّم علي رجل مُدبر لأعداني إدباره، وإنما هواي في بني العبَّاس، وإنما حاربتُهم مُحاماة على العَرَب، لأنَّهُم يُقدمون عليهم العَجَم»، وفيها إشارة إلى طريقة تفكير نَصْر وإرادتهُ لخليفة عَبَّاسي عربيّ، وهو تأكيد على أن ثورتُه هي عربيَّة التوجُّه أمام النُّفوذ الفارسي الذي كان مُحيطاً بالخليفة المأمُون.[90]

وبعد أن قام الخليفة المأمُون بحسم العديد من الثَّورات والاضطرابات التي خرجت في حُكمه، وجَّه أنظاره نحو ثورة نَصْر، في سبيل مواجهة ثورته، عيَّن الخليفةُ المأمُون طاهِر بن الحُسَيْن والياً على الشَّام، و مِصْر، وكان مركزُ وِلايته في مدينة الرَّقَّة، وأمرهُ بمُحاربة نَصْر، وذلك في سنة 206 هـ / 821 م[91]، ولم يرِد أثر واضِح في كيفيَّة مُحاربته، فسُرعان ما تُوفي بعد سنة واحدة[92]، فخلفهُ ابنهُ عَبدُ الله بن طاهِر في الوِلاية، وكان حازِماً ومُخلصاً للمأمُون، وقد توجَّه القائد عبد الله بن طاهر على رأس جيشٍ لمُحاربة يجعل نَصْر، فحاصرهُ، وضيَّق عليه حتى زاد الخِناق، بسبب مُحاصرتهمما ألجأ نَصْر في النَّهاية إلى طلب الأمان من الخليفة المأمُون، وبعث الوُفود لذلك، فمنحهُ الخليفة الأمان، وقدِم إلى بَغْداد، وعفا عنه، فانتهت الثورة في صَفَر 210 هـ / يُونيو 825 م، بعد أن استمرَّت خمسةُ أعوام.[93][94][95]

ثورة قُم[عدل]

استسحن أهالي قُم قيام الخليفة المأمُون بإسقاط شيئاً من خراجهم، وكان سببه أن المأمُون لما سار من خُراسان إلى العراق أقام في مدينة الرَّي، لعدة أيام، وأسقط عنهم مبلغاً من الضرائب، فطمع أهل قُم أن يكررها لهُم، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يجبهم المأمُون إلى ما سألوا، فامتنعوا من أدائه، وقرروا خلع الخليفة، فوجه المأمُون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحاربهم، وظفروا بهم، وقُتل مُتزعمهم يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة عِقاباً لهُم، وقرر رفع الخِراج رداً على تمرُّدهم، فجباها على سبعة آلاف ألف درهم، وكانوا يتظلمون من ألفي ألف، وذلك في سنة 210 هـ / 825 م.[96]

تمرد والي مصر[عدل]

دينار عباسي ضرب عام 208 هـ \ 823 م، في الفسطاط المصريَّة، في عهد الخليفة المأمُون. كتب على وجه الدينار: للخليفة المأمُون، وكتب على ظهره: عبيد الله بن السري، وهو والي مصر في ذلك العصر.

في أثناء الفِتنُة الرَّابِعة بين الأمين والمأمُون، كانت الأحداث في مِصْر مُضطربة، إذ انتقلت إليها عدوى الخلافات بين الأمين والمأمُون، ففريق كان يؤيد الأمين، وفريق آخر كان يؤيد المأمُون، وفريق ثالث بزعامة الوالي العبَّاسي السّريُّ بن الحَكم، واستمرَّت الأحوال كما هي، حتى تُوفي في جَمادَى الأولى 205 هـ / نُوفَمْبَر 820 م، وقد تولَّى ابنهُ عُبيد الله بن السُّريّ بدلاً عن أبيه وِلاية مِصْر، إلَّا أنه تمرَّد وخلعَ الطَّاعة، وتصادف في ذلك الوقت أن قامت وقعة الربض في الأندلس، ضد أميرها الحكم بن هشام الأمويّ، وقد عاقبهم الأمير بهدم ديارهم، وحرق حيهم، ونفيهم من الأندلس، عِقاباً لتمرُّدهم، فعبر بعضهم إلى المغرب، أما البعض الآخر فقد واصلوا سيرهم في البحر شرقاً، حتى وصلوا إلى شواطئ الإسكندرية، فنزلوا عليها أوائل فترة حكم الخليفة المأمُون، وكانت الأحوال في مصر مُضطربة، فانتهز الأندلسيون هذهِ الفِتن، واستولوا على مدينة الإسكندريَّة، بمعاونة من أعراب البحيرة، وأسسوا فيها إمارة مُستقلة.

فسار عَبدُ الله بن طاهِر إلى مِصْر في سنة 210 هـ / 825 م وذلك بعد أن أنهى ثوْرة نصرُ بن شَبْث، فلما قَرِب مِنها، قدَّم أحد قُوَّادِه لينظُر مَوْضعاً يُعسكر فيه، وكان ابن السُّريّ مُخندقاً، فالتقى الطرفان بعد أن هَجَم ابن السُّريّ وجُندُه عليه، واقتتلا اقتتالاً شديداً، وكان القائد الذي أرسلهُ عَبدُ الله في قِلَّة مِن رجِال، فسيَّر بريداً مُستعجلاً إلى عَبدُ الله بخبرِه، فحمِل الأخير الرَّجال على البِغال، وتجنَّب الخيل، وأسرعوا السير، فلحقوا بالقائد وهو يُقاتل ابن السُّريّ، فلمَّا رأى عَبدُ الله الطَّاهِريّ قادِماً، لاذ بالفِرار وانهزَم عنهُم، وتساقط أصحابُه في الخَندق الذي أمر به، حتَّى قيل أن الكثير مِنهم هَلَك نتيجة السقوط في الخندق أكثر مما قُتل في المَعْركة.[96]

دخل ابن السُّريّ العاصِمة المصريَّة الفُسْطَاط، وأغلق الباب عليه وعلى مُعاونيه، فحاصرهُ عَبدُ الله، وكطريقة للتآلف والاعتذار ورُبما الخُضوع، أرسل ابن السُّريّ، ألف وصيف ووصيفة، مع كُلّ واحد ألف دينار ليلًا، فردَّهُم عبدُ الله، وكَتَب إليه: «لو قبلتُ هديُّتك نهاراً لقبلتها ليلاً (بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) النَّمَل 36-37»، وحينئذٍ طَلَب ابن السُّريّ الأمان، فقِبَل عَبدُ الله، وكان قد أرسلهُ إلى بَغْداد ودخلها بحلول سنة 211 هـ / 825 م، وعُيَّن عَبدُ الله بن طاهِر واليًا على مِصْر.[96]

تمرد الإسكندريَّة[عدل]

بعدما استتبت الأحوال في الوجه القبلي وجزء من الوجه البحري، أرسل والي مِصْر عبد الله بن طاهر رسولاً إلى الأندلسيين الذين سيطروا على مدينة الإسْكَندَريَّة يهددهم بالحرب إن لم يدخلوا الطاعة، سنة 210 هـ / 825 م، وكان أميرُهُم يُدعى أبا حَفْص، فأجابهُ وقَبِل وسألهُ الأمان، على أن يرتحلوا إلى بعض أطراف الرُّوم، ثم اتجهوا في مراكبهم إلى جزيرة إقْريطش، وكانت تابعة للرُّوم، فاستولوا عليها بالقوَّة، وهناك استوطنوها وعاشوا بها[96]، حيث أسسوا قاعِدة بَحريَّة إسلاميَّة ضد الرُّوم.[97]

تمرُّد زريق بن عليّ[عدل]

وجَّه الخليفة المأمُون القائد العسكري مُحَمَّد بنُ حَميد الطُّوسيّ إلى بابَك الخُرَّمي لمحاربته في سنة 211هـ / 827م، ولكنه أمره قبل أن يذهب إليه، أن يَعْرِج بطريقه على المَوْصِل ليُقاتل زُريق بن عليّ، بسبب قَتلِه لوالي المَوْصِل السيّد بن أنس الأزديّ، وكان المأمُون قد غَضِب لمقتَلِه، فسار الطُّوسيّ إلى المَوْصِل، ومعه جيشه وابن والي المَوْصِل المَقْتُول، مُحَمَّد بن السيَّد الأزديّ، وجمع ما فيها من الرّجال العَرَب من اليَمانيَّة ورُبَيعْة، وسار لحرب زريق، فبلغ الخبر إلى الأخير، فسار نحوهم، والتقوا في نَهْر الزَّاب، فراسله الطُّوسيّ يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، فناجزه مُحَمَّد، واقتتلوا واشتد القتال، طلباً للثأر بدم الأزديُّ، فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه الطُّوسيّ، فنزل إليه، وسيَّرهُ إلى المأمُون.[98]

وكتب المأمُون إلى مُحَمَّد الطُّوسيّ، يأمره بأخذ جميع مال زريق من قرى ورستاق، ومال، وغيره، فأخذ ذلك لنفسه، فجمع الطُّوسيّ أولاد زريق وأخوته، وأخبرهم بما أمر به المأمُون فأطاعوا لذلك فقال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمَرَني به، وقد قبلتُ ما حَباني مِنه، ورددته عليكم، فشكروه على كَرَمِه وعَفوْه، واستخلَفَ على المَوْصِل مُحَمَّد بن السيَّد الأزديُّ، وانطَلَق نحو أذْرُبَيْجَان لِمُواجهة الخُرَّميَّة.[99]

ثورة بابك الخُرَّمي[عدل]

قَلعةُ بابِك الخُرَّمي على سفح جبل، حيث كان يعتصِم بها مع أتباعِه، تقع حاليًا في أذربيجان الشرقيَّة شمال غرب إيران.

بعد أن استخلف على المَوْصِل مُحَمَّد بن السيّد، وقصد الثائرين المُسيطرين على أذْرُبَيْجَان فقضى عليهم ثم سيَّر زعيم المُتمردين يعلي بن مُرَّة وبعض أتباعه، إلى الخليفة المأمُون، سار القائد العبَّاسيُّ العسكريُّ مُحمَّد بن حميد الطُّوسي إلى أذْرُبَيْجَان، وسلَكَ المضائق، وكان كُلَّما جاوَزَ مضيقاً، تركَ حُراسًا لِحفظ المكان، حتى نزل بهشتادسر، وحفر خُندُقاً، وشاور القادة العسكريُّون معه، فأشاروا عليه بالدُّخول مِن مكانٍ مُعيَّن، فقبِل رأيهم، وجهَّز الكَتائب، وجعل على القلب أبي سَعيد الطَّائيّ، وعلى المَيْمَنة السَّعديُّ بن أصرم، وعلى المَيْسَرة العبَّاس بن عبد الجَبَّار اليَقْطينيّ، وكان الطُّوسيّ واقفاً خلفَهُم، ويأمرهُم بسد الخَلل إن رآه، وكان بابَك الخُرَّميّ يُشرِف عليهم من قَلعَتِه على سفَحِ الجَبَل، وكان قد وزَّع أتباعُهُ تحت كُل صَخْرة، فلمَّا تقدم الجيش العبَّاسيّ وصعد الجَبَل بِمقدار ثلاثةُ فَراسِخ، فظهر لهُم الخُرَّميَّة مِن بين الصُّخور، ونَزَل بابَك مِن مَوْقَعِه للقِتال مع أتباعِه، وكثُر القَتْل والهَرْج، وصَمَد أبو سَعيد الطَّائيّ والطُّوسيّ وأمروا المُقاتلين بالصَّبَر، ولكن انهَزَموا وانسحبوا، ولم يبقَ إلا القليل، ورأى الطُّوسيّ اقتِتال في مكانٍ ما، فقصَدَهُم، ورأى الخُلَّص من جُنده يُقاتلون الخُرَّميَّة، وحينما رأو الطُّوسيّ، هابَهُم منظره وحُسن هَيئتِه، وهَجَموا عليه، فقاتلهُم، وقاتلوه، وحينما لم يتمكَّنوا من قتلِه، ضربوا فرسِه بمزراقٍ، فسقط إلى الأرْض، وأكبُّوا عليهِ واستُشْهد في المَعْركَة الدَّامية[100]، وذلك في الخامِس والعُشْرُون مِن رَبيع الأوَّل 214 هـ / الخامِس مِن يُونيو 829 م[101]، وحينما وصل خَبَر اِستشْهادُه، رثاهُ الشُّعراء، وعَظَم خَبَر مَقْتَلِه عِند الخليفةُ المأمُون، وحَزَن عليه[100]، وقد استمر بابُك في ثورَتِه حتَّى ما بعد وفاة المأمُون، وقد أوصى عبدُ الله المأمُون أخوه المُعْتَصِم بإنهاء تمرُّدِه مُن جُملَةِ ما وصَّاه، حيث يقول «والخُرَّميَّة، فاغزهم ذا جزامة وصرامة وجلد، واكنفهُ بالأموال والسلاح والجنود من الفُرسان والرجال، فإن طالت مدتهم فتجرَّد لهم بمن معك، من أنصارك، وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مُقدِّم النيَّة فيه، راجياً ثواب الله عليه».[102]

الحملة المأمُونيَّة الأولى على الرُّوم[عدل]

سار الخليفة المأمُون على رأس الجيش العبَّاسيّ، مُنطلقاً مِن مدينة السلام، للتوجُّه في أوَّل حملةٍ جِهاديَّة بقيادته ضد الرُّوم، وذلك في أواخر شهر مُحرَّم 215هـ / أواخر مارس 830 م، وقد استخلف على المدينة، القائد إسحاق بن إبراهيم الخُزاعيّ، وولاه مع ذلك، أرض السواد، وحلوان، وكور دجلة، فلما صار المأمُون بتكريت قدم عليه مُحَمَّد بن علي، المعروف بالإمام مُحَمَّد الجواد، فلقيه بها، فأجاره، وأمره بالزواج بابنته أم الفَضْل، فتزوجها، وكان ذلك في الأوَّل مِن صَفَر 215هـ / الثَّاني مِن أبْريل 830م[103]، وسار المأمُون على طريق المَوْصِل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسُوس من ضمن أراضي الخِلافَة، ودخل منها إلى بلاد الرُّوم، في مُنتصف جمادَى الأولى / أوائل يوليو، ورحل العبَّاس بن المأمُون من ملطية، فأقام المأمُون على حصن قرة وحاصرها، حتى افتتحه عنوةً، وهدمه في السَّابِع والعُشْرُون مِن جمادى الأولى / الخامِس والعُشْرُون مِن يوليو، وقيل إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمُون[103]، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجَّه القائد أشناس التركي إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه القائدين عجيف بن عنبسة، وجعفر الخياط، إلى صاحب حصن سنان، فسمع وأطاع[103]، وفي هذه الأثناء، عاد أبُو إسحاق من مصر، فلقي الخليفةُ المأمُون قبل دخولِه المَوْصِل، وبعد نهاية الحملةُ العسكريَّة العبَّاسيَّة، عاد الخليفة المأمُون إلى دِمَشْق.[103]

الحملة المأمُونيَّة الثانية على الرُّوم[عدل]

وُرد للمأمُون خبر قيام ملك الرُّوم، بقتل ألف وستمائة من أهل طرسُوس والمصيصة، فاستشاط غَضَبًا، وقرر العودة بنفسه لتأديب الرُّوم، فسار حتى دخل أراضيهم، وتوغَّل فيها بدءًا من التَّاسِع عَشَر مِن جَمادى الأوُلَى 216 هـ / السَّابِع مِن يوليو 831 م، فأقام إلى الخامِس عَشَر مِن شَعْبان / الثَّلاثُون مِن سَبْتَمْبَر[104]، وقيل كان سبب دخوله إليها، أن ملك الرُّوم توفيل، قد كتب إليه وبدأ بنفسه فلم يُتابع المأمُون قِراءة كِتابه، وكان ذلك يُعد استعلاء على الخليفة، فقرَّرَ المسير إليه في حملة عسكريَّة ثانية، فلما دخل أرض الرُّوم، أغار على أنطيغوا، وسرعان ما خرج أهلُها على صلح، ثم سار إلى هرقلة، فصالحهُ أهلها، ووجه أخاه أبُو إسحاق مُحَمَّد، فافتتح ثلاثين حصناً، ومطمورة، ووجه القاضي يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار، وقتل، وأحرق، فأصاب سبياً، ثم سار المأمُون إلى كيسوم، فأقام بها يومين، ثم انتهت الحملة، وعاد إلى دِمَشْق[105]، ولم يلبِث أن ظهر عبدُوس الفهريّ ثائراً عليهِ في مِصْر، فقرر المأمُون التوجَّه إليها، وذلك في الخامِس عَشَر مِن ذُو الحجَّة 216 هـ / السَّادِس والعُشْرُون مِن يَنايِر 832 م.[105]

ثورة الأقباط[عدل]

كانت الأوضاع في مصر قد اشتعلت، حيث أنها لم تستقر أو تنتهي أزمتها بعد حملة القائد العباسي عبد الله بن طاهر على الإسكندرية، وجلاء الأندلسيين عنها، فقد حدث في منطقة دلتا النيل من شِمال مصر، تعسف من الولاة، وارتفاع مقدار الجزية، وكثرة الأعباء والضرائب المُلقاة على كاهل المصريين، فثار الأقباط بثورة كبيرة عُرفت بثورة البشموريين، وكان قائد الثورة، هو عبدوس الفِهري، واستمرت الثورة ثمانية أشهر، حتى اضطَّر الخليفة المأمُون، وكان في دِمَشْق وقتئذٍ، مُستريحاً من حملتِهِ الثَّانيَة على الرُّوم، وقرر أن يذهب إلى مصر بنفسه على رأس جيش جرار، ووصل إليها في مُحَرَّم 217 هـ / فَبْرايِر 832 م[105]، وقد غضب الخليفة من والي مصر وقتئذ، وأنَّبَه بقوله: «لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عُمّالك، حملتم الناس ما لا يطيقون، وكتمتوني الخبر، حتى تفاقم الأمر واضطربت البلاد» ثم أمر بعزله فوراً، وحاول الخليفة المأمُون في بادئ الأمر أخذ الثوار باللَّيّن، وقد حاول التعاون مع ديونوسيوس بطريق أنطاكيَّة، والأنبا يوساب بطريق الأقباط، لكن وساطتهم فشلت، فقرر استخدام سياسة الشدة والعنف لإخماد تلك الثورة، حتى استطاع القضاء عليها، وجيء بالثَّائر عبدوس الفِهري وضُرب عُنُقُه[105]، فأحرق منازل الثائرين واستعبد 3 آلاف منهم وباعهم في سوق بَغْداد، ثم ارتَحلَ إلى دِمَشْق.[106]

الحملة المأمُونيَّة الثالثة على الرُّوم[عدل]

ملك الرُّوم البيزَنطيّ توفيل (على اليمين) يستقبل مبعوثاً وكِتاباً من الَخليفةُ العَبَّاسيّ المأمُون.

بعد عودَتِه من مَصْر، وبقائه فترة قصيرة في دِمَشْق، ارتحل الخليفة المأمُون منها على رأس جيشٍ للإغارة على أراضي الرُّوم، وذلك قُرابة مُنتصف عام 217 هـ / مُنتصف عام 832 م، فأناخ الجيش العبَّاسِيّ على قلعة لُؤلُؤة، فأغار عليها 100 يوم، ثم رحل عنها، واستخلف عليها عجيف بن عنبسة، إلا أن أهالي لُؤلُؤة خدعوه بطريقةٍ ما، فأسروه، وبقي أسيراً لديهم 8 أيام، ثم أخرجوه، وتوجه الملك توفيل إلى لُؤلُؤة، فأرسل المأمُون جيشاً إليه، وحينما سمع باقتراب الجيش، لاذ بالفِرار، وخرج أهل لُؤلُؤة إلى عُجيف بأمان وحصلوا عليه[106]، ثم أرسل الملك توفيل إلى الخليفة المأمُون، كِتاباً يطلبُ فيه الصُّلح، راغباً في المُهادنة، مع إعادة فتح طريق التَّجارة والمَتاجر، وفك المُستأسر، والتنسيق على تأمين الطُرُق، وإن رفض، فإنه سيستمر في الحرب، وقد ردَّ عليه المأمُون، بأنه قد خالط اللِّين بالشِّدَّة، وأنُّه لولا خِطابِه بفكّ الأُسرى وشرح المتاجر، لكان جواب المأمُون كِتابُهُ خيلاً تحمل رجالاً من أهل البأسِ والنَّجدةُ و البصيرة، ومع ذلك فقد ارتأى أن يدعوه إلى الإسلام، وأن يقبل مُهادنته بعد دفع فدية.[106]

فتنة خلق القرآن[عدل]

تَخطيط لإسم الإمام أحمَد بنُ حَنْبَل

ظهر في سنة 218 هـ / 833 م، فتنة ومُشكلة أصابت العالم الإسلامي آنذاك، فقد كتب الخليفة المأمُون إلى إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، وكان حينئذ على الحُدود يُجهز لحملة جِهاديَّة ضد الرُّوم، أن يقوم بامتحان القُضاة والشهود والمحدثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق مُحدث، أُخلي سبيله، ومن رفض القول بذلك، أعلمه به، ليأمره فيه برأيه، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وترك الاستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمر بإرساله إلى سبعة أشخاص، هُم من كِبار المُحدَّثين والرواة في عصرهم منهم: مُحَمَّد بن سعد البَغْدادي كاتب الواقدي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وغيرهم، فذهبوا إلى المأمُون، والتقوا به، فسألهم، وامتحتنهم عن القرآن، فأجابوا جميعاً: إن القرآن مخلوق، فأعادهم إلى بَغْداد، فأحضرهم القائد العسكري إسحاق الخُزاعي داره، وأشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث، فأقروا بذلك، فخلى سبيلهم.[107] وورد كتاب المأمُون بعد ذلك إلى الخُزاعي بامتحان القضاة والفُقُهاء، فأحضر أبو حسان الزيادي، وبشر بن الوليد الكندي، والإمام أحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، والعديد من الفُقُهاء والقضاة، فأدخلوا جميعاً على إسحاق، فقرأ عليهم كتاب المأمُون مرتين، حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: قد عرَّفتُ مقالتي أمير المؤمنين غير مرة، قال: فقد تجدد من كتاب المؤمنين ما ترى؛ فقال: أقول القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذ، أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء، قال: فالقرآن شيء؟ قال: نعم، قال: فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق قال: ليس أسألك عن هذ، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك.[107]

فبقي يسأل ويستفسر الفُقُهاء، ويجيبوا عليه، فأجاب جميعهم أجوبة مُشابهة لبشر بن الوليد، إلا أربعة أشخاص، هم الإمام أحمد بن حنبل، وسجَّادة، والقواريري، ومُحَمَّد بن نوح الجنديسابوري، وأعلمهم بما أمر به الخليفة المأمُون، فأمر بهم إسحاق، فشدوا في الحديد، فلما كان الغد، دعاهم في الحديد، فأعاد عليهم السؤال لعلَّهُم يُغيرون من أقوالهم، فأجابه سجادة والقواريري بخلق القُرآن فأطلقهما، وأصر الإمام أحمد بن حنبل، وصاحِبَهِ مُحَمَّد بن نوح على قولهما[107]، فشُدَّا في الحديد، وتوجهوا إلى طرسُوس، وكتب إلى المأمُون بذلك، ليقيموا بها إلى أن ينتهي أمير المؤمنين من غاراته في بلاد الرُّوم، فأحضرهم إسحاق، وسيرهم جميعاً إلى العسكر، وهم زهاء عشرون شخصاً، وقد توفي مِنهم مُحَمَّد بن نوح حيث عاجلهُ المرض في الطريق، وحينما وصلوا إلى الرَّقَّة بلغهُم وفاة المأمُون، فرجعوا إلى بَغْداد.[107]

وفاته[عدل]

مرضه[عدل]

بينما كان الخليفة المأمُون في البذندون شمال طرسُوس، كان يُحضر لحملة كبيرة أُخرى ضد الرُّوم، إلا أنهُ أُصيب بمرض الحمَّى، وكان سبب مَرَضِه، ما ذكره سعد بن العلاف القارئ، حيث قال: دعاني المأمُون يوماً، فوجدته جالساً على جانب البذندون، والمُعْتَصِم بالله عن يمينه، وهما قد دلَّيا أرجَلهُما في الماء، فأمرني أن أضع رجلي في الماء، وقال ذقه، فهل رأيت أعذب منه أو أصفى صفاء أو أشد برداً ؟ ففعلت، وقلت يا أمير المؤمنين ما رأيت مثله قط، فقال أي شيء يطيبُ أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء ؟ فقُلت أمير المؤمنين أعلم، فقال الرطب الآزاذ.[108]

فبينما هو يقولها، إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادمٍ له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب آزاذ فأت بها فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما آزاذ كأنما جني تلك الساعة فأظهر شكر الله وتعجبنا جميعاً وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما قام منا أحد إلا وهو محمومٌ وتَعِب، جراء التّسمم الغذائي، وكانت منيَّة المأمُون من تلك العِلَّة، ولم يزل المُعْتَصِم مريضاً حتى دخل العراق، وبقيت أنا مريضاً مدة. وكان يوم مَرِض المأمُون في السَّابِع عَشَر مِن جَمادَى الآخِرة 218 هـ / الثَّالِث عَشَر مِن يُوليو 833 م.[108]

وصيته[عدل]

لما مرض الخَليفة عبدُ الله المأمُون وشعر باقتراب أجَلِه، أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب، وكان إلى جانبه الفُقُهاء، والقضاة، والقادة، ومنهم أخيه المُعْتَصِم بالله، وقد بعث يطلب حُضور ابنهِ العبَّاس، وهو يظن أنَّهُ لن يأتيه، وبسبب بُعدِه، أنفذ وصيَّتُه إلى أخيه المُعْتَصِم بالله، وكانت وصيَّتُه بعد الشَّهادة والإقرار بالوحدانيَّة والبعث والجنَّة والنَّار والصَّلاة على النبي والأنبياء:[108]

«إني مُقرّ مُذنب، أرجو وأخاف، إلا أني إذا ذكرت عفو الله رجوتُ وإذا مت فوجَِّهوني وغمّضوني وأسبغوا وضوئي وطهوري وأجيدوا كفني ثم أكثروا حمدا لله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد إذ جعلنا من أمته المرحومة ثم أضجعوني على سريري ثم عجلوا بي وليصل علي أقربكم نسبا وأكبركم سنا وليكبر خمسا ثم احملوني وأبلغوا في حفرتي ولينزل أقربكم قرابة وأودَّكُم محبة.وأكثروا من حمد الله وذكره ثم ضعوني على شقي الأيمن واستقبلوا بي القبلة ثم حلوا كفني عن رأسي ورجلي ثم سدوا اللحد وأخرجوا عني وخلوني وعملي وكلكم لا يغني عني شيئا ولا يدفع عني مكروها ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خير إن علمتم وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم فإني مأخوذ من بينكم بما تقولون ولا تدعوا باكية عندي فإن المعول عليه يعذب رحم الله عبدا اتعظ وفكر في ما حتم الله على خلقه من الفناء وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه الحمد الله الذي توحد بالبقاء وقضى على جميع خلقه الفناء، ثم لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة هل أغني عني ذلك شيئا إذ جاء أمر الله لا والله ولكن أضعف علي به السحاب فياليت عبد الله بن هارون لم يكن بشار بل ليته لم يكن خلقاً. يا أبا إسحاق ادن مني واتعظ بما ترى وخذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه وعذابه ولا تغتر بالله ومهلته وكأن قد نزل بك الموت، ولا تغفل أمر الرعية والعوام فإن الملك بهم وبتعهدك لهم، الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم ولا تحمل عليهم في شيء وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم وقربهم وتأن بهم وعجل الرحلة عني والقدوم إلى دار ملكك بالعراق وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت والخرمية فأغزهم ذا حرمة وصرامة وجلد واكنفه بالأموال والجنود فإن طالت مدتهم فتجرد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك واعمل في ذلك مقدم النية فيه راجيًا ثواب الله عليه»

وقد اشتدّ عليه الألم، وأحس بالاحتِضار، وكان قد نفَّذ وصيَّتُه لأخيه المُعْتَصِم بولاية العَهْد من بَعدِه بدلًا من العبَّاس[109]، والذي حضر على وجهِ السَّرعة لرُؤيةِ والدِه لكنَّ بيعَة العَهد كانت قد نَفَذت للمُعْتَصِم، وقيل بأنَّهُ تمَّت كِتابة الوصيَّة وقتَ غَشي حَصَل للمأمُون[110][111]، ومن جُملة ما أوصاه لأخيه المُعْتَصِم، أن يخاف الله في بني عمَّه من ذرية علي بن أبي طالب، وأن يتجاوز عن مسيئهم، ويقبل من محسنهم، وأن لا يموت إلا وهو مُسلم، وأنه يتوب إلى الله من جميع ذنوبه الكثيرة. وكان المُعْتَصِم قد التفَت إلى الطَّبيبين ابن ماسويه، وبَخْتِيشُوع، وسألهما عمَّا يُدل عليه عِلم الطُّب مِن مَرض الخَليفة، وعن إمكانيَّة شِفاؤه، فتقدَّما ومسكا يديّ المأمُون، فالتصقت أيديهُما ببشرتِه لعَرَقٍ كان يظهر مِنه من سائر جسده، وكان كالزَّيت، فأنكرا معرفة المرض، وأنه يدلّ على انحلال الجَسَد، فأفاق المأمُون بصعُوبة على حديثهما، وطلب جلب أشخاصاً من الرُّوم، فسألهم عن الموضع، فقالوا أن اسمُه يعني "مُدَّ رجُليك"، فلما سمعها اضطَّرب من هذا الفأل وتطيَّر به، وحينما قال للمُترجم أن يسألهم عن معناه بالعربيَّة، فأجابوا بالرقَّة، وكان المأمُون كثيراً ما يُحيد عن مدينة الرَّقَّة فرَقاً من المَوت كما سمعهُ من تنبؤ، فلمَّا ثقُل عليه، أمرهم بأن يخرجُوه مِن المَكان، ليُشرف على الخيم والجيش، وانتشاره، وكثرته، وما قد أوُقد من النّيران، فقال: «يا من لايزُول مُلكُه، اِرحم من قد زال مُلكُه»، ثُم أعادوه إلى سريره.[112][113] ثم حين اشتد عليه المرض وبلغ ذروة الاحتضار، وكان مُغمض العينين، وعنده من يُلقِّنه الشَّهادة وكان الرَّجُل يرفعُ مِن صوتِه لعلَّهُ يسمعُه، فأشار الطَّبيب ابن ماسْويه بأن لا يرفع صوتُه وبإجابة أقرب إلى عدم الاهتمام، وقال: «لا تصِح، فوالله ما يُفرِّق بين رَبِّه وبين ما بي في هذا الوقت»، ففتح المأمُون عَينيه مِن ساعته، وبهِما من العظَم والكِبَر والاحمرار ما لم يُرى مِثلُه، وحاول البطش بيديه على الطَّبيب، فعجِز عن ذلك، وأراد مُخاطبتُه فعجِز، وعِندها، رفعَ عينيهِ إلى السَّماء، وقد امتلأت عيناهُ دُموعاً، ونَطَق قائلاً: «يا مَن لا يَموُت، اِرحَم من يَموُت».[112][114]

دفنه[عدل]

توفي عبدُ الله المأمُون في يَوم الخميس، بَعد وقتِ العَصْر، في الثَّامِن عَشَر مِن رَجَب 218هـ / التَّاسِع مِن أُغُسْطُس 833 م[112]، وذلك عن عُمر ناهز ثَمانِية وأرْبَعُون عاماً، وأربَعَةَ شُهور، وثَلاثَةُ أيَّام حَسَب التَّقويم الهِجْرِيّ، بينما عُمرُهُ في التَّقويم المِيلَاديّ، سِتَّة وأرْبَعُون عاماً، وعشرةُ شُهور، وعشرةُ أيَّام، حُمل كَفَنُه من البَذَنْدُون إلى طَرْسُوس على يد ابنِهِ العَبَّاس وأخيه الخليفة الجديد المُعْتَصِم بالله، ودفن في دار خاقان خادم الرَّشيد، وصلَّى عليه المُعْتَصِم ووكلوا به حرساً من أبناء أهل طرسوس من 100 رجُل، وأُعطوا 90 درهماً لكل رجلاً منهم.[112] ويقع اليوم ضريحه في مَسجِد طَرسُوس الكَبير، الواقع في منطقة طَرْسُوس، محافظة مَرْسِين في تُرْكيَّا. وكانت مدة خلافته عُشرون عاماً، وخمسةُ شُهورٍ، وثلاثَة وعُشرون يوماً.[112]

سياسته الداخلية[عدل]

وُزرائه[عدل]

الفضل بن سهل[عدل]

أول وزير عيَّنهُ الخليفة المأمُون، هو الفَضْل بنُ سَهْل السرخسيّ، الفارسيّ الأصل، وكان يُلقب ذو الريَّاستين، وجعل لهُ علماً من سِنان ذي شُعبتين، وكتب على سيفه من جانب رياسة الحرب ومن جانبٍ آخر، رياسة التدبير، وقد أولاه في سنة 196 هـ / 811-812 كامِل ولاية خُراسان وفارس، وجعل معاشَهُ ثلاثة آلاف ألف درهم.[115] وكان الفَضْل قد انضمَّ في خِدمة المأمُون مُنذ عهد أواخر البَرامِكَة، حينما كان مُوكلاً بِهِ جَعْفَر، حيث كان الفَضْل رجُلاً طمُوحاً، وذو عزيمة مُرهفة، ومطالع واسِعة، وقد قال لهُ مُؤدب المأمُون في أيَّام الرَّشيد: «إن المأمون لجميلُ الرأي فيك، وإني لا أستبعِد أن يحصُل لك من جِهتِه، ألف ألف درهم»، فانزعج لذلك الفَضْل واغتاظ، وردَّ عليه: «ألك عليَّ حِقد! ألي إليك إساءة!»، فقال المُؤدب: «لا والله! ما قُلتُ هذا إلا محبةً لك!»، فقال الفَضْل: «والله ما صَحِبتُه لأكتسب مالا قلّ أو جلّ، ولكن صُحبَتُه يمضي حكُم خاتَمي هذا في الشَّرق والغَرب!».[14] ويُقال أن سبب ذلك، هو أن الفَضْل كان خبيراً بعِلم النُّجوم، فدلَّتهُ النُّجوم على أنه سيُصبِح الخَليفة يوماً، فلزمهُ وخدَمهُ ودبَّر أُموره، وكان لهُ ما أراد حينما استتب للمأمون الخِلافَة، وبات وزيرُه.[21]

أحمد الأحول[عدل]

وبعد أن قُتل الفَضْل في 202 هـ / 818 م، تولَّى الوِزارة أحمَد بن أبي خالد الأحوَل، مولَى شاميّ الأصل، وكان أبوه كاتباً لعبيد الله، كاتب الخليفة أبي عبد الله المهديّ، وقد قال لهُ المأمُون: «إني كنت عزمت ألَّا أستوزر أحداً بعد ذي الرياستين، وقد رأيت أن أستوزرك»، فقال أحمد: «يا أمير المُؤمنين، اجعل بيني وبين الغاية منزلة، يأتملها صديقي، فيرجوها لي، ولا يقول عدوّي قد بلغ الغاية، وليس إلا الإنحطاط»، فاستحسن المأمُون كَلامُه واستوزره.[116] وكان أحمد من خيار الوُزراء وله أخبار وسير في سيرته، حتى توفي في ذو القعدة 211 هـ / فبراير 827 م.[117]

أحمد بن يوسف[عدل]

ثم استوزر أحمد بن يوسف الكاتب، وكان من من خيرة الكُتَّاب، وأجودهم خطاً، حتى قال لهُ المأمُون يوماً: «يا أحمد، لوددتُ أني أخطُّ مِثل خَطِّك وعليَّ صدقةُ ألف ألف درهم»، إلا أن بعض المُقرَّبين من المأمُون قد حقد عليه، ولم يجدوا عيباً من جِهة عملِه، فوصل المأمُون كلاماً بأن أحمد بن يوسف قال لغُلامه: ما رأيت أحداً قط أبخل ولا أعجب من المأمُون، دخلت عليه اليوم وهو يتبخَّر، فلم تتسع نفسه أن يدعو لي بقطعة بخُور حتى أخرج القتار الذي كان تحته فبخرني به، فجافاه المأمُون وعزلهُ عن الوِزارة.[118]

يحيى بن أكثم[عدل]

استَوزر المأمُون بعدُه القاضي المُسلم يِحيى بنُ أكثَم التَّميميّ، وكان من جُلَّة العُلماء الفُقهاء من أهلُ السُّنَّةِ والجمَاعة، تولَّى قضاء البصرة وسنُّهُ 20 عاماً، وقد كان ذلك بواسطة من العالم المُتكلِّم ثمامة بن الأشرس بعد أن امتنع عن تولّي الوزارة رغم ثقة المأمُون له، ومع ذلك، فقد اجتمع ليحيى تدبير شؤون الخِلافَة والقضاء معاً، وكان ينصح المأمُون، ويُروى أن المأمُون حينما أراد حلّ زواجُ المُتعة حسب اجتِهادِه، دخل عليه يحيى وهو مُتغيَّرٌ عليه، فسأله المأمُون عن السبب، فقال: غمٌ يا أميرُ المُؤمِنين، حدث في الإسلام وهو النداء بتحليل الزنا، قال المأمُون مُستعجباً: الزنا! قال: نعم، المتعةُ زنا، قال: من أين؟ قال: من كتاب الله وحديث نبيَّه، ثم عرض عليه حِجَّتهُ وبيانُه، وبعد أن أدركَ المأمُون ثُبوت الدلائل على حُرمته، استغفَر الله ونُودي بتحريم المُتعة، وكان لهُ قصص وحِكايات، وقد فترت العلاقة بينهُما، فقد أوصَى لأخيه المُعْتَصِم بالله، أن لا يتَّخذ من بعده وزيراً يُلقي إليه شيئاً، وأنه نكَّبهُ في مُعاملة الناس وخُبث سيرته، وأنَّهُ سيُفارقهُ غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاتِه.[119]

آخرون[عدل]

ومن وُزراء المأمُون، أبو عبَّاد الثَّابت بنُ يحيى الرَّازيّ، وأبُو عبدِ الله مُحَمَّد بنُ داوُد بنُ سويد، وهو آخر وُزرائِه، خُراسانيّ الأصل، فمات المأمُون وهو وزيرُه، والشَّاهد أن المأمُون لم يكُن يمنح للوزراء قيمة كبيرة، أو تصل صلاحيَّاتهم للاستبداد بمصالح الدَّولة، ويظهر أنَّهُ تأثَّر وتعلَّم من عهد والدهُ هارُون الرَّشيد بعدم الثِّقة بالوُزراء مثل البرَامِكة، لئلَّا يستفحل خطرهُم، ويتكرَّر أمر الفَضْل بنُ سَهْل، وجعفر البرمكي.[120]

الضرائب[عدل]

تميَّز عهد المأمُون بوجود أثر تاريخي يدلّ ويُوضِّح مِقدار الجباية الخراجيَّة والضَّرائب من جميع الأقاليم التي كانت تحت سُلطة الخِلافَة العبَّاسيَّة.

وقد نقلهُ العالم المُسلم اِبنَ خَلدُون في مُقدمة كِتابه:[121]

الجباية من الدراهم
الأقاليم مقدار الجباية الجباية من العروض
خُراسان 28,000,000 20 ألف ثوب مُتاع
فارس 27,000,000 30 ألف قارورة ماء ورد

20,2 ألف رطل زيت أسود 500 ثوب متاع يماني 20 ألف رطل تمر

حلوان 4,800,000
كرمان 4,200,000
مكران 400,000 150 رطل عود هندي
السند 12,500,000 200 ثوب مُعيَّن
سجستان 4,000,000 20 رطل فانيذ

2 ألفي نقرة فضَّة 40 ألف برذون 1 ألف رأس رقيق

جرجان 12,000,000 30 ألف رطل أهليلج
قومس 1,000,000 1 ألف شقة ابريسم
طبرستان 1 ألف نقرة فضَّة
الرويان 6,300,000 600 قطعة فرش طبري
دنباوند 250 كساء

500 ثوب 300 منديل 3 آلاف جام

الرَّي 12,000,000 20 ألف رطل عسل
همذان 11,300,000 1 ألف رطل رب الرَّمانين

12 ألف رطل عسل

ماسبذان 4,000,000
شهرزور 6,700,000
أذربيجان 4,000,000
أرمينيَّة 13,000,000 10 آلاف رطل من مسايح السور ماهي
الأهواز 25,000,000 30 ألف رطل سكر
السَّواد 27,800,000 200 حلة بخرانية
كسكر 11,600,000 240 رطلاً من تين الختم
كور دجلة 20,800,000
الكوفة والبصرة 10,700,000
الموصل 24,000,000 20 ألف رطل عسل
الجزيرة 34,000,000 1 ألف رأس رقيق

12 ألف زق عسل 10 بزاة 20 كساء 20 قسطاً محفوراً

برقة 1,000,000 10 آلاف رطل سونج

200 بغل 30 مهراً 120 بساطاً

إفريقية 13,000,0000
المجموع 319,100,000 مليون درهم
الجباية من الدينار
الأقاليم مقدار الجباية الجباية من العروض
قنسرين 400,000
دِمَشْق 420,000
الأردن 97,000
فلسطين 310,000 30 ألف رطل زيت
الحجاز 300,000
اليمن 370,000
مصر 1,920,000
المجموع 3,817,000 مليون دينار

وكانت جميع هذه الأخراج والجَبى، تعُود إلى بَغْداد حاضِرةُ الخِلافَة، ويتصرَّف فيهِ الخليفة، فيدفع مِنها أرزاق وُزرائه وعُمَّاله وحاشيته، ويُصرف منهُ في الحوادث التي تتعرَّض لها الدَّولة، وتجهيز الجيش العبَّاسي، والباقي بعد ذلك، يهب منهُ لمن شاء ما شاء، وذلك مقدار وافر، يدور معظمهُ في الحاضرة الكُبرى، فيزيدها سعةً، ورخاءً، وترفاً، ويُروى، أنه وُرد على المأمُون وهو في الشَّام، 30 مليون درهماً، حملهُ إليه أخوه أبو إسحاق مُحَمَّد، من خراج ما يتولَّاه، فخرج المأمُون وأصحابُه ينظرون إلى هذا المال، فقال للقاضي ووزيرُه يحيى بن أكثم: «يا أبا مُحَمَّد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة إلى منازلهم خائبين، وننصرف نحنُ بهذه الأموال قد ملكناها دونهم، إنا إذاً للئام» ثُمَّ دعا أحد كُتَّابه مُحَمَّد بن يزداد، فقال له:«وقع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ..» وما زال كذلك حتى فرَّق المبلغ كاملاً، ومع أن العطاء كان كثيراً، إلا أن الوارد كان أكثر.[122]

الجيش العبَّاسي[عدل]

كان لظهور الخِلافَة العَبَّاسيَّة في أوائل شأنها عام 750، اعتماداً على أهل خُراسان، فأصبحوا يُشاركون العرب في الدَّولة، فكان القادة الكبار من الفُرس والعرب، إلا أنَّهُ في عهد المأمُون، كان الميل قد زاد باتجاه الخُراسانيين، كونه استند عليهم في حربِه ضد أخيه مُحَمَّد الأمين، حتى لم يعُد من العرب قائداً معروف كما كان في عهد أسلافِه المَنْصُور، والمَهديّ، والرَّشيد، فقد ظهرت أسماء قادة من عناصر قوميَّة أُخرى، من أتراك ما وراء النَّهر.[122]

ويُروى، أنَّهُ تعرَّض رجُل للخليفة المأمُون في الشَّام، فقال:«يا أمير المُؤمِنين، انظر لعرب الشَّام كما نظرت إلى عجَم خُراسان»، فقال المأموُن:«أكثرت عليَّ يا أخا الشَّام، والله ما نزلت قيساً عن ظُهور الخيل إلا وأنا أرى أنَّهُ لم يبق في بيت مالي درهمٌ واحد، وأما اليمن فو الله ما أحببتها ولا أحبَّتني قط، وأما قُضاعة فساداتُها تنتظر السُّفيانيّ وخُروجِه، فتكون من أشياعه، وأمَّا رُبَيعة، فساخِطة على الله مُذ بعث اللهُ عزَّ وجلّ نبيَّهُ صلَّ الله عليه وسلَّم من مَضَر، ولم يخرُج اِثنان إلا خرَجَ أحدهُما شارباً».[122]

وكان من أشهَر القادة الأساسيين في عَصرِ خِلافَتِه:

وهُنالك قادة آخرون، إما عملوا تحت أحد القادة الكِبار، وإما في حملات عسكرية محدودة، منهم:

  • الحسن بن علي المأمُوني
  • الحُسَين بن عُمر الرستُميّ
  • قُريش بن شبل
  • مُحَمَّد بن طالوت
  • مُحَمَّد بن العلاء
  • العبَّاس بن بخاراخُذاه
  • زهير بن المسيب
  • محمد بن ابن ماهان
  • دينار بن عبد الله

سياسته الخارجية[عدل]

رسم لخريطة العالم عام 204هـ / 820م وتظهر دولة الخِلافَة العبَّاسيَّة في مُنتصف الخريطة باللَّون الأخضر الفاتِح، في عهد المأمُون.

العلاقة مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة[عدل]

كانت سياسة المأمُون نحو الإمبراطوريَّة الرُّومانِيَّة المُقدَّسَة، استمراراً لسياسة والده هارون الرَّشيد، والتي تقوم على مصادقة هذه الدولة الأوروبية الغربية، وعلى الرغم من أن وفاة شارلمان، قد حدثت في العام التالي من خلافة المأمُون سنة 209 هـ / 814 م، إلا أن ذلك، لم يحل دون استمرار سياسة التفاهم مع ولده لويس الأول، إذ تشير المصادر الأوروبية، إلى أن الملكلويس، أرسل سفارة رسميَّة إلى البلاط العباسي في بَغْداد، في عهد المأمُون، سنة 215 هـ / 831م.[123]

العلاقة مع الإمبراطورية البيزنطية[عدل]

الخَليفة العَباسي المأمُون يُرسل مَبعوثاً إلى الملك الرُّوم توفيل، مُنَمنمة مِنَ القرن الثالث عَشر.

أما عن علاقة الخليفة المأمُون بالإمبراطورية البيزنطية، وما يُعرف بالرُّوم، فكانت سياسة عدائية على غرار سياسة آبائه من قبل، ويشير المؤرخون أن المأمُون استغل فرصة الفتنة الداخلية، التي تزعمها توماس الصقلبي، ضد ملك الرُّوم ميخائيل الثاني في سنة 205 هـ / 821 م، وأخذ يمده بالسلاح والمال كي يعينه على فتح القسطنطينية والاستيلاء على الحكم كما أوعز إلى بطريرك القسطنطينية أن يتوج هذا الثائر إمبراطورًا، ليصبغ حركته بصبغة شرعية لكن الدولة البيزنطية كشفت أخبار هذه الاتصالات وانتهي الأمر بهزيمة توماس الصقلبي وقتله على أبواب القسطنطينية سنة 208هـ / 823م، ولم يتردد المأمُون في السنوات الأخيرة من حياته من قيادة جيش الخلافة العباسيَّة بنفسه، ومن ثم التوغل في منطقة آسيا الصغرى، من ضمن أراضي الرُّوم[123]، إذ قاد حملة من العاصِمة بَغْداد باتجاه طرسوس، حيث الثُغور، ومنها، دخل أراضي الرُّوم.

السفير البيزنطيّ والبطريق يوحنا الرابع القسطنطيني النحويّ، يقف بين إمبراطور الرُّوم ثيوفيلوس (في اليمين)، والخليفة العباسي المأمُون (في اليسار)، سنة 213هـ / 829 م.

وفي يوليو من عام 214هـ /830 م، فتح حصن قرة عنوة، وأمر بهدمه واشترى السبي بـ 56 ألف دينار، ثم خلَّى سبيلهم وأعطاهم دينارًا دينارًا، ثم توجه المأمُون إلى الشام، وهناك، وردته الأخبار أن الملك البيزنطي، قتل عدداً من سكان طرسوس والمصيصة، فأعاد المأمُون الكَرَّة على الأراضي البيزنطيَّة، فسار حتى وصل أنطيفوا، فخرج أهلها على الصلح، ثم توجه إلى مدينة هرقلة، فخرج أهلها على صلح أيضًا خوفًا من الجيش العباسي، ثم وجه حملات عسكريَّة عديدة داخل الأراضي البيزنطية، وفتح ثلاثون حصناً بقيادة أحد إخوته، وقد أعاد المأمُون التوغل في الأراضي البيزنطيَّة للمرة الثالثة، وأغار على مدينة لؤلؤة، لمدة مائة يوم، ثم رحل عنها، واستخلف عليها قائده العسكري عجيف بن عنبسة، لكن أهل المدينة خدعوه، وأسروه، فأرسل المأمُون وفداً لإنقاذه، فأخلي سبيله عبر التفاوض مع الملك تُوفيل.[105] وحاول المأمُون، القيام بحملة جِهاديَّة رابِعة ضد الرُّوم عام 211 هـ / 833 م، فدخل أراضيهم وتوغَّل، عن طريق طرسُوس، غير أن المنيَّة أدركته، إثر إصابته بالحِمَّى، ودفن بطرسُوس، بالقرب من أضَنَة (الواقعة في تركيا حالياً).

العلاقة مع الأغالبة[عدل]

دولة الأغالبة في أوجّ اتساعها، بين 800 و909 م

كانت علاقة المأمُون بدولة الأغالبة في إفريقية أو المغرب، استمراراً لسياسة والده الرَّشيد، والتي تقوم على مبدأ الاعتراف بحكم أسرة الأغالبة، على أساس الاستقلال الذاتي، مع التبعية للخلافة العباسية، وكان يحكم دولة الأغالبة في عصره، زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، والذي بقي حليفاً وتابعاً مخلصاً للمأمون وللخِلافة، وقد استولى المسلمون في عهده على جزيرة صقلية التابعة للرُّوم.[124] حيث أنه في سنة 212 هـ / 827 م، أمر زيادة الله بغزوها والاستيلاء عليها، وأسند قيادة الحملة إلى قاضي القيروان أسد بن الفرات بن سنان، وكان الجيش الفاتح يتكون من عشرة آلاف فارس، معظمهم من الفرس الخُراسانيين، والبقية من الأفارقة، والأندلسيين المقيمين في إفريقية، فأبحروا من ميناء سوسة في أسطول من مائة مركب، إلى جنوب جزيرة صقلية، حيث نزلوا في مدينة مازر، وغيرها من النواحي المواجهة للساحل التونسي جنوباً، ثم دارت معركة شديدة بين الجيش الإسلامي والبيزنطي، انتهت بانتصار الجيش الإسلامي، وبمقتل أسد بن الفرات، بعد أن وطد الحكم الإسلامي في بعض نواحيها، وكتب زيادة الله إلى الخليفة المأمُون يبشره بفتح صقلية.[125]

العلاقة مع الطاهريُّين[عدل]

اعتمد المأمُون على طاهِر بنُ الحُسَيْن، الذي ولَّاه على خُراسان سنة 205 هـ / 820م حتى وفاتُه في جَمادَى الأوُلَى 207 هـ / سبتمبر 822م، ليستمر الحكم في ابنِهِ القائد عَبدُ الله بن طاهِر حتى وفاة المأمُون، ومِن بَعدِه استمرَّ حُكم ذُريَّة طاهِر، فقامت بذلك في خُراسان أول إمارة ذاتيَّة تتبع الخِلافَة العبَّاسيَّة وهي الإمارة الطاهِريَّة، والتي حافظت على ولائها للخُلَفاء وساهمت في إخماد عدد من الثَّورات والاضطِّرابات لصالحهم، إلى أن أنهاها الصَّفارِيُّون.[126]

النهضة العلمية[عدل]

بيت الحكمة[عدل]

إحدى مخطوطات بيت الحكمة المترجمة إلى العربية.

وضع الخليفة المأمُون جُل اهتمامه في العناية ببيت الحكمة، وكان عصر جني ثمار حركة التأليف والتَّرجَمَة والبحث العلمي، كانت من أكبر الأسباب عند المأمُون لاستخراج الكُتُب ما رواه الطَّبيب والمُؤرِّخ ابن أبي أصيبعة: «قال يحيى بن عدي: قال المأمُون: «رأيت فيما يرى النائم كأن رجلاً على كُرسي، جالسًا في المجلس الذي أجلس فيه، فتعاظمته وتهايبته وسألتُ عنه، فقيل لي: هو أرسطوطاليس فقلت أسأله عن شيء، فسألته فقلت: ما الحسن، فقال: ما استحسنته العقول، فقلت ثم ماذا، قال: ما استحسنته الشريعة، قلت ثم ماذا، قال: ما استحسنه الجمهور، قلت ثم ماذا، قال: ثم لا ثم»، فكان هذا المنام أحد أكبر الأسباب التي شجَّعتهُ على التحرُّك نحو العِلم، فكان يتردد إلى بيت الحكمة بانتظام للتباحث مباشرة مع الخبراء والمستشارين، في آخر ما انتهت إليه البحوث وفي مسائل التمويل، وسوى ذلك من مسائل ذات صلة، وشدد على الاستزادة من دراسة الرياضيات وعِلم الفَلَك، وكان بحثه هو، بمثابة فضولاً صحياً لمعرفة العالم من حوله، وتشجيع إلى البحث والمنهج العلمي.[127]

حركة التَّرجَمَة[عدل]

اتجَّه الخليفة المأمُون لطريقة جديدة في جلب الكتب الإغريقيَّة من البيزنطيين الرُّوم، فكان بينه وبين ملِكَهُم مراسلات، وقد استظهَر عليه الخليفة، فكتب إلى ملك الرُّوم، يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المُخزَّنة في بلدهم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمُون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر ويحيى بن البطريق، وسُلِّمت الكُتُب إلى بيت الحكمة وغيره، وأمرهم المأمُون بنقل الكُتُب فنقلت إلى العربية،[127] وكان الطَّبيبُ الشَّخصي للمأمُون يوحنا بن ماسْويه ممن نفذ إلى بلاد الرُّوم، وأحضر المأمُون لمُهمة التَّرجَمَة حنين بن إسحاق، وكان فتيُّ السن، وأمرهُ بنقل ما يقدر عليه من كُتُب الحُكماء اليونانيين إلى العربية، وإصلاح ما نقل غيره.[وب 5] كما روى ابن نباته عند الكلام عن المأمُون و المُترجِم سهل بن هارون قال: «وجعله كاتبًا على خزائن بيت الحكمة، وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قُبْرُص، وذلك أن المأمُون لمَّا هادَن صاحب هذه الجزيرة، أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت، لا يهتمُّ لها أحد، فأرسلها واستحسنها المأمُون، وجعل سهل بن هارون خازنًا لها»، وبلغ شغف المأمُون بكتب الحكمة والفلسفة أنه إذا ما عقد معاهدة مع بعض ملوك الرُّوم، فإنه يشترط عليه أن يرسل إليه من نفائس كُتُب الحِكمة في بلاده، ومن ذلك أنه جعل أحد شروط معاهدة الصلح بينه وبين القيصر ميخائيل الثالث، أن ينزل الثاني للأول عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية، كان بين ذخائرها الثمينة كتاب بَطْلِيمُوس في الفلك، فأمر المأمُون بنقله للعربية وسماه المجسطي[128]، ويروى عن المأمُون أنه كان يطلب من المغلوبين والمهزومين الروم المخطوطات الإغريقية في مقابل توقيع معاهدات سلام أو الإفراج عن الأسرى.

مخطوطة لتشريح العين، ألفها العالِم حنين بن إسحاق، مأخوذة من كتابه المسائل في العين.

كان من تشجيع الخليفة المأمُون للترجمة أنه كان يعطي المترجم زِنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلًا بمثل، فكان بني شاكر، وهم مُحَمَّد وأحمَد والحَسَن، يمنحون جماعة من النقلة منهم حنين بن إسحاق، وحبيش بن الحسن، وثابت بن قرة، وغيرهم، خَمسُمِئة دينار في الشهر، وذلك للنقل والملازمة، وهو ما كان يُعد مبلغاً باهظاً، ولا يدفعهُ إلا المُلوك، وما يُدل على دعم الخَليفة.[129] وقد برز في عهد المأمُون أسماء كبيرة في حركة النهضة العلمية سواءً في عِلم الفَلَك أم الطب أم الفلسفة ترجمة وتأليفًا ومنهم: أحمد بن مُحَمَّد بن كثير الفرغاني أحد منجمي المأمُون، وجبريل بن بختيشوع، وجبرائيل الكحال، والحارك المنجم، والحسن بنُ سَهْل بن نوبخت، وزكريا الطيفوري، وسهل بن سابور بنُ سَهْل المعروف بالكوسج، وجورجيس بن يختيشوع، وعيسى بن الحكم، وزكريا الطيفوري، وسند بن علي المنجم، وسلمويه بن بنان، وصالح بن بهلة الهندي، والعبَّاس بن سعيد الجوهري، وعبد الله بنُ سَهْل بن نوبخت، وأبو حفص عمر بن الفرخان الطبري أحد رؤساء التراجمة والمتحققين بعلم النجوم، وموسى بن شاكر وأبنائه الثلاثة: مُحَمَّد وأحمد والحسن وهم من مُنجَّمي المأمُون، وكانوا من أبصر الناس بالهندسة وعلم الحيل، وموسى بن إسرائيل، وميخائيل بن ماسويه، ويحيى بن أبي منصور، ويعقوب بن إسحاق الكندي وتلاميذه حسنويه ونفطويه وسلمويه ورحمويه وأحمد بن الطيب، ويوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمُون، ويوحنا بن ماسويه، وأبو قريش المعروف بعيسى الصيدلاني، وابن دهن الهندي، كما تولى سهل بن هارون في عهد المأمُون إدارة بيت الحكمة، بالإضافة لتوليه خزانة المأمُون، أما يحيى بن أبي منصور الموصلي المنجم أحد أصحاب الأرصاد ومُحَمَّد بن موسى الخوارزمي فقد كانا من خزنة بيت الحكمة، وكان من أكثر من يتردد على الدار أبو بكر الصنوبري والفَضْل بن نوبخت وأولاد شاكر، وكان عملهم يهدف بصفة رسمية للمطالعة أو النسخ أو التَّرجَمَة أو التأليف، كما أنشأ المأمُون ديوانًا خاصًا بالتَّرجَمَة في بيت الحكمة.[وب 6]

المراصد الفلكيَّة[عدل]

عندما كان يحصل خطأ ما، كان المأمُون يسارع إلى التدخل، وقد استغل ذات مرة زيارة له إلى دِمَشْق، في زمن الحرب، لقيادة بعثة لتقصي الحقائق، بعدما تبين له أن نتائج المحاولات الأولى لتتبع منازل الشمس والقمر في السماء من مرصد بَغْداد، لم تكن دقيقة، فطلب الخليفة من مستشاريه، إيجاد فلكي مؤهل لتحسين نتائج بَغْداد، يقول العالِم الفلكي حبش الحاسب: «أمرني المأمُون بتجهيز أصح ما يمكن من آلات، ومراقبة الأجرام السماوية، طوال العام» ثم جمعت الحصيلة الضخمة للقياسات الفلكية، ورتبت بأمر من الخليفة المأمُون، ونشرت لمن يرغب في تعلم ذلك العلم.[130]

فَوهَةُ المأمُون، فوهة قمرية صدمية سُميت تيمُنًا به.

من أهم علماء الفلك الذين عاصروا المأمُون، هو عالم الرياضيَّات الشهير مُحَمَّد بن موسى الخوارزمي، الذي وضع سنة 209 هـ / 825 م، نسخة مختصرة من عمل السندهند بطلب من المأمُون، وجداول شهيرة للنجوم، حيث بقيت السندهند تستخدم قروناً في العالم الإسلامي ثم في أوروبا المسيحية، كما ساعد نجاح وانتشار زيج الخوارزمي، على تكريس جداول النجوم، كعنصر أساس من الترسانة العلمية الإسلامية، ليشهد بذلك شيوع استخدامه، وطول بقائه الملفت، وقد وُضع أكثر من 225 جدولاً من هذا النوع في العالم الإسلامي، في فترة ما بين القرنين الثامن والتاسع المِيلاديّ، وكان هذا الزيج الدقيق، يُزوِّد مستخدمه بكل ما يحتاج إليه من أدوات لتحديد منازل الشمس والقمر والكواكب المرئية الخمسة، وكذلك، تعيين الوقت من النهار أو الليل، استناداً إلى الأرصاد النجمية أو الشمسية، وكانت مفيدة خاصة لضبط أوقات الصلوات الخمس في الإسلام، وتحري الهلال، بهدف تحديد بداية الشهر القمري، لتفيد المسلمين في معرفة دخول شهر رَمَضان، كما كان في الإمكان استخدام الزيج، مع بعض الآلات الفلكية غالباً، لحل المسائل المعقدة في الهندسة الكروية وتعيين الوقت.[131] كما أهدى الخوارزميُّ كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة إلى الخليفة المأمُون، والذي يتناول فيه حلولاً رياضية، للقضايا الدينية والعملية، ويقول الخوارزمي: «"وقد شجعني ما فضل الله به الامام المأمون على أن ألفت من حساب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا حاصرا للطيف الحساب، وجليله لما يلزم الناس من الحاجة اليه موارثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكري الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه"».[132]

استكشاف مصر القديمة[عدل]

خلال زيارة له إلى مِصْر سنة 216هـ / 832م، وبعد القضاء على ثورة البشموريين الأقباط، استقر في مِصْر لمدة شهرين، وحاول تعلُّم اللُّغة الهيروغليفيَّة، كما استطاع دخول هرم الجيزة الأكبر[133]، بعد حفره لمدخل يُعرف اليوم، بمدخل المأمُون، فوجد القبر الملكي فارغاً، قد نهبه اللصوص.[133]

علم الجغرافيا[عدل]

بعثة المأمُون لقياس محيط الأرض[عدل]

مُحَمَّد بن موسى الخوارزمي وضع نسخة مختصرة عن زيج السندهند بطلبٍ من المأموُن، والذي بقي يستخدم قرونا في العالم الإسلامي وأوروبا.

بالرغم من كتيبة العلماء الكبار الذين كانوا تحت تصرف المأمُون، لم يكن يحصل الخليفة دوماً على الأجوبة التي يريدها، ويروي حبش الحاسب أحد أرفع عُلماء الفلك لدى الخليفة عنه، أنه ««عندئذ، سأل التراجمة عن معنى كلمة (Stades)، وهي وحدات طول يونانية، أعطوه ترجمات مختلفة»». ولما عجز خبراؤه عن الإجابة، قرر المأمُون إيجاد طول الدرجة الواحدة من الدائرة الكبرى للأرض بالقياس، واضعاً خطة مفصلة لتجربة علمية لحل المعضلة، في توسعة لتجربة الرياضي اليوناني القديم إراتوستينس، أرسل المأمُون فريقاً من عُلماء الفلك والمساحين وصانعي الآلات، وعُيَّن أبناء مُوسى بن شاكر الثَّلاث على رأس البِعثة، إلى سهل سنجار الصحراوي، بالقرب من الموصل، حيث أخذوا القراءات لارتفاع الشمس، قبل أن ينقسموا فريقين، أما الفريق الأول، فاتجه إلى ناحية الشمال، والفريق الآخر، نحو الجنوب، ومع تحركهم كانوا يسجلون بِدِقَّة ما قطعوا من مسافة، واضعين في الأرض علامات خاصة على الدرب، وعندما كانت مجموعة ثانية من القراءات الشمسية تشير أنهم قطعوا درجة على دائرة خط الطول، يتوقفون ويعودون أدراجهم للتثبت من المسافة التي قطعوها، ثم تحلل المجموعتان المستقلتان النتائج، وتقارن الواحدة بالأخرى لتعطيا رقماً نهائياً دقيقاً إلى حد لافت، وبعد حساب طويل مضنٍ ودقيق توصلت بعثة موسى بن شاكر، أن المدن تفصل بينها درجة واحدة من خطوط العرض ومسافة قوس الزوال المُقابلة تبلغ 66⅔ ميلًا عربيًا، وهو ما يُعادل 47,356 كم، كان حساب بحّاثة المأمُون قريباً جداً مما يعرف اليوم، حيث أنَّ مدار الأرض الفعليّ يُعادل 40,000 كم.[وب 7][134]

قياس خطوط الطول والعرض[عدل]

اَلْأَسْطُرْلَابُ الذي طُوِّر تطويراً كبيراً في عهد الخليفة المأمُون.

كان المأمُون مسؤولاً عن الصالح الديني لمُجتمع المسلمين الواسع في خِلافَتِه، وبسبب ذلك، فقد لجأ الخليفة إلى عُلماء بيت الحكمة طلباً للعون على شؤون الدّينِ والدُنيا، حيث طلب من هؤلاء الخبراء، تحديد المكان الدقيق لبَغْداد ومكة المُكرَّمة، وذلك بهدف معرفة إتِّجاه القبلة الشرعيَّة معرفةً دقيقةً، كما أراد الخليفة صورة دقيقة لطول وعرض العالم الذي يحكمه عند فلكيي بيت الحكمة الآخرين، كان كل ذلك يؤول إلى حل مسائل أساسية في الهندسة الكروية، وكانوا قد حذقوا بالاستعانة بالقدماء، لتحديد نظام الإحداثيات الجغرافية، أي استخدام خطوط الطول ودوائر العرض التخيلية، التي تعطي كل نقطة منها موقعاً فريداً يمكن تحديده بهذه الدوائر.[135]

طبَّق العُلماء العرب بسهولة الرياضيات الكروية على مسائل الجغرافيا من البداية، وكان هؤلاء العلماء قد تعلموا من بَطْلِيمُوس صاحب كتاب 'المجسطي' وكتاب 'جغرافيا'، كان المسح الجيوديزي، الذي أمر بإجرائه الخليفة المأمُون في برّ سنجار الصحراوية، قد أعطى طول الدرجة الواحدة من مُحيط الأرض بوحدات قياس عربيَّة، فكان 56 ميلاً، والميل العربي 4 آلاف ذراع، والذراع التي وضعها المأمُون 120 اصبعاً، حسب المسعودي في المروج، بينما قدمت تصحيحات المسلمين لجداول بَطْلِيمُوس التي تحدد إحداثيَّات 8 آلاف مدينة ومكان، وما أضافوا إليه من بيانات جديدة أكثر دقة، للفلكيين والجغرافيين على حدٍ سواء.[135]

كانت المعلومات والتقنيات التي طورها خبراء الخليفة المأمُون وأمثالهم، تستطيع تحديد القبلة بدقة، من خِلال خط الطول المحلي للدائرة الكبرى للكرة الأرضية، كانت الجغرافيا التي تعرف القبلة بأنها الخط المستقيم الذي يصل المؤمن بمكة، لكن فلكيي ورياضيي بيت الحكمة علموا أن الشكل الكروي للأرض، يعني أن القبلة الفعلية كانت في الحقيقة خطاً مائلاً، بزاوية محددة من نقطة الصلاة، لا تزال تعرف اليوم باسم السمت، ويستخدم هذا النظام في الحسابات الجغرافية المعاصرة للمسافة والاتجاه، وأعظم إنجاز للمأمون هو وضع خريطة للعالم، وقد عثر على شاخصات تعود للعصر العباسي تبين المسافة من بَغْداد حتى فلسطين والكرج.[136]

الخريطة المأمُونية[عدل]

جَمَع المأمُون فريقاً من عشرات العُلماء لصنع أعظم خريطة في العالم حينها، فقد قال المَسْعُودي في كتابه التنبيه والإشراف: «رأيت هذه الأقاليم مصورة في غير كتاب بأنواع الأصباغ، وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا مارينوس، وتفسير جغرافيا قطع الأرض، وهي الصورة المأمُونية التي عملت للمأمون واجتمع على صنعتها عدة من حكماء أهل عصره صور فيها العالم بأفلاكه ونجومه، وبره وبحره وعامره وغامره، ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك، وهي أحسن مما تقدم من جغرافيا أبَطْلِيمُوس وجغرافيا مارينوس وغيرهما».[137] جاء في خريطة المأمُون ومسحِه وصف 530 مدينة وبلدة، وخمسة أبحر، و290 نهرًا، و200 جبلًا، ومقدارها وما فيها من معادن وجواهر[137]، كما صحح جغرافيو المأمُون تمثيل بَطْلِيمُوس التقليدي للمُحيط الهندي كبحر محاط باليابسة وأوضحوا لأول مرة أنه كتلة كروية من الماء تحيط بالعالم المسكون وهو ما فتح الطريق لما يعرف بعصر الاكتشافات الجغرافية بأوروبا.[138]

علم الموسيقى[عدل]

بسبب اهتِمام المأمُون بالمُوسيقى كبعض أسلافِهِ من الخُلفاء، وباعتِباره الشخصيَّة الرئيسيَّة التي لعبت دَوراً في الرَّفع من مُعدَّل عمليَّة التَّرجمة من اليونانيَّة إلى العربيَّة، التي جرت في قسم مِن بيت الحكمة، عَشَق الخليفةُ المأمُون المُوسيقى ذات الطَّابع الإغريقيِّ، وشجَّع على تعلُّمها، فكان مُحباً للألحان الإغريقيَّة، واستدعى المُؤلِّفين المُوسيقيين إلى تعلَّم هذا النَّوع مِن الغِناء خِلال عصر خِلافَتِه، واشتَهر في عصرِه العالِم المُسلم الكِنديّ، الذي وضع أُسس القواعد الموسيقيَّة، و المُغنّي إبراهيم الموصلي -نديم الرَّشيد-، وابنِهِ إسحاق، الذي كان نديماً للمأمون، كما كان عمّّ المأمُون إبراهيم بن المهدي، من أمهر العازِفين على الآلات الموسيقيَّة، ومن عُلماء عصرِه في مجال الغِناء والموسيقى.

حياته الشخصيَّة[عدل]

رسمٌ تَخيُليٌّ لِلخليفة العبَّاسي عبد الله المأمُون. مِنَ القُرن التاسِع عَشر.

أُسرتُه[عدل]

عَبدُ الله المأمُون هو أكبر أبناء هارون الرَّشيد، وهو الوحيد لأُمَّه، إلا أن لديه الكثير من الإخوة والأخوات من أُمَّهات أُخريات[139]، وهُم:

الإخوة الذكور:

الإناث:

  • سكينة
  • أروى 
  • حمدونة 
  • فاطمة 
  • خديجة 
  • ريطة
  • أم الحسن 
  • أم حبيبة 
  • أم سلمة 
  • أم القاسم رملة 
  • أم علي 
  • أم الغالية

زوجاتُه[عدل]

تزوَّج الخَليفة المأمُون زَيْجتين في حياته، هُما أمُّ عِيسى بنت الهادي، وبُوران بنت الحَسَن، وكان لهُ العديد مِن أُمَّهات الأولاد، والجواري، والمُحظيات.

أم عيسى بنت الهادي[عدل]

تزوَّج المأمُون بدايةً من ابنة عمِّه الأميرة أم عيسى بنت موسى الهادي العبَّاسيَّة الهاشِميَّة، وكان في الثَّامِنة عَشَر مِن عُمرِه، عام 188 هـ / 804 م، وأنجب منها محمَّد الأصغر وعبد الله.[140]

بوران بنت الحسن[عدل]

كَتبَ المأمُون قُرآنَهُ على بوران، واسمُها الحقيقيّ خديجة، هي ابنة الوزير من أصلٍ فارسيّ الحسن بنُ سَهْل، في عام 202 هـ / 817 م[82]، وقد كان زواجهُ منها مشهوراً، فكان زواجاً سياسياً بالمقام الأوَّل، فلم يجْتمع معها، حتى رَمَضان 210]هـ /دِيسَمْبَر 825م[141]، حيث أصبح عُمرها ثمانيةَ عَشرَ عاماً، فزُفَّت إليه، ولما دخل المأمُون للقائها، كان عندها أختُهُ، حمدونة بنت الرَّشيد، و زُبَيْدة بنت جعفر أم الأمين، وجدَّتها أم الفَضْل، ووالدها الحسن بنُ سَهْل.[141] وقد نثرت عليهما جدتها ألف دُرَّة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمُون أن تُجمَع، فجُمعت كما كانت في الطبق، ووضعها في حجر بوران وقال: «هذه نحلتك، وسلي حوائجك»، فسكتت، فقالت لها جدتها: «كلمي سيدك واسأليه حوائجك فقد أمرك»، فسألته الرِّضا عن إبراهيم بن المهدي (حيثُ ثار عليه في الماضي)، فقال:«قد فعلت»، وسألته الإذن لزُبَيْدة بنت جعفر](أم أخيه الأمين) في الحج، فأذن لها، وألبستها السيَّدة زُبيدة البدنةُ الأُمَويَّة، وابتنى بها في ليلته، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً في تور ذهب[142]، وأقام المأمُون عند الحسن بنُ سَهْل، مُدةَ سَبْعَةَ عَشْرَ يوماً، وكان مبلغ ما أنفق ابنُ سَهْل على المأمُون وعسكره، خمسين ألف ألف درهم، وأمر المأمُون بعد انصرافه أن يدفَع إلى الحسن عشرة آلاف ألفٍ من مال فارس، وأقطعه الصلح، فحُملت إليه على المكان.[143]

وقد رثت المأمُون بعد وفاتِه، قائلة:[144]

أسعداني على البُكا مُقْلَتيَّاصِرتُ بعدَ الإِمامِ لِلهمِّ فيَّا
كُنتُ أسطو على الزَّمانِ فلمَّاماتَ صار الزَّمانِ يَسطو عليَّا


جواريه[عدل]

كان للخليفة المأمُون، 200 جاريَة، وهو عدد يُعتبر أقل بكثير من بعض الخُلفاء الذين كان لديهم عدة آلاف من الجواري في بعض الأحيان.[145]

عُريب المأمُونية[عدل]

كانت عُريب جارية وُلدت في العاصمة العبَّاسيَّة بَغْداد، وكانت ذات حُسن باهِر وجمال مُنقطع النظير[146]، ويُقال أن والدها كان جعفر البرمكي، الوزير عهد هارون الرَّشيد، فكانت شاعرة وعازفة عود مُبدعة، رقيقة المعشر، مُتمكنة في لعب الطَّاولة والشطرنج[147]، ورُغم أن قصَّتها مأساويَّة، بسبب نكبة البرامكة، ولم يُكن لأمها تحقيق عائد مادي بعد مقتل أبيها جعفر، اضطرت لبيعها آنذاك، ويُقال أن والدتها توفَّت في صغرِها، وأن جعفر البرمكي أوكل أمرها إلى امرأة، وحينما جرت النُّكبة على البرامكة، باعتها.[146]

ومع مرور الوقت، استطاع الخليفة مُحَمَّد الأمين شراؤها، وبعد مقتله عام 197 هـ / 813 م، لم تلبث أن اشتراها الخليفة عبدُ الله المأمُون[146]، من سيَّدها البرامكي، وبذل الكثير من المال من أجل ذلك، فتعلَّق بها، وأحبَّها، ونُسبت إليه، فأصبحت تُدعى عُريب المأمُونيَّة، وحينما علم بحُبها لرجُل يُدعى مُحَمَّد بن حامد، زوَّجها له، وولدت لهُ بنتاً، وبعد وفاة المأمُون، اُعتقت من قبل أخيه المُعْتَصِم بالله.[148]

مُؤنسة المأمُونية[عدل]

كانت مُؤنسة، جارية رُوميَّة الأصل، تُعد أحد أقرب الجواري إليه[149]، وقد حدث ذات مرَّة أن غضِب المأمُون من كلامٍ مِنها، فغادر إلى الشَّمَّاسيَّة، منطقة من نواحي العاصِمة بَغْداد، فأرسلت تعتذر إليه بأبياتِ شُعرٍ تقولُ فيه:[150]

قد كان عَتْبُك مَرَّةً مكتومافاليومَ أصبحَ ظاهِرًا معلوما
نالَ الأعادي سُؤْلَهُم لا هُنِّئؤالمَّا رأونا ظاعِنًا ومُقيما
هَبْني أسأتُ فَعادَةٌ لكَ أن تُرىمُتجاوِزًا مُتَفَضِلًا مَظلوما

فقبل مِنها المأمُون اعتِذارها ورضا عنها.[150]

ذُرَّيتُه[عدل]

أنجب المأمُون عدداً من الأبناء والبنات، ومعظمهم جاء من الجواري وأُمَّهات الأولاد، أمَّا أبنائه فهُم:[151]

  • محمد الأكبر
  • العبَّاس
  • علي
  • محمد الأصغر
  • عبد الله
  • الحسن
  • الحُسين
  • أحمد
  • عيسى
  • إسماعيل
  • الفضل
  • موسى
  • إبراهيم
  • يعقوب
  • سليمان
  • هارون
  • جعفر
  • إسحاق

كما كان لهُ عدد من البنات، عُرف مِنهُنّ: أم حبيب (زوجة عليُّ الرّضاوأم الفَضْل (زوجة مُحَمَّد الجَواد).[82]

صفتهُ الخلقيَّة[عدل]

كان رُبعةً، أبيضَ البشرة، تعلُوه شَقْرة، ضَيَّق الجُبهة، في خَدِّهِ خالٌ أسود، واسِع العَينينِ، طويل اللَّحية، مع رقَّة فيها، وقد فَشا بِهِ الشيب.[112][152][153] وكان نقش خاتِمِه «سل الله يعطك».[154] وقيل «عبد الله بن عبيد الله».[155]

أخلاقُه[عدل]

وُصف المأمُون بأنه من أفضل رجال بني العبَّاس حزماً، وعزماً، وحلماً، وعلماً، ورأياً، ودهاءً، وأنّهُ سَمع الحديث عن عدد كبير من المُحدثين، فبرع في الفَقْه، واللُّغة العربيَّة، والتاريخ، وكان حافِظاً للقرآن الكريم.[156]

يؤثر عنه بعض المواقف حول أخلاقِه وسَماحَتِه ومحبَّتِه للعَفُو، ومنها أن أهل الكوفة رفعوا مظلمة يشكون فيها عاملًا، فوقَّع إليهم كِتاباً يقولُ فيه: «عيني تراكم، وقلبي يرعاكم، وأنا مُعوِّل عليكم ثقتي ورِضاكم». وحينما شغب الجند في بَغْداد، واحتجُّوا، فرُفع ذلك إليه، فقال:«لا يُعطون على الشغب، ولا يُحوجون إلى الطلب». ووقف مرةً أحمد بن عروة بين يديه، وقد كان واليهُ على الأهواز، فقال له المأمُون: «أخربت البلاد، وأهلكت العباد»، فقال: «يا أميرُ المؤمِنين، ما تُحب أن يفعل الله بِك إذا وقفت بين يديه، وقد قرَعَك بذُنوبك»؟ فقال: «العفو والصَّفح»، قال: «فافعَل بغيرِك ما تختار أن يُفعل بك»، قال: «قد فعلت، ارجِع إلى عملك، فوالٍ مُستعطف خيرٌ من والٍ مُستأنف!».[157] وكتب مرَّة إلى أحد الأمراء قائلًا لهُ: «ليس مِن المَرُوءة أن يكون آنيتُكَ مِن ذَهَب وفِضَّة وغريمُكَ عارٍ، وجارُكَ طاوٍ، والفقيرُ جائع».[158] كان كريماً حدّ الإسراف في بعض الأحيان، حتى أنه أنفق في عرسه على بوران بنت الحسن ما يوازي خمسين مليون درهم. وكان يتولَّى القضاء في مَجلِسه، فقد تظلَّمت عِندهُ امرأة ضعيفة على ابنِهِ العَبَّاس، فأمر المأمُون الحاجِب أن يأتي بابنِه وأجلسهُ معهُما بين يديه، وادَّعت أنَّهُ أخذ ضيعةً لها واستحوذها، فتناظرا ساعة، وبات صوتُ العَبَّاس يعلو صَوتها، فزجرها بعض الحاضِرين مع ذلك، فقال لهُ المأمُون «اسكُت! فإن الحقَّ أنطقها والباطِل أسكَته»، وحَكَم لها بحقِّها وغرَّم ابنهُ العَبَّاس بِعَشرةِ عَشرَةِ آلافِ دَرْهَم.[158]

يَروي يَحيى بنُ أكْثَم، أنَّهُ سَمِع المأمُون ذات مَرَّة في يومِ عيد، فخَطب في النَّاس، فقال بعد الحمدُ لله والثَّناء عليه وصلَّ على النبيُّ الكريم: «عِباد الله! عظِم أمرُ الدَّارَين، وارتَفع جزاءُ العامِلين، وطالت مدةُ الفَريقين، فواللهِ إنَّهُ للجَدّ لا اللَّعِب، وإنَّهُ للحقُّ لا الكذِب، وما هُو إلا المَوتُ والبَعثُ والحِسابُ والفَصْلُ والصِّراطُ ثُم العِقاب والثَّواب، فمن نجا يَومئذٍ فقد فاز، ومن هوى يَومئذٍ فقد خاب، الخيرُ كُله في الجنَّة، والشر كُلَّهُ في النَّار».[158] وذُكر أن سَعيد بنُ زياد حينما دخل على المأمُون وكان حينئذٍ في دِمَشْق، قال لهُ المأمُون: «أرِني الكِتاب الذي كَتبهُ رسُول الله صلَّ الله عليه وسلَّم لكُم»، فأراهُ إيَّاه، فقال المأمُون: «إني لأشتهي أن أدري أي شيءٍ هذا الغِشاء على هذا الخاتِم ؟»، فأشار عليهِ أخيه أبو إسْحاق أن يحلَّ العَقدة حتى يعلم ماهو، فقال المأمُون: «ما أشكُّ أن النَّبيُّ صلَّ الله عليهِ وسلَّم عقد هذا العَقد، وما كُنتُ لأحِلّ عقداً عَقدَهُ رسولُ الله صلَّ الله عليهِ وسلَّم»، فنظر إلى اِبن أخيه هارُون بن مُحَمَّد، وقال لهُ: «خُذهُ فضعهُ على عَينك، لِعلَّ الله أن يُشفيك»، ووضعهُ المأمُون على عَينيهِ وبَكى.[159]

هواياتُه[عدل]

كان للمأمون ولعاً بالغِناء والمُوسيقى، وكان أشدَّ ما يكُون، أن يُطرب بِغِناء نديمُه إسحاق الموُصَلّيّ، فكان يقول عَنه: «كان لا يُغني أبداً، إلا وتذهَب عَنِّي وساوسي المُتزايدَة مِن الشَّيْطان».[160] كما كان يُجيد لعب الشَّطَرنج، وقد أُجري في عَهدِهِ أوَّل مُسابقةٍ في البِلاد مِن نَوعِها عام 203 هـ / 819 م، بحضور أبرز أبطالها آنذاك، جابر الكوفي وزيراب قطان من خُراسان. كان المأمُون مع تديُّنه، يَشربُ النَّبيذ في بعض مجالسِه.[161][162]

أقواله[عدل]

  • «ليت أهل الجرائم، يعرفون أنَّ مذهبي العَفُو حتَّى يذهب الخَوْف عنهُم، ويدخُل السُّرور إلى قُلوبِهم».[163]
  • «يغتِفر كُل شيء إلا القَدْح في المُلك، وإفشاء السِّر، والتعرُّض للحرم»[164]
  • «الناس ثلاثة: فمنهم مثل الغذاء لا بد منه على كل حال، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال».[165]

دينه[عدل]

نشأ الخليفة المأمُون مُسلماً على التديُّنِ والوَرَع، حيث كان حافظاً للقُرآن الكَريم، وقيل أنه لم يحفظ القُرآن أحد مِن الخُلفاء آنذاك إلا عُثمان بن عفَّان وعبدُ الله المأمُون[155]، وكان كثيرُ التّلاوة، حتى أنهُ كان يتلو في شهر رَمَضان ثلاثاً وثلاثين ختمة، إلاَّ أنهُ كان يتبنَّى آراء المُعْتَزِلة في بعض المسائل، حيثُ كان يُقدِّم العقل على النقل، واجتَهَد في نظريَّتِه، حتى قال بِخَلْق القُرآن، وكان يرى أنه الحقّ. كما كان المأمُون يُميل نحو أبناء عُمومته الهاشِميين من العَلَويين وعُموم الطالبيين، فكانت نظرتُه إليهم تتسم بالعَطْف والتَّسامُح[166]، وكأنه أراد بذلك أن يتلافى السياسة القاسية نحوهم، التي سلكها آباؤه العباسيين مِن قبل، فكان يقول بتفضيل عليّ بن أبي طالِب بعد النبيُّ مُحَمَّد، ولكنَّهُ لم يتكلَّم في الشَّيخين، أيّ أبي بكرٍ وعُمر بسوء وكذلك عُثْمان، بل كان يترضَّى عنهُم ويعتقِد بصحَّة إمامَتهُم، وقد أنشد ذات مَرَّة يُوضح موقِفهُ في الصَّحابَة قائلًا:[158]

أَصْبَح دِيني الذي أُدينُ بِهِولستُ مِنهُ الغَداةَ مُعتَذِرًا
حُبُّ عَليٌّ بعد النّبيُّ ولاأشتِمُ صِديقنا ولا عُمَرًا
ثُمَّ اِبنَ عَفَّان في الجِنانِ معالأبْرارِ ذاك القَتيلُ مُصْطَبرًا
لالا ولا أشتِمُ الزُّبَير ولاطَلحَةَ إن قال قائلٌ غَدَرًا
وعائشُ الأُم لستُ أشتِمُهامَن يَفْتريها فنحنُ مِنهُ بَرا

إلَّا أنَّهُ كان يبرأ مِمَّن ذَكر مُعاوية بن أبي سُفيان بخير أو فضَّلهُ على أحد من الصَّحابة، وأظهر ذلك فيما بعد مع القول في خَلْق القُرآن في 212 هـ / 827 م.[167]

رواياته للحديث[عدل]

رَوَى المأمُون عَدد من الأحاديث نقلًا عن النبيُّ مُحَمَّد صلَّ الله عليهِ وسلَّم، ومن هذه الأحاديث:

  • ذكر البَيْهَقْيّ أنَّ المأمُون سمِعَ عن هشيم بن بشير، عن ابن شُبْرُمة، عن الشَّعبي، عن البراء بن عازب، عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله صلَّ الله عليه وسلَّم: «من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه، ومن ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة»، قال الحاكِم: هذا حديث لم نكتُبَهُ إلا عن أبي أحمد، وهو عِندنا ثِقَة مأمُون، وصحَّحها الدَّارْقُطْني عن الوزير أبو الفَضْل جَعْفَر بن الفُرات.[168]
  • قال الصُّولي، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: كنا عند المأمُون، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلق عيال الله، فأحب عباد الله إلى الله -عز وجل- أنفعهم لعياله»، فصاح المأمُون، وقال: اسكُت! أنا أعلم بالحديث منك، حدثنيه يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت، عن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الخلق عيال الله، فأحب عباد الله أنفعهم لعياله» أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من طرق عن يوسف بن عطية.[169]
  • قال الصُّولي: حدثنا المسيح بن حاتم العكلي، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله، قال: سمعت المأمُون يخطُب، فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه، ثم قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار». أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمُون.[169]

ميراثه[عدل]

يُعتبر المأمُون من الشخصيَّات الجَدليَّة في بعض المسائل، فكان هُنالك من يراهُ عالِماً، وخليفةً عظيماً ومُجاهِداً، ومُستنيراً من النَّاحية الفِكريَّة، وهُنالك من يشهَد لهُ بالعِلم والشَّجاعة، إلا أنَّهُ ينظر إليه بنظرة سلبيَّة لِكون مُعظم الانتقادات من مُعارِضيه، كانت حول مسألة الاعتِزال، وإدخاله للعُلوم الفلسفيَّة إلى حاضِرة الخِلافَة.

المُؤيَّدين[عدل]

  • رُويَ عن هارون الرَّشيد قَوْلُه: «إني لأعرف في عبد الله ابني، حَزم المنصُور، ونُسك المَهدي، وعِزَّة الهادي، ولو أشاء، أن أنسُبَهُ إلى الرَّابع -يعني نفسه- لفعلت، وقد قدمت مُحمداً -يعني أخ المأمون محمد الأمين- عليه، وإني لأعلم أنه مُنقاد إلى هَواه، مُبذِّر لما حَوتهُ يداه، يشارك في رأيه الإماء، ولولا أُمُّ جَعْفر، ومَيل الهاشميين إليه، لقَدَّمتُ عَليهِ عبدُ الله».[19]
  • الأديب المُعْتَزَليّ ثُمامة بن الأشْرَس: «ما رأيت رجلاً، أبلغ من جعفر بن يحيى، والمأمون».
  • عالِم الفَلَك أبُو مَعْشَر البَلَخي: «كان المأمُون أمّارًا بالعدل، فقيه النفس، يُعد من كبار العُلماء».[19]
  • العالِم والفقيه المُسلم يِحيَى بنُ أكْثَم في قولِهِ للمأمون بعد أن وُضع على المائدة أكثر من 300 صُنف ولون من الطعام، وكان المأمُون يُشير بمن يُعاني من مرضٍ ما أن يجتنب ذلك النوع، وأن يتناول نوعاً آخر لفوائده، وذلك لغزارة عِلمِه، فقال: «يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب، كنت جالينوس في مَعرِفَته، أو في النُّجوم، كنت كهرمس في حِسابِه، أو في الفُقه كُنت كعلي بن أبي طالب في عِلمِه، أو في السَّخاءِ كُنت كحاتِمٍ الطَّائيّ، أو في صُدق الحديث فأنت أبُو ذرّ في لَهْجَتِه، أو الكرم فأنت كَعْب بن مامة في فِعالِه، أو الوفاء فأنت السَّمَوْءل بن عادياء في وفائه»، فسرَّ المأمُون بكلامه وقال لهُ «إن الإنسان إنما فُضل بعقله، ولولا ذلك لم يكُن لحمٌ أطيب من لحم، ولا دمٌ أطيب من دم.».[170]
  • الأكاديميّ والمُؤرّخ الأمريكيّ مايكل كوبَرسَن في كِتابه "المأمُون":«نعم! لقد كان المأمون هو رائد النهضة الفكرية العربية بدون منازع! ولذلك سُجل اسمه على صفحات التاريخ بأحرف من نور .. مهما يكن من أمر فإن الخليفة المأمون كان شخصا متميزاً عن معظم الخلفاء، ومستنيراً جداً من الناحية الفكرية .. وكان مقرباً من الاتجاهات العقلانية في الإسلام، وهذا ما جعله يصطدم بالاتجاهات الأصولية المتشددة والمنغلقة على ذاتها، وللأسف فإن الاتجاه العقلاني والفلسفي هزم بعد موته بفترة ليست طويلة. وكان ذلك يعني نهاية الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة والعصر الذهبي الذي تألق في بغداد ردحاً من الزمن ثم انطفأ، لهذا السبب يظل المأمون منارة في تاريخ العرب والمسلمين، ويظل قدوة للأجيال اللاحقة بما فيها الجيل الحالي الذي يتخبط في نفس المعضلة التي واجهته قبل ألف ومائتي سنة، ونقصد بها معضلة الصراع بين التيارات العقلانية والتيارات الظلامية في الإسلام».[وب 8]

المُنتقدين[عدل]

  • الفقيه والمُؤرّخ اَبنُ كَثير: «وقد كان فيه تشيع واعتزال، وجهل بالسنة الصحيحة .. وكان يُحب العِلم، ولم يكن لهُ بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عِندهُ الباطل، ودعا إليه وحمل الناس عليه قهراً، وذلك في آخر أيَّامه، وانقضاء دولته».[171]
  • ذكر الفقيه الحَنبَليّ السَّفارينيّ عن صلاح الدّين الصَّفَدي أنه قال:«حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام اِبن تَيميَّة روَّح الله روحه كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولا بُد أن يُقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال العلوم الفلسفيَّة بين أهلها».[172]

في التلفاز والإعلام[عدل]

انظر أيضاً[عدل]

مراجع[عدل]

فهرس المنشورات[عدل]

  1. ^ أ ب الهاشمي (2003)، ص. 325.
  2. ^ العبادي (1988)، ص. 108.
  3. ^ أ ب عواد (1986)، ج. 2، ص. 128.
  4. ^ أ ب هدارة (1966)، ص. 23.
  5. ^ أ ب ابن العمراني (1999)، ص. 96.
  6. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 828.
  7. ^ هدارة (1966)، ص. 25.
  8. ^ أ ب هدارة (1966)، ص. 27.
  9. ^ القيرواني (1972)، ج. 1، ص. 184.
  10. ^ هدارة (1966)، ص. 28.
  11. ^ رفاعي (1928)، ج. 1، ص. 312.
  12. ^ أ ب ت ابن العمراني (1999)، ص. 96 - 97.
  13. ^ القيرواني (1972)، ج. 3، ص. 67.
  14. ^ أ ب رفاعي (1928)، ج. 3، ص. 213.
  15. ^ الأفغاني (1978)، ص. 51.
  16. ^ السيوطي (2003)، ص. 243 - 244.
  17. ^ هدارة (1966)، ص. 28-29.
  18. ^ هدارة (1966)، ص. 29.
  19. ^ أ ب ت السيوطي (2003)، ص. 244.
  20. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 874.
  21. ^ أ ب رفاعي (1928)، ج. 1، ص. 214.
  22. ^ رفاعي (1928)، ج. 1، ص. 214 - 215.
  23. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 876.
  24. ^ العبادي (1988)، ص. 88.
  25. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 881.
  26. ^ أ ب ت الطبري (2004)، ص. 1713.
  27. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 882.
  28. ^ أ ب الطبري (2004)، ص. 1695.
  29. ^ الطبري (2004)، ص. 1703.
  30. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 885-886.
  31. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 886.
  32. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 889.
  33. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 890.
  34. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ابن الأثير (2005)، ص. 891.
  35. ^ الطبري (2004)، ص. 1722.
  36. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 892.
  37. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 893.
  38. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 895.
  39. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 894.
  40. ^ الخضري (2003)، ص. 155.
  41. ^ أ ب الخضري (2003)، ص. 156.
  42. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 896.
  43. ^ أ ب ت ابن كثير (2005)، ج. 1، ص. 1572.
  44. ^ العبادي (1988)، ص. 97-98.
  45. ^ الخضري (2003)، ص. 158-159.
  46. ^ أ ب ت الخضري (2003)، ص. 159.
  47. ^ العبادي (1988)، ص. 98.
  48. ^ الخضري (2003)، ص. 160.
  49. ^ الخضري (2003)، ص. 161.
  50. ^ هدارة (1966)، ص. 62.
  51. ^ أ ب ت ابن الأثير (2005)، ص. 906.
  52. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 907.
  53. ^ الخضري (2003)، ص. 162.
  54. ^ العبادي (1988)، ص. 100-101.
  55. ^ ابن العمراني (1999)، ص. 98.
  56. ^ الخضري (2003)، ص. 166.
  57. ^ الخضري (2003)، ص. 165.
  58. ^ العبادي (1988)، ص. 101-102.
  59. ^ الخضري (2003)، ص. 168.
  60. ^ أ ب العبادي (1988)، ص. 102.
  61. ^ أ ب الخزرجي (2011)، ص. 5.
  62. ^ أ ب الخزرجي (2011)، ص. 6.
  63. ^ الطبري (2004)، ص. 1776.
  64. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 914.
  65. ^ أ ب ت الخضري (2003)، ص. 170.
  66. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 915.
  67. ^ أ ب ت ث ج ح الطبري (2004)، ص. 1777.
  68. ^ ابن خلدون (2000)، ج. 3، ص. 304.
  69. ^ الخضري (2003)، ص. 168-169.
  70. ^ الخضري (2003)، ص. 169.
  71. ^ الطبري (2004)، ص. 1778.
  72. ^ أ ب ت ابن الأثير (2005)، ص. 926.
  73. ^ أ ب ابن خلدون (2000)، ج. 3، ص. 309.
  74. ^ الخضري (2003)، ص. 171.
  75. ^ ابن كثير (2004)، ص. 1577.
  76. ^ العبادي (1988)، ص. 103.
  77. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 917.
  78. ^ ابن الجوزي (2008)، ص. 369.
  79. ^ أ ب ت الخضري (2003)، ص. 172.
  80. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 923.
  81. ^ أ ب ت الخضري (2003)، ص. 173.
  82. ^ أ ب ت ث ابن الأثير (2005)، ص. 924.
  83. ^ ابن الجوزي (2008)، ص. 372.
  84. ^ الأصفهاني (2006)، ص. 460.
  85. ^ العبادي (1988)، ص. 104.
  86. ^ الزركلي (2002)، ج. 3، ص. 66.
  87. ^ الخضري (2003)، ص. 173 - 174.
  88. ^ ابن كثير (2004)، ص. 1583.
  89. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 910.
  90. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 912 - 913.
  91. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 927.
  92. ^ ابن كثير (2005)، ص. 1584.
  93. ^ ابن كثير (2005)، ص. 1585.
  94. ^ العبادي (1988)، ص. 107.
  95. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 934.
  96. ^ أ ب ت ث ابن الأثير (2005)، ص. 936.
  97. ^ العبادي (1988)، ص. 106.
  98. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 937.
  99. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 938.
  100. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 940.
  101. ^ الطبري (2004)، ص. 1815.
  102. ^ الخضري (2003)، ص. 186.
  103. ^ أ ب ت ث الطبري (2004)، ص. 1816.
  104. ^ الطبري (2004)، ص. 1817.
  105. ^ أ ب ت ث ج ابن الأثير (2005)، ص. 942.
  106. ^ أ ب ت الطبري (2004)، ص. 1818.
  107. ^ أ ب ت ث ابن الأثير (2005)، ص. 943.
  108. ^ أ ب ت ابن الأثير (2005)، ص. 944.
  109. ^ الطبري (2004)، ص. 1826.
  110. ^ الخضري (2003)، ص. 213.
  111. ^ السيوطي (2003)، ص. 249.
  112. ^ أ ب ت ث ج ح ابن الأثير (2005)، ص. 945.
  113. ^ المسعودي (2005)، ج. 4، ص. 37.
  114. ^ المسعودي (2005)، ج. 4، ص. 37 - 38.
  115. ^ الخضري (2003)، ص. 174.
  116. ^ الخضري (2003)، ص. 175.
  117. ^ الخضري (2003)، ص. 176.
  118. ^ الخضري (2003)، ص. 176-177.
  119. ^ الخضري (2003)، ص. 177-178.
  120. ^ الخضري (2003)، ص. 178-179.
  121. ^ الخضري (2003)، ص. 187-189.
  122. ^ أ ب ت الخضري (2003)، ص. 190.
  123. ^ أ ب العبادي (1988)، ص. 112.
  124. ^ العبادي (1988)، ص. 113.
  125. ^ العبادي (1988)، ص. 114.
  126. ^ العبادي (1988)، ص. 105.
  127. ^ أ ب ليونز (2010)، ص. 98 - 99.
  128. ^ غنيمة (2006)، ص. 577.
  129. ^ هونكه (1993)، ص. 124.
  130. ^ ليونز (2010)، ص. 99.
  131. ^ ليونز (2010)، ص. 102.
  132. ^ ليونز (2010)، ص. 103.
  133. ^ أ ب ليونز (2010)، ص. 98.
  134. ^ حربي (2004)، ص. 173 - 174.
  135. ^ أ ب ليونز (2010)، ص. 118.
  136. ^ ليونز (2010)، ص. 119 - 120.
  137. ^ أ ب ليونز (2010)، ص. 120.
  138. ^ ليونز (2010)، ص. 120 - 121.
  139. ^ عبد الحكيم (2011)، ص. 52.
  140. ^ ابن حزم (1983)، ص. 24.
  141. ^ أ ب ابن الأثير (2005)، ص. 935.
  142. ^ ابن الساعي (1968)، ص. 73.
  143. ^ ابن كثير (2004)، ص. 1586.
  144. ^ ابن الدمياطي (1986)، ص. 449.
  145. ^ التنوخي (1978)، ج. 3، ص. 105.
  146. ^ أ ب ت ابن الساعي (1968)، ص. 55.
  147. ^ ابن الساعي (1968)، ص. 58.
  148. ^ الحسن (1998)، ص. 163.
  149. ^ ابن الساعي (1968)، ص. 79.
  150. ^ أ ب ابن الساعي (1968)، ص. 80.
  151. ^ العباسي (2000)، ص. 80.
  152. ^ هدارة (1966)، ص. 26.
  153. ^ ابن كثير (2004)، ص. 1592.
  154. ^ ابن حزم (1983)، ج. 5، ص. 375.
  155. ^ أ ب السيوطي (2004)، ص. 496.
  156. ^ السيوطي (2004)، ص. 485.
  157. ^ التنوخي (1978)، ج. 1، ص. 373.
  158. ^ أ ب ت ث ابن كثير (2004)، ج. 1، ص. 1592.
  159. ^ الطبري (2004)، ص. 1827.
  160. ^ ريسلر (د.ت.)، ص. 108.
  161. ^ الطبري (2004)، ص. 1832.
  162. ^ الطبري (2004)، ص. 1829.
  163. ^ ابن كثير (2004)، ص. 1592 - 1593.
  164. ^ المسعودي (2005)، ج. 4، ص. 8.
  165. ^ السيوطي (2004)، ص. 512.
  166. ^ ابن الأثير (2005)، ص. 946.
  167. ^ المسعودي (2005)، ج. 4، ص. 34.
  168. ^ السيوطي (2004)، ص. 514.
  169. ^ أ ب السيوطي (2004)، ص. 515.
  170. ^ السيوطي (2004)، ص. 497.
  171. ^ ابن كثير (2004)، ص. 1591.
  172. ^ السيوطي (1947)، ص. 9.

فهرس الوب[عدل]

  1. ^ الصغير محمد الغربي (30–12–2017). "العلماء العرب والمسلمون وقياس محيط الأرض". منظمة المجتمع العلمي العربي. مؤرشف من الأصل في 02–08–2021. اطلع عليه بتاريخ 02–10–2023.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: تنسيق التاريخ (link)
  2. ^ أ ب محمد بكري (13–07–2014). "العلم والترجمة في عهد الخليفة المأمون". موقع اللغة والثقافة العربية. مؤرشف من الأصل في 02–10–2023. اطلع عليه بتاريخ 04–11–2023.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: تنسيق التاريخ (link)
  3. ^ أ ب "المأمون سابع خلفاء بني العباس". قصة الإسلام. 19–06–2017. مؤرشف من الأصل في 05–10–2023. اطلع عليه بتاريخ 12–11–2023.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: تنسيق التاريخ (link)
  4. ^ محمد بكري (13–07–2014). "الإمام الكسائي عالم القراءات والنحو". موقع اللغة والثقافة العربية. مؤرشف من الأصل في 09–06–2021. اطلع عليه بتاريخ 05–10–2023.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: تنسيق التاريخ (link)
  5. ^ بينك هالوم (14–10–2014). "حنين بن إسحق وإزدهار اللغة العربية كلغة للعلم". مكتبة قطر الرقمية. مؤرشف من الأصل في 17–10–2023. اطلع عليه بتاريخ 12–11–2023.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: تنسيق التاريخ (link)
  6. ^ عامر النجار، عامر (13 أغسطس 2019). "الترجمة في العصر العباسي". مجلة التقدم العلمي. مؤرشف من الأصل في 2023-11-21. اطلع عليه بتاريخ 2023-11-21.
  7. ^ "بنو موسى بن شاكر أول فريق علمي في العالـم". قصة الإسلام. مؤرشف من الأصل في 2023-11-20. اطلع عليه بتاريخ 2023-11-20.
  8. ^ "المأمون - ميكائيل كوبرسون". البيان. 23–10–2006. مؤرشف من الأصل في 18–10–2023. اطلع عليه بتاريخ 25–11–2023.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: تنسيق التاريخ (link)

معلومات المنشورات كاملة[عدل]

الكتب مرتبة حسب تاريخ النشر
المقالات المحكمة

وصلات خارجية[عدل]

سبقه
مُحَمَّد الأمين
خليفة المسلمين وأمير المؤمنين

813 – 833

تبعه
مُحَمَّد المُعْتَصِم بِالله