علم اجتماع الصحة والمرض

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

علم اجتماع الصحة والمرض أو علم اجتماع الصحة والعافية أو علم اجتماع الصحة، يدرس التفاعلات بين المجتمع والصحة. الهدف من هذا المجال النظر في تأثير الحياة الاجتماعية على الأمراض ومعدل الحياة والعكس.[1] يختلف هذا الجانب من علم الاجتماع عن علم الاجتماع الطبي في أن هذا الفرع من علم الاجتماع يناقش الصحة والمرض في علاقتها مع المؤسسات الاجتماعية كالعائلة والعمل والمدرسة. يتخصص علم الاجتماع الطبي في العلاقة بين المريض ومقدم الرعاية الصحية وبدور العاملين في المهن الصحية في المجتمع[2]. يغطي علم اجتماع الصحة والمرض علم الأمراض الاجتماعي (أسباب الأوبئة والمرض)، وأسباب طلب أنماط معينة من المساعدة الطبية، وامتثال المريض أو عدم امتثاله للأنظمة الطبية.[2]

كانت الصحة والمشاكل في الصحة في فترة سابقة تُعزى فقط إلى الأسباب البيولوجية والطبيعية. أظهر علماء الاجتماع أن انتشار الأمراض يتأثر بدرجة كبيرة بالحالة الاجتماعية الاقتصادية للأفراد والعرق والعادات والاعتقادات والعوامل الثقافية أخرى.[3] تجمع الأبحاث الطبية البيانات الإحصائية حول مرض ما بينما يقدم المنظور الاجتماعي للمرض الرؤية حول الأسباب الخارجية المؤثرة على السكان والتي ساهمت في إصابتهم بالمرض الذي وصل إليهم.[3]

يتطلب هذا الموضوع مقاربة تحليلية على مستوى العالم لأن تأثيرات العوامل المجتمعية متباينة عبر أرجاء العالم. تُدرس الأمراض في سياق اجتماعي وتُقارن بناءً على أسس في الطب التقليدي والاقتصاد والدين والثقافة، محدِدة لكل منطقة. يقدم فيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) أساسًا مشتركًا للمقارنة بين البقاع المختلفة. يمثل الإيدز مشكلة كبيرة في بعض مناطق العالم، إلا أنه يصيب نسبة صغيرة نسبيًا من السكان في مناطق أخرى.[4] يمكن أن تساعد العوامل الاجتماعية في توضيح أسباب هذه التناقضات.

هناك اختلافات واضحة في أنماط الصحة والمرض بين المجتمعات وعبر الأزمنة وضمن أنماط مجتمعية معينة. تاريخيًا، كان هناك انحدار طويل الأمد في معدل الوفيات في المجتمعات الصناعية، بشكل وسطي، يكون متوسط العمر المتوقع أعلى بكثير في المجتمعات المتقدمة مقارنةً بالمجتمعات النامية أو غير المتطورة.[5] وبالنظر إلى أنماط التغير العالمي في أنظمة الرعاية الصحية، من الضروري اليوم البحث في علم اجتماع الصحة والمرض وفهمه. يمكن أن تؤثر التغيرات المتواصلة في الاقتصاد والعلاج والتكنولوجيا والتأمين على الطريقة التي تنظر بها المجتمعات الفردية إلى الرعاية الطبية المتوفرة وتتجاوب معها. تجعل هذه التقلبات السريعة قضية الصحة والمرض في الحياة الاجتماعية حيوية جدًا في التعريف. إن تطوير المعلومات أمر حيوي فدراسة علم اجتماع الصحة والمرض بحاجة إلى التحديث المستمر تزامنًا مع تطور الأنماط.[2]

خلفية تاريخية[عدل]

لوحة جدارية لما يُعرف بـ"قبر الأطباء" عُثر عليها في قبر لمسؤول من مصر القديمة.
طبيب في اليونان القديمة وهو يعالج أحد المرضى (480–470 ق.م)

لطالما طلب البشر مشورة أصحاب المعرفة والمهارة في الطبابة. يتيح علم الأمراض القديمة وغيره من السجلات التاريخية دراسة طريقة تعامل المجتمعات القديمة مع المرض وتفشيه. لقيَ الأطباء المتخصصون في أمراض معينة الرعاية من قبل الحكام في مصر القديمة.[6] إمحوتب أول طبيب معروف بالاسم، وهو مصريّ قديم عاش قرب عام 2650 قبل الميلاد، وكان مستشارًا للملك زوسر في وقت كان المصريون فيه يحرزون تقدمًا في مجال الطب. ومن إسهاماته في الطب كتاب تناول علاج الجروح والكسور وحتى الأورام.[7]

كان إيقاف انتشار الأمراض المعدية مهمًا جدًا للحفاظ على مجتمع صحي.[6] سجّل ثوسيديديس -بعد أن نجا من الوباء- تفشّي المرض خلال الحرب البيلوبونيسية. توضح قصته كيف تؤثر عوامل خارج المرض بحد ذاته على المجتمع. تركّز الأثينيون تحت الحصار داخل المدينة. وكانت المراكز الرئيسية في المدينة الأكثر تضررًا.[8] ما جعل المرض أشدّ فتكًا، ومع النقص المحتمل في الغذاء، كان مصير أثينا أمرًا محتومًا.[8] مات بفعل المرض نحو ربع السكان.[8] وقال توسيديديس إن الوباء «انتشر بعيدًا بشكل مشابه». وهاجم المرض السكان في جميع الأعمار والقوميات ومن الجنسين.[8]

شددت النظم الطبية القديمة على أهمية تخفيف المرض عبر ممارسة الكهانة والطقوس.[6] انتشرت قواعد السلوك الأخرى والأنظمة الغذائية في العالم القديم.[6] خلال عهد سلالة زو في الصين، رأى الأطباء ضرورة ممارسة الرياضة والتأمل والاعتدال للحفاظ على صحة المرء.[6] ربط الصينيون الصحة بالعافية الروحية بشكل وثيق. وركزت الأنظمة الصحية في الهند القديمة على العناية بصحة الفم واعتبرتها أهم أساليب الحصول على الحياة الصحية.[6] أوجدت تعاليم التلمود قواعد صحية أكدت على طقوس النظافة وربطت الأمراض ببعض الحيوانات وأنشأت الحميات الغذائية.[6] ومن الأمثلة التاريخية القديمة أيضًا شريعة موسى والحمامات والقنوات الرومانية.[6]

في العالم القديم، كانت طبقة النخبة الطبقة الأكثر اهتمامًا بالصحة والنظافة والمرض.[6] كان يُعتقد أن الصحة الجيدة تخفض خطر التدنيس الروحي وتعزز بالتالي الوضع الاجتماعي للطبقة الحاكمة التي اعتبرت نفسها منارة للحضارة.[6] في الفترة الرومانية المتأخرة، كان موضوع نظافة الطبقات الدنيا مصدر قلق للطبقة المُترفة.[6] تبرع أصحاب القدرة بالوسائل اللازمة للجمعيات الخيرية التي تستهدف صحة الطبقات الأدنى.[6] بعد تراجع الإمبراطورية الرومانية، اختفى الأطباء والاهتمام بالصحة العامة إلّا من المدن الكبرى.[6] وبقي أطباء الصحة العامة في الإمبراطورية البيزنطية.[6] أدى التركيز على منع انتشار الأمراض كالجدري إلى انخفاض معدل الوفيات في معظم أنحاء العالم الغربي.[6] ومن العوامل الأخرى التي سمحت بازدياد عدد السكان حديثًا: تحسين الغذاء والإصلاحات البيئية (كتأمين المياه النظيفة).[6]

بدأ الاهتمام بالصحة من قبل الدولة كما في الوقت الحاضر في العصور الوسطى.[9] من الإجراءات الحكومية: الحفاظ على نظافة المدن وفرض الحجر الصحي أثناء الأوبئة والإشراف على أنظمة الصرف الصحي.[9] لعبت الشركات الخاصة أيضًا دورًا في الصحة العامة. وقدمت الدولة والشركات الخاصة التمويل للأبحاث والمعاهد. دفعت الأوبئة معظم هذه الإجراءات الحكومية. كان الهدف المبكر من الاهتمام بالصحة العامة رجعيًا في حين أن الهدف حديثًا هو الوقاية من المرض قبل أن يتحول إلى مشكلة.[9] بالرغم من التحسن العام في الصحة العالمية، لم تتقلص الفجوة الصحية بين الأثرياء والفقراء.[10] اليوم، يلقي المجتمع اللوم في القضايا الصحية على الفرد بدلًا من المجتمع بأسره. كان هذا الرأي سائدًا في أواخر القرن العشرين.[10] في ثمانينيات القرن الماضي، عارض «التقرير الأسود» الذي نُشر في المملكة المتحدة هذا الرأي وجادل بأن السبب الحقيقي للمشكلة هو الحرمان المادي.[10] قدم التقرير استراتيجية شاملة لمكافحة الفقر بغية معالجة هذه القضايا.[10] لكنها لم توافق آراء حكومة المحافظين، لذلك لم يُفعّل الاقتراح فورًا.[10] انتقد حزب العمال حكومة المحافظين لعدم تنفيذ الاقتراحات المذكورة في التقرير الأسود.[10] أعطى هذا النقد التقرير الأسود الشهرة التي يحتاجها واعتُبرت حججه تفسيرًا صالحًا لعدم المساواة الصحيّة.[10] وكان هناك أيضًا جدل حول ما إذا كان الفقر يسبب اعتلال الصحة أو العكس.[10] ركزت نقاشات هيئة الخدمات الصحية الوطنية بشكل كبير على الفقر ونقص الرعاية الصحية. وُجد أيضًا أن للوراثة أثر في الصحة يفوق أثر البيئة الاجتماعية، لكن الأبحاث أثبتت وجود علاقة إيجابية بين عدم المساواة الاجتماعية الاقتصادية والمرض.[10]

مؤخرًا، أكدت الدراسات الاجتماعية في مجال الصحة والتي تتبع منظور دورة الحياة على محدودية وجهة النظر التي تُرجع النتائج الصحية إلى العوامل الفردية فقط.[11]

المنهجية[عدل]

  >80
  77.5–80
  75–77.5
  72.5–75
  70–72.5
  67.5–70
  65–67.5
  60–65
  55–60
  50–55
متوسط العمر المتوقع حسب البلد عام 2015

يبحث علم اجتماع الصحة والمرض في ثلاثة مجالات: وضع المفاهيم، ودراسة المقاييس والتوزع الاجتماعي، وتفسير أنماط الصحة والمرض. يمكن للباحثين عبر البحث في هذه الأمور النظر إلى الأمراض المختلفة من زاوية اجتماعية. يختلف انتشار الأمراض والتجاوب معها باختلاف الثقافة.[5] ومن خلال مراقبة الوضع الصحي السيئ، يمكن للباحثين معرفة أثر الصحة على الأنظمة والضوابط الاجتماعية المختلفة. عند قياس توزع الصحة والمرض، من المفيد الاستعانة بالإحصائيات الرسمية والدراسات الاستقصائية المجتمعية. تتيح الإحصاءات الرسمية معرفة الأفراد الذين خضعوا للعلاج. ويوضح ذلك أنهم يرغبون بالاستعانة بالخدمات الصحية وقادرون على ذلك. ويلقي الضوء على وجهة نظر المريض حول مرضه. من جانب آخر، تنظر الدراسات الاستقصائية المجتمعية إلى تقييم الناس لصحتهم. والعلاقة بين المحددات السريرية للمرض وما يُبلغ عنه المريض وتجد تعارضًا في كثير من الأحيان.

في أحيان كثيرة، تحل إحصائيات الوفيات مكان إحصائيات الإمراضية، في المجتمعات المتقدمة حيث يموت الناس بفعل الأمراض التنكسية، يلقي العمر الذي يموتون فيه المزيد من الضوء على حالتهم الصحية في حياتهم. هناك محدودية كبيرة في هذا التقييم عند البحث في أنماط المرض، لكن علماء الاجتماع يستعينون بالبيانات المختلفة لتحليل التوزع بشكل أفضل. يكون متوسط العمر المتوقع في المجتمعات النامية عادةً أقل مقارنةً مع البلدان المتقدمة. وقد وُجدت ارتباطات بين الوفيات والجنس والعمر. الصغار جدًا وكبار السن هم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض والموت. تعيش المرأة عادةً أكثر من الرجل، لكن النساء أكثر عرضة لاعتلال الصحة.[5]

وُجدت تباينات في الصحة بين الأفراد من مختلف الطبقات الاجتماعية والأعراق ضمن المجتمع نفسه، ولكن العاملين في الطب يولون الأهمية الأكبر «للسلوكيات المتعلقة بالصحة» كاستهلاك الكحول والتدخين والنظام الغذائي وممارسة الرياضة. تدعم كمية كبيرة من البيانات الاستنتاج الذي يقول إن تأثير هذه السلوكيات على الصحة أكبر من تأثير العوامل الأخرى.[5] ويرى علماء الاجتماع فائدة النظر إلى الصحة والمرض برؤية شاملة. يوافق علماء الاجتماع على أن استهلاك الكحول والتدخين والنظام الغذائي وممارسة الرياضة قضايا مهمة، لكنهم يرون أيضًا أهمية تحليل العوامل الثقافية التي تؤثر على هذه الأنماط. يبحث علماء الاجتماع في تأثير العملية الإنتاجية على الصحة والمرض. إضافة للبحث في قضايا أخرى كالتلوث الصناعي والتلوث البيئي وحوادث العمل والأمراض المرتبطة بالإجهاد.[5]

للعوامل الاجتماعية دور هام في تطوير الصحة وفي الأمراض. تشير دراسات علم الأوبئة إلى أن الاستقلالية والتحكم في مكان العمل عاملان هامان في مسببات الأمراض القلبية. عدم التوازن بين الجهد المبذول والمردود هو أحد أسباب المرض. اقترن انخفاض فرص التقدم الوظيفي وعدم القدرة على التحكم بالعمل بنتائج صحية سلبية. وأظهرت دراسات مختلفة أن أوضاع الحقوق التقاعدية يمكن أن تلقي الضوء على الاختلافات في معدل الوفيات بين الرجال والنساء المتقاعدين من مختلف الطبقات الاجتماعية الاقتصادية. تكشف هذه الدراسات دور العوامل الخارجية في الصحة والمرض.[5]

انظر أيضًا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ Timmermans, Stefan & Steven Haas. Towards a sociology of disease. Sociology of Health and Illness, Vol. 30, No. 5, pp. 659-676: 2008
  2. أ ب ت Conrad، Peter (2008). The Sociology of Health and Illness Critical Perspectives. Macmillan Publishers. صفحات 1–55. ISBN 978-1-4292-0558-0. مؤرشف من الأصل في 25 يناير 2020. 
  3. أ ب White، Kevin (2002). An introduction to the sociology of health and illness. SAGE Publishing. صفحات 4–5. ISBN 978-0-7619-6400-1. مؤرشف من الأصل في 25 يناير 2020. 
  4. ^ "HIV and AIDS estimates and data" (PDF). World Health Organization. 2007. صفحات 214–233. مؤرشف من الأصل (PDF) في 30 يوليو 2018. 
  5. أ ب ت ث ج ح Marshall, Gordon. "Health and illness, sociology of." A Dictionary of Sociology. 1998. Encyclopedia.com. 30 Nov. 2009 <http://www.encyclopedia.com>.
  6. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط Porter، Dorothy (1999). Health, Civilization, and the state a history of public health from ancient to modern times. New York NY: Routledge. ISBN 978-0-415-12244-3. 
  7. ^ Saari, Peggy. "Medicine And Disease - Who Was The First Doctor In History?." History Fact Finder. Ed. Julie L. Carnagie. UXL-GALE, 2001. eNotes.com. 2006. 2 Nov, 2009 eNotes نسخة محفوظة 11 يناير 2010 على موقع واي باك مشين.
  8. أ ب ت ث Littman، Robert J. (2009). "The Plague of Athens: Epidemiology and Paleopathology". Mount Sinai Journal of Medicine, Vol. 76, pp. 456-467. 
  9. أ ب ت Lindemann، Mary (1999). Medicine and Society in Early Modern Europe. Cambridge: Cambridge University Press. صفحات 155–159. ISBN 978-0-521-41254-4. 
  10. أ ب ت ث ج ح خ د ذ Taylor، Steve؛ Field، David؛ David Field (2007). Sociology of Health and Health Care. Oxford, England: Wiley-Blackwell. ISBN 978-1-4051-5172-6. مؤرشف من الأصل في 25 يناير 2020. 
  11. ^ Cullati، Stephane؛ Burton-Jeangros، Claudine؛ Abel، Thomas (2018). "Vulnerability in Health Trajectories: Life Course Perspectives". Swiss Journal of Sociology (باللغة الإنجليزية). 44 (2): 203–216. doi:10.1515/sjs-2018-0009. مؤرشف من الأصل في 05 نوفمبر 2019. 

وصلات خارجية[عدل]