علم الكلام

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
نجمة المقالة المرشحة للاختيار
هذه المقالة مرشحة حالياً لتكون مقالة مختارة، شارك في تقييمها وفق الشروط المحددة في معايير المقالة المختارة وساهم برأيك في صفحة ترشيحها.
تاريخ الترشيح 25 يوليو 2016
بسم الله الرحمن الرحيم
تخطيط كلمة الإسلام.png

هذه المقالة جزء من سلسلة:
الإسلام

علم الكلام يعرف أيضا باسم علم أصول الدين، وعلم التوحيد والصفات، والفقه الأكبر، هو علم إقامة الأدلة على صحة العقائد الإيمانية، فقد عرف علماء الكلام ذلك العلم بأنه: علم يُقْتَدر به على إثبات العقائد الدينية مُكْتَسَبة من أدلتها اليقينية: القرآن والسنة الصحيحة لإقامة الحجج والبراهين العقلية والنقلية ورد الشبهات عن الإسلام.[1] فقد سمى العلماء ما قاموا به في حماية مرتبة الإسلام بعلم الفقه‏،‏ وسموا ما قاموا به من مجهود في مجال بيان وحماية العقيدة الإسلامية بـ‏(علم العقيدة‏)‏ أو ‏(علم التوحيد‏)‏ أو ‏(علم أصول الدين‏)‏ أو ‏(علم الكلام‏) وهذا العلم هو الذي يحفظ درجة الإيمان‏.[2] فعلم الكلام، وعلم العقيدة، وعلم أصول الدين، وعلم التوحيد، أربعة أسماء مترادفة لمسمى واحد، وسماه أبو حنيفة الذي يعتبر أول متكلم في الإسلام باسم الفقه الأكبر،[3] ويسمى بعلم النظر والاستدلال، ويسمى أيضا بعلم التوحيد والصفات، وفي شرح العقائد النسفية لسعد الدين التفتازاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية أي العلمية يسمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمى علم التوحيد والصفات.[4] وسُمِّي بعلم التوحيد؛ لأن مبحث الوحدانية أشهر مباحثه، وسمي بعلم أصول الدين؛ لابتناء الدين عليه.[5] وتسميته بالفقه الأكبر ترجع إلى تمييز مباحثه عن مباحث الفقه العملية والتي تسمى بالفقه الأصغر، فكلامها علم أصول إلا أن علم الكلام يؤسس النظر، بينما الفقه يؤسس العمل ومعنى الفقه هو الفهم والعلم، وعلم الكلام هو العلم الأكبر لأنه يكوّن الإيمان، وهو أصل العمل والطاعة فيكون الفقه فرعا لهذا الأصل، فيسمى بالفقه الأصغر. وتسميته بعلم النظر والاستدلال ترجع إلى اعتماده على الاستدلال العقلي بجانب الاستدلال النقلي. وتسميته بعلم التوحيد والصفات راجعة إلى أنه يضع التوحيد عقيدة أساسية تستخرج منها باقي العقائد الأخرى بالاستدلال، فصار التوحيد أهم موضوعاته، فسمي العلم بأشرف أجزائه، وهذا الاسم هو الذي يفضله محمد عبده في رسالة التوحيد وكذلك يسميه بعلم الذات والصفات ذلك لأنه يبحث في صفات الله تعالى، والتي تعد من أهم مباحثه.[6]

ويقوم علم الكلام على بحث ودراسة مسائل العقيدة الإسلامية بإيراد الأدلة وعرض الحجج على إثباتها، ومناقشة الأقوال والآراء المخالفة لها، وإثبات بطلانها، ودحض ونقد الشبهات التي تثار حولها، ودفعها بالحجة والبرهان. فمثلا إذا أردنا أن نستدل على ثبوت وجود خالق لهذا الكون، وثبوت أنه واحد لا شريك له، نرجع إلى هذا العلم، وعن طريقه نتعرف على الأدلة التي يوردها العلماء في هذا المجال. وذلك أن هذا العلم هو الذي يعرفنا الأدلة والبراهين والحجج العلمية التي باستخدامها نستطيع أن نثبت أصول الدين الإسلامي، ونؤمن بها عن يقين. كما أنه هو الذي يعرفنا كيفية الاستدلال بها وكيفية إقامة البراهين الموصلة إلى نتائج يقينية. وهكذا إذا أردنا أن نعرف وجوب نبوة النبي وصحتها، فإننا نعمد إلى أدلة هذا العلم التي يستدل بها في هذا المجال، وندرسها، ثم نقيم برهانا على ذلك. وأيضا إذا أردنا أن ننفي شبهة التجسيم عن الذات الإلهية، نرجع إلى هذا العلم، وعن طريقه نستطيع معرفة ما يقال من نقد لابطالها. ولابد في الأدلة التي يستدل بها على إثبات أي أصل من أصول الدين، وأي مسألة من مسائل هذا العلم وقضاياه من أن تكون مفيدة لليقين. فمثلا لو أقمنا الدليل على ثبوت المعاد (أي البعث بعد الموت) لابد في هذا الدليل من أن يؤدي إلى إثبات المعاد بشكل يدعونا إلى الاعتقاد الجازم والإيمان القاطع بثبوته، أي اليقين بمعاد الناس وببعثهم من القبور وحشرهم يوم القيامة، وعرضهم للحساب، ومن بعد مجازاتهم بالثواب أو العقاب.[7]

محتويات

تعريفه[عدل]

مخطوطة شرح موجز للتصريحات من المثقفين وعلماء اللاهوت للإمام سيف الدين الآمدي.

توجد عدة تعريفات لعلم الكلام، تختلف في ظاهرها في المفهوم المأخوذ منها، ولكنها في حقيقتها ترجع إلى حقيقة واحدة، منها تعريف الفارابي بأنه "ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل".[8] ويعرفه عضد الدين الإيجي في المواقف بقوله: "علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد Mohamed peace be upon him.svg، فإن الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام".[9] وإذا كان كل من الفارابي والإيجي قد جعلا علم الكلام يقوم على نصرة العقيدة الإسلامية دون تمييز بين الفرق الإسلامية، فإننا نجد ابن خلدون في مقدّمته يحصر التعريف في نصرة الاعتقادات على مذهب السلف وأهل السنة ويخرج باقي الفرق فيقول في تعريفه لعلم الكلام: "هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد".[10] وهو في هذا يوافق ما ذهب إليه الغزالي في المنقذ من الضلال. وهناك تعريفات أخرى للكلام تحدده بموضوعه لتفصل بينه وبين العلوم الأخرى الناظرة في الإلهيات، منها تعريف الشريف الجرجاني له بقوله: "علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام".[11] وقد أُدخل قيد قانون الإسلام لإخراج الفلسفة الإلهية من التعريف، فإنها تبحث عن ذلك معتمدة على القواعد العقلية الفلسفية. ويقول صديق حسن القنوجي في أبجد العلوم: "وقال الأرنيقي: هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها وموضوعه عند الأقدمين: ذات الله تعالى وصفاته لأن المقصود الأصلي من علم الكلام معرفته تعالى وصفاته ولما احتاجت مباديه إلى معرفة أحوال المحدثات أدرج المتأخرون تلك المباحث في علم الكلام لئلا يحتاج أعلى العلوم الشرعية إلى العلوم الحكمية فجعلوا موضوعه الموجود من حيث هو موجود وميزوه عن الحكمة بكون البحث فيه على قانون الإسلام وفي الحكمة على مقتضى العقول ولما رأى المتأخرون احتياجه إلى معرفة أحوال الأدلة وأحكام الأقيسة وتحاشوا عن أن يحتاج أعلى العلوم الشرعية إلى علم المنطق جعلوا موضوعه المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا ثم إن علم الكلام شرطوا فيه أن تؤخذ العقيدة أولا من الكتاب والسنة ثم تثبت بالبراهين العقلية انتهى".[12]

وقال سعد الدين التفتازاني: "الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية".[13] وقال الكمال بن الهمام في المسايرة: "والكلام معرفة النفس ما عليها من العقائد المنسوبة إلى دين الإسلام عن الأدلة علما وظنا في البعض منها".[14] وهذا التعريف يفترق عن ما سبقه بنصه على أن بعض العقائد تؤخذ عن دليل ظني، ومن هنا فإن علماء الكلام يدرجون في تصانيفهم بعض المسائل التي تنبني أصلا على أدلة ظنية. قال الكمال بن أبي شريف في شرحه عليه: "وهذا التعريف مأخوذ من قول أبي حنيفة رضي الله عنه: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها". ومن ذلك يُفهم أن هذا العلم يفيد تثبيت العقيدة في النفس، وفي إفحام المخالف وإلزامه.[15]

والملاحظ في هذه التعاريف، أن بعضها ناظر إلى المواضيع التي يدور البحث عنها في هذا العلم، وبعضاً آخر ناظر إلى الغاية المرجوّة منه. والجامع بين هذه التعاريف ما ذكر في ضمنه المسائل والغاية والأسلوب، فعُرّف بأنه: "العلم الذي يبحث عن أصول العقائد المذهبية، مستعيناً بالأدلة العقلية والنقلية، خلوصاً من العقائد الكافرة الضالة، والتزاماً بالعقيدة الحقة".[16] ومن هذه التعريفات يمكننا أن نستخلص أن علم الكلام يقوم على إثبات العقيدة الدينية عن طريق الأدلة العقلية، فهو بذلك يقوم بتوضيح أصول العقيدة وشرحها وتدعيمها بالأدلة العقلية وبذلك يستكمل المؤمن نوران: نور العقل ونور القلب، وتزول الشكوك والوساوس التي قد تعتريه. ولعلم الكلام مهمة دفاعية تتمثل في رد دعاوى الخصوم المنكرين للعقيدة الإسلامية، وهؤلاء هم أصحاب الديانات الشرقية القديمة أو أصحاب الديانات السماوية المخالفة للإسلام وهي اليهودية والمسيحية، ويقوم علم الكلام بتقويض أدلة أصحاب تلك الديانات وبيان بطلانها، وذلك عن طريق إيراد الأدلة العقلية التي تبين تفاهتها وسقوطها، وأيضا الرد على الشبه التي يوردها أصحاب تلك الديانات على العقيدة الإسلامية. فعلم الكلام له دور إيجابي في إثبات صحة العقيدة بالعقل، ودور دفاعي يقوم بالدفاع عن العقيدة ضد الخصوم المنكرين لها، وقد تلازم الدوران عبر مراحل نشأة علم الكلام وتطوره، وليس صحيحا ما يذكر بأن مهمة علم الكلام كانت دفاعية فقط ولم يهتم بتوضيح العقيدة وشرحها.[17]

وقد عرف علم الكلام الكثير من العلماء والفلاسفة المسلمين، وهذه التعريفات وإن تباينت في ألفاظها إلا أنها كلها تكاد تتفق على معنى واحد. فهي مجمعة على أن علم الكلام من شأنه أن يساعد المسلم على نصرة الآراء الدينية الواردة في القرآن والسنة بالعقل. وهذه التعريفات تبين أن علم الكلام علم يستطيع المرء من خلاله أن يثبت العقائد الإيمانية إثباتاً صحيحاً وأن يرد كل الشبهات والإنحرافات عن هذه العقائد. كذلك تتفق هذه التعريفات على أن موضوع علم الكلام هو الذات الإلهية: صفاتها وأفعالها وعلافتها بالكون والإنسان. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هناك شرطين لابد من توافرهما لكي يكون البحث مندرجاً تحت علم الكلام: الشرط الأول أن يبدأ عقيدته من كتاب الله وسنة رسوله. والشرط الثاني أن يكون هدف الباحث والغاية من دارسته هو الدفاع عن هذا الإيمان بالعقل، أي لابد له من أن يؤكد الشريعة بالعقل. فبدون هذين الشرطين لن يكون البحث بحثاً كلامياً أو مندرجاً تحت علم الكلام. فعالم الكلام لابد أن يستمد موضوع بحثه ودارسته من النص الديني، من النقل لا من العقل، من الشريعة الدينية لا من الأحكام العقلية. ولابد أن تكون غايته الدفاع عن هذه الشريعة سواء بشرح نصوصها الدينية أو بتفسيرها والتعليق عليها أو بإيراد الحجج العقلية المؤيدة لها.[18]

وإذا رجعنا إلى بواكير المباحث الكلامية نجد أنها كانت تدور حول مسائل الإيمان كالبحث عن الموقف من مرتكبي الذنوب خاصة الكبائر، وهل يخرجون من الإيمان أم لا؟ وأدى هذا إلى البحث في حقيقة الإيمان، ومن هو المؤمن، وإلى غير ذلك من المسائل التي تتصل مباشرة بأصل العقيدة، وفهم كل فريق لتلك الأصول وتوضيحها بالأدلة العقلية، وهذا يعني فهم مضمون الإيمان وليس مجرد الدفاع عنه، ولقد شهد هذا المبحث نشأة أهم الفرق الكلامية وأسبقها وهي المعتزلة وفي نفس الوقت نجد ردود أوائل المعتزلة ومناقشاتهم لآراء الخصوم، مما يوضح تلازم الدورين معا، شرح العقيدة وتوضيحها والدفاع عنها. ويلاحظ أيضا وفقا لهذه التعريفات أنه لابد أن يكون لدى المتكلم القدرة التامة على إثبات العقائد، إذ أن في استخدام صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التامة وعلى العلم بجميع العقائد، وما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة ورد الشبه، وكذلك العلم بطرق الأدلة العقلية.[19] ويتضح من ذلك أن لعلم الكلام موضوعه الخاص به والذي يميزه عن غيره من العلوم، وهو البحث في أصل العقيدة لا في فروعها. فهو علم عظيم الشأن، يعالج أهم قضايا الإنسان، مثل: قضية الألوهية، وقضية الرسالة، وقضية الجزاء في اليوم الآخر، وغير ذلك.[20]

تسميته[عدل]

أطلقت عدة تسميات على ذلك العلم الذي يتناول أصول الدين، فلقد سماه أبو حنيفة بالفقه الأكبر من حيث إنه يتعلق بالأحكام الاعتقادية الأصلية في مقابل علم الفقه الذي يتعلق بالأحكام الفرعية العملية. وفي شرح العقائد النسفية يسميه التفتازاني علم التوحيد والصفات فيذكر أن العلم المتعلق بالأحكام الفرعية أي العملية يسمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمى علم التوحيد والصفات.[21]

وهذ التسمية تقوم على شرف ذلك العلم وعلو منزلته، إذ أنه يتناول الأصول الاعتقادية التي تبنى عليها الفروع وهو بذلك رأس العلوم الإسلامية إذ إليه تنتهي هذه العلوم، وفيه يبين مباديها وموضوعاتها. وقد يسمى بعلم أصول الدين، من حيث إن موضوعه يتناول أصول الدين، وهي الإيمان بالله تعالى ووحدانيته، وصفاته وأفعاله، والإيمان بالوحي وإرسال الله تعالى للرسل والإيمان بالبعث والثواب والعقاب في الآخرة، وتلك أصول الدين. ولقد أطلق المتكلمون الأوائل على مؤلفاتهم الكلامية هذه الأسماء، فمؤلف أبو حنيفة سماه الفقه الأكبر، ومؤلف الماتريدي عنون باسم التوحيد، ومؤلف أبو اليسر البزدوي عنون باسم أصول الدين، وكذلك عبد القاهر البغدادي له كتاب بعنوان أصول الدين.[22]

والمشهور هو تسمية ذلك العلم بعلم الكلام، وذلك لعدة أسباب، منها أن مسألة الكلام الإلهي كانت أشهر مباحثه فسمى الكل باسم أشهر أجزائه، وأيضا سمي بعلم الكلام لأنه يورث قدرة على الكلام، وأيضا لأن نسبة هذا العلم للعلوم الإسلامية كنسبة المنطق إلى الفلسفة فسمي بالكلام، وذلك حتى تقع المخالفة اللفظية بين الاسمين وأيضا لأنه أول ما يجب من العلوم، والكلام سبب لتعليم العلوم وتعلمها فكان سببا لها في الجملة، وأيضا لأن مباحث هذا العلم مباحث نظرية فهو يبحث في الأمور الاعتقادية التي لا يندرج تحتها الفعل، أما الفقه فهو يبحث في أحكام عملية يندرج تحتها فعل، وعلى هذا فالكلام مقابل الفعل، والمتكلمون قوم يقولون في أمور ليس تحتها عمل، فكلامهم نظري لفظي لا يتعلق به فعل، بخلاف الفقهاء الباحثين في الأحكام الشرعية العملية. وقد يسمى بعلم الكلام بما رواه جلال الدين السيوطي في ذم أهل البدع وهم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعمله وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون.[23]

ويقول سعد الدين التفتازاني في بيان أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم: "لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا؛ ولأن مسألة الكلام كان أشهر مباحثه وأكثرها نزاعًا وجدالًا، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيرًا من أهل الحق؛ لعدم قولهم بخلق القرآن".[24] وذهب الشهرستاني في الملل والنحل إلى أن سبب تسميته بهذا الاسم: "إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان". ويعلل عضد الدين الإيجي تسمية علم الكلام بأسباب مماثلة بقوله: "إنما سمي كلاما إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة، أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه، أو لأنه يورث القدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم".[25] والأرجح أن علة تسميته بالكلام وعلم الكلام، راجعة لاشتهاره بالخوض في موضوع كلام الله تحديدا.[26]

ويبدو من هذه التسميات أنها اشتقت من أهم مباحث هذا العلم التي يبحثها فسمي تارة بأصول الدين من حيث تناوله لأصول الدين بالبحث، وتارة سمي بالتوحيد من حيث إن الأصل الأول الذي يقوم عليه الدين هو وجود الله تعالى ووحدانيته، وتارة يسمى علم الكلام وذلك من أشهر مسميات هذا العلم وهو كلام الله تعالى، وإما أنها ترجع إلى فائدة ذلك العلم، إذ إنها تعطي لصاحبها القدرة على الكلام في أصل الدين، وإما لمنهجه العقلي واستخدامه للعقل بجانب النص، وإما لطبيعته النظرية من حيث اتصاله بالنظر المجرد الذي لا يتصل بالعمل. وبالرغم من تعدد إطلاق الأسماء على ذلك العلم، إلا أن المشهور في تسميته هو علم الكلام.[27]

موضوعه[عدل]

لكل علم موضوع يختص ببحثه، وذلك لأنه لكي يصير العلم علما فلابد له من موضوع ولابد له من منهج، ولابد له من نظريات يصل إليها، وبالنسبة لعلم الكلام فإنه يقوم على إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية، فإن موضوعه يتناول العقيدة الدينية. موضوعات علم الكلام تتعلق بالأصول الدينية كالبحث في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله. وفي أحكام الشريعة من بعثة الرسل ونصب الأئمة والتكليف والثواب والعقاب. يتناولها بحسب ما وردت في الشريعة أمراً مقرراً لا مدخل فيه للشك، محاولاً أن يؤيدها بالأدلة العقلية حتى يكون الإيمان بها أشد وثوقاً وأكثر توكيداً لإجتماع النقل والعقل معاً، فضلاً عن أن الدليل العقلي هو السبيل إلى إثبات هذه الأصول على المخالفين من أصحاب الديانات المخالفة.[28] وموضوع علم الكلام هو النظر أي الاستدلال بخلق الله تعالى لاثبات وجوده وصفاته الكمالية وبالنصوص الشرعية المستخرج منها البراهين. وهو على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، لأن الفلاسفة لهم كلام في ذلك يعرف عندهم بالإلهيات؛ وعلماء التوحيد لا يتكلمون في حق الله وفي حق الملائكة وغير ذلك اعتمادا على مجرد النظر بالعقل، بل يتكلمون في ذلك من باب الاستشهاد بالعقل على صحة ما جاء عن الرسول؛ فالعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع ليس أصلاً للدين، وأما الفلاسفة فجعلوه أصلاً من غير التفات إلى ما جاء عن الأنبياء، فلا يتقيدون بالجمع بين النظر العقلي وبين ما جاء عن الأنبياء، على أن النظر العقلي السليم لا يخرج عمّأ جاء به الشرع ولا يتناقض معه. قال أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين ما نصه: "وأما الكلام فمقصوده حماية المعتقدات التي نقلها أهل السنة من السلف الصالح لا غير".[29] قال وقال الحافظ ابن عساكر: "....يا خليل الله ما تقول في علم الكلام، فقال: يدفع به الشبه والأباطيل".[30]

وموضوع علم الكلام هو كما يحدده الإيجي في كتابه المواقف: "المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا". يقول الشريف الجرجاني في شرحه: "وذلك لأن مسائل هذا العلم أما عقائد دينية كإثبات القِدَم والوحدة للصانع، وإثبات الحدوث وصحة الإعادة للأجسام، واما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركيب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وكانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليهما في اعتقاد كون صفاته تعالى متعددة وموجودة في ذاته...".[31] والدين يقوم على جملة من الأحكام، بعضها يتعلق بالأمور الاعتقادية، وبعضها يتعلق بالأمور العملية من عبادات ومعاملات، ولقد وضح ابن خلدون الأمور الاعتقادية بأنها الأمور التي كلفنا بتصديقها بقلوبنا واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بألسنتنا، وهي التي تقررت بقول النبي Mohamed peace be upon him.svg حين سئل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". وهذه هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام.[32]

وهذه الأمور الاعتقادية لا تتعلق بالعمل، فيذكر جلال الدين الدواني في شرحه على العقائد العضدية طبيعة تلك الأمور الاعتقادية مفرقا بينها وبين طبيعة الأمور العملية فيقول: "ما يتعلق الفرض بنفس اعتقاده من غير تعلق بكيفية العمل لكونه تعالى حيا قادرا إلى غير ذلك من مباحث الذات أو الصفات وتسمى تلك الأحكام المتعلقة بكيفية العمل كوجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم وتسمى شرائع وفروعا وأحكاما ظاهرة".[33] فالدين بذلك يقوم على أصول وفروع، وعلم لكلام يتناول أصول الدين في مقابل الفقه الذي يتناول الأحكام العملية، ومبحث علم الكلام هو ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وبعث الرسل وأحكام الآخرة.[34] ولقد ذكر القاضي الأرموي موضوعات أخرى تتعلق بالبحث في صفات الله تعالى وأفعاله كحدوث العالم، فيقول: موضوع علم الكلام هو ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية وعن أفعاله إما في الدنيا كحدوث العالم، وإما في الآخرة كالحشر وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أم لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا.[35]

قال شمس الدين السمرقندي في الصحائف الإلهية: "لما كان علم الكلام نفسه يبحث عن ذات الله تعالى وصفاته وأسمائه، وعن أحوال الممكنات والأنبياء والأولياء والأئمة والمطيعين والعاصين، وغيرهم في الدنيا والأخرى، ويمتاز عن العلم الإلهي المشارك له في هذه الأبحاث بكونه على طريقة هذه الشريعة، فحده: إنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام. وعلم من ذلك: أن بحثنا فيه إنما يقع عن أعراض ذاتية لذات الله تعالى من حيث هي، وأعراض ذاتية لذات الممكنات من حيث هي محتاجة إلى الله تعالى. فيكون موضوعه: ذات الله تعالى من حيث هي، وذات الممكنات من حيث إنها في ربقة الحاجة. لما علم أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي التي يكون منشؤها الذات".[36]

وعلم الكلام يبحث في العالم من حيث دلالته على الله تعالى، فيذكر الخوارزمي في بيان أصول الدين التي يتكلم فيها المتكلمون، وأولها القول في حدوث الأجسام والرد على الدهرية الذين يقولون بقدم الدهر، والدلالة على أن للعالم محدثا (أي خالقا) وهو الله تعالى والرد على المعطلة.[37] ويلاحظ أن المباحث الطبيعية عند المتكلمين ليست بقصد تفسير العالم، وإنما القصد منها إثبات أن العالم حادث (أي مخلوقا) وليس قديما (أي ليس أزليا بلا بداية)، وهو في حاجة إلى من يحدثه، أي من حيث دلالة العالم على وجود الله تعالى ووحدانيته. ويلاحظ أن مبحث الإمامة التي ذكرها التهانوي وغيره على أنه من المباحث الكلامية، لا يلق اتفاقا من جميع المتكلمين في ضمه إلى مباحث علم الكلام، فعلى سبيل المثال الكمال بن الهمام في "المسايرة" يرى أن مبحث الإمامة ليس من موضوعات علم الكلام بل هي من المتممات.[38] ويرى سيف الدين الآمدي أيضا أن مبحث الإمامة ليس من أصول الدين بل من فروعه.[39]

أهميته[عدل]

علم التوحيد أو علم الكلام هو علم يفيد معرفة الله على ما يليق به ومعرفة رسوله على ما يليق به، وتنزيه الله عما لا يجوز عليه، وتبرئة الأنبياء عما لا يليق بهم، أو يقال: هو العلم الذي يعرف به ما يجوز على الله وما يليق به ومالا يجوز عليه وما يجب له من أن يُعرف في حقه سبحانه وتعالى. قال إمام الصوفية الجنيد البغدادي: "التوحيد إفراد القديم من المُحدث".[40] وقال الشيخ أبو علي الروذباري تلميذ الجنيد: "التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل وإنكار التشبيه، والتوحيد في كلمة واحدة كل ما صورته الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).[41] وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري: "أهل السنة فسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل".[42]

وشرف هذا العلم على غيره من العلوم لكونه متعلقاً بأشرف المعلومات التي هي أصول الدين أي معرفة الله ورسوله. والعلم بالله تعالى وصفاته أجل العلوم وأعلاها، ويسمى علم الأصول، وعلم التوحيد، وعلم العقيدة، وقد خص النبي نفسه بالترقي في هذا العلم فقال: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له" فكان هذا العلم أهم العلوم تحصيلاً وأحقها تبجيلاً وتعظيماً، قال تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك". قدّم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلّق التوحيد بعلم الأصول، وتعلق الاستغفار لعلم الفروع. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن الرسول سُئل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله". وصح عن جندب بن عبد الله أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حَزاوِرَة (جمع حَزَوّر وهو الغلام إذا اشتد وقوي)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً" رواه ابن ماجه.[43] فهذا يدل على أهمية علم التوحيد الذي كان لعلماء السلف اهتمام بالغ في تحصيله وتعليمه للناس، قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأبسط: "الفقه في الدين أفضل من الفقه في الأحكام، والفقه معرفة النفس ما لها وما عليها". وقال أيضاً: "أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه وما يتعلق منها بالاعتقاديات هو الفقه الأكبر".[44]

وفي فتاوى قاضيخان على مذهب أبي حنيفة عنه ما يدل على أهمية الاعتناء بعلم التوحيد وتعلميه للناس، فقد ورد فيه ما نصه: "تعليم صفة الخالق مولانا جل جلاله للناس وبيان خصائص مذهب أهل السنة والجماعة من أهم الأمور، وعلى الذين تصدّوا للوعظ أن يلقنوا الناس في مجالسهم على منابرهم ذلك، قال الله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) وعلى الذين يؤمّون في المساجد أن يعلّموا جماعتهم شرائط الصلاة وشرائع الإسلام وخصائص مذاهب الحق، وإذا علموا في جماعتهم مبتدعاً أرشدوه وإن كان داعياً إلى بدعته منعوه وإن لم يقدروا رفعوا الأمر إلى الحكام حتى يجلوه عن البلدة إن لم يمتنع، وعلى العالم إذا علم من قاض أو من آخر يدعو الناس إلى خلاف السنة أو ظن منه ذلك أن يعلم الناس بأنه لا يجوز اتباعه ولا الأخذ عنه فعسى يخلط في أثناء الحق باطلاً يعتقده العوام حقاً ويعسر إزالته!".[45]

قال الحافظ ابن عساكر: "أخبرنا الشيخ الإمام أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم بن هوازن إجازة قال: سئل أبي الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله فقيل له: أرباب التوحيد هل يتفاوتون فيه؟ فقال: إن فرقت بين مصل ومصل، وعلمت أن هذا يصلي قلبه مشحون بالغفلات، وذاك يصلي وقلبه حاضر، ففرق بين عالم وعالم، هذا لو طرأت عليه مشكلة لم يمكنه الخروج منها، وهذا يقاوم كل عدو للإسلام، ويحل كل معضلة تعز في مقام الخصام، وهذا هو الجهاد الأكبر، فإن الجهاد في الظاهر مع أقوام معينين، وهذا جهاد مع جميع أعداء الدين، وهو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وللخراج في البلد قانون معروف، إذا أشكل خراج بقعة، رجع الناس إلى ذلك القانون، وقانون العلم بالله قلوب العارفين به، فرواة الأخبار خزان الشرع، والقراء من الخواص، والفقهاء حفظة الشرع، وعلماء الأصول هم الذين يعرفون ما يجب ويستحيل ويجوز في حق الصانع، وهم الأقلون اليوم...".[46] فظهر من ذلك أن صرف الهمة لتحصيل هذا العلم وتعليمه للناس مقدم على غيره من العلوم، لأن العبادة لا تصح إلا بعد معرفة المعبود كما قال الغزالي، وذلك لأنه من يشبّه الله تعالى بشيء ما لم تصح عبادته لأنه يعبد شيئاً تخيّله وتوهمه في مخيلته وأوهامه، قال الله تعالى: Ra bracket.png يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ Aya-6.png La bracket.png. قال علي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية: "علّموا أنفسكم وأهليكم الخير" رواه الحاكم في المستدرك.[47] يعني أن حفظ النفس والأهل من النار التي عظّم الله أمرها يكون بتعلم الأمور الدينية أي معرفة ما فرض الله فعله أو اجتبابه أي الواجبات والمحرمات وذلك كي لا يقع في عبادة فاسدة، وبتعلم ما يجوز اعتقاده وما لا يجوز وذلك كي لا يقع في التشبيه والتجسيم والكفر والضلال.[48]

فائدته[عدل]

وتتلخص فائدة علم الكلام في التالي:[49]

  1. معرفة أصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل والبرهان.
  2. القدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل والحجة.
  3. القدرة على إبطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد.
  4. حفظ قواعد الدين، أي عقائده من أن تزلزلها شبه المبطلين.
  5. تبنى عليه العلوم الشرعية كلها، إذ هو أساسها، وإليه يؤول أخذها واقتباسها، وإنه بدون معرفة الخالق بصفات الجلال والجمال، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لم يتصور وجود علم التفسير وعلم الحديث ولا علم الفقه ولا أصوله، ومن ثم تظهر فائدة علم التوحيد وأنه مرجع جميع العلوم الإسلامية. وتأتي الحاجة إلى دراسة هذا العلم وأمثاله مما يوصل إلى معرفة أصول الدين من وجوب معرفة أصول الدين على كل إنسان توافرت فيه شروط التكليف الشرعي والإلزام الديني. ووجوب النظر في قواعد العقائد ومعرفتها وجوب عقلي، أوجبته الفطرة السليمة الملزمة بالتمسك بالدين والإلتزام بأحكامه وتعليماته.[50]

منهجه[عدل]

السمات والأسس العامة للمنهج عند المتكلمين تتمثل في النقاط التالية:

العقل والنقل ووجوب النظر[عدل]

يقوم منهج المتكلمين على دعامتين أساسيتين هما العقل والنقل، فلقد ذهبوا إلى عدم تعارضهما، وأدخلوا عنصر العقل في المعرفة الدينية وبذلك لا تقتصر على النقل وحده، ودافعوا عن النظر كأحد مصادر المعرفة وأهمها، ضد المنكرين له ومن السمنية المقتصرين على الحس، والسوفسطائية المشككين في المعرفة العقلية، والحشوية المنكرين لاستخدام العقل في الدين والواقفين عن ظواهر النصوص. ولم يكتف المتكلمون بذلك بل قرروا وجوب النظر، وإن اختلفوا في مصدر وجوبه هل الشرع أم العقل، يقول الجويني: "النظر الموصل إلى المعارف واجب ومدرك وجوبه بالشرع، وجملة أحكام التكليف متلقاة من الأدلة السمعية والقضايا الشرعية"، والمعتزلة تقول: "إن العقل يتوصل إلى درك الواجبات ومن جملتها النظر فيعلم وجوبه عندهم عقلا". ويستدل الجويني على وجوب النظر من جهة الشرع بإجماع الأمة على وجوب معرفة الله تعالى واستبان بالعقل أنه لا يتأتى الوصول إلى اكتساب المعارف إلا بالنظر، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.[51]

ولما كان النظر واجبا وأنه لا تعارض بينه وبين النقل فإننا نجد المتكلمين قد أقاموا أدلتهم على أساس العقل والنقل، وأصبح إقامة الدليل ركناً أساسياً من منهجهم. ويرى المتكلمون أن الحق لا ينال إلا بالدليل وإقامة الحجة، فعن طريقهم يعرف الحق ويتوصل إليه.[52] والدليل هو ما يراد به إثبات أمر أو نقضه وقد يستعمل بمعنى الحجة.[53]

ولقد قسم عضد الدين الإيجي الدليل إلى ثلاثة أقسام:

  1. دليل عقلي محض لا يتوقف على السمع ومقدماته عقلية محضة، كالقول: العالم متغير، وكل متغير حادث.
  2. دليل نقلي محض، وهو لا يثبت إلا بالعقل، وهو أن ننظر في المعجزة الدالة على صدقه ولو أريد إثباته بالنقل دار وتسلسل، ومقدماته نقلية وهو كقولنا: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: (أفعصيت أمري) وكل عاصي يستحق العقاب لقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم).
  3. دليل مركب منهما، أي تكون مقدماته مأخوذة من العقل أو بعضها مأخوذة من النقل، وقولنا: هذا تارك المأمور به، وكل تارك للمأمور به عاصي.

وأضاف الإيجي أن هناك من المطالب ما لا يمكن إثباته إلا بالنقل، لأنه غائب عن العقل والحس معا، ويستحيل العلم بوجوده إلا بقول صادق، ومن هذا القبيل تفاصيل أحوال الجنة والنار والثواب والعقاب، فهي تعلم بأخبار الأنبياء، ومنه ما لا يعرف بالدليل العقلي كحدوث العالم ووجود الصانع قبل ورود السمع، ومنه ما يعرف بكل واحدة من الطريقتين كخلق الأفعال ورؤية الله تعالى.[54]

منزلة العقل في القرآن[عدل]

لقد احتل العقل منزلة هامة في القرآن، فهو لم يكن قط ضد التفكير والتأمل والبحث والنظر والاستدلال، الذي هو السبيل إلى معرفة الله تعالى، فهو من الواجبات على المسلم، ومن هنا دعا القرآن دعوة صريحة إلى النظر في العالم المخلوق، أما تعدي هذا المجال إلى البحث في ذات الله وما يتعلق بها فهذا ممنوع. والأدلة على تعظيم العقل والتفكير والبحث والنظر والتأمل كثيرة، ويمكن أن نلمسها في مواضع كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: Ra bracket.png قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ Aya-101.png La bracket.png وقوله سبحانه: Ra bracket.png أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ Aya-185.png La bracket.png ويقول أيضاً: Ra bracket.png أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ Aya-8.png La bracket.png. ولقد عظم القرآن العلم والتعلم فكانت أول آية نزلت تشير إلى ذلك في قوله تعالى: Ra bracket.png اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ Aya-1.png La bracket.png ومن القراءة اشتق القرآن، ولهذا فإن القرآن يعظم العلم والحكمة. Ra bracket.png يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ Aya-269.png La bracket.png. والإنسان لن يحصّل العلم ولن يتعلمه إلا بالتفكير والنظر والتدبر ومن أمثله هذه الآيات التي تدعو إلى ذلك قوله تعالى: Ra bracket.png إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ Aya-22.png La bracket.png فلقد جعل الله تعالى الذين لا يستخدمون عقولهم في مرتبة البهائم أو أكثر منهم شراً كما ذم القرآن التقليد الأعمى كطريق للعلم، وحث الإنسان على العمل بالدليل، ونهاه عن التقليد وأوجب عليه الاجتهاد. كما نبه القرآن إلى استخدام القياس وهو عملية عقلية في نحو قوله تعالى: Ra bracket.png وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ Aya-62.png La bracket.png فجعل الله تعالى التاركين لقياس النشأة الأخرى على النشأة الأولى في الاستدلال على البعث والجزاء والعقاب خارجين عن الحق. كما حث القرآن على استخدام العقل والنظر في العالم، ورفع من شأن العلم والعلماء، وأمثلة ذلك كثيرة منها قوله تعالى:

Ra bracket.png أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ Aya-185.png La bracket.png
Ra bracket.png إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ Aya-164.png La bracket.png

ويرى الإمام حافظ الدين النسفي في تفسيره لقوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} أن الله يشير هنا إلى أولئك الذين ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها. ثم يذكر قول الرسول في الحديث: (ويل لمن قرأ هذه الآية فمج فيها) أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها.[55]

Ra bracket.png أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ Aya-9.png La bracket.png
Ra bracket.png شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ Aya-18.png La bracket.png
Ra bracket.png يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ Aya-11.png La bracket.png
Ra bracket.png وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ Aya-43.png La bracket.png
Ra bracket.png وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ Aya-28.png La bracket.png
Ra bracket.png فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا Aya-114.png La bracket.png
Ra bracket.png يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ Aya-269.png La bracket.png

وبالقرآن دعوة صريحة للإنسان إلى استخدام عقله لاكتشاف قوانين الخلق كما في قوله تعالى: Ra bracket.png إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ Aya-29.png La bracket.png وقوله تعالى: Ra bracket.png أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ Aya-6.png وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ Aya-7.png تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ Aya-8.png La bracket.pngوإلى جانب هذا كله فإن القرآن كثيراً ما ينص على أن آياته: {لقوم يعقلون} و{لقوم يتفكرون} و{لقوم يفقهون} و{لقوم يتذكرون} و{لأولي الألباب} و{لأولي النهى} و{للعالمين}. كما أن القرآن قدم أدلة دامغة - بوجوه مختلفة في أنواعها وطرقها - على بعض القضايا الإيمانية كوجود الله، ووحدانيته، وخلقه للعالم، والبعث بعد الموت.. داعياً الناس إلى إعمال الفكر فيما يروه ويستشعروه بأي نوع من أنواع الحس للوصول إلى الحقيقة.[56]

عوامل نشأة علم الكلام[عدل]

سبب نشأة علم الكلام هو الرد على المبتدعة، الذين أكثروا من الجدال مع علماء المسلمين، وأوردوا شُبها على ما قرره الأوائل، فاحتاج العلماء من أهل السنة إلى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم حتى لا ‏يلبسوا على الضعفاء ‏أمر دينهم، وحتى لا يُدْخِلُوا في الدين ما ليس منه، ولو ترك العلماء هؤلاء الزنادقة وما يصنعون؛ لاستولوا على كثير من عقول الضعفاء ‏وعوام المسلمين، والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم، فأضلوهم ‏وغَيَّروا ما عندهم من الاعتقادات الصحيحة. وقبل تصدي هؤلاء العلماء لهم لم يكن أحد يقاومهم، وسكوتهم هذا أدى إلى نشر كلام هؤلاء الزنادقة حتى اعتقده بعض الجاهلين، فكان لِزَامًا على علماء المسلمين أن يقوموا بالرد على هؤلاء من خلال تعلمهم هذا العلم ونبوغهم فيه؛ لأن إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم، وإلزامهم الحق، فردوا عليهم وأبطلوا شبههم، وكانت طريقتهم في الرد هي إثبات العقائد الإسلامية، والاستدلال عليها بما هو من جنس حُجَج القرآن، من الكلمات المؤثرة في القلوب، المقنعة للنفوس، من الأدلة الجلِيَّة الظاهرة.[57]

يقول الدكتور محمد الزحيلي في كتابه "الإمام الجويني إمام الحرمين" ما نصه: "كان الدافع لدراسة أصول الدين أولا، وتأكيده بدراسة الفلسفات المتنوعة، هو الحرص على الإسلام والدعوة إليه، ورد شبهات الأعداء عنه، وتفنيد حجج الطاعنين به من الكفار والمشركين خارج الدعوة الإسلامية، والملحدين الذين انضووا تحت لواء المسلمين، وتستروا بالباطنية وغيرها من الفرق الضالة، للدس على الإسلام، والتشكيك فيه، وإثارة الشبه بين المسلمين...، فصار دراسة أصول الدين وعلم الكلام وتدريسه والتأليف فيه السبيل القويم أمام المسلمين، فانكب العلماء على دراسته وتدريسه والتصنيف فيه، وهو ما سلكه إمام الحرمين الجويني".[58]

فعلم الكلام كان محاولة للتصدي للتحديات التي فرضتها الالتقاء بالديانات القديمة التي كانت موجودة في بلاد الرافدين أساسا (مثل المانوية، والزرادشتية، والحركات الشعوبية). حيث ظهرت فرق عديدة بعد وفاة نبي الإسلام، مثل: المعتزلة، والجهمية، والخوارج، والكرامية. فكانت نشأة علم الكلام في التاريخ الإسلامي نتيجة ما اعتبره المسلمون ضرورة للرد على ما اعتبروه بدعة من قبل هذه الطوائف وكان الهدف الرئيسي هو إقامة الأدلة وإزالة الشبه. ويعتبر بعض العلماء أن جذور علم الكلام يرجع إلى الصحابة والتابعين ويورد البعض على سبيل المثال رد علي بن أبي طالب على الخوارج ورد إياس بن معاوية المزني على القدرية.[59]

ولم يكن للمسلمين على عهد الرسول معرفة بعلم الكلام بصورته التي ندرسه عليها اليوم. وفي نفس الوقت لا يستطيع أحد أن ينكر أن نصوص القرآن تدعو إلى النظر واستخدام العقل للوصول إلى الحقائق الكونية والدينية معا فيقول تعالى: Ra bracket.png أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ Aya-19.png قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ Aya-20.png La bracket.png وكذلك تدعو نصوص القرآن إلى مجادلة أصحاب العقائد المخالفة بالتي هي أحسن ودعوتهم إلى الإسلام يقول تعالى: Ra bracket.png وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ Aya-46.png La bracket.png وعلى أساس النظر والاستدلال والجدل يقوم علم الكلام. وكذلك كان الاحتكاك الذي كان يحدث بين المسلمين وغيرهم من يهود ونصارى كان يولّد في بعض الأحيان مناقشات ومباحثات حتى وإن كانت في صورة أولية بسيطة، وقصة اليهودي الذي جاء النبي وقال له: (إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قرأ وما قدروا الله حق قدره...) معروفة ومشهورة.[60] وبعد وفاة النبي حدثت أول الخلافات بين المسلمين في مسألة الإمامة، هذه التي صارت بعد ذلك من أهم أبواب علم الكلام، وكان لها دور كبير في انقسام الأمة الإسلامية، ثم لما تلى ذلك من فتن ضربت الصف الإسلامي، وأحدثت فيه صدعاً لم ينجبر إلى الآن. ثم اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، والتقى المسلمون بثقافات وأفكار ومعتقدات أجنبية عن طبيعة التفكير العربي الإسلامي الذي ساد في شبه الجزيرة العربية. فالتقى المسلمون بالفرس والروم وعايشوهم، وانتقلت فلسفات جديدة إلى العرب، وتُرجمت كتب الفلسفة إلى اللغة العربية، وهنا وجد المسلمون أنفسهم أمام أفكار جديدة تتدفق مع الأيام إلى عقولهم حتى وصلت هذه الفلسفات والنظريات الأجنبية إلى عقائدهم.[61]

يقول الإمام عبد الغني الميداني في شرح العقيدة الطحاوية ما ملخصه: "إن النبي Mohamed peace be upon him.svg لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي، أو بيقين برهاني، والجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المُصِر على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان، وإنما ينفع معه السيف والسِنان، والشاكون الذين فيهم نوع ذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي المفيد للقطع واليقين ينبغي أن يُلَطَّف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم، لا بالأدلة اليقينية البرهانية، لقصور عقولهم عن إدراكها، لأن الاهتداء بنور العقل المجرد عن الأمور العادية لا يخص الله به إلا الآحاد من عباده، والغالب على الخلق القصور والجهل، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك أنوار الشمس أبصار الخفافيش، بل تضرهم الأدلة العقلية البرهانية كما تضر رياح الورد الجعل...، وأما الفَطِن الذي ينفعه الكلام الخطابي فيجب المحاجَّة مع بالدليل القطعي البرهاني".[62]

فكان لابد من مواجهة هذه الأفكار الجديدة التي أصبحت تثير التساؤلات والاستفهامات حول العقيدة الإسلامية، فطبيعة المجتمع تغيرت، ولم يعد المجتمع العربي هو ذلك المجتمع البسيط. لذلك هبٌت الأمة لدراسة ومعرفة هذا الفكر الجديد الوافد عليها، والذي يتمثل في الفلسفة اليونانية وما تحويه من علم المنطق والجدل وغيرهما، وفي بعض العقائد والملل الأخرى. فلم يكن تَعَرُّف الأمة على هذه الأفكار ودراستها من باب الترف الفكري، ولا من باب الانصراف عن مائدة الكتاب والسنة وإلى موائد الكفر والإلحاد، بل كان تعلم هذه العلوم ضرورة لمواجهة الأخطار التي تحدق بالعقيدة الإسلامية، فكان الخصوم يثيرون الشبهات العقلية حول ذات الله وأسمائه وصفاته ورُسُله وملائكته وكتبه وقضايا الموت والبعث والحساب إلى غير ذلك. ولم يكن المنهج القائم على نصوص الكتاب والسنة المجردة عن دعم الدليل العقلي لينجح في مواجهة هؤلاء القوم، فالحجج العقلية البحتة لابد أن تواجهها بنفس طريقتها وإلا ستصير فتن كبرى. فلجأ المسلمون إلى تعلم هذه العلوم وتدريسها والكتابة فيها، ونشأت مدارس كلامية مختلفة كالمدرسة الأشعرية والماتريدية، فلم يكن القوم مبتدعة في هذا.[63]

ويلخص تقي الدين المقريزي مبدأ علم الكلام في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار فيقول ما ملخصه:

يقول تقي الدين المقريزي في المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار:
   
علم الكلام
اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى، بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز...، فلم يسأله صلّى الله عليه وسلّم أحد من العرب بأسرهم، قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه صلّى الله عليه وسلّم عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك...، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات...، فأثبتوا رضي الله عنهم بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل...، فمضى عصر الصحابة رضي الله عنهم على هذا إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر...، وكان أوّل من قال بالقدر في الإسلام، معبد بن خالد الجهنيّ...، ولما بلغ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما مقالة معبد في القدر تبرّأ من القدرية...، وأخذ السلف رحمهم الله في ذمّ القدرية، وحذروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث...، وحدث أيضا في زمن الصحابة رضي الله عنهم مذهب الخوارج، وصرّحوا بالتكفير بالذنب والخروج على الإمام وقتاله، فناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فلم يرجعوا إلى الحق، وقاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار...، وحدث أيضا في زمن الصحابة رضي الله عنهم مذهب التشيع لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، والغلوّ فيه، فلما بلغه ذلك أنكره وحرّق بالنار جماعة ممن غلا فيه...، ثم حدث بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، مذهب جهم بن صفوان ببلاد المشرق، فعظمت الفتنة به. فإنه نفى أن يكون لله تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثر في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير. وكان قبيل المائة من سني الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تؤول إلى التعطيل، فأكبر أهل الإسلام بدعته وتمالؤا على إنكارها وتضليل أهلها. وحذروا من الجهمية وعادوهم في الله وذمّوا من جلس إليهم، وكتبوا في الردّ عليهم ما هو معروف عند أهله، وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال، منذ زمن الحسن بن الحسين البصريّ رحمه الله، بعد المائتين من سني الهجرة، وصنفوا فيه مسائل في العدل والتوحيد وإثبات أفعال العباد، وأن الله تعالى لا يخلق الشرّ وجهلوا بأن الله لا يرى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا بأن القرآن مخلوق محدث، إلى غير ذلك من مسائلهم، فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، وذمّوا علم الكلام، وهجروا من ينتحله، ولم يزل أمر المعتزلة يقوى وأتباعهم تكثر ومذهبهم ينتشر في الأرض.

ثم حدث مذهب التجسيم المضادّ لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرّام بن عراق بن حزابة، أبو عبد الله السجستانيّ، زعيم الطائفة الكرّامية بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه...، وكانت بين الكرّامية بالمشرق وبين المعتزلة مناظرات ومناكرات وفتن كثيرة متعدّدة أزماتها. هذا وأمر الشيعة يفشو في الناس حتى حدث مذهب القرامطة، المنسوبين إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط، من أجل قصر قامته وقصر رجليه وتقارب خطوه...، هذا وقد كان المأمون عبد الله بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس ببغداد، لما شغف بالعلوم القديمة. بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامّة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجرّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم.[64]

   
علم الكلام

فهناك محن وأسباب دعت الأمة إلى الخوض في هذا الفن حفاظاً على الشريعة وقوامها وبقائها، ولم يكن الاشتغال بهذه العلوم نوع من الانصراف عن الله ولا عن رسوله. وكان من أوائل من اشتغل بهذا الفن تعلماً وتعليماً ورداً على المبتدعة في زمانه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان المتوفى 150 هـ، كما يعد من أوائل المشتغلين بعلم الكلام، وتعد مؤلفاته المنسوبة إليه مثل "الفقه الأكبر" و"العالم والمتعلم" و"الوصية" من بواكير ما سُجّل في هذا الباب.[65] ويسجل لنا التاريخ مناظرات الإمام أبي حنيفة للملاحدة والدهرية، ويذكر المتقي المكي في "مناقب أبي حنيفة" ما صورته: "قال أبو حنيفة: ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة بالأمتعة، وقد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية وليس فيها ملاح يجريها ويقودها ويسوقها، ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك في العقل؟ فقالوا: لا. هذا لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم. فقال لهم أبو حنيفة: فيا سبحان الله! إذا لم يجز في العقل وجود سفينة تجري مستوية من غير متعهد، فكيف يجوز قيام الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أمورها، وسعة أطرافها، وتباين أكتافها، من غير صانع وحافظ ومحدث لها"؟![66] وعلم الكلام شأنه شأن باقي العلوم الإسلامية التي نشأت بعد انتقال النبي وهو علم مؤسس على الكتاب والسنة وليس علما مبتدعاً. فعلم الكلام كما عرفه الشريف الجرجاني في شرح المواقف: "هو علم يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه". فأي بدعة في هذا العلم؟![67]

ولقد نشأ علم الكلام نتيجة لعدة عوامل، منها:

القرآن الذي يعد المصدر الأول للدين الإسلامي، ومنه استقى المسلمون معارفهم، وعليه قامت علومهم الأخلاقية والتشريعية. وبالنسبة لعلم الكلام فالقضية الأساسية التي يدور عليها هي قضية التوحيد، وعند النظر والتأمل في آيات القرآن، فإننا نجد أن القرآن قد اهتم بذلك كثيراً، ولقد أشار إلى ذلك فخر الدين الرازي عند تفسيره للآية الواحدة والعشرين من سورة البقرة.[68] ويقول صديق حسن القنوجي في أبجد العلوم: "قال العلماء: اشتمل القرآن على جميع أنواع البراهين والأدلة إلا أن الوارد في القرآن أوضحها وأقواها لينتفع بها الخاصة والعامة والعدول إلى الدقيق هو للعاجز عن القوي الجلي والله أعلم بالصواب". ويذكر بعض الكتب التي صنفها العلماء في علم معرفة جدل القرآن كنجم الدين الطوفي.[69] ويوضح كتاب حجج القرآن لأبي الفضائل الرازي، أن قبول القرآن لاحتمالات كثيرة كان سنداً للفرق والمذاهب الكلامية المختلفة.[70]

ويذكر ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري قول أبي القاسم القشيري فيما يرويه عنه:

يقول ابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري:
   
علم الكلام
أن الأشعري لا يشرط في صحة الإيمان ما قالوه، يعني من شنع عليه أن أغمار العوام عنده غير مؤمنين، لأنهم خليون عن علم الكلام، بل هو وجميع أهل التحصيل من أهل القبلة، يقولون: يجب على المكلف أن يعرف الصانع المعبود بدلائله التي نصبها على توحيده، واستحقاقه نعوت الربوبية، وليس المقصود استعمال ألفاظ المتكلمين من لفظ الجوهر والعرض، وإنما المقصود حصول النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة اللَّه، وإنما استعمل المتكلمون هذه الألفاظ على سبيل التقريب والتسهيل على المتعلمين، والسلف الصالح، وإن لم يستعملوا هذه الألفاظ، فلم يكن في معارفهم خلل، والخَلَف الذين استعملوا هذه الألفاظ لم يكن ذلك منهم لطريق الحق مباينة، ولا في الدين بدعة، كما أن المتأخرين من الفقهاء عن زمان الصحابة والتابعين لم يستعملوا ألفاظ الفقهاء من لفظ العلة والمعلول والقياس وغيره، ثم لم يكن استعمالهم بذلك بدعة، ولا خلو السلف عن ذلك كان لهم نقصا. وكذلك شأن النحويين والتصريفيين، ونقلة الأخبار في ألفاظ تختص بها كل فرقة منهم، فإن قالوا: إن الاشتغال بعلم الكلام بدعة، ومخالفة لطريق السلف، قيل: لا يختص بهذا السؤال الأشعري دون غيره، من متكلمي أهل القبلة، ثم الاسترواح إلى مثل هذا الكلام صفة الحشوية الذين لا تحصيل لهم، وكيف يظن بسلف الأمة أنهم لم يسلكوا سبيل النظر، وأنهم اتصفوا بالتقليد، حاش لله أن يكون ذلك وصفهم، ولقد كان السلف من الصحابة مستقلين بما عرفوا من الحق، وسمعوا من الرسول صلوات اللَّه عليه من أوصاف المعبود، وتأملوه من الأدلة المنصوبة في القرآن، وأخبار الرسول عليه السلام في مسائل التوحيد. وكذلك التابعون وأتباع التابعين، لقرب عهدهم من الرسول عليه السلام، فلما ظهر أهل الأهواء، وكثر أهل البدع من الخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، وأوردوا الشبه، انتدب أئمة أهل السنة لمخالفتهم، والإيصاء للمسلمين بمباينة طريقتهم، فلما أشفقوا على القلوب أن يخامرها شبههم شرعوا في الرد عليهم، وكشف شبههم، وأجابوهم عن أسئلتهم، وحاموا عن دين الله بإيضاح الحجج، ولما قال اللّه تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: 125]، تأدبوا بآدابه سبحانه، ولم يقولا في مسائل التوحيد: إلا بما نبههم اللّه سبحانه عليه في محاكم التنزيل. والعجب ممن يقول: ليس في القرآن علم الكلام، والآيات التي هي في الأحكام الشرعية نجدها محصورة، والآيات المنبهة على علم الأصول نجدها تُوفِي على ذلك وتربي بكثير. وفي الجملة: لا يجحد علم الكلام إلا أحد رجلين: جاهل ركن إلى التقليد، وشق عليه سلوك طرق أهل التحصيل، وخلا عن طرق أهل النظر، والناس أعداء ما جهلوا، فلما انتهى عن التحقق بهذا العلم، نهى الناس يضل كما ضل، أو رجل يعتقد مذاهب فاسدة، فينطوي على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه، ويعمي عليهم فضائح عقيدته، ويعلم أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعهم، ويظهارون للناس قبح مقَالاتهم. والقلاب لا يحب من يميز النقود، والخلل فيما في يده من النقود الفاسدة، كالصرف ذي التمييز والبصيرة، وقد قال الله تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: 9].[71]
   
علم الكلام

وقد ذكر الإمام الغزالي في الجزء الثاني من كتابه جواهر القرآن: الآيات التي وردت في ذات الله عز وجل وصفاته وأفعاله خاصة، ويشمل سبعمائة وثلاثاً وستين آية.[72] ويقول الإمام الزركشي: "وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به، ولكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمين".[73] ويقرر الدكتور محمد يوسف موسى أن القرآن اشتمل على أصول الفلسفة الإلهية وأنه يقدم للعقائد أدلة تستند إلى الملاحظة والتفكير.[74] ويذكر الشيخ مصطفى عبد الرازق أن القرآن تعرض للجدل برفق، ودعا إلى الاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة.[75] ويقرر الدكتور سليمان دنيا أن الدور الأساسي في نشأة علم الكلام كان للقرآن الكريم.[76] وخلاصة هذه الآراء أن المتكلمين وأكثر العلماء يرون أن القرآن يدعو إلى النظر في معرفة الله، ويساعد عليه.[77] وقد يستثنى بعض العلماء الذين يتحدث عنهم الإيجي في كتابه المواقف بأنهم ينكرون وجوب النظر في معرفة الله: لتقرير النبي والصحابة وأهل سائر الأعصار: العوام، وهم الأكثرون، مع عدم الاستفسار عن الدلائل بل مع العلم بأنهم لا يعلومنها قطعاً. ويرد عليهم بقوله: "قلنا: كانوا يعلمون أنهم يعلمون الأدلة إجمالا، كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج... لا تدل على اللطيف الخبير. غايته أنهم قصروا عن التحرير وذلك لا يضر، أو ندعي أنه فرض كفاية - يعني المعرفة التفصيلية الاستدلالية - فإن الوجوب الذي ادعيناه أعم من ذلك".[78]

ولقد حاول أبو الحسن الأشعري أن يبرهن بأن الكلام في أصل التوحيد مأخوذ من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ وهذه الآية هي أساس دليل التمانع عند المتكلمين، وكذلك القول في سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل، إنما هو مأخوذ من القرآن، وكذلك القول في جواز البعث. ويحاول الأشعري أن يبين أن مباحث المتكلمين ومصطلحاتهم التي تقوم على الحجج العقلية وعلى القياس لها أصل في القرآن، ويضرب لذلك أمثلة تؤكد ذلك وتوضحه، على سبيل المثال: ففي استحالة الشبه لله تعالى نجد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وهذا أصل نفي الجسمية وأن الجسم له نهاية، وأيضا في قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه﴾ إشارة إلى الجزء الذي لا ينقسم، إذ محال إحصاء ما لا نهاية له، ومحال أن يكون الشيء الواحد ينقسم لأن هذا يوجب أن يكون شيئين. وهكذا يحاول الأشعري أن يثبت أن مصطلحات المتكلمين وأدلتهم العقلية لها أصل في الدين، وتعتمد على ما ورد في الكتاب وأنها إنما هي تأكيد لتلك الأصول وإقرار للعقائد.[79]

منزلة علم الكلام من العلوم الشرعية[عدل]

يمكن القول بأن علم الكلام ليس فقط واحداً من العلوم الشرعية بل هو رئيس العلوم الشرعية قاطبة، ذلك لأن سائر العلوم الشرعية مستندة إليه استناد الفرع إلى الأصل، لأن فيه تثبت موضوعاتها، طالما كان موضوعه متعلقاً بالعقائد واثباتها. فيقول عضد الدين الإيجي في بيان مرتبة علم الكلام من العلوم الشرعية بناء على موضوعه وغايته: "إن موضوعه أعم الأمور وأعلاها وغايته أشرف الغايات وأجداها ودلائله يقينية يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل وهي الغاية في الوثاقة، وهذه هي جهات شرف العلم لا تعدوها فهو أشرف العلوم... وهو العلم الأعلى فليست له مبادىء تبين في علم آخر، بل مباديه إما بينة بنفسها أو مبنية فيه فهي مسائل له، ومباد لمسائل أعر منه لا تتوقف عليها، لئلا يلزم الدور فمنه تستمد العلوم، وهو لا يستمد من غيره، فهو رئيس العلوم على الإطلاق".[80]

ويفضل محمد علي التهانوي هذا القول فيقول: "والكلام هو الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلها وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مبادىء تبين في علم آخر شرعياً أو غيره بل مبادؤه إما مبنية بنفسها أو مبينة فيه، فهي، أي فتلك المبادىء المبنية فيه مسائل له من هذه الحيثية ومبادىء لمسائل أخر منه لا تتوقف عليها لئلا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقف عليها اثبات العقائد أصلاً، ولا دفع الشبه عنها فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيراً للفائدة في الكتاب، فمن الكلام يستمد غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلاً، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق بالجملة. فعلماء الإسلام قد دونوا لاثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع وصفاته وأفعاله وما يتفرع عليها من مباحث النبوة والمعاد علماً يتوصل به إلى إعلاء كلمة الحق فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلاً، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد، سواء أكان توقفها عليها مواد أدلتها، أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علماً مستغنياً في نفسه عما عداه، ليس له مبادىء تبين في علم آخر.[81]

وهكذا تستند العلوم الشرعية إلى علم الكلام، فيستند إليه الفقه مثلاً استتناد الفرع على الأصل، ذلك لأن علم الفقه يرتبط بالعمل والعمل فرع على النظر والاعتقاد. وعلم التصوف يستند إليه أيضاً، ذلك لأن التصوف يبحث في الأحكام الشرعية - نظرية كانت أو عملية - من ناحية آثارها في قلوب المتعبدين بها، من حيث يعني بجانب السلوك والأخلاق على أساس من التذوق الروحي والوجدان القلبي، ومن هنا فهو يستند إلى علمي الكلام والفقه، إذ لابد للصوفي على الحقيقة من علم كامل بالكتاب والسنة لكي يصحح اعتقاداته وعباداته ومعاملاته على اختلافها. ولهذا يقرر الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني أن انفصال هذه العلوم (يعني: علم الكلام، والفقه، والتصوف) والتميز بينها، إنما هو أمر اعتباري فقط، ذلك لأن هذه العلوم يمكن أن تندرج تحت اسم واحد، هو الشريعة، وجاء هذا الانفصال والتمييز نتيجة التخصص العلمي الدقيق، وهو أمر ظهر في الإسلام في وقت متأخر، أما قبل ذلك فكان اسم الفقه يطلق فقط على العمليات من الشرع، وإنما أيضاً على الاعتقاديات والأخلاق.[82]

وهذه المكانة الهامة لعلم الكلام، يمكن أن نلمسها بشكل واضح في تصنيف العلوم عند العرب، والذي قام عندهم على بيان تصورهم للمعرفة البشرية، وتوضيح علاقات أجزائها بعضها ببعض موضحين ترتيب العلوم من حيث الخصوص والعموم، ومبينين حدودها والعلاقات القائمة بينها.[83] فالفارابي وهو أول مفكر إسلامي عنى بتصنيف العلوم في كتاب من أهم كتبه يحمل عنوان "إحصاء العلوم" والذي يحدد في مقدمته غرضه من هذا الإحصاء، وهو: احصاء العلوم المشهورة في عصره،، علماً علماً، وتعيين غرضها بالدقة اللازمة، وبيان مجمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له أجزاء ومجمل ما في كل واحد من أجزاء، وبهذا يستطيع الإنسان أن يقايس بين العلوم فيعلم أيها أفضل، وأيها أنفع، وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأضعف.[84] خصص الفارابي الفصل الخامس في هذا الكتاب للعلم المدني وأجزائه، علم الفقه وعلم الكلام، وأعتبره الدكتور عثمان أمين من أمتع فصول الكتاب.[85]

فقام بوضع تعريف لعلم الكلام بأنه: صناعة وهو ملكة يقتدر بها الإنسان، على نصرة الآراء، والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل. ويرى أن له جزأين: الأول يدور حول الآراء، والثاني حول الأفعال أما يدور حول الآراء: فهو ما يتعلق بمسائل التوحيد، وذات الله وصفاته وأفعاله، أي ما يمس الأصول الاعتقادية. أما ما يدور حول الأفعال: فهو ما يتعلق بأفعال الأنسان مثل: الجبر والاختيار، ومشكلة الإمامة، وغيرها من مباحث تتعلق بسلوك الفرد والجماعة، منظور إليها من جهة الفعل الإنساني. والملاحظ في تصنيفه أنه يميز بين الفقه والكلام، فيذهب إلى القول بأن صناعة الكلام غير الفقه لأن الفقه يأخذ الآراء والأفعال التي يصرح بها واضع الملة مسلمة ويجعلها أصولاً، فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها، والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقه أصولاً، من غير أن يستنبط منها أخرى، فإذا اتفق أن يكون لإنسان ما قدرة على الأمرين جميعاً فهو فقيه ومتكلم، فتكون نصرته لها بما هو متكلم واستنباطه عنها بما هو فقيه.[86]

ويمكن اعتبار هذا التمييز بين علم الكلام والفقه والذي يورده الفارابي، تمييز اعتبارياً بدليل قوله أن الإنسان يمكن أن يجمع بينها، فضلاً عن أنه يدخلهما ضمن دائرة واحدة وهي دائرة العلم المدني وهذا الربط هو ربط محكم للعلاقة بينهما. ومن الملاحظ أيضاً أنه يعتبر علم الكلام والفقه صناعتين زائدتين على الفلسفة، ومتأخرين بالزمان عنها، وان كان يضعهما صمن أقسام الفلسفة العملية، وهذه نظرة صائبة في النظر إلى علم الكلام، لأن علم الكلام وان اتصل بالفلسفة من حيث استخدام النظر العقلي في كل منهما على اختلاف المنهج فيهما، إلا أن علم الكلام يعد علماً إسلامياً دينياً خالصاً، وليس فلسفياً، ذلك لأن صلته بالفلسفة صلة عرضية لا جوهرية، وعلم الفقه علم إسلامي خالص لا صلة له بالفلسفة أيضاً، ولكن يبدو أنه لصلة علم الكلام والفقه بالعمل قد أدرجهما ضمن القسم العملي للفلسفة، أي أوردهما ضمن العلوم التي تتعلق بالعمل والسلوك ذلك لأنه يرى أن المقصود بعلم الكلام ليس فقط حصول رأي أو اعتقاد يقيني فحسب، بل حصول صحة رأي لأجل عمل.[87]

وهذا مما حدى بجارديه إلى القول بأن تصنيف الفارابي تصنيف مصطنع ليستوعب العلوم الإسلامية كالفقه والكلام.[88] غير أن جارديه له موقف آخر يرى فيه أن وضع هذين العلميين في دائرة الفلسفة العلمية عند الفارابي إنما هو ثمرة حقيقية للتوفيق بين الدين والفلسفة والتي اتسمت بها فلسفة الفارابي التوفيقية.[89] وإذا انتقلنا إلى تصنيف إخوان الصفا، نجد أنهم يضعون بطريق غير مباشر، علم الكلام ضمن القسم الثالث من علومهم، أي ضمن مجموعة الإلهية، حيث يوردون في هذا القسم كل الموضوعات التي تعالج عامة ضمن مباحث علم الكلام ويبدو أنهم بهذا يعتبرون علم الكلام جزءاً من العلوم الفلسفية ولا يضعونه ضمن مجموعة العلوم الشرعية والتي أفردوا لها القسم الثاني من علومهم.[90] ويبدو أن هذا رأي خاص لإخوان الصفا، يرجع إلى نزعتهم الفلسفية والتي جمعوا فيها مختلف التيارات الفلسفية الشائعة قاصدين تفسير الدين تفسيراً فلسفياً عقلياً، معتمداً على النظر إلى الدين نظرة باطنية صوفية، ومعتمدين في فهمهم للدين على العلوم الطبيعية.[91]

أما الخوارزمي فقد أورد في تصنيفه الذي جاء في كتابه "مفاتيح العلوم" سائر علوم عصره، فأوقفنا على الحياة العلمية التي كانت عليها بغداد في القرن الرابع الهجري، وإن كان قد اقتصر في تصنيفه على وصف واحصاء العلوم، ولم يهتم بذكر مراتبها. واشتمل كتابه على مقالتين جاءت الأولى في ستة أبواب ذكر فيها العلوم الشرعية، وما يتصل بها من العلوم العربية مثل الفقه، والكلام والنحو، والكتابة والشعر، والعروض والأخبار، وجاءت المقالة الثانية في تسعة أبواب أورد فيها علوم اليونان وغيرهم من الأمم وهي: الفلسفة والمنطق، والطب، وعلم العدد والهندسة، وعلم النجوم، والموسيقى، والحيل، والكيمياء.[92]

وهكذا احتل علم الكلام منزلة هامة في تصنيف الخوارزمي فأفرد له باباً بأكمله وإن كان قد أورده بعد الفقه لا قبله. ومكانة علم الكلام عند الغزالي، فقد أورده في كتابه إحياء علوم الدين حيث قسم العلوم إلى: علوم شرعية، وعلوم غير شرعية، ووضع علم الكلام ضمن دائرة العلوم الشرعية. وهو فرض من فروض الكفايات، فيقول موضحاً موقف الشرع من علم الكلام: "أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع وإما مشاغية بالتعلق بمناقضات الفرق لها، وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيء منه مألوفاً في العصر الأول، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع. ولكن تغير الآن حكمه، إذ حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبغت جماعة لفّقوا لها شبها وزينوا فيها كلاماً مؤلفاً، فصار ذلك المحظور بحكم الضرورة، مأذوناً فيه، بل صار من فروض الكفايات". فهو يرى أن علم الكلام، علم ينشط بظهور الشبهات ضد الإسلام، فهو يتفق مع الإمام أحمد بن حنبل في النهي عن علم الكلام عندما لا يكون هناك حاجة إليه، أي النهي عنه بالنسبة للعوام، ولم ينه عنه بالنسبة للخواص، وكذلك الجويني، الذي قال بعد أن قضى أكثر من ثلاثين عاماً يدفع الشبهات التي كانت سائدة حول العقيدة: "والآن أرجع إلى دين العجائز" يقصد بذلك أنه استخدم علم الكلام بقدر ما دفع به الشبهات، أما وقد استقرت العقائد في الأذهان نقية خالصة، فليس هناك ما يدعو إلى علم الكلام.[93]

وفي الرسالة اللدنية يعطي الإمام الغزالي لعلم الكلام منزلة هامة فهو يعتبره من العلوم الشرعية، التي يقسمها إلى جزأين عظيمين، الأول علم الأصول، والثاني علم الفروع أو العلوم العملية. ويضع على فمة العلم النظري أو علم الأصول علم التوحيد والذي يسمى بعلم الكلام، ويرى أن موضوع هذا العلم ذات الله وصفاته، والأنبياء، والصحابة والحياة والموت والأخرويات، ويحدد أصول ذلك العلم بأنها: القرآن أولاً ثم السنة، ثم الدلائل العقلية والبراهين القياسية بعد ذلك، على أن هذه الأصول الأخيرة تستخدم المنطق وأجزاؤه المختلفة استخدامها للآلة.[94] وهكذا يعطي الغزالي لعلم الكلام أهمية خاصة في هذه الرسالة، واعتباره علم من العلوم الشرعية. أما موقف ابن خلدون من علم الكلام فيمكن أن نلمسه من خلال تصنيفه للعلوم والذي أورده في مقدمته. جاء تصنيف العلوم في مقدمة ابن خلدون مبيناً بوضوح العلوم التي كانت في عصره، أي في القرن الثامن الهجري وهو عصر الركود والانحلال والتأخر بالنسبة للعلم والحضارة الإسلامية بوجه عام، ولهذا غلبت على هذا العصر روح الجمع وتدوين المصنفات الضخمة، خوفاً من ضياع التراث بعد هجمات التتار وغيرهم على بلاد الإسلام، ومن هنا كان حرص ابن خلدون على أن يضمن مقدمته كل ما انتهى إليه وتوفر إليه من علوم العصر ضناً بهذا التراث أن يندثر.[95]

وقد صنف ابن خلدون العلوم التي كانت في عصره إلى صنفين:

  • الأول: صنف طبيعي للإنسان: يقف عليه الإنسان بطبيعة فكره وهي العلوم الحكيمة الفلسفية.
  • الثاني: العلوم النقلية: وهي تلك العلوم التي العلوم التي يأخذها الإنسان عمن وضعها وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، فهي العلوم الشرعية، ومجال العقل منحصر في هذه العلوم في إلحاق الجزئيات الحادثة بالأصول العامة التي وضعها الشارع، أما أصل هذه العلوم النقلية فهي الشرعيات من الكتاب والسنة، مأخوذ بالنص أو الإجماع.[96]
  • والصنف الأول: وهو القسم المختص باسم علوم الفلسفة والحكمة ويشمل على المنطق، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي، وعلم التعاليم وهذا الصنف خاص بكل شعب وكل دين، فهي علوم طبيعية للإنسان من حيث أنه ذو فكر.[97]
  • أما الصنف الثاني: فهي علوم خاصة بالملة الإسلامية، وإن كانت للملل الأخرى علوماً خاصة بها، غير أن الإسلام نسخ ما كان قبله من ملل، فنسخ علومها أيضاً، وتشمل هذه العلوم: علوم اللسان وعلوم القرآن (القراءات والتفسير)، وعلوم الحديث، وعلم أصول الفقه، ثم علم التوحيد (أي دراسة العقائد الإيمانية) ثم علم الكلام، وهو علم الحجاج عن العقائد الإيمانية والرد على المنحرفين عن عقائد أهل السنة والسلف، ثم علم التصوف وعلم تعبير الرؤيا.[98]

وهكذا يورد ابن خلدون علم الكلام ضمن العلوم النقلية الشرعية، ويخصص له فصلاً كاملاً يعرف فيه علم الكلام، موضحاً موضوعه، وعوامل نشأته وتطوره، واختلاطه بمباحث الفلسفة عند المتأخرين، وضرورة تمييزه عن الفلسفة.[99] ومع أن ابن خلدون اعتبر علم الكلام علماً شرعياً وبين أهميته في الدفاع عن الإسلام ضد مخالفيه ورد شبهتهم بالدليل العقلي، إلا أنه من الملاحظ أنه قصر مهمة علم الكلام على الرد على شبهات المخالفين لعقيدة أهل السنة والسلف، أي يقصر مباحث علم الكلام على مستوى الموقف الأشعري، والذي يعتنقه ابن خلدون نفسه، وهذه النقطة تدين تصنيفه العلمي للعلوم النقلية، فلم يتجرد لوضع تصنيف موضوعي للعلوم المعروفة في عصره، بل وقف موقفاً خاصاً به، وأسماه بعلم الكلام، مع أن علم الكلام قد وصل في عصره إلى قمة تطوره فأتسعت مباحثه، وكثرت الآراء والمذاهب.[100]

ويبدو أن موقفه هذا من علم الكلام جاء نتيجة أمرين:

  • الأول: رفضه لاختلاط علم الكلام بالفلسفة، ويكاد يكون هذا الخلط أمراً عاماً عند المتأخرين، فأراد أن يحدد علم الكلام بعقائد السلف فقط، حتى يتم التمييز بين العقائد والفلسفة.[101]
  • الثاني: أنه يرى أن علم الكلام في عصره علم لا داعي له، والسبب يوضحه فيقول: "وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام، غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذا الملاحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا، وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه الباري عن كثير إيهاماته وإطلاقه".[102]

وهذا موقف خاص لابن خلدون من علم الكلام، يرى أنه يجب أن يقتصر فقط على عقائد السلف. وموقف طاش كبرى زاده من علم الكلام وضحه في كتابه "مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم" فهو يدرج علم الكلام ضمن العلوم الشرعية ويجعله الشعبة الخامسة منها قبل الفقه الذي يجلعه الشعبة السادسة.[103] وهو يتفق مع ما قرره عضد الدين الإيجي في "المواقف" من أن علم الكلام هو رئيس العلوم الشرعية، وقد احتل علم الكلام في تصنيفه حيزاً كبيراً.[104] ويرى الدكتور محمد صالح محمد السيد أن علم الكلام يمثل علماً هاماً من العلوم الشرعية الدينية، وهو إذا كان كذلك ففي رأيه أنه علم واجب في كل عصر، ذلك لأن أمر الدفاع عن الدين أمر واجب، فضلاً عن أنه لا يخلو منه عصر من العصور.[105]

صلة علم الكلام بالعلوم الأخرى[عدل]

لعلم الكلام صلة وثيقة بالعلوم التي نشأت في البيئة الإسلامية وقت ظهوره أو التي سبقت ظهوره، وعندما نقرأ في كتب أصحاب الطبقات التي صنفت لترجمة حياة المتكلمين وكتبهم، فإننا نجد عبارة تتكرر كثيرا عند التعرض لترجمة المتكلم أنه قد حاز على العلوم الملية والحكمية، وهذ العبارة تشير إلى ثقافة المتكلم الواسعة بحيث يلم بالعلوم الملية - أي نشأت تبعا للملة الإسلامية - كعلوم القرآن والحديث والتفسير والفقه وأصول اللغة، وأيضا بالعلوم الحكمية وهي العلوم العقلية من منطق وفلسفة، وهذا يعني ارتباط هذه العلوم بالمباحث الكلامية التي هي موضوع علم الكلام، وأنه لأهمية تلك الصلة بين علم الكلام والعلوم الأخرى كان لابد للمتكلم من أن يحصل تلك العلوم. ومن ناحية أخرى، إذا كان علم الكلام يقوم على التوفيق بين العقل والنقل فلابد من معرفة المتكلم بالعلوم العقلية والعلوم النقلية، ولابد من صلة بين هذه العلوم وعلم الكلام. وعلم الكلام هو الأساسا الذي تقوم عليه العلوم الشرعية، إذ أنه ما لم يثبت وجود إله خالق قادر عليم أنزل رسله بالتكليف - وهذه موضوعات علم الكلام - لم تقم للشريعة (العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير) قائمة لأنها مبنية على تلك الموضوعات التي يبحثها علم الكلام، فهو أساس تلك العلوم وتستمد منه أصولها وتستعين به في مباحثها وتأخذ منه.[106]

علم الكلام والفلسفة[عدل]

يأخذ كل من المتكلم والفيلسوف بالحس المشاهد، وينطلق منه إلى العقل فكلاهما يعتد بالحس والعقل، لكنهما يختلفان في نقطة البداية، فالمتكلم يبدأ من عقيدة يؤمن بها سلفا، ويقوم بالاستدلال على ما آمن به بالعقل وإيراد الأدلة العقلية على صحة ما يؤمن به بقلبه، لذا فإن العقيدة والنص الديني لهما اعتبار كبير عند المتكلم، إذ أنهما البداية والمقدمة التي يبدأ منها المتكلم لذا فإن البحث في علم الكلام يجري على قانون الإسلام بحيث إن المتكلم ينتهي في بحثه إلى إثبات ما أثبته الإسلام من أصول العقيدة.[107]

أما الفيلسوف فإنه يبدأ بحثه دون عقيدة أو رأي سابق عليه أن يقوم بإثباته بل يبدأ بالعقل وينتهي إلى ما ينتهي إليه العقل، فيبحث في الوجود وقد ينتهي إلى إثبات علة موجدة ومنظمة لهذا الوجود، وقد تكون علة أولى كالمحرك الأول عند أرسطو، أو مجموعة علل، وقد تكون علل غير مادية، وقد تكون مادية، المهم أنه ليس صاحب عقيدة معينة يحاول إثباتها فيكون بحثه موجها منذ البداية لإثباتها، بل هو يبدأ بحثه محررا من كل شيء سابق. يقول أبو حيان التوحيدي في تفرقته بين الكلام والفلسفة: "والفلسفة أدام الله توفيقك محدودة بحدود ستة، كلها تدلك على أنها بحث عن جميع ما في العالم مما ظهر للعين، وبطن للعقل ومركب بينهما ومائل إلى حد طرفيها على ما هو عليه واستفادة اعتبار الحق من جملته وتفصيله، ومسموعة ومرئية وموجودة ومعدومة من غير هوى يمال به على العقل، ولا الف يفتقر معه إلى جناية التقليد مع إحكام العقل الاختياري وترتيب العقل الطبيعي.[108]

ولقد كان لاختلاف نقطة البداية عند كل من المتكلم والفيلسوف اختلاف في الغاية التي يهدف إليها كل من علم الكلام والفلسفة من أبحاثهما، فالغرض من الأبحاث الطبيعية عند المتكلم يختلف عنه عند الفيلسوف. يقول ابن خلدون: "واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته، وهو نوع استدلالهم غالبا والجسم الطبيعي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات وهو بعض من هذه الكائنات إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم، وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن، والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل".[109]

وعلى هذا فالمتكلم ينظر في البحث في الطبيعة بمنظار ديني، من حيث إنها تدل على فاعلها، ولعل هذا هو سبب تمسك المتكلمين بالقول بحدوث العالم، واعتمادهم على إثبات وجود الله ووحدانيته على أساس القول بحدوث العالم وأنه إذا كان العالم محدث فإنه بحاجة إلى من يحدثه وهو الله تعالى، وكذلك ما في العالم من اتساق ونظام لا يتأتى إلا من فاعل واحد قادر عليم حكيم. ولعل هذا ما حدا بالمتكلمين إلى أن يقيموا أدلتهم على وجود الله تعالى ووحدانيته على الأدلة التجريبية الواقعية المستقاة من الواقع المشاهد، بينما تقوم أدلة الفلاسفة على الأساس التجريدي العقلي، فهم يستدلون على وجود الله تعالى أساس فكرة الواجب والممكن العقلية. أيضا بينما تحتل الإلهيات الجزء الرئيسي في مبحث المتكلمين بحيث إن ما يتطرقون إليه من مباحث أخرى إنما يدور في فلك أبحاثهم الإلهية بينما لا يمثل مبحث الإلهيات عند الفلاسفة سوى جزء من مباحثهم العامة. وثمة فارق بين منهج المتكلمين والفلاسفة، فبينما يستخدم المتكلمون القياس الجدلي الذي يقوم على مقدمات مشهورة أو مظنونة وربما كانت تلك المقدمات أولية أو غير أولية، يستخدم الفلاسفة القياس البرهاني.[110]

وهناك فرق آخر بين علم الكلام والفلسفة الإسلامية، من حيث مدى تأثر كل منهما بالقافات الأجنبية خاصة بالفلسفة اليونانية، فنجد أن تأثر علم الكلام قليل جداً إن لم ينعدم أحيانا خاصة عند أوائل المتكلمين الذين كانت مهمتهم استبعاد الفلسفة اليونانية من دائرة الدين، ومعارضة المنطق الأرسطي لأنه مبني على ميتافيزيقا أرسطو التي رفضوها، بينما نرى أثر تلك الفلسفة اليونانية واضحا وبارزا عند فلاسفة الإسلام وربما كان ذلك سببا في معارضة فلاسفة الإسلام للمتكلمين ومنهجهم في إثبات العقيدة. انظر على سبيل المثال: موقف ابن رشد من طرق المتكلمين في التأويل وإثبات حدوث العالم وصفات الله تعالى في كتابيه: فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة. إلا أنه في القرن الخامس الهجري وعلى يد متكلم سني هو الإمام الغزالي ومن بعده الفخر الرازي، بدأ الأثر الفلسفي في علم الكلام والتقارب بين الآراء الكلامية والفلسفية ونجد ذلك واضحا في المؤلفات الكلامية عند المتأخرين.

يقول ابن خلدون في المقدمة:
   
علم الكلام
واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الإيمان، الذي في المرتبة الأولى، الذي هو تصديق، وعين أمورا مخصوصة، كلفنا التصديق بها بقلوبنا، واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بها بألسنتنا، وهي العقائد التي تقررت في الدين. قال صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، وتؤمن بالقدر: خيره وشره".

وهذه هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام. ولنشر إليها مجملة لتتبين لك حقيقة هذا الفن وكيفية حدوثه، فنقول: اعلم أن الشارع لما أمرنا بالإيمان بهذا الخالق، الذي رد الأفعال كلها إليه، وأفرده بها كما قدمناه، وعرفنا أن في هذا الإيمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا، لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود، إذ ذلك متعذر على إدراكنا ومن فوق طورنا. فكلفنا: أولا، اعتقاد تنزيهه في ذاته عن مشابهة المخلوقين، وإلا لما صح أنه خالق لهم، لعدم الفارق على هذا التقدير، ثم تنزيهه عن صفات النقص، وإلا لشابه المخلوقين، ثم توحيده بالاتحاد، وإلا لم يتم الخلق للتمانع، ثم اعتقاد أنه عالم قادر، فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الإيجاد والخلق، ومريد وإلا لم يخصص شيء من المخلوقات، ومقدر لكل كائن، وإلا فالإرادة حادثة. وأنه يعيدنا بعد الموت تكميلا لعنايته بالإيجاد، ولو كان للغناء الصرف كان عبثا، فهو للبقاء السرمدي بعد الموت. ثم اعتقاد بعثة الرسل للنجاة من شقاء هذا المعاد، لاختلاف أحواله بالشقاء والسعادة، وعدم معرفتنا بذلك، وتمام لطفه بنا في الإنباء بذلك، وبيان الطريقين. وأن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب. هذه أمهات العقائد الإيمانية، معللة بأدلتها العقلية، وأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة. وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققها الأئمة، إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد، أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل. فحدث بذلك علم الكلام.[111]

...ثم لما كثرت العلوم والصنائع، وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء، وألَّف المتكلمون في التنزيه، حدَثت بدعة المعتزلة في تعميم هذا التنزيه في آي السُّلوب، فقضَوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة زائدة على أحكامها لما يلزم على ذلك من تعدد القديم بزعمهم، وهو مردود بأن الصفات ليست نفس الذات ولا غيرها. وقضَوا بنفي صفة الإرادة، فلزمهم نفي القدر، لأن معناه سبق الإرادة للكائنات.وقضَوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام، وهو مردود بعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ، وإنما هو إدراك للمسموع المبصر. وقضَوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر، ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس، فقضوا بأن القرآن مخلوق، بدعة صرح السلف بخلافها. وعظم ضرر هذه البدعة، ولقنها بعض الخلفاء عن بعض أئمتهم، فحمل عليها الناس وخالفهم أئمة الدين، فاستباح بخلافهم أبشار كثير منهم ودماءهم. وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع. وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية، وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف، وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه. فأثبت الصفات الأربع المعنوية، والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق العقل والنقل. وردَّ على المبتدعة في ذلك كله. وتكلَّم معهم فيما مهَّدوه لهذه البدع من القول بالكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل بالصلاح والأصلح، والتحسين والتقبيح. وكمَّل العقائد في البعثة وأحوال المعاد والجنة والنار والثواب والعقاب. وأَلحق بذلك الكلام في الإمامة، لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية في قولهم إنها من عقائد الإيمان وإنها يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة فيها لمن هي له وكذلك على الأمة. وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية اجتماعية، ولا تلحق بالعقائد. فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن. وسمَّوا مجموعه علم الكلام، إما لما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف، وليست براجعة إلى عمل، وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفساني.

وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، واقتفى طريقته من بعده تلميذه، كابن مجاهد وغيره. وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في طريقتهم، وهذَّبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد، والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم. وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. فكملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية. إلا أن صور الأدلة فيها جاءت في بعض الأحيان على غير الوجه الصناعي، لسذاجة القوم، ولأن صناعة المنطق التي تسبر بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة. ولو ظهر منها بعض الشيء، لم يأخذ بها المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة لعقائد الشرع بالجملة، فكانت عندهم مهجورة لذلك. ثم جاء بعد القاضي أبي بكر من أئمة الأشعرية، إمام الحرمين أبو المعالي، وأملى في الطريقة كتاب"الشامل"، ووسَّعَ القولَ فيه، ثم لخصه في كتاب"الإرشاد"، واتخذه الناس [10]، وفرَّقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط، تسبر به الأدلة كما تسبر من سواها. ثم نظروا في تلك القواعد المقدمات في فن الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدَّتهم إلى ذلك. وربما أن كثيرا منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات. فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها، ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله، كما صار إليه القاضي. فصارت هذه الطريقة في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى، وتسمى (طريقة المتأخرين)، وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما يخالفون فيه من العقائد الإيمانية، وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم.

وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي، وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قَفَوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم، ثم توغَّل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العِلمين، فحسبوه فيهما واحدا من اشتباه المسائل فيهما. واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته، وهو نوع استدلالهم غالبا، والجسم الطبيعي الذي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات هو بعض من هذه الكائنات، إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم، هو ينظر الجسم من حيث يتحرك ويسكن، والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل. وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات، إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الموجود من حيث يدل على الموجِد. وبالجملة، فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية، فتدفع البدع وتزال الشكوك والشبه عن تلك العقائد...[112][113]

   
علم الكلام

ويعد نصير الدين الطوسي من أهم من قام بمزج الكلام بالفلسفة وألبس مشاكل علم الكلام ثوب الفلسفة، وتشعبت بما امتصته من جذورها فصارت في جوهرها موضوعات تقرب في طرحها لأن تكون موضوعات فلسفية بحتة.[114]

الفرق بين علم الكلام والفلسفة[عدل]

يشير ابن خلدون إلى التمييز بين علم الكلام والفلسفة من ناحية الموضوع والمنهج والغاية، فيقول: "واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته وهو نوع استدلالهم غالباً، والجسم الطبيعي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات وهو بعض من هذه الكائنات إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن، والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث أنه يدل على الموجد، وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد وإذا تأملت حال الفن في حدوثه، وكيف تدرج كلام الناس فيه صدراً بعد صدر وكلهم يفرض العقائد الصحيحة، ويستنهض الحجج والأدلة عَلِمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه".[115] ولا شك أن هناك خلافاً واضحاً بين علم الكلام والفلسفة اليونانية يستحيل معه هذا الخلط والامتزاج، لكن هناك بعض الفلاسفة المسلمين الذي تأثروا بالفلسفة اليونانية وحرصوا على التوفيق بينها وبين العقائد.[116]

وهناك فروق بين علم الكلام والفلسفة أدرجها ابن خلدون ومن هذه الفروق فروق تتعلق بالموضوع والمنهج والغاية.

فمن ناحية الموضوع: فموضوعات علم الكلام تتعلق بالأصول الدينية كالبحث في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله. وفي أحكام الشريعة من بعثة الرسل ونصب الأئمة والتكليف والثواب والعقاب. يتناولها بحسب ما وردت في الشريعة أمراً مقرراً لا مدخل فيه للشك، محاولاً أن يؤيدها بالأدلة العقلية حتى يكون الإيمان بها أشد وثوقاً وأكثر توكيداً لإجتماع النقل والعقل معاً، فضلاً عن أن الدليل العقلي هو السبيل إلى إثبات هذه الأصول على المخالفين من أصحاب الديانات المخالفة.[117] أما الفلاسفة المسلمين فإن أبحاثهم تدور حول الوجود والمعرفة والقيم، وما تشمله هذه المباحث الرئيسية من البحث عن الله، والعالم، والإنسان، وتبحث في مبادىء الوجود وعلله، وفي وسائل المعرفة، وطبيعتها، وأدواتها، ومشكلة اليقين، وفي القيم: من الحق، والخير، والجمال، ويتوخى فلاسفة الإسلام أن يكون بحثهم الفلسفي من منظور ديني عقائدي بمعنى أنهم يحرصون أن يكون بحثهم يؤيد الدين ويؤكده. ومن هنا يقرر ابن خلدون حذف موضوع الطبيعيات والإلهيات من نطاق علم الكلام فيقول: "وأما النظر في مسائل الطبيعيات والإلهيات بالتصحيح والبطلان فليس موضوع علم الكلام، ولا من جنس أنظار المتكلمين، فأعلم ذلك لتميز به بين الفنين (يقصد علم الكلام والفلسفة) فإنهما يختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف، والحق معايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل".[118]

أما من ناحية المنهج: فنجد الفلاسفة يغالون في استخدام العقل بدرجة تفوق استخدام المتكلمين، فحرروا العقل من كل قيد، وأخذوا بأحكامه، روفضوا ما عداها، ونظروا في النصوص الدينية فإن وجدوها على وفاق معهم قبلوها، وإن وجدوها على خلاف ما انتهوا إليه صرفوها عن ظاهرها، وحملوها على المعنى الذي انتهى إليه بحثهم. ويمكن القول أن هناك خلاف واضح بين منهج المتكلمين ومنهج الفلاسفة وهو في درجة استخدامهم للعقل في مجال القضايا الدينية. ولقد عبر طاش كبرى زاده عن ذلك بقوله: "المتكلم يستند إلى ما جاء به الدين من اعتقادات، ثم يلتمس الحجج العقلية التي تدعمه، أما الفيلسوف فيبحث بعقله، ويرى حقاً ما توصل إليه من دليل، المتكلم يعتقد ثم يستدل، أما الفيلسوف فيستدل ثم يعتقد".[119] ويقول ابن خلدون: أنه إذا هدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أنه نقدمه على مداركنا ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل، ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقاداً، ونسكت عما لم نفهم من ذلك، نفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه.[120] على أن هناك فرقاً ثالثاً يتعلق بالمادة: فمادة الفلاسفة - في معظمها - مادة استمدوها من الفلسفة اليونانية التي اعتمدوا عليها اعتماداً كبيراً. أما مادة المتكلمين، فمصدرهم الأول هو القرآن ثم الحديث، والنقاش العقلي الذاتي حولهما، ولا يعولون على المصادر الأجنبية والدخيلة إلا قليلاً، وفي مواضع لا تتعارض مع العقيدة، بل تكون وسيلة للدفاع عنها، وهذا يدل دلالة قاطعة على أصالة علم الكلام.[121]

علم الكلام والتصوف[عدل]

إذا نظرنا إلى طبيعة كل من علم الكلام والتصوف، فإننا نجد أن طبيعة علم الكلام نظرية، إذ يبحث في الأصول الاعتقادية كوجود الله تعالى ووحدانيته وإرساله الرسل واليوم الآخر، بينما طبيعة علم التصوف عملية، فإذا بحثنا عن طبيعة التصوف فإننا يمكن أن نستخلصها من تعريف التصوف، ونجد هناك عدة تعريفات للتصوف يمكن إيجازها فيما يلي:

  • اتجاه أخلاقي يربط التصوف بالسلوك والأخلاق فيقول البعض في تعريف التصوف: "الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني" وأيضا "التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء".[122]
  • اتجاه يربط بين التصوف والزهد والعبادة، وهذا الاتجاه يهتم بالوسيلة التي يتخذها المتصوف، ولقد عرف بين الصوفية الزهاد والنساك، يقول ابن خلدون: "إن أصل طريقة المتصوفة لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة".[123]
  • اتجاه ثالث يربط بين التصوف والمعرفة والمشاهدة ورؤية القلب وهو يعبر عن الاتجاه الروحي، والتجربة النفسية التي يحياها المتصوف، فالصوفي: "من صفى ربه قلبه، فامتلأ قلبه نوراً، ومن دخل في عين اللذة بذكر الله".[124]

وعلى هذا يتبين أن طبيعة التصوف عملية تهتم بالأخلاق والسلوك، وبذلك تفترق عن المسلك النظري لعلم الكلام. وهناك فرق آخر بين العلمين، يتعلق بالعلم والمعرفة وأداة المعرفة البشرية، فلقد فرق معظم الصوفية بين المعرفة والعلم، فالمعرفة تتطلب اتصالاً مباشراً، وهذا يعني أن معرفة الله معرفة مباشرة، العارف هو الإنسان والمعروف هو الله، وهذه المعرفة مباشرة دون واسطة إلا ذات المعروف نفسه وهو الله. أما لفظة العلم فلا يصح أن تكون مرادفة للفظ المعرفة عند الصوفية لأن العلم إنما يقوم على الحس أولاً، ثم يقوم على العقل ثانياً، فالمنهج في العلم حسي تجريبي عقلي، والتصوف لا يعول على الحس ولا يركن إلى العقل، إنما الصوفية أرباب أحوال وأصحاب أذواق وأحاسيس من قبيل الوجدانيات التي لا تعرف بعقل أو شيء من قبيل العقل إنما هي معرفة بالقلب، وهي لا تستمد من تجربة ولا معلم ولا كتاب، وإنما معرفة عن تجربة ذوقية باطنية، ومعرفة القلب الذي يعرف ويشاهد، لأنه هو الذي تذوق وهو الذي تحقق. والعلم بمعناه الصوفي الروحي يختلف عن علم الظاهر مثل علم الكلام والفقه والنحو وغير ذلك من العلوم، إذ كل ذلك من قبيل الدراسة أي يدرس ويمحص، بينما على الصوفية هو معرفة، وليس علماً يتدراس بين الخلق، ولا علم تستمد عناصره من العالم الطبيعي المحسوس، إنما هو معرفة أو عرفان. وعلى هذا يمكن القول بأن معرفة الله عند الصوفية طريقها القلب، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن ينال المعرفة الإلهية بواسطة حواسه، لأن الله ليس شيئاً مادياً يمكن إدراكه بالحواس، كما لا يمكن إدراك ذات الله تعالى بالعقل أيضا، لأن الله وجوده غير محدود، ولا يدخل في الفهم والتصور ولا يستطيع منطق العقل البشري أن يتجاوز المحدود، فيذكر الكلاباذي قول الصوفية بأن السبيل معرفة الله هو الله، وأن العقل محدث، ولا يدل المحدث إلا على محدث مثله.[125]

ويوضح الغزالي طريق الصوفية في المعرفة فيقول: "فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولى لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنواه العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا بالاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله من الرحمة".[126] ومن هذا النص يمكننا أن نستخلص سمة المعرفة، من حيث إنها تتصل بالتجربة وبالسلوك العلمي أكثر من اتصالها بالفكر والنظر إذ أنها تقوم على التجربة التي يخوضها الصوفي، ومعاناته لتلك التجربة، وهذا هو الدور الإيجابي للصوفي، ثم يحل عليه الفضل الإلهي ليريه الله ما شاء له أن يريه، وهذا المنهج يعرف عند الصوفية منهج الكشف والإلهام وهو منهج ذوقي، وادراك مباشر يختلف عن الإدراك الحسي المباشر، والإدراك العقلي المباشر، والكشف كما يعرفه الطوسي هو بيان ما يستتر على الفهم فيكشف عنه للعبد كأنه رأي عين. ويصفه الغزالي بأنه نور يقذفه الله في القلب، وهو سبيل الوصول إلى اليقين، فيقول مبيناً وصوله إلى اليقين بعد الشك: "ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور يقذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة".[127]

وهذا المنهج يقابل منهج النظر العقلي، الذي يقول به المتكلمون، وهو في رأي الغزالي يعد أعلى مرتبة وأرقى مناهج المعرفة، فهناك الإنسان العامي الذي يقوم منهجه في المعرفة على التقليد المحض، وهناك المتكلم الذي يقوم منهجه على الاستدلال العقلي، وهو في رأي الغزالي قريب من منهج العوام، وهناك العارف الصوفي الذي منهجه المشاهدة بنور اليقين، وعلى هذا فالمعرفة الصوفية في تدرج أنواع المعرفة تعد أعلاها، فهي تنطوي على معرفة العوام والمتكلمين وتتجاوزها.[128] ويمكن القول بأن الصوفية يقولون بتدرج المعرفة وفقاً لموضوعات المعرفة، فمعرفة الله سبحانه هي أعلى المعارف وهي تدرك عندهم بالقلب، أما دون ذلك من المعارف فإدراكه بالحس وبالعقل وبالسمع، في حين يرفض المتكلمون تلك المعرفة الإلهامية لأنها ذاتية وليست موضوعية، وليست عامة مطلقة، وليست متيسرة لكل الناس، وعلى كل فإن منهج الصوفية في المعرفة وهو الإلهام مقابل لمنهج المتكلمين في المعرفة وهو النظر، ولقد عارض المتكلمون بشدة بعض أقوال الصوفية القائلين بالحلول والاتحاد.[129]

وعلى الرغم من تباين طبيعة علم الكلام والتصوف، واختلاف أداة المعرفة بينهما، إلا أن ذلك لا يعني الانفصال التام بينهما، وذلك لاستناد التصوف على القرآن والسنة، وأنه لابد للصوفي الحقيقي من علم كامل بالكتاب والسنة الصحيحة لكي يصحح اعتقاداته، ويقول عبد الوهاب الشعراني في تعريفه لعلم التصوف أنه: "علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، والتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة" وعلم الكلام هو العلم الذي يبحث في أمور العقائد ويعتمد على الكتاب والسنة.[130] ونجد لدى الصوفية كما يذكر عنهم أبو بكر الكلاباذي في كتابه "التعرف لمذهب أهل التصوف" أقوال في موضوعات علم الكلام، فيذكر قولهم في التوحيد والصفات والقدر وغير ذلك من الموضوعات التي خاص فيها المتكلمون، وطريقتهم في ذلك تجري في الغالب على طريقة متكلمي أهل السنة من ماتريدية وأشاعرة. وعلى كل فإن طريق النظر الذي يستخدمه المتكلمون في مقابل طريق التصفية الذي يستخدمه المتصوفة.

علم الكلام وأصول الفقه[عدل]

علاقة علم الكلام بعلم أصول الفقه هي علاقة قوية، لكن هذه العلاقة لا تخلو من الاختلاف. وتعريف علم أصول الفقه هو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتكاليف.[131] وهو يعني بالأحكام الكلية العامة ووضع قواعد استنباط الأحكام الشرعية الكلية، أما الفقه فهو يعني بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال.[132]

ومن هنا يمكن القول بأن علمي الكلام وأصول الفقه يتناولان الأحكام الكلية العامة ولا يعنينان بالمسائل الجزئية الفرعية، فعلم الكلام يتناول مسائل الاعتقاد العامة، وعلم أصول الفقه يتناول أصول الأحكام الكلية التي تندرج تحتها المسائل الفرعية الشرعية، فعلى هذا فعلم الكلام يتناول الجانب الاعتقادي في الشريعة، وهو جانب نظري لا صلة له بالعمل، أما بالنسبة لعلم أصول الفقه فعلى الرغم من أن موضوعه الأحكام العامة، إلا أن هذه الأحكام الكلية تندرج تحتها مسائل عملية فرعية، ونجد الشاطبي في الموافقات وهو يبين المقدمات التي ينبني عليها علم أصول الفقه، يقرر أن كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عوناً في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، أي أنه يرى أن المسائل التي يختص بها علم أصول الفقه تندرج تحتها مسائل فرعية فقهية فقط، وعلى هذا يتميز علم أصول الفقه عن سائر العلوم كعلم النحو واللغة والاشتقاق والتصريف والمعاني والبيان والعدد والمساحة وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه وينبني عليها من مسائله، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يعد من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فقه فليس بأصل له.[133] بل لقد عد الشاطبي أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأن الاشتغال بالمباحث النظرية التي ليس لها ثمرة عملية مذموم شرعاً.[134]

وعلى هذا يمكن القول بأن علمي الكلام وأصول الفقه ينفصلان من حيث طبيعة الأحكام الكلية العامة التي يتناولها كل منهما، فهي نظرية اعتقادية في علم الكلام، وهي أحكام عامة تندرج تحتها المسائل الفقهية العملية في علم أصول الفقه. لكن ليس معنى ذلك انقطاع الصلة بين العلمين، فإن علم أصول الفقه يستند إلى علم الكلام ويستمد منه، ويبين ابن الحاجب ذلك فيقول: "وأما استمداده - أي علم أصول الفقه - فمن الكلام والعربية والأحكام، أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري وصدق نسبة خطاب التكليف إليه، ويتوقف على أدلة حدث العالم، وعلى دلالة المعجزة على صدق المُبلغ، وتتوقف دلالتها على العلم بحدثها، وامتناع تأثير غير القدرة الأزلية فيها، وتتوقف على قاعدة خلق الأعمال، وتتوقف على العلم والإرادة، ولا تقليد في ذلك لاختلاف العقلاء فلا يحصل علم".[135]

وعلى هذا فعلم أصول الفقه كسائر العلوم الشرعية يستند إلى علم الكلام، من حيث إن هذه العلوم لا تقوم إلا بعد تقرير مسائل الاعتقاد وهي مبحث الكلام، لكن استناد علم أصول الفقه إلى ذلك أكثر من غيره من سائر العلوم الشرعية، إذ على هذه الأصول الاعتقادية تنبني قواعد أصول الفقه، وقد يبين ذلك اختلاف الأصوليين بينهم باختلافهم في فهم الأصول الاعتقادية على طريقة أهل السنة أو على طريقة المعتزلة، ولا نريد الدخول في تفصيل ذلك بل يكفي الإشارة إلى أهمية الأصول الاعتقادية في على أصول الفقه. ويقوم كل من علم الكلام وعلم أصول الفقه، على إقامة الأدلة، وهذه الأدلة إما سمعية (نقلية) أو عقلية، وهناك اتفاقاً واختلافاً في كلا العلمين، على سبيل المثال: استخدام كلا العلمين للأدلة الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وبالنسبة للكتاب وهو القرآن، فلابد للفقيه من أن يعرف تأويله ووجوه الخطاب فيه من الخصوص والعموم والناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والإباحة والحظر ونحوها.[136]

وهذا أيضا يلزم المتكلم معرفته، إلا أنه يلاحظ أن اهتمام المتكلم بالتعلق بالآيات الخاصة بالاعتقاد، واهتمام الفقيه بالآيات الخاصة بالعمل، من حيث إن ما يندرج تحت مسائل علم الكلام موضوعات نظرية اعتقادية، وما يندرج تحت أصول الفقه مسائل فقهية فرعية عملية، ويوضح لنا ذلك ابن الحاجب بقوله: "فالقرآن فيه آيات محكمة وآيات متشابهة، والآيات المتشابهة التي يعنى بها المتكلمون هي الخاصة بالاعتقاد، مثل قوله تعالى: من روحي - أيدينا - وبيدي - وبيمينه - ويستهزىء بهم - ومكر الله، ونحو ذلك من المعاني والصفات التي قد توحي بالتشبيه، ومن الآيات المتشابهة التي يعنى بها علماء أصول الفقه التي تكون متشابهة إلا للاشتراك مثل قوله: (ثلاثة قروء) أو للإجمال مثل: (الذي بيده عقدة النكاح) .. أي الآيات التي ينبني عليها مسائل فقهية.[137] وبالنسبة للأخبار التي أوردت السنة، فهي أخبار متواترة وهي ما رواه جماعة من الصحابة، فلقد اتفق عامة الفقهاء على قبول الخبر المتواتر وأن الأخبار المتواترة تفيد القطع، أما خبر الواحد وهو ما يرويه الرجل الواحد من الصحابة، فأكثر الفقهاء يقولون بقبوله على شرائط، وهو لا يفيد القطع إلا بقرائن.[138]

وبالنسبة للمتكلمين فإنهم يقولن بأن الأخبارة المتواترة توجب العلم والعمل، أي إذا كانت خاصة بمسائل الاعتقاد فإنها توجب الشهادة بالاعتقاد، وإن كانت خاصة بالعمل فإنها توجب العمل، وإن كانت خاصة بهما معاً، فإنها توجب العلم والعمل، ولقد وضعوا شروطاً للتأكد من صدق الرواة وأحوالهم. أما أخبار الآحاد فإنها عند المتكلمين لا توجب العلم، لأنها لا تبلغ مرتبة الخبر المتواتر في إيجاب العلم والشهادة، ولكن يجب العمل به، وينظر في أحوال الرواة، وينظر في ظاهر ما يثبته وموافقة ظاهره لدليل قطعي من الكتاب والسنة، فإن وافقه أخذ به، وإن خالفه ترك، وهذا هو رأي جمهور المتكلمين إلا القليل منهم، أي أن الأخبار بنوعيها لها اعتبارها ويؤخذ بها عند علماء كلا العلمين.[139] وكذلك الإجماع يعد حجة ودليلاً عند كلا الفريقين.[140] والقياس العقلي حجة يجب العمل به، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع، ولا يجوز التقليد فيه، وقد نقل عن أحمد الاحتجاج بدلائل العقول، وبهذا قال جماعة الفقهاء والمتكلمين من أهل الإثبات، وذهبت المعتزلة إلى وجوب النظر والاستدلال بالعقل قبل الشرع، ولما ورد به كان تأكيداً، وذهب قوم من أهل الحديث وأهل الظاهر، فيما ذكره ابن عقيل، إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر فيها حرام والتقليد واجب.[141]

ولقد استخدم علماء الكلام وأصول الفقه، ضروباً عديدة من الأقيسة، ومن الأقيسة المشتركة بينهما القياس التمثيلي، وهو الذي يسميه الفقهاء قياساً، ويسميه المتكلمون برد الغائب إلى الشاهد. وهناك اختلاف بين الفقهاء والمتكلمين في استخدام ذلك القياس، فالمقيس عليه عند المتكلمين هو الأصل عند الأصوليين، والمقيس هو الفرع، والجامع بين الأصل والفرع أو بين الشاهد والغائب هو العلة عند الأصوليين، ويضيف المتكلمون إلى الجمع بالعلة الجمع بالشرط والدليل والحد والحقيقة، والأصوليون لم يتكلموا إلا في الجمع بالعلة، أما الجمع بالشرط والدليل والحد والحقيقة فلم يبحثوا فيه.[142]

ويلاحظ استخدام المتكلمين وعلماء أصول الفقه للأدلة العقلية، لكن بينما يستخدم المتكلمون الأدلة العقلية المبنية على مقدمات سمعية، والأدلة العقلية المحضة، نجد أن علماء أصول الفقه لا يستخدمون الأدلة العقلية المحضة، ويستخدمون فقط الأدلة العقلية المبنية على مقدمات سمعية، فيبين الشاطبي استخدام الأدلة العقلية في علم أصول الفقه، فيقول: "الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم (يقصد علم أصول الفقه) فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة، لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع".[143] أي أن الأدلة في علم أصول الفقه لا تكون مركبة من مقدمات عقلية محضة، بل قد تكون إحدى المقدمات عقلية والأخرى شرعية، وذلك بالنظر إلى طبيعة العلم التي تقوم على المسائل الشرعية، فالعقل يستخدم معيناً لإثبات تلك المسائل. ونرى اتفاقاً بين المتكلمين وعلماء أصول الفقه على عدم معارضة النقل للعقل، وأن الأدلة الشرعية لا تتناقض مع الأدلة العقلية، وعلم الكلام كما سبق القول يقول أساساً على استخدام العقل في الدين وإثبات ما جاء به النقل بالأدلة العقلية، فلا تناقض بين العقل والشرع. وبالنسبة لعلم أصول الفقه، يدلل الشاطبي على أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، والدليل على ذلك من وجوه:

أحدها: أنها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعي ولا غيره، لكنها أدلة باتفاق العقلاء، فدل أنها جارية على قضايا العقول، وبيان ذلك أن الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين، حتى يعلموا بمقتضاها من الدخول تحت أحكام التكليف، ولو نافتها لم تتلقها فضلاً أن تعمل بمقتضاها، ويسوي الشاطبي بين الأدلة التي تنصب على مسائل الاعتقاد والأدلة التي تنصب على المسائل العملية.

والثاني: أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفاً بما لا يطاق، وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدق العقل ولا يتصوره، بل يتصور خلافه ويصدقه، فإن كان كذلك امتنع على العقل التصديق ضرورة، وورود التكليف المنافي للتصديق هو معنى تكليف ما لا يطاق، وهو باطل كما هو مذكور في الأصول، وهنا نرى الشاطبي يعتمد على ما يقرره بعض علماء الكلام بعدم جواز تكليف ما لا يطاق.

الثالث: أن مورد التكليف هو العقل، وإذا فقد العقل ارتفع التكليف، وهذا يعني اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف، كما في حال المعتوه والصبي والنائم، إذ لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق، وهؤلاء يسقط عنهم التكليف.

الرابع: أنه لو كان كذلك لكان الكفار أول من رد الشريعة به، لأنهم كانوا في غاية الحرص على رد ما جاء به الرسول، ولقد كانوا يفترون عليه، ويقولون إنه ساحر، وكان من الأولى أن يقولوا إن هذا لا يعقل، أو هو مخالف للعقول، فلما لم يكن من ذلك شيء دل على أنهم عقلوا ما فيه، وعرفوا جريانه على مقتضى العقول.

الخامس: أن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة، وهذا يعني جريانها على مقتضى العقول.[144]

وعلى هذا فإن الأدلة العقلية لها مكانتها في أصول الفقه ولا تعارض بينها وبين الأدلة الشرعية، بل إننا نجد حجج الشاطبي في مجملها لا تخرج عما قرره المتكلمون. ويلاحظ أن كلا من المتكلمين وعلماء أصول الفقه يأخذون بالنظر كسبيل للمعرفة، وهم بهذا يرفضون المعرفة الصوفية التي تقوم على الإلهام، وبالنسبة لعلماء أصول الفقه فهم يرون أن النظر وسيلة إلى المعرفة، وأنه لابد من معلم ولابد من أن يكون المعلم متحققاً بالعلم، وطريق أخذ العلم من معلم تتم مشافهة أو من الكتب.[145] ولقد كان للمتكلمين على اختلاف مذاهبهم الكلامية مصنفات في علم أصول الفقه، ولقد تناولوا "الرسالة" وهي مصنف الإمام الشافعي في أصول الفقه بالشرح والتعليق.[146] وعلى سبيل المثال فلقد كتب الماتريدي في أصول الفقه كتاب "الجدل" وكتاب "مآخذ الشرائع" ولهذين الكتابين أهميتهما ومكانتهما في أصول الفقه بين أتباع المذهب الحنفي، فيذكر الإمام علاء الدين البخاري الحنفي في ميزان الأصول أن تصانيف أصحابنا قسمان: قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان لصدوره ممن جمع الأصول والفروع مثل: "مآخذ الشرائع" وكتاب "الجدل" ونحوهما، وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني وحسن الترتيب، ويذكر الإمام علاء الدين البخاري أنه قد هجر القسم الأول لقصور الهمم والتواني واشتهر القسم الآخر.[147] ومن الأشاعرة نجد كتاب "البرهان" لإمام الحرمين الجويني، و"المستصفى" للغزالي، ومن المعتزلة كتاب "العهد" للقاضي عبد الجبار، وشرحه لأبي الحسين البصري. ولقد لخص هذه الكتب الأربعة الإمام فخر الدين الرازي في كتاب "المحصول" وسيف الدين الآمدي في كتاب "الاحكام". إلا أنه يلاحظ أن لكل من الفقهاء والمتكلمين طريقته في التصنيف في أصول الفقه، فمصنفات الفقهاء يكثر فيها الفروع الفقهية، وتطبيقها على الأصول، حتى كأنك تقرأ فقها مبرهناً على أحكامه. ومصنفات المتكلمين يكثر فيها الجدل والنظر والافتراض، والمناقشة في الأدلة، وليس فيها من الفروع إلا ما يذكر مثالاً لقاعدة، أو لبيان الخطأ في ابتنائه على الأصل المذكور، وهم يميلون إلى الاستدلال العقلي وتجريد صور تلك المسائل عن الفقه.[148]

علم الكلام والمنطق[عدل]

يُعَرَّف علم المنطق بأنه: «آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فهو علم عملي آلي، كما أن الحكمة (يعني الفلسفة) علم نظري غير آلي.»[149][150] ويُطْلَق على علم المنطق تسميات عدة، منها: فن النظر، وميزان العقول، ومعيار العلم. فهو مجموعة من القوانين العقلية التي إِن راعاها الإنسان في التفكير استطاع أن يصل إلى النتائج الصحيحة الخالية من الخطأ، وهو بهذا الاعتبار علم لا يُذم؛ فالعلوم لا تذم من حيث هي علوم، إنما تذم باعتبار استعمالاتها واستخداماتها، وليست كل قواعد وقوانين المنطق بديهية، بل منها ما هو ضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل، ومنها ما هو نظري يحتاج إلى تأمل وتنبيه.[151] وبناء على ذلك يكون علم المنطق من جملة علوم الشرع الشريف؛ لأنه آلة لها، وبه تعرف حقائق الأشياء ودلائلها، قال ابن عابدين: "المنطق، وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه، وهما داخلان في علم الكلام".[152] وبيّن الإمام ابن حجر الهيتمي منزلة علم المنطق وأنه آلة للعلم الشرعي فقال: "... ككتب العلم الشرعي وآلته، كالمنطق الموجود اليوم".[153]

ولما كان المنطق علماً شرعياً يساعد في فهم علوم الشريعة، كعلم أصول الفقه وغيره، كان من فروض الكفاية كسائر علوم الشريعة، وينبغي أن تعرفه طائفة من الأمة؛ لأنه السبيل لتقرير الدلائل والحجج والبراهين على وجوهها، ورد الشبه عن الإسلام، جاء في "مغني المحتاج": "ومن فروض الكفاية القيام بإقامة الحجج العلمية".[154] وقد يكون فرض عين إن تحققت القابلية في عالم معين لإقامة الحجج العلمية وردّ الشبهات عن الإسلام، جاء في "منح الجليل": "من كان فيه موضع للإمامة والاجتهاد فطلب العلم واجب عليه، يعني أنه فرض عين على من ظهرت فيه القابلية".[155] ويدخل في هذه العلوم: علم الكلام وعلم المنطق. أما علم الكلام فهو من أعلى العلوم الدينية وأجلها مكانة، كما قال العلامة التفتازاني: "الأحكام الجزئية بأدلتها التفصيلية موقوفة على معرفة أحوال الأدلة الكلية من حيث توصل إلى الأحكام الشرعية، وهي موقوفة على معرفة الباري وصفاته وصدق المبلغ ودلالة معجزاته ونحو ذلك مما يشتمل عليه علم الكلام الباحث عن أحوال الصانع والنبوة والإمامة والمعاد وما يتصل بذلك على قانون الإسلام". وأما علم المنطق، فهو من العلوم الآلية التي يستعان بها على تحصيل المعارف عن الأشياء للحكم عليها بالأحكام العلمية، وتمييز الفكر الصحيح من الفاسد، ومعرفة أجناس الموجودات من جواهر وأعراض وأحكامها.[156]

ويعد علم الكلام من العلوم الخادمة لعلوم الدين والممهدة لإثبات المسائل الشرعية، والنافعة في إقامة الحجج ودفع الشبه، وقد درج العلماء على ذكر المقولات في كتب علم الكلام وأصول الفقه، مثل كتاب "أبكار الأفكار" للإمام سيف الدين الآمدي، و"غاية الوصول" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري. بل إن عدداً من علماء الأصول افتتحوا كتبهم الأصولية بمباحث عقلية من علم المنطق وعلم الكلام مثل "المستصفى" للإمام الغزالي، و"مختصر ابن الحاجب". كما أن هذه العلوم العقلية تمكن العالم من المجادلة بالحكمة والحسنى، وهو أمر مطلوب؛ لقول الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.﴾ سورة النحل آية: (125).[157]

وقد نقل عن بعض العلماء تحريم دراسة المنطق وعلم الكلام، ومرادهم تحريم الكلام في ذات الله سبحانه وصفاته، وإخضاع ذلك لعقول البشر المحدودة ومقاييسهم، وليس مرادهم تحريم قواعد التفكير الصحيح.[158] نقل الإمام السيوطي عن الإمام الشافعي قوله: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام". ثم قال السيوطي معلقا على ذلك: "دلّ نصه على أن مما يعلل به تحريم النظر في علم الكلام كونه أسلوبا مخالفا لأسلوب الكتاب والسنة، أو كونه سببا لترك الكتاب والسنة، ونسيانهما، وذلك جار في المنطق أيضا".[159]

والتَّحقيق أن ما نقل من ذم تعلم المنطق والتحذير منه، إنما هو خاص بالمنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل، فالمنطق المختلط بكلام الفلاسفة قد وقع فيه الخلاف على ثلاثة أقوال، أشار إليها الشيخ الأخضري بقوله:

والخلف في جواز الاشتغال به على ثلاثة أقوال
فابن الصلاح والنووي حرما وقال قوم: ينبغي أن يعلما
والقولة المشهورة الصحيحة جوازه لكامل القريحة
ممارسِ السنة والكتـــاب ليهتدي به إلى الصواب

قال شارحه الشيخ أحمد الدمنهوري: "واعلم أن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة للمنطق المشوب بكلام الفلاسفة.. وأما الخالص.. فلا خلاف في جواز الاشتغال به، بل لا يبعد أن يكون الاشتغال به فرض كفاية؛ لتوقف معرفة الشبه عليه، ومن المعلوم أن القـيام به فرض كفاية والله أعلم".[160]

والكتب التي تحتوي على علم المنطق نوعان؛ كتب اختلطت بالعقائد الفلسفية الباطلة، وكتب نقية عن تلك المعتقدات، فالقول في حكم المنطق مبني على التفريق بين هذين النوعين من الكتب، فالأقوال الفقهية التي تحرم المنطق إنما تحرم مطالعة الكتب المنطقية التي تحتوي المعتقدات الباطلة؛ صيانة للناس عن الوقوع في الإثم والباطل.[161] وأما كتب المنطق المعتمدة عند علماء الشرع المحققين في التعلم والتعليم فهي الكتب التي لم تخلط بعقائد مخالفة لعقائد الإسلام، كما جاء في "تحفة المحتاج": "بل هو -أي المنطق- أعلاها، أي العلوم الآلية، وإفتاء النووي كابن الصلاح بجواز الاستنجاء به يحمل على ما كان في زمنهما من خلط كثير من كتبه بالقوانين الفلسفية المنابذة للشرائع، بخلاف الموجود اليوم، فإنه ليس فيه شيء من ذلك، ولا مما يؤدي إليه، فكان محترماً، بل فرض كفاية، بل فرض عين إن وقعت شبهة لا يتخلص منها إلا بمعرفته".[162][163] ومن هذا التفصيل؛ ذهب جمهور علماء المسلمين إلى عدم القول بتحريم المنطق؛ لأن المنطق علم تم تحريره وتنقيته من العقائد الباطلة، قال ابن عابدين: "أما منطق الإسلاميين الذي مقدماته قواعد إسلامية فلا وجه للقول بحرمته، بل سماه الغزالي معيار العلوم، وقد ألف فيه علماء الإسلام".[164] وبناء على ذلك فإن علم المنطق وعلم أصول الفقه الذي فيه مباحث من علم المنطق كلاهما من علوم الشرع، وهما فرض كفاية، والكتب المشتملة على هذه العلوم لها ما لكتب الشريعة من الاحترام.[165]

فتعلم علم المنطق الذي يساعد الإنسان في التفكير ويجعله يستطيع أن يصل إلى النتائج الصحيحة الخالية من الخطأ جائز، أما تعلم المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل، فقد وقع فيه الخلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال، وهي كالتالي:[166]

القول الأول: وهو التحريم، وهو اختيار الإمام ابن الصلاح، والنووي، وابن تيمية، وحكاه السيوطي عن كثير من العلماء.[167] وقيل: إن السبب في تحريم المنطق عند الإمام ابن الصلاح أنه يؤدي إلى الكبر، فإن مَن عرفه قويت حُجته على غيره فاستطال عليه بلسانه، ويؤدي ذلك إلى كبره وعجبه، والكبر والعجب كلاهما من أمراض القلوب وأمراض القلوب حرام، فيحرم على الإنسان السعي في تحصيلها.[168] وهذ التعليل لا يقتصر فقط على تعلم المنطق بل إن ذلك يكون أيضا في الحديث والنحو والصرف وفي كل العلوم، فكل هذه العلوم مَن أخذها دون تربية ودون عناية واهتمام بالإخلاص في تعلمه إياها أدى به هذا العلم إلى الكبر والعجب. وقيل: إن السبب في حرمة علم المنطق عند الإمام النووي أنه يثير كثيرًا من الشُّبَه العقلية، ويجهد العقول ويشغلها عما هو أهم، ومذهبه أن كل ما هو عبث فهو حرام.[169]

ومحل هذا التعليل هو المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل، ففيه من الشُّبَه التي تؤدي بصاحبها إلى الضلال إن لم يكن ممارسا للكتاب والسنة، وممتلئا بالعقيدة الصحيحة، أما المشتغل والممارس للسنة والكتاب مع دقة فهمه لهما ذو العقيدة السليمة فله أن يتعلم المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الفاسد؛ ليَرُدَّ حجج المُبْطِلين بجنس ما استدلوا به، ولإفحامهم بنفس أدلتهم، وما دام تعلمه لغرض دفع الشبه عن الدين انتفى كونه من العبث، فتزول حرمته، بل قد يصير واجبا في حقه. وما ألفه ابن تيمية في الرد على المنطقيين، فهو لم يرد عليهم إلا بعد أن تعلم المنطق وعرف قواعده؛ لأنه أراد نقضه من خلال قواعده، والذي توصَّل إليه بعد ذلك هو مجرد وجود بدائل منطقية رجَّحها لأن تكون بدائل عن القواعد التي وضعها المناطقة قبله، فما توصل إليه مجرد منطق لكن من وجهة نظر أخرى.[170]

القول الثاني: أنه ينبغي أن يُعلم، وهو المحكي عن الإمام الغزالي، فقد قال في مقدمة المستصفى: "وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومَن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا».[171] وما قاله الإمام الغزالي قال به عدد من المتأخرين بعده؛ كالآمدي، والبيضاوي، وابن الحاجب، وعدد من أئمة الإسلام. وقوله في السلم: (ينبغي) ذكر الشيخ الملوي في شرحه: أنه يحتمل أن يكون بمعنى يجب كفاية، ويحتمل أن يكون بمعنى يستحب.[172]

القول الثالث: وفيه التفصيل، فيجوز تعلمه لكامل القريحة المزاول والممارس للسنة والكتاب بحيث يعرف العقائد الحقَّة من الباطلة، أما من لم تكمل قريحته ولم يمارس الكتاب والسنة فلا يجوز له الاشتغال به.[173]

ومحل هذه الأقوال في المنطق المختلط بكلام الفلاسفة، أما المنطق الذي قد اعتنى العلماء المسلمون به واستخدموه في كتبهم وهو الخالي عن كلام الفلاسفة فالمختار في حكم تعلمه أنه فرض كفاية على مَن تصدى للدفاع عن الإسلام؛ لأن القدرة على رد الشبه لا تحصل إلا به، وردها فرض كفاية، وما يتوقف على الواجب فهو واجب. وهو مستحب للمشتغلين بالعلوم الشرعية؛ لأن مَن لا يعرفه لا يستطيع أن يفرِّق بين صحيح العلوم وفاسدها، ولا يدركها كمال الإدراك، كما أنه يساعد على فهم المصطلحات المنطقية التي استعملها العلماء في كتبهم، فقد انتشرت المؤلفات متأثرة بهذا العلم في أصول الفقه، والفقه، وعلم الحديث، وفي علوم اللغة؛ كالنحو والصرف والبلاغة، ولا يمكن استيعاب هذه العلوم المختلفة، ولا إدراك بناء بعضها على بعض إلا بمعرفة الاصطلاحات المنطقية. وقد نقل ابن حجر الهيتمي في فتاويه عن شهاب الدين القرافي المالكي جعله علم المنطق شرطا من شرائط الاجتهاد، وأن المجتهد متى جهله سلب عنه اسم الاجتهاد.[174]

أثر الديانات في تطور علم الكلام[عدل]

لقد نشأ علم الكلام نشأة إسلامية تلبية لحاجات المجتمع الإسلامي، وهناك مؤثرات أجنبية أعانت على تطوره وتوسيع مباحثه، فأضيف إليه موضوعات جديدة نتيجة احتكاكه بهذه المؤثرات الأجنبية. وتتمثل هذه المؤثرات الأجنبية في الأديان السماوية والملل والأهواء والنحل المخالفة للإسلام، كما تتمثل أيضاً في وفود الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي، وأثرها على التفكير العقلي بوجه عام. ولما كان علم الكلام هو العلم الذي يبحث في الأصول أو الأحكام الاعتقادية، مقرراً إياها بالحجج والبراهين لتوكيدها بالعقل بعد الإيمان بها بالقلب والوجدان، ومدافعاً عنها ضد شبهات الخصوم، الأمر الذي حدا بالمتكلمين إلى دراسة هذه الشبهات والاعتراضات، وذلك حتى يتيسر الرد عليها ودفعها. ولعل هذا هو الذي أدى بالمتكلمين إلى دراسة عقائد الأديان السماوية الأخري، وكذلك أصحاب والملل والنحل المختلفة وما أثاروه من شبهات واعتراضات ضد الإسلام، وذلك حتى يتيسر عليهم رد اعتراضاتهم وشبهاتهم. ولقد انتج المتكلمون دراسات في مقارنة الأديان تشهد بسعة اطلاعهم، كما تشهد أيضاً بمنهجهم العلمي في الدفاع عن الإسلام ضد المخالفين. ومن هنا اختلط بعلم الكلام مباحث أخرى تتعلق بهذه المصادر الخارجية، فضلاً عن عناصر فلسفية، استعانوا بها في عملية الرد على شبهات الخصوم. وكان ذلك أمراً ضرورياً لأن أفضل وسيلة لدفع الخصوم هو أن يكون هذا الدفع بوسائل الخصوم التي اعتادوها. وقد صرح أحد أئمة الأصول في المغرب الإسلامي وهو الإمام يوسف ابن محمد المكلاتي (ت 626 هـ) في كتابه "لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول" بأنه ليس أقوى من سلاح الخصم للقضاء على أسلوب الخصوم، طالما كان السلاح مشروعاً.[175] وعلى هذا لا يقدح في أصالة علم الكلام الإسلامية احتواؤه على بعض أساليب الخصوم، أو اشتماله على بعض مباحث الفلسفة، ذلك لأن هذا كله كان لغاية دينية نبيلة، وهي الدفاع عن الدين وتوكيد أصوله، كما لا يقدح أيضاً في كونه علماً دينياً من جملة العلوم الشرعية الدينية.[176]

أهم الفرق الكلامية[عدل]

الأشاعرة[عدل]

شهدت الفترة من النصف الثاني للقرن الثالث الهجري والنصف الأول من القرن الرابع الهجري، أحداثاً فكرية هامة في الدولة الإسلامية، وازدهاراً للعلوم الإسلامية، واتسمت بحرية الفكر، وأصبح كل ذي رأي يعلن عن رأيه. ولقد شهدت هذه الفترة انتصاراً لتيار أهل السنة الذي بدأ على يد المتوكل (234 هـ - 247 هـ) الذي أحيا تعاليم أهل السنة، وتكلم بها في مجالسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وهي محنة أو مشكلة خلق القرآن التي أثارها المعتزلة، وجعلوها عقيدة رسمية للدولة بالقوة. وقام في هذه الفترة فريق يدافع عن آراء أهل السنة بسلاح العقل بجانب النقل، فظهر أبو الحسن الأشعري (324 هـ) في قلب عاصمة الخلافة الإسلامية يعلن رجوعه عن آراء المعتزلة ومناصرته لمذهب أهل السنة والجماعة، وفي أقصى الشرق قام أبو منصور الماتريدي (333 هـ) في بلاد ما وراء النهر (أسيا الوسطى حالياً) يدافع عن آراء أهل السنة ويعارض المعتزلة، وفي مصر أعلن أبو جعفر الطحاوي (321 هـ) بيان عقيدة أهل السنة والجماعة انتصاراً لآراء أهل السنة. ففي هذه الفترة قام علم الكلام السني أي نصرة عقائد أهل السنة بالأدلة العقلية بجانب الأدلة النقلية، وذلك في نسق مذهبي متكامل، ولقد سبقت تلك الفترة إرهاصات لذلك، نجدها عند بعض الفقهاء مثل الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان (150 هـ) وعبد الله بن كلاب (240 هـ) وأتباعه كأبو العباس القلانسي والحارث المحاسبي، لكن هذه المحاولات كانت بمثابة مقدمات لإقامة علم الكلام، ولم ترق إلى مستوى تكوين نسق مذهبي متكامل، وهي في غالبها ردود على ما قد أثير من آراء معارضة لآراء أهل السنة وخاصة من المعتزلة الأوائل، لكنهم بلا شك أسلاف للأشاعرة والماتريدية.

أبو الحسن الأشعري[عدل]

هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، وكنيته أبو الحسن الأشعري. ولد سنة 260 هـ بالبصرة، وهذا التاريخ قال به ابن عساكر في تبيين كذب المفتري وتاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، بينما يذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان أن تاريخ ولادته سنة 270 هـ. ونسبة الأشعري إلى أبي موسى الأشعري صاحب الرسول فيها تشريف له، ولقد أفاض ابن عساكر في ذكر فضائل هذه النسبة.[177] ولا يخفى على أحد ممن طالع العلوم الإسلامية أن الإمام أبي الحسن الأشعري من أهم الرجال الذين عرفتهم الساحة العلمية والفكرية الإسلامية، ولا تزال آثاره حية في شتى علوم الإسلام. فأصحاب الأشعري لهم الريادة في الساحة العلمية والفكرية الإسلامية منذ قرون، وعقيدة الأشعرية هي عقيدة السواد الأعظم من أمة محمد Mohamed peace be upon him.svg. وعلماء العقيدة والكلام من أهل السنة معظمهم من أتباع الأشعري، والمفسرون كذلك على طريقته، وشراح السنة وعلماء الحديث كذلك، فضلاً عن الأصوليين وعلماء اللغة والنحو، وأما الصالحون وأهل السلوك والتصوف فحدث ولا حرج.[178]

انتشار الأشعرية وأعلامها[عدل]

يذكر تقي الدين المقريزي أن مذهب الأشعري قد انتشر في العراق نحو سنة 380 هـ، وانتقل إلى الشام ثم إلى مصر على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي.[179] ولقد رزق الأشعري الكثير من الأتباع، وظهر من بينهم الكثير من الأعلام الذين عملوا على انتشار المذهب وتوسعوا فيه وأدخلوا فيه بعض التعديلات، ولكن هذه التعديلات لم تبعدهم عن موقف أستاذهم ومؤسس المذهب، ومن هؤلاء:

  • أبو إسحاق الإسفراييني: كان فقيهاً متكلماً أصولياً من مجددي القرن الرابع الهجري، وعنه أخذ الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور، ولقد كان الصاحب بن عباد إذا ذكر إمامه الباقلاني وابن فورك والإسفراييني وكانوا متعاصرين، قال لأصحابه: الباقلاني بحر مغرق، وابن فورك ظل مطرق، والإسفراييني نار تحرق، وله كتاب الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين ومسائل الدور وتعليقه في أصول الفقه وغير ذلك.[184]
  • أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين الجويني: هو فقيه أصولي، أديب، نحوي، مفسر، تخرج به جماعة من أئمة الإسلام، وله تصانيف كثيرة مثل التبصرة والتذكرة ومختصر المختصر والتفسير الكبير.[185]
  • أبو حامد الغزالي: لازم إمام الحرمين الجويني وبرع في المذهب والجدل والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة، وأجاد كل ذلك، وفهم كلام أرباب تلك العلوم، وتصدى للرد عليهم وإبطال دعاويهم، وصنف في كل متن من هذه العلوم كتباً أحسن تأليفها وأجاد وضعها.[187]

وهناك العديد من أعلام الأشاعرة، مثل: ابن حبان، والدارقطني، والحاكم النيسابوري، وأبو بكر البيهقي، وعبد القاهر البغدادي، وأبو الفتح الشهرستاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو القاسم القشيري، وأبو سعد المتولي، وسعد الدين التفتازاني، وسيف الدين الآمدي، وعضد الدين الإيجي، وناصر الدين البيضاوي، والعز بن عبد السلام، وبدر الدين الزركشي، وبدر الدين بن جماعة، ومحيي الدين النووي، وشهاب الدين القسطلاني، وأبو القاسم الرافعي، والمزي، والبهوتي، والشاطبي، والبغوي، والثعالبي، والمنذري، والمناوي، وشمس الدين السخاوي، ونور الدين الهيثمي، وشمس الدين الرملي، وشهاب الدين الرملي، وشهاب الدين القرافي، وابن حجر العسقلاني، وزكريا الأنصاري، وجلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي، وجلال الدين الدواني، وصلاح الدين الصفدي، وبهاء الدين الإخميمي، ونظام الدين النيسابوري، والسمين الحلبي، والخطيب البغدادي، والخطيب الشربيني، وابن تومرت، وابن عساكر، وابن كثير، وابن الأثير، وابن خلكان، وابن الحاجب، وابن الصلاح، وابن خلدون، وابن عطية، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الجزري، وابن بطال، وابن رشد الجد، وابن دقيق العيد، والقاضي عياض، وأبو بكر بن العربي، وابن جزي الغرناطي، وأبو حيان الأندلسي، أبو المحاسن الروياني، وتقي الدين الحصني، وتقي الدين السبكي، وتاج الدين السبكي، وابن حجر الهيتمي، وعبد الوهاب الشعراني، ومحمد بن يوسف السنوسي، ومحمد ميارة، وأحمد زروق، وأحمد الدردير، وأحمد بن عجيبة، وأحمد زيني دحلان، ومحمد الطاهر بن عاشور، وحسن العطار، وإبراهيم الباجوري، ومحمود شلتوت، ومحمد أبو زهرة، وعبد الحليم محمود، وعبد الله الهرري، ومحمد متولي الشعراوي، ومصطفى محمود، ومحمد سعيد رمضان البوطي، وأحمد الطيب، وعلي جمعة، وأحمد كريمة، وسعد الدين الهلالي، وعلي الجفري، وسعيد فودة، وغيرهم كثير.[189]

مذهب الأشاعرة[عدل]

يرى الأشاعرة أن مذهبهم هو المذهب الخالي من كل بدعة وضلالة. فقد أجمعوا على حدوث العالم، خلافاً لبعض الفلاسفة والغلاة القائلين بقِدَمه (أي أجمعوا على أن العالم مخلوق خلقه الله، خلافاً لبعض الفلاسفة القائلين بأن العالم قديم أي لا بداية له)، وأقروا بوجود الله تعالى، وبوحدانيته، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به، خلافاً لبعض فرق الباطنية الذين قالوا: لا موجود ولا معدوم. وهي ترى - خلافاَ للقدرية - أن الله وحده هو الخالق ولا خالق سواه، وهو خالق كل شيء، وهو غني لا يحتاج إلى شيء، وأنه قديم أزلي ويوصف بالقِدَم، على عكس ما ذهب إليه بعض الفرق الأخرى. فالله قديم وهو يوصف بالعلم والقدرة وغيرها من الصفات، وهو سبحانه لا شبيه له ولا ند له، خلافاً للمشبهة وخلافاً لمذهب الثنوية، وهو لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء، ولا يقوم بذاته حادث، كما ذهب إلى ذلك الكرامية، وهو ليس في حيز ولا جهة، موجود بلا مكان وهو معنا في كل مكان، ولا يقال له أين كما لا يقال له متى لأنه خالق المكان وخالق الزمان، ولا تصح عليه الحركة والانتقال، ولا الجهل، ولا الكذب، ولا شيء من صفات النقص، خلافاً لمن جوزها عليه. وهو سبحانه مرئي في الآخرة للمؤمنين، وهو غير متبعض، لا حد له ولا نهاية له. والسمة الرئيسية التي يتسم بها مذهب الأشاعرة هي استخدام العقل في فهم وتوضيح النقل، إلا أنهم في المسائل التي وجدوا أن العقل يتعارض فيها مع النقل ضحوا بالعقل جانباً أو على الأقل أخضعوه لحكم النقل، ولهذا فإنهم لم يضعوا أصولاً للعقيدة الإسلامية، بل وضعوا منهجاً لأنهم رأوا أن الكتاب والسنة صريحان واضحان في هذه المسألة، وما على العقل البشري إلا أن يضع القواعد المنهجية التي يصل من خلالها إلى هذه الأصول، والتي من خلالها أيضاً يستطيع فهم هذه الأصول والدفاع عنها.[190]

الماتريدية[عدل]

تنتسب المدرسة الماتريدية إلى أبي منصور الماتريدي (333 هـ) وتسمّت باسمه، وهو المؤسس للإتجاه الكلامي في المذهب الحنفي، وجذور تلك المدرسة ترجع إلى الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان. وتلقى على يد الماتريدي الكثير من التلاميذ والأتباع، وامتد آثار هذه المدرسة في أنحاد عديدة من البلاد الإسلامية، بل لقد تأثر ببعض أفكارها بعض المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم، وامتد أثرها في العصر الحديث، فالحركة العلمية الحديثة لا تخلو في روحها ومنهجها العام من اتجاهات الماتريدية، كحركة المحدث المعروف أحمد شاه بن عبد الرحيم الملقب بشاه ولي الله الدهلوي (1176 هـ - 1763 م) والذي كان من النوابغ وصفوة العلماء في ذلك القرن، ماهراً في العلوم النقلية والعقلية، وقام في الهند بحركة قوية عملية ودينية، وانضم إلى حركته نخبة من علماء السنة.[191] وفي الحركة الإسلامية في مصر نجد أن باعث النهضة الفكرية في مصر الإمام محمد عبده، يحاول أن يطور علم الكلام، وأن يضع أسس علم كلام جديد، فلقد تناول في مؤلفه رسالة التوحيد موضوعات كلامية بأسلوب جديد، تطبيقاً للمنهج الجديد في تطوير علم الكلام، والواقع أن منهج الماتريدية كان أساساً لهذا التجديد. ولقد لاحظ "ماكدونالد" هذا الاتفاق بين آراء الماتريدية وآراء الأستاذ محمد عبده، ولذا تعجّب من عدم ذكر الإمام اسم الماتريدي في رسالة التوحيد، وقال: "إن أشعرياً معترفاً به في عصرنا الحاضر إنما هو ماتريدي المذهب إلى حد قريب أو بعيد".[192]

أعلام المدرسة الماتريدية[عدل]

انتشر مذهب الماتريدي مواكباً انتشار المذهب الحنفي الفقهي، فيذكر أبو المعين النسفي أنه كان على هذا المذهب أهل بخارى وجميع ما وراء النهر (أسيا الوسطى حالياً) إلى أقصى ثغور الترك ومرو وبلخ، ويذكر أيضاً أن أكثر الصوفية الذين كانت بحور علومهم زاخرة، وكراماتهم ظاهرة، كانوا على هذا المذهب، وقد ذكر هذا المذهب عنهم أبو بكر الكلاباذي، فيما حكى من مذهبهم وعقيدتهم في كتابه المسمى التعرف لمذهب أهل التصوف.[193]

ومن أهم هؤلاء الأتباع:[194]

  • أبو اليسر البزدوي: أخذ عن إسماعيل بن عبد الصادق عن جد أبي اليسر عبد الكريم عن أبي منصور الماتريدي، ولقد عَرف البزدوي مؤلفات الماتريدي وهو معلم جده، وذكر السمعاني أنه ولد عام 421 هـ وله كتاب أصول الدين، حققه الدكتور هانز بيتر لينس وهو يضم مختلف النظريات والآراء الكلامية ويعبر عن المذهب الماتريدي، ويتعرض لكل الآراء المتشعبة للتعاليم الدينية منذ بدء الخلاف في هذه الآراء في الإسلام حتى العصر الذي عاش فيه المؤلف، ولقد اعتمد البزدوي على آراء الماتريدي الكلامية، وذكرها في كثير من المسائل وكان يعدها دائماً الرأي الصحيح المعبر عن آراء أهل السنة والجماعة.[195]
  • أبو المعين النسفي: وهو من أكبر شخصيات المدرسة الماتريدية من بعد مؤسسها، وهو إمام جامع للأصول والفروع، وعالم بارع في علم الكلام، وله كتاب التمهيد لقواعد التوحيد، وتبصرة الأدلة، وبحر الكلام. ومن أهم ألقابه: رئيس أهل السنة والجماعة، سيف الحق والدين، وقامع الملحدين. قال عنه نجم الدين عمر النسفي في كتاب "القند": كان عالم الشرق والغرب يغترف من بحاره ويستضاء بأنواره. مات سنة 508 هـ.[196]
  • نجم الدين عمر النسفي: له تفسيرات جليلة في التفسير والفقه والأصول، لقِّب بمفتي الثقلين، ومات سنة 537 هـ.
  • نور الدين الصابوني: صاحب الهداية والبداية في أصول الدين، وله كتاب العمدة، تفقه على شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، توفى سنة 580 هـ.
  • الكمال بن الهمام: هو من العلماء البارزين في المعقول والمنقول، وكان حجة في علم الكلام والمنطق والفقه وأصوله، والتفسير والحديث وغيرهم، وكتابه في الكلام المسمى المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة مشهور، توفى سنة 861 هـ.

بالإصافة إلى: ابن نجيم، وشمس الأئمة السرخسي، وجمال الدين الزيلعي، وعلاء الدين الكاساني، وبرهان الدين المرغيناني، والشرنبلالي، وابن أمير الحاج، وعلاء الدين البخاري، وابن عابدين، والملا علي القاري، وكمال الدين أحمد البياضي، ومرتضى الزبيدي، ومحمد زاهد الكوثري، وعبد الغني الميداني، وغالب علماء الهند وباكستان وتركيا.[197]

المعتزلة[عدل]

تعد المعتزلة من أهم الفرق الكلامية، وقد لعبت دوراً رئيسياً سواء على المستوى الديني والسياسي، ولقد غلبت على المعتزلة النزعة العقلية، لكنهم تطرفوا وغالوا في استخدام العقل وجعلوه حاكماً على النص، بعكس أهل السنة الأشاعرة والماتريدية الذين استخدموا العقل وسيلة لفهم النص وليس حاكماً عليه. ولم يكتف المعتزلة بإدخال عنصر العقل في المعرفة الدينية بل قدموه على النص، وقالوا بالفكر قبل السمع، ورفضوا الأحاديث التي لا يقرها العقل، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل ولو لم يرد شرع بذلك، وإذا تعارض النص مع العقل قدموا العقل لأنه أصل النص، ولا يتقدم الفرع عل الأصل، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، فالعقل بذلك موجب وآمر وناه.[198]

الخوارج[عدل]

الخوارج هو الذين خرجوا على علي بن أبي طالب وهم حزب سياسي ديني، قام في وجه السلطة القائمة من أجل الدين كما فهموه، وهم لا يعدون أنفسهم خارجين عن الدين بل خارجين من أجل الدين، ومن أجل إقامة شرع الله، غير مبالين بما يحدثه ذلك الخروج من فرقة وانقسام وأحداث دامية، وهم مجاهرون بدعوتهم، متمسكين بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير مبالين بما يؤدي إليه تطبيق هذا المبدأ، من قتل المخالفين سراً أو علناً، ولقد تشبثوا بهذا المبدأ وتطبيقه، حتى أصبح علامة من علاماتهم، وراموا إلى إقامة دولة إسلامية تقوم على الدين وأحكامه. ولقد أطلقت عليهم عدة أسماء وألقاب، منها: خوراج، وحرورية، وشراة، ومارقة، ومحكمة، والسبب الذي من أجله سموا خوارج لأنهم لم يرجعوا مع علي إلى الكوفة واعتزلوا صفوفه ونزلوا بحروراء في أول أمرهم، وسموا شراة لأنهم قالوا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة، وسموا مارقة، وذلك للحديث النبوي الذي أنباً بأنه سيوجد مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية، إلا أنهم لا يرضون بهذا اللقب، وسموا محكمة لإنكارهم الحكمين (عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري) وقالوا لا حكم إلا لله.[199] ولقد توالت الأحداث بعد ذلك بين علي والذين خرجوا عليه، ومحاولته إقناعهم بالحجة، ولكنهم لم يستجيبوا، ثم قيام الحرب وهزيمتهم وهروبهم إلى سجستان واليمن، وبعثهم من جديد وتكوين فرق كانت لها صولات وجولات من حين لآخر على السلطة القائمة.

مجمل آراء الخوارج الكلامية[عدل]

لقد كانت نشأة الخوراج نتيجة للأحداث السياسية، واستحوذت تلك الأحداث على اهتمامتهم، فانشغلوا في المقاومة والحروب والثورة على السلطة القائمة، والمعارك التي قامت بينهم وبين مخالفيهم، وفضلاً عن ذلك فهم أصحاب سلوك عملي في العبادة، كل ذلك جعلهم أهل عمل لا نظر، لذا قل الجانب النظري عندهم، مما يجعل إنتاجهم في المسائل الكلامية قليلاً، لكنه ليس منعدماً، حيث إن هذه المواقف العملية قد استندت إلى أساس اعتقادي نظري. ولقد ذكر ابن نديم أسماء متكلميهم، ومنهم اليمان بن رباب وكان أولاً ثعلبياً ثم انتقل إلى قوم البيهسية، وكان نظاراً متكلماً مصنفاً للكتب، وله في ذلك كتاب المخلوق، وكتاب التوحيد، وكتاب أحكام المؤمنين، وكتاب الرد على المعتزلة في القدر، وكتاب المقالات، وكتاب إثبات إمامة أبي بكر والرد على المرجئة، وكتاب الرد على حماد بن أبي حنيفة، ومنهم يحيى بن كامل بن طليحة الخدري، وكان أباضياً، وله كتاب في المسائل التي جرت بينه وبين جعفر بن حرب، وفي الرد على الغلاة وطوائف الشيعة، ومنهم عبد الله ابن يزيد كان أباضياً ومن أكابر الخوراج ومتكلميهم، وله كتاب في التوحيد، والرد على المعتزلة، والرد على الرافضة، ومن رؤساء الأباضية إبراهيم بن إسحاق الأباضي وله من الكتب الرد على القدرية وكتاب الإمامة، ويشير هذا إلى وجود المصنفات الكلامية عند الخوارج وأنهم اهتموا بالرد على مخالفيهم.[200]

ولقد اهتم الخوارج بضرورة أن تكون معرفة الله تعالى أول وأهم كل شيء، حيث إنها ينبني عليها الإيمان، ومعرفة الله ورسله وشرعه أمر واجب وضروري ولا يعذر فيه أحد كما هو عند فرقة النجدات من الخوراج، ورأي "المعلومية" من "العجاردة" أيضاً أن من لم يعلم الله لجميع أسمائه فهو جاهل، بينما تقول "المجهولية" من "العجاردة" أن من علم الله ببعض أسمائه لم يجهله، وهذا يبين ضرورة معرفة الله جملة أو تفصيلاً، لكن لا خلاف بينهم على ضرورة معرفة الله.[201] ولقد فرقت "الحفصية" من الأباضية بين معرفة الله وغيره، وبين الشرك والكفر، فمن عرف الله وكفر بما دون ذلك كالرسول والشريعة فهو كافر برىء من الشرك، ومن جهل الله وأنكره فهو مشرك.[202] بينما نجد "البيهسية" ترى ضرورة معرفة الله ورسله وكتبه ومعرفة الحرام، وما جاء فيه الوعيد، ومن ذلك ما يجب من معرفته تفصيلياً ومنه ما ينبغي أن يعرف باسمه، لكن الجهل عندهم بالدين أو اقتراف الذنوب يؤدي إلى الشرك.[203]

وكل هذه النصوص تشير إلى ضرورة معرفة الله وكتبه ورسله وشرائعه، على الجملة أو التفصيل، وأن المقصر في ذلك يكون مشركاً عند بعضهم، أو كافراً عند البعض الآخر بينهم. وهذا يعني ضرورة أن يقوم الإيمان على المعرفة، وقد أولوها أهمية خاصة، وجعلوها أساساً للعمل، فنجد "المكرمية" تقول بأن تارك الصلاة كافر لجهله بالله تعالى وكذلك سائر الكبائر، بل لقد وحدوا بين معرفة الله تعالى وطاعته بحيث أن من يعرف الله تعالى لا يقدم على معصيته، وهذا القول قريب من قول سقراط بأن الفضيلة علم والرذيلة جهل.[204] ويذكر أبو الحسن الأشعري أن الخواراج لا يرون على الناس فرضاً ما لم تأتهم الرسل وأن الفرائض تلزم بالرسل واحتجوا بقول الله عز وجل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وأنه لا حجة لله على الخلق في التوحيد إلا بالخبر، أي ما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء.[205]

وعن موقفهم من صفات الله تعالى، فيذكر أبو الحسن الأشعري أن قولهم في التوحيد مثل قول المعتزلة، وهم جميعاً يقولون بخلق القرآن، وفرقة الأباضية منهم تخالف المعتزلة في الإرادة فقط، فهم يقولون إن الله سبحانه لم يزل مريداً لمعلوماته التي تكون أن تكون، ولمعلوماته التي لا تكون ألا تكون، والمعتزلة - إلا بشر بن المعتمر - ينكرون ذلك.[206] ووفقاً لرأي الأشعري يمكن القول بأن الخوراج ترى رأي المعتزلة بعدم زيادة الصفات عن الذات، وأنها ليست شيئاً سوى الذات فهي عين الذات أو أحوال لها أو مجرد اعتبارات ذهنية تفهم بها الذات. أما عن موقفهم من القدر وخلق الأفعال، فمنهم من يقول بقول المعتزلة ومنهم من يقول بقول أهل السنة.[207]

الكرامية[عدل]

تأتي أهمية الكرامية في الصدارة الأولى من مدارس علم الكلام لأن هذه المدرسة لم تسير على النمط التقليدي الذي لجأت إليه المدارس الأخرى من تأويل للنصوص الدينية بل قامت بتجسيم وتشبيه الذات الإلهية بغيرها من الموجودات. وهذه المدرسة ليست مدرسة دينية فقط وإنما مدرسة فلسفية أيضاً لأن الفكرة الرئيسية لهذه المدرسة فكرة فلسفية، فالذي يميز المتكلم عن الفليسوف هو أن الفيلسوف لا يشبّه الذات الإلهية بالموجودات فحسب بل يؤمن ويعتقد أن الذات جسم بالفعل، بينما يذهب بعض المتكلمين إلى أن الله يمكن أن يكون مشابهاً للأجسام، لكنه ليس جسماً بالفعل أما الفيلسوف المجسم فيرى أن الله ليس شبيها بالأجسام وإنما هو جسم. ولذلك كانت فكرة التشبيه فكرة دينية، أما فكرة التجسيم فهي فكرة فلسفية. ففكرة التشبيه ترتبط بالدين المنزل، أما التجسيم فليس مرتبطاً بالدين وإنما هو موجود قبل الديانات السماوية المنزلة. وعلى هذا ففرفة الكرامية تعد من المدارس الفلسفية المجسمة لأنها آمنت بجسمية الله. على أن مرحلة التجسيم التي انتهت إليها هذه المدرسة لم تصل إليها بين يوم وليلة، بل هناك ثقافات متباينة أدت إلى ذلك، وهناك من جهة أخرى بعض النصوص الدينية التي سهلت مهمة هذه المدرسة بالقول بالتجسيم.[208]

مذهب الكرامية[عدل]

لكل مذهب ملامحه الخاصة التي تميزه عن غيره من المذاهب، وتأتي الكرامية من جملة المدارس التي لا يجد الباحث صعوبة في الوقوف على الخصائص العامة التي تشترك فيها فرق الكرامية، ومن هذه الخصائص ما يلي:[209]

  1. ترى الكرامية أن الله واحد في ذاته، واحد في أفعاه، واحد في وجوده، وهذه الوحدانية لا مجال للشك فيها.
  2. ترى الكرامية أن هذا الواحد جسم كبير، غير أنها ترى أنه جسم لا كالأجسام.
  3. وطالما أن الله الواحد جسم كبير أو هو جرم هذا العالم، فإن كل ما يحدث إنما يحدث في الذات الإلهية، أي أن الله محل للحوادث.
  4. كذلك ترى الكرامية أن الله مستو على العرش استواء مادياً، بعكس ما ذهبت إليه سائر الفرق الأخرى، فهو مستو على العرش بمعنى أنه جالس عليه كما يجلس الواحد منا على الكرسي.
  5. ولهذا فإن بعض رجال الكرامية تؤمن بصفة الفوقية، وهي تلك الصفة التي حاربتها معظم المدارس الكلامية.
  6. وعند الكرامية نجد أن الحوادث لن تفنى ما دامت توجد بوجود الجرم الإلهي. فإذا كانت هي بمثابة الأعراض، وبما أن العرض لن يخلو منه جوهر، الذي هو الله هنا، فإنها رفضت القول بفناء العالم.

موقف العلماء من علم الكلام[عدل]

موقف أبي حنيفة من علم الكلام[عدل]

هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ولد سنة 80 من الهجرة على أرجح الأقوال، وتوفى سنة 150 هـ وقد اشتهر أبو حنيفة بالفقه وهو أحد أئمة الفقه الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة والمنتشرة في كافة بقاع الأرض، وهو أول متكلم سني في الإسلام، وأول ممثل حقيقي لمذهب أهل السنة والجماعة.[210] درس علم الكلام بالبصرة وكانت ملتقى النِحل والآراء وبلغ فيه مبلغاً عالياً. وقد أطلق أبو حنيفة الفقه الأكبر على الاعتقادات مقابلاً للفقه الأصغر الذي أطلقه على العبادات. والشك تطرق إلى كتاب الفقه الأكبر في صحة نسبه إلى أبي حنيفة لأنه يحتج على الأشعري والأشعرية وهي متأخرة عن أبي حنيفة قرنين من الزمان. وفي بعض الروايات أن الفقه الأكبر ليس ما بين أيدينا، إنما هو كتاب في الفقه حوى نحو ستين ألف مسألة.[211] وكانت أقوال مقاتل بن سليمان (150 هـ) في التشبيه والتجسيم قد انتشرت في هذا الوقت في خراسان، فأعلن أبو حنيفة تنزيهه - سبحانه وتعالى - عن مشابهة المخلوقات لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء). وأبو حنيفة أول من وضع الفروق الدقيقة بين صفات الذات وصفات الفعل. ومسألة خلق القرآن قد أثيرت في عهده، وقد صرح في الفقه الأكبر أن كلام الله غير مخلوق وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق والقرآن كلام الله وهو قديم. وقد كان أبو حنيفة أول القائلين بالمذهب الكسبي الذي سيكون سمة لأهل السنة والجماعة، ويورد ملا علي القاري نصوصاً متعددة عن الإمام أبي حنيفة من كتاب الوصية تثبت إيمانه بنظرية الكسب وأنه أول من وضعها، فيقول القاري: "...وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خالقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره".[212]

وهناك موقفان لأبي حنيفة من علم الكلام، الموقف الأول هو اشتغاله بعلم الكلام، والموقف الثاني هو رجوعه عن الاشتغال بعلم الكلام، ونهيه عن الاشتغال به، ومعظم الروايات قد ذكرت هذين الموقفين، منها ما ذكره الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في "الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان". يذكر في موقف أبي حنيفة من علم الكلام أنه في بداية طلبه للعلم، اشتغل بعلم الكلام، وبلغ فيه مبلغاً يشار إليه فيه بالبنان، وأعطى فيه جدلاً، فمضى عليه زمن به يخاصم، وعنه يناضل، حتى دخل البصرة لأن أكثر الفرق كانت بها فهي تزيد عن نيف وعشرين فرقة، يقيم في بعض المرات سنة أو أكثر ينازع تلك الفرق من الخوراج والمعتزلة والروافض وأهل الإرجاء، لأنه كان يعد علم الكلام أرفع العلوم وأفضلها وأشرفها لكونه في أصول الدين.[213] وهذا الموقف يبين تأييد أبي حنيفة لعلم الكلام واشتغاله به. ولقد ناظر الخوراج، وعارض الآراء المخالفة لأهل السنة، ولقد ذكر عنه قوله: قاتل الله جهم بن صفوان، ومقاتل بن سليمان، هذا أفرط في النفي وهذا أفرط في التشبيه.[214] وهذا يدل على مناصرة أبي حنيفة لآراء أهل السنة، ونقرأ أيضاً في مصنفات أبي حنيفة كـ"العالم والمتعلم" دفاعاً عن علم الكلام، وأيضاً كان مذهبه الفقهي ذو صبغة عقلية يغلب فيه الأخذ بالرأي والقياس وربما كان هذا نتيجة لاشتغاله بعلم الكلام حقبة من الزمن في أول اشتغاله بالعلم.

أما الموقف الثاني: وهو معارضة أبي حنيفة لعلم الكلام ونهيه عن الاشتغال به، ويرجع موقف معارضة أبي حنيفة لعلم الكلام إلى كرهه التعمق في الجدل وأن يكون الجدل من أجل الجدل، وأن يقصد به تكفير المخالف، ويتضح ذلك عندما نهى أبو حنيفة ابنه حماد عن الاشتغال بعلم الكلام، فقال له حماد: رأيك وأنت تتكلم، فما بالك تنهاني؟! فقال: "يا بني كنا نتكلم وكل واحد منا كأن الطير على رأسه مخافة أن يزل صاحبه، وأنتم اليوم تتكلمون وكل واحد يريد أن يزل صاحبه ومن أراد أن يزل صاحبه فكأنه أراد أن يكفر، ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه".[215] وعلى هذا يمكن القول بكراهية أبو حنيفة لنوع معين من علم الكلام، وأنه لا يعارض أن يكون الجدل على قدر الحاجة، أما ما وراء الحاجة فإنه منهي عنه.

المؤيدين[عدل]

نجد فريقا من المسلمين أيد الاشتغال بعلم الكلام، ويقف على رأس هؤلاء المؤيدين المتكلمين أنفسهم، وهؤلاء رأوا ضرورة النظر في أصول الدين وإثباتها بالعقل، إذ أن الإيمان القائم على العقل أقوى من الإيمان الذي يقوم على التقليد، وساقوا الأدلة والبراهين على صحة موقفهم وأشاروا إلى ضرورة النظر في مصنفاتهم، بل وأفرد بعضهم كتبا خاصة لأهمية النظر، منها على سبيل المثال استهلال الماتريدي كتابه التوحيد ببيان أن سبيل معرفة الدين تتم بالنظر بجانب العقل، وفي ثنايا كتابه الضخم تأويلات أهل السنة في مواضع كثيرة تأييد لاستخدام النظر في الدين، بل إن هذا الكتاب يقوم على أساس هذه الفكرة، ونجد لأبو الحسن الأشعري كتاب استحسان الخوض في علم الكلام يبين فيه ضرورة النظر في الدين، وأن النظر مأمور به وليس منهيا عنه، ومن بعده نجد الأشاعرة أمثال الباقلاني والجويني وغيرهما من أتباع هذا المذهب يوضحون أهمية النظر في الدين، وفي فريق المعتزلة نجد دعوة واضحة وصريحة لأهمية النظر، بل تقديمه على النقل والسمع، إذ عليه يتوقف صحة النقل، ونجد ذلك في مؤلفاتهم كما ذكرها القاضي عبد الجبار في "المحيط بالتكليف" و"شرح الأصول الخمسة" وأفرد جزءا من كتابه "المغني" بعنوان "النظر والمعارف" على بيان أهمية النظر وأنه أول الواجبات على المكلف. ولقد قدم هذا الفريق أدلته العقلية والنقلية منها ما ذكره عضد الدين الإيجي في المواقف:[216]

  1. الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وأن إيمان المستدل أقوى من إيمان المقلد الذي يكون عرضة للشكوك، ولا يستطيع دفع تلك الشكوك لأنه لا يملك الدليل على صحة إيمانه.
  2. إرشاد المسترشدين بإيضاح الحجة وإلزام المعاندين بإقامة الحجة.
  3. حفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبه المبطلين.
  4. أنه يبنى عليه العلوم الشرعية فإنه أساسها وإليه يؤول أخذا واقتباسا.
  5. صحة النية والاعتقاد، إذ بها يرجى قبول العمل وغاية ذلك كله الفوز بسعادة الدارين.

وهذا الفريق يرى أن علم الكلام هو أعلى مرتبة في العلوم، إذ أن موضوعه أعم الأمور وأعلاها وغايته أشرف الغايات وأجداها ودلائله يقينية يحكم بها صريح العقل، وقد تأيدت بالنقل وهي الغاية في الوثاق وهذه هي جهات شرف العلم لا تعدوها، فهو إذن أشرف العلوم.[217] واستند هذا الفريق إلى ما ورد في القرآن في أكثر من موضع في الحث على النظر، وإقامة البرهان والدليل، والتماس العلم والبعد عن الظن.[218]

  • قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: "قال العلماء: البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة المبتدعين وما أشبه ذلك".[219][220]
  • ابن حجر الهيتمي، حيث قال: الذي صرح به أئمتنا أنه ‏يجب ‏على كل أحد وجوبا عينيا أن يعرف صحيح الاعتقاد من فاسده، ولا يشترط فيه علمه بقوانين ‏أهل ‏الكلام لأن المدار على الاعتقاد الجازم ولو بالتقليد على الأصح. وأما تعليم الحجج الكلامية ‏والقيام بها ‏للرد على المخالفين فهو فرض كفاية، اللهم إلا إن وقعت حادثة وتوقف دفع المخالف فيها ‏على تعلم ما ‏يتعلق بها من علم الكلام أو ءالاته فيجب عينا على من تأهل لذلك تعلمه للرد على ‏المخالفين[221].
  • شمس الدين الرملي الشافعي، حيث قال: التوغل في علم الكلام بحيث ‏‏يتمكن من إقامة الأدلة وإزالة الشبه فرض كفاية على جميع المكلفين الذين يمكن كلا منهم فعله، فكل ‏‏منهم مخاطب بفعله لكن إذا فعله البعض سقط الحرج عن الباقين، فإن امتنع جميعهم من فعله أثم كل ‏من ‏لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به[222].
  • الإمام أبو حنيفة، في رده على من ذم علم الكلام بحجة أن الصحابة والسلف لم يتعلموه ولم يخوضوا فيه فقال: "وقد ابتلينا بمن يطعن علينا، ويستحل الدماء منا، فلا يسعنا أن لا نعلم من المخطئ منا ومن المصيب، وأن نذب عن أنفسنا وحرمنا، فمثل صحابه النبي الكريم كقوم ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلا يتكلفون السلاح، ونحن قد ابتلينا بمن يقاتلنا فلا بد لنا من السلاح" [223]
  • أبو حامد الغزالي، حيث قال: ولم يكن شيء منه - علم الكلام- مألوفا في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة ونجت جماعة لفقهوا لها شبها ورتبوا فيها كلاما مؤلفا فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه بل صار من فروض الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة[224]. وقال أيضا: فإذن علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة[225].
  • قال شمس الدين السمرقندي في الصحائف الإلهية: "فإن العلوم وإن تنوع أقسامها لكن أشرفها مرتبة وأعلاها منزلة هو العلم الإلهي الباحث بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة عن أحوال الألوهية وأسرار الربوبية التي هي المطالب العليا والمقاصد القصوى من العلوم الحقيقية، والمعارف اليقينية إذ بها يتوصل إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وتصور صنعه ومصنوعاته، وهو مع ذلك مشتمل على أبحاث شريفة ونكات لطيفة بها تستعد النفس لتحقيق الحقائق، وتستبد بتدقيق الدقائق".[226]
  • ويقول محمد السيد البرسيجي في تحقيقه لكتاب بحر الكلام للإمام أبي المعين النسفي: "والذين ينكرون على أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية اشتغالهم بعلم الكلام ماذا يريدون منهم؟ هل يريدون منهم أن يتركوا علم الكلام الذي ينزه الحق تبارك وتعالى عن صفات المخلوقات والمحدثات، ويشتغل بكلام المشبهة والمجسمة من الذين ينتسبون زوراً إلى السلف، والذي ينفر منه كل ذي طبع سليم، فأين كلام هؤلاء المشبهة والمجسمة من كلام أئمة أهل السنة والجماعة؟! يقول الإمام الماتريدي متحدثاً عن ذات الله تعالى: «وإذا ثبت القول بوحدانية الله تعالى والألوهية له - لا على جهة وحدانية العدد، إذ كل واحد في العدد له أنصاف وأجزاء - لزم القول بتعاليه عن الأشباه والأضداد، إذ في إثبات الضد نفي إلهيته، وفي التشابه نفي وحدانيته، إذ الخلق كلهم تحت اسم الأشكال والأضداد، وهما علما احتمال الفناء والعدم ونفي التوحيد عن الخلق. والله تعالى واحد لا شبيه له، دائم قائم لا ضد له ولا ند، وهذا تأويل قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11].»[227] وانظر إلى قول اللامشي في كتابه "التمهيد لقواعد التوحيد" متحدثاً عن نفي الجسم والصورة عن الله تعالى حيث قال ما صورته: «وإذا ثبت أن الله تعالى لا يوصف بالجسم، فلا يوصف بالصورة أيضاً؛ لأن الصورة لا وجود لها بدون التركيب. وقال بعض المجسمة ممن ذكرنا أساميهم: إن الله تعالى على صورة الآدمي، وله من الأعضاء ما للآدمي، وإنه على صورة شيخ أبيض اللحية، وقال بعضهم: إنه على صورة غلام أمرد له شعر جعد قطط. وحُكِيَ عن هشام بن الحكم أنه قال: إنه كالسبيكة الصافية يتلألأ. وفي كل ما قالوا إثبات كونه محدثاً. وقد نفينا ذلك بحمد الله تعالى.»[228] فقارن بين كلام أهل السنة والجماعة من الماتريدية والأشعرية وكلام غيرهم من المجسمة لتعرف الفرق ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ [الأنعام: 81].[229]

وقد عقد فخر الدين بن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري فصلاً في الكلام على من زعم أن علم الكلام بدعة وردوده عليه. وفيه يذكر أن الإمام الشافعي كان يكره كلام أهل الأهواء والبدع، أما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضّح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عنده وقد كان الشافعي يحسنه وبلغ فيه مبلغاً عظيماً. وكراهية الشافعي لعلم الكلام لم تكن تنصرف إليه كعلم، وإنما تنصرف إلى كلام القدرية وأهل الأهواء والبدع. وقد روي عنه أنه ظاهر حفصاً الفرد في الإيمان وخلق القرآن. ورأي الشافعي في القرآن أنه كلام الله غير مخلوق. ويروي ابن عساكر عن الشافعي أنه كان يجيد علم الكلام بقوله: "لقد دخلت فيه حتى بلغت منه مبلغاً وما تعاطيت شيئاً إلا وبلغت فيه مبلغاً حتى الرمي كنت أرمي بين الغرضين فأصيب من عشرة تسعة".[230] وهذا دليل على أنه تعلم الكلام وبلغ فيه مبلغاً عظيماً، ثم استحب ترك المناظرة فيه لأنه خشى أن يحل الكلام والجدل محل الكتاب والسنة خاصة وأن علم الكلام في عصره كان على طريقة المعتزلة من المبالغة القصوى في استخدام العقل في أمور العقيدة، فكان يخشى أن يتحول الدين إلى قضايا عقلية فلسفية وبراهين منطقية وهذا ما حدث بالفعل. والشيخ محمد أبو زهرة يقول عن الإمام الشافعي: "وليس الشافعي العاقل هو الذي ينهي عن أمر لا يعرف موضوعه ولا يتصوره، إذ الحكم على شيء فرع عن تصوره".[231]

وقد أورد الشيخ محمد أبو زهرة بعض آراء الشافعي في مسائل الكلام باختصار في قوله عن الشافعي: "كان يقول أن القرآن كلام الله غير مخلوق ويعتقد برؤية الله يوم القيامة ويؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره وأن الإيمان تصديق وعمل ولذلك يزيد وينقص ويرى أن الإمامة لابد منها وأنها في قريش وكان يرى أبا بكر أحق بالخلافة من علي رضي الله عنه ويرى أن معاوية وأصحابه كانوا الفئة الباغية وقد أخذ بسيرة علي في معاملة البغاة في كتابه الأم".[232] ويرى محمد أبو زهرة أن الشافعي إذا كان كره الكلام وذم المتكلمين فلم يكن ذلك إلا أنه أراد المعتزلة بالذم لمغالاتهم في الكلام وتطرفهم في استخدام العقل في الدين، فيقول أبو زهرة في كتابه عن الشافعي: "إذا سمعت الشافعي وابن حنبل وغيرهما يذمون علم الكلام ومن يأخذ العلم على طريقة المتكلمين فإنما أرادوا المعتزلة بذمهم".[233]

هذا ويرى أهل السنة والجماعة أن سند مذهبهم إنما يعود إلى علي بن أبي طالب ويعتبرونه أول متكلميهم ويذكرون أنه ناظر الخوراج في مسألة الوعد والوعيد وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة، ثم عبد الله بن عمر وقد ورد عنه أنه تبرأ من معبد الجهني في نفيه القدر.[234] ويتدرج الدكتور علي سامي النشار من عبد بن عمر إلى عمر بن عبد العزيز (101 هـ) فالحسن البصري (110 هـ) فزيد بن علي زين العابدين (122 هـ) ويذكر كذلك الشعبي (105 هـ) ثم الزهري (124 هـ) ويلي هذه الطبقة مباشرة الإمام جعفر الصادق (148 هـ). ويجعل عبد القاهر البغدادي أول المتكلمين من الفقهاء أبا حنيفة النعمان ثم الشافعي، ويذكر أن لكل منهما كتاباً في الرد على القدرية. وما ذهب إليه البغدادي من اعتبار أبي حنيفة والشافعي أصحاب كلام صحيح لأننا نستطيع أن نجد عندهما مذهباً كلامياً متناسقاً.[235]

يقول فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب:
   
علم الكلام
اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات:

المقام الأول: في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه:

أحدها: أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم.

وثانيها: أن العلم إما أن يكون دينياً أو غير ديني، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول، أو ما عداه، أما ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم، وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله، وذلك فرع على التوحيد والنبوة، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول، والظاهر أن علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم.

وثالثها: أن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف وضد علم الأصول هو الكفر والبدعة، وهما من أخس الأشياء، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف الأشياء.

ورابعها: أن شرف الشيء قد يكون بشرف موضوعه وقد يكون لأجل شدة الحاجة إليه، وقد يكون لقوة براهينه، وعلم الأصول مشتمل على الكل وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم الطب نظراً إلى أن موضوع علم الهيئة أشرف من موضوع علم الطب، وإن كان الطب أشرف منه نظراً إلى أن الحاجة إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة، وعلم الحساب أشرف منهما نظراً إلى أن براهين علم الحساب أقوى. أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات، ولا شك أن ذلك أشرف الأمور، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في الدين أو في الدنيا، أما في الدين فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة، ومن جهلها استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين. وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في العالم، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيباً يقينياً وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم.

وخامسها: أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم، فوجب أن يكون أشرف العلوم.

وسادسها: أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1] و ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: 285] وآية الكرسي ما لم يجئ مثله في فضيلة قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة: 222] وقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ [البقرة: 282] وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل.

وسابعها: أن الآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: 111] فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل، ونشير إلى معاقد الدلائل: أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه.

أولها: ما ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم، وخلق السماء وخلق الأرض، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض، فالمقصود منه ذلك، وأما الذي يدل على الصفات.

أما العلم فقوله: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ [آل عمران: 5] ثم أردفه بقوله: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ [آل عمران: 6] وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم يستدلون بأحكام الأفعال واتقانها على علم الصانع، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالماً بالأشياء، وقال: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: 14] وهو عين تلك الدلالة وقال: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ [الأنعام: 59] وذلك تنبيه على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر، فلولا كونه عالماً بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادراً مختاراً لا موجباً بالذات، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم، ولا في مكان قوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث، وإذا كان أحداً وجب أن لا يكون جسماً وإذا لم يكن جسماً لم يكن في المكان، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ و[الأنبياء: 22] قوله: ﴿إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: 42] وقوله: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: 91] وأما النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: 23] وأما المعاد فقوله: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: 79] وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها، أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة ما أرى أن عاقلاً مسلماً يقول ذلك ويرضى به.

وثانيها: أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء، أما الملائكة فلأنهم لما قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: 30] كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح، والحكيم لا يفعل القبيح، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ والمراد إني لما كنت عالماً بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم، ولا شك أن هذا هو المناظرة، وأما مناظرة الله تعالى مع إبليس فهي أيضاً ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ [هود: 32] ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء، وأما إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله مقامات:

أحدها: مع نفسه وهو قوله: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين﴾ [الأنعام: 76] وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك، فقال: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: 82].

وثانيها: حاله مع أبيه وهو قوله: ﴿ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ [مريم: 42].

وثالثها: حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل، أما بالقول فقوله: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: 52] وأما بالفعل فقوله: ﴿فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون﴾ [الأنبياء: 58].

ورابعها: حاله مع ملك زمانه في قوله: ﴿ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: 258] إلى آخره، وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ، وأما بحثه في المعاد فقال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ [البقرة: 260] إلى آخره، وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوة، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام؛ وذلك لأن الله تعالى حكى في سورة طه: ﴿قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: 49، 50] وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ [الشعراء: 78] وقال في سورة الشعراء ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ [الشعراء: 26] وهذا هو الذي قاله إبراهيم: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: 258] فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى: ﴿رب المشرق والمغرب﴾ [الشعراء: 28] فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين، وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين، وأما استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله: ﴿أولو جئتك بشيء مبين﴾ وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل، فإن القرآن مملوء منه، ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار.

فالأول: الدهرية الذين كانوا يقولون: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية: 24] والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل.

والثاني: الذين ينكرون القادر المختار، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في الطبائع وتأثيرات الأفلاك، وذلك يدل على وجود القادر.

والثالث: الذين أثبتوا شريكا مع الله تعالى، وذلك الشريك إما أن يكون علويا أو سفليا، أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في هذا العالم، والله تعالى أبطله بدليل الخليل في قوله: ﴿فلما جن عليه الليل﴾ [الأنعام: 76] وأما الشريك السفلي فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح، وعبدة الأوثان قالوا بإلاهية الأوثان، والله تعالى أكثر من الدلائل على فساد قولهم.

الرابع: الذين طعنوا في النبوة وهم فريقان:

أحدهما: الذين طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾ [الإسراء: 94].

والثاني: الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى، والقرآن مملوء من الرد عليهم، ثم إن طعنهم من وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة﴾ [البقرة: 26] وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ [الإسراء: 90]، وتارة بأن هذا القرآن نزل نجما نجما، وذلك يوجب تطرق التهمة إليه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿كذلك لنثبت به فؤادك﴾ [الفرقان: 32].

الخامس: الذين نازعوا في الحشر والنشر، والله تعالى أورد على صحة ذلك وعلى إبطال قول المنكرين أنواعاً كثيرة من الدلائل.

السادس: الذين طعنوا في التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: 7]، وتارة بأن الحق هو الجبر، وأنه ينافي صحة التكليف، وأجاب الله تعالى عنه بأنه ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: 23]، وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الإشارات المختصرة؛ لأن الاستقصاء فيها مذكور في جملة هذا الكتاب، وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافرا أو جاهلا.[236]

المقام الثاني: في بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات، ويدل عليه المعقول والمنقول.

أما المعقول: فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من تقليد الباقي، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار، وإما أن يوجب تقليد البعض دون البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفاً بتقليد البعض دون البعض من غير أن يكون له سبيل إلى أنه لم قلد أحدهما دون الآخر، وإما أن لا يجوز التقليد أصلاً وهو المطلوب، فإذا بطل التقليد لم يبق إلا هذه الطريقة النظرية.

وأما المنقول فيدل عليه الآيات والأخبار، أما الآيات:

فأحدها: قوله: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: 125]، ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان والحجة، فكانت الدعوة بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأموراً بها، وقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع، ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة، فكان الجدال فيه مأموراً به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: 31]، ولقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: 21]، فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم﴾ [الحج: 3، 8 لقمان: 20] ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضي أن المجادل بالعلم لا يكون مذموماً بل يكون ممدوحاً وأيضاً حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله: ﴿قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ [هود: 32].

وثالثها: أن الله تعالى أمر بالنظر فقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: 82]، ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [الغاشية: 17]، ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ [فصلت: 53]، ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: 41]، ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ [يونس: 101]، ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأعراف: 185].

ورابعها: أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال: ﴿إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب﴾ [الزمر: 21]، ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ [آل عمران: 13]، ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ [طه: 54، 128]، وأيضا ذم المعرضين فقال: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ [يوسف: 105]، ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ [الأعراف: 179].

وخامسها: أنه تعالى ذم التقليد ، فقال حكاية عن الكفار: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير﴾ [الزخرف: 23]، وقال: ﴿بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا﴾ [لقمان: 21]، وقال: ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ [الشعراء: 74]، وقال: ﴿إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها﴾ [الفرقان: 42]، وقال عن والد إبراهيم عليه السلام: ﴿لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا﴾ وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد، فمن دعا إلى النظر والاستدلال كان على وفق القرآن ودين الأنبياء، ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار.

وأما الأخبار ففيها كثرة، ولنذكر منها وجوهاً:

أحدها: ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إن امرأتي وضعت غلاماً أسود فقال له هل لك من إبل، فقال: نعم قال: فما ألوانها قال حمر قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك، قال: عسى أن يكون قد نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس.

وثانيها: عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول خلقه بأهون على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الله الأَحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد" فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء، على القدرة على الإعادة، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية.

وثالثها: روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقالت عائشة: يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله؟ فقال عليه السلام: "لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه" وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به.[237]

   
علم الكلام

المعارضين[عدل]

  • أبو حنيفة (699-767 م) حظر على طلابه الانخراط في الكلام، واصفا أولئك الذين يمارسونه بأنهم "المتخلفين منها".[238]
  • مالك بن أنس (711-795 م) الذى أشار إلي الكلام في الدين الإسلامي بأنه "مكروه",[239] وأشار إلى أن أيا كان ،أنه من "يسعى إلى معرفة الدين من خلال الكلام أنه منحرف".[240]
  • بالإضافة إلى ذلك، الشافعي (767-820 م) قال إنه لا علم له بأن الإسلام يمكن الحصول للفائدة من كتب الكلام، والكلام "ليس من المعرفة"[241][242] وقال " لأَنْ يَلْقَى اللَّهُ الْعَبْدَ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلا الشِّرْكَ بِاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَهْوَاءِ ".[243]
  • أحمد بن حنبل (780-855 م) تكلم أيضا بقوة ضد الكلام، مشيرا إلى أنه : ( لا تَكَادُ تَرَى أَحَدًا نَظَرَ فِي هَذَا الرَّأْيِ إِلا وَفِي قَلْبِهِ دَغَلٌ )" .,[244] حتى ذهب لما هو أبعد من ذلك حتى أنه حظر الجلوس مع أناس يمارسون الكلام حتى لو كانوا يدافعون عن السنة,[245] حيث أنه أرشد طلابه للتحذير ضد أي شخص رأوه يمارس الكلام.[246]
  • في القرن الحادي والعشرين، انتقاد الكلام أيضا يأتي من الحركة السلفية.

المحايدين[عدل]

ونجد فريقا آخر توسط بين المعارضة المطلقة والتأييد المطلق لعلم الكلام وهؤلاء يميزون بين موضوعات علم الكلام، فمنه الكلام المحمود ومنه الكلام المذموم، وأيضا من حيث المشتغلين به والممنوعين من الاشتغال به. والكلام المحمود هو المباحث الخاصة بإثبات الواجب لله تعالى وصفاته والنبوة والمعاد على قانون الإسلام، وهذه المسائل أصل العلوم الشرعية وأساسها وهي تفصيل الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر على الإيقان والإتقان. وهذه المباحث المذكورة لتقوية الكتاب والسنة لا لمخالفتها فلا حرمة ولا كراهة فيها، بل هي فرض، فمعرفة هذه المباحث على وجه الإجمال فرض عين على كل مسلم وعلى وجه التفصيل من فروض الكفاية. وأيضا فيه حراسة العقيدة على العوام، وحفظها عن التشويشات المبتدعة وهذه من فروض الكفايات، ولقد رأى الغزالي أن دراسة علم الكلام من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما، وليس في مجرد الطباع كفاية تحل شبه البدعة ما لم تتعلم، فينبغي أن يكون التدريس فيه من فروض الكفايات، لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام كتدريس والفقه والتفسير فإن الكلام مثل الدواء، والفقه والتفسير مثل الغذاء، وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور. أي أن علم الكلام مباح عند الحاجة إليه في إزالة الشكوك في أصول العقائد والدفاع عن الدين ضد شبه المبتدعين ورد حججهم والكشف عن أمور مخالفة للسنة فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة أهل الحق على أهلها، فأنشأ الله طائفة المتكلمين وحرك دوافعهم لنصرة السنة المأثورة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ الكلام وأهله.[247] وعلى هذا فإن علم الكلام مباح عند الحاجة، ويجب أن يؤخذ منه بقدر الحاجة وأن يقتصر فيه على الجلي الظاهر وعدم التعمق في الأبحاث والتفريعات.

أما المذموم من علم الكلام فهو الكلام المخالف للكتاب والسنة كإدخال مسائل لا توافق الكتاب والسنة أو إثبات مسائل على وجه لا يوافق الكتاب والسنة.[248]

ويذكر سعد الدين التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية طوائف أربعة تمنع من الاشتغال بعلم الكلام وهي تمثل الكلام المذموم:

  1. من هو متعصب يقصد به ترويج مذهبه فيحرم لذلك تحقيق الحق في مطالبه.
  2. من لم يرزق فطنة تفي بتحصيل اليقين فنظره في مباديه يفضي إلى التشكيك في قواعد الدين فعليه أن يتسم بسمة العاجز، ويتدين بدين العجائز.
  3. من هو معوج في الدين مخطىء طريق اليقين، مغرضه من الاشتغال بمقاصده والتمكن من إبطاله ورده.
  4. من يتوغل في الخوض في الحكمة فيقع في ظلمات الفلسفة فربما يعجب بفكره ورأيه والحق من ورائه.[249]

وعلى هذا فإن علم الكلام عند هؤلاء ليس محموداً لذاته أو مذموماً لذاته بل هو كما يقول الغزالي: "إن فيه منفعة وفيه مضرة فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام".[250]

علم الكلام المحمود[عدل]

هو ما كان من أجل تقرير الحق وهو مهنة الأنبياء في الدفاع عن العقيدة، قال تعالى: Ra bracket.png قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ Aya-32.png La bracket.png قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى مخبراً عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} أي: حاججتنا، فأكثرت من ذلك".[251] ويقول الله أيضاً: Ra bracket.png ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ Aya-125.png La bracket.png وهذا النوع من الجدل هو أول خطوات الحوار، فقد وردت لفظتا الجدل والحوار في آية واحدة في سورة المجادلة: Ra bracket.png قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ Aya-1.png La bracket.png، فالمرأة هنا تجادل الرسول وتراجعه وتشتكي إلى الله.[252]

علم الكلام المذموم[عدل]

فهو ما يتعلق بالباطل وطلب المغالبة فيه، وقد أشار إليه القرآن في قوله تعالى: Ra bracket.png مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ Aya-4.png La bracket.png، وقوله تعالى: Ra bracket.png وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا Aya-56.png La bracket.png.[253]

"الكلام ‏المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المردية، فأما الكلام الموافق ‏للكتاب والسنة ‏الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد ‏كان الشافعي يحسنه ‏ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع".[254]

ابن ‏عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري

دفع شبهات حول علم الكلام[عدل]

تجددت في العصر الحديث دعوات تُلحق علم الكلام بالبدع المنكرة، وأن الاشتغال به حرام لأنه مبني على غير الكتاب والسنة، وأن استمداده من آراء الفلاسفة والوثنيين، وأن الاكتفاء بالكتاب والسنة هو الحصن لطالبي العقيدة الصحيحة. ومن ثم رُمى أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية بأنهم أهل التعطيل أو أهل التأويل المذموم أو أنهم جهمية، إلى غير ذلك من ألقاب، في محاولة لصرف المسلمين عامة وطلبة العلم خاصة عن مذهب أهل السنة والجماعة، وتعلقت هذه الدعوات بشبهات يحاولون أن يصوٌروا بها علم الكلام كأنه من العلوم المذمومة التي لا تحل دراستها، ولا تحل القراءة فيها، وأن الاكتفاء بنصوص الكتاب والسنة المجردة هي الأصل الأصيل الذي لا بديل عنه ولا سبيل سواه. وينقلون بعض عبارات للسلف الصالح فيها النهي عن الخوض في علم الكلام، ويحملونها على غير وجهها إما لجهل أو لإضلال الناس عن المقاصد الصحيحة لهذه النصوص والعبارات. ومن أمثلة الأقوال التي يستدلون بها قول الإمام الشافعي: "لو عَلِمَ الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه كما يفرون من الأسد، ولأن يلقى الله تعالى العبد بكل ذنب سوى الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام". وكلام الإمام الشافعي هنا محمول - كما يقول الإمام البيهقي - على كلام المبتدعة كحفص الفرد، وهو من الجبرية، بدليل أن الإمام الشافعي نفسه قد ناظرهم وجادلهم وأقام الحجة عليهم. ويقول الإمام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ما صورته: "كان الشافعي يحسن الكلام، وقد قال: أحكمنا ذلك قبل هذا، أي الكلام قبل الفقه، وتكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليهم وقطع".[255] وكذلك كل ما ورد عن السلف من أمثال هذه الأقوال محمول على كلام من خالف أهل السنة من القدرية والجبرية والمشبهة والمجسمة وغيرهم.[256]

وعلم الكلام قد اشتمل في بعض مباحثه وأبوابه على الفلسفة، وهذا شيء طبيعي إذا نظرنا إلى ظروف نشأة هذا الفن. وحول هذا يقول الإمام التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية: "ثم لما نُقلت الفلسفة إلى العربية، وخاض فيها الإسلاميون، حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من إبطالها وهلم جرّا، إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات، وخاضوا في الرياضيات، حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات، وهذا هو كلام المتأخرين. وبالجملة هو أشرف العلوم، لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية، وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية. وما نُقِل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين. وإلا فكيف يتصور المنع عما هو من أصل الواجبات وأساس المشروعات".[257]

فلم يكن اشتغال علماء الكلام واطلاعهم على مباحث الفلسفة من باب الانصراف عن الكتاب والسنة أو الإعراض عنهما ولكنه من باب استعمال الأدلة العقلية (الفلسفة والمنطق) في إثبات الشريعة والاحتجاج على المنكرين من أهل الفلسفة أنفسهم. لذلك أسس علماء المسلمين هذا الفن، لكي يدفعوا به شبهات المعارضين والمشككين في الإسلام، والذين لا يؤمنون بالكتاب ولا يقرون بنبوة محمد، ولا البعث ولا الحساب.[258] وقد اشتغل بعلم الكلام كبار علماء الأمة مثل الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أبي الحسن الأشعري (وله رسالة بعنوان "استحسان الخوض في علم الكلام")، والإمام أبي منصور الماتريدي، وأبو المعين النسفي، وأبو إسحاق الإسفراييني، وأبو المظفر الإسفراييني، وعبد القاهر البغدادي، والبيهقي، والقشيري، والباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، وحجة الإسلام الغزالي، وفخر الدين الرازي، وناصر الدين البيضاوي، وسيف الدين الآمدي، وعضد الدين الإيجي، وابن فورك، وابن الجوزي،[259] وابن حزم،[260] وابن خمير السبتي، ومحمد بن يوسف السنوسي، وغيرهم من أئمة المسلمين. فعلم الكلام شأنه شأن سائر علوم الشريعة، يجب على المسلمين وجوباً كفائياً أن يتعلموه حتى يتمكنوا من دفع شبهات المشككين.[261]

وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي في تعليقه على "بيان زغل العلم" ما نصه: "والحق أن ‏‏عقيدة السنة في الإسلام واحدة سلفاً وخلفاً لا تتغير ولا تتبدل بل الذي يتجدد هو طريق الدفاع ‏عنها ‏بالنظر لخصومها المتجددة، وذم علم الكلام ممن كان في موضع الإمامة من السلف محمول حتماً ‏على ‏كلام أهل البدع وخوض العامي فيه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وأجاد: لا يجحد علم ‏الكلام إلا ‏أحد رجلين جاهل رَكَنَ إلى التقليد وشقَّ عليه سلوك طرق أهل التحصيل وخلا عن طرق ‏أهل النظر ‏والناس أعداء ما جهلوا فلما انتهى عن التحقق بهذا العلم نهى الناس ليضل كما ضل، أو ‏رجل يعتقد ‏مذاهب فاسدة فينطوي على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم ‏فضائح عقيدته ويعلم ‏أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعه ويظهرون ‏للناس قبح مقالاته، ‏والقلاب لا يحب من يميز النقود والخلل فيما في يده من النقود الفاسدة كالصراف ‏ذي التمييز والبصيرة ‏وقد قال تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: 9]".‏[262]

وقال سعيد فودة: "...ومن المرفوض أن يقال إن العلم الذي يوصل إلى هذه الغايات النبيلة هو علم مرذول، بل من قال بهذا لا يعي ما يقول، لأن العلم الذي يوصل إلى ما ذكرنا يجب أن يكون في أعلى مراتب العلوم، وهو كذلك في حقيقته عند كبار العلماء من أهل الحق. فلا تغتر بمن ينفرك عن هذا العلم بتخييله إليك أنه من البدع؛ فهل الوصول إلى الخير من البدع، وهل من البدع التسلٌح بأسلحة نقاوم بها الكفر في النفس، وندرأ بها الكفر عن الغير، ونرد بها الكفر عن أن يدمر الخير والحق والدين العظيم!!! وكل من لديه أدنى معرفة بهذا العلم، يدرك فعلا كم هي فائدته حقا في طمأنينة النفس، وانكشاف الحقيقة لديها، وفي إفحام الخصوم المشككين من أهل البدع والكفر. وبدراسة هذا العلم، يتبيٌن الإنسان فعلا أن الإسلام هو الدين الحق عن دليل وبيٌنة، لا عن تقليد وتعصب أعمى".[263] وعليه فإن ما ورد عن السلف من نصوص تنهى عن الاشتغال بعلم الكلام محمولة على من استخدم هذا العلم على طريقة أهل الأهواء والبدع الذين غَلَّبوا جانب العقل، وتركوا الكتاب والسنة، وليس النهي الوارد على الإطلاق، كما أنه قد يتحتم -على سبيل الكفاية- للرد على غلو الملاحدة ونحوهم. وبهذا يعلم المذموم من علم الكلام والواجب منه. وما قيل عن رجوع علماء علم الكلام في آخر حياتهم عن علم الكلام، معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، كما ذكر الإمام تاج الدين السبكي في طبقاته.

يقول شيخ الإسلام تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى:
   
علم الكلام
للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات، هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه، أو تئول؟ والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف، وهو اختيار الإمام في الرسالة النظامية (يقصد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني)، وفي مواضع من كلامه، فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار في هذا، ولا في مقابله، فإنها مسألة اجتهادية، أعني مسألة التأويل أو التفويض مع اعتقاد التنزيه. إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر، والاعتقاد أنه المراد، وأنه لا يستحيل على الباري، فذلك قول المجسمة عباد الوثن، الذين في قلوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتباع المتشابه، ابتغاء الفتنة، عليهم لعائن اللَّه تترى واحدة بعد أخرى، ما أجرأهم على الكذب، وأقل فهمهم للحقائق.[264]
   
علم الكلام

كتب كلامية[عدل]

كتب كلامية سنية[عدل]

كتب كلامية شيعية[عدل]

كتب ناقدة لعلم الكلام[عدل]

انظر أيضا[عدل]

المصادر والمراجع[عدل]

  1. ^ إبراهيم الباجوري، تحفة المريد على جوهرة التوحيد، ط. دار السلام، ص: 38.
  2. ^ أ. د. علي جمعة، التصوف في الإسلام.
  3. ^ د. عبد القادر بطار يحاضر بوجدة حول مدارس اهل السنة والجماعة في الفكر والعقيدة.
  4. ^ صديق بن حسن القنوجي، أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم.
  5. ^ فتاوى بحثية - ذم علم الكلام - دار الإفتاء المصرية.
  6. ^ محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، ص: 16.
  7. ^ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص: 21-22.
  8. ^ الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: د. عثمان أمين، ص: 131.
  9. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف، ص: 7.
  10. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 423 أو ص: 429.
  11. ^ الشريف الجرجاني، التعريفات، دار القلم - بيروت، ص: 458.
  12. ^ صديق بن حسن القنوجي، أبجد العلوم.
  13. ^ سعد الدين التفتازاني، تهذيب الكلام، ص: 8.
  14. ^ الكمال بن الهمام، المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، ص: 10.
  15. ^ سعيد عبد اللطيف فودة، بحوث في علم الكلام، ص: 12.
  16. ^ عبد الرسول الغفار، الكليني والكافي، منشورات مؤسسة النشر الإسلامية التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط.الأولى 1416 هـ، ص: 270.
  17. ^ د. عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ج1، ص: 14.
  18. ^ دكتور فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، ص: 48-49.
  19. ^ التهانوي، كشف اصطلاحات الفنون، المجلد 22.
  20. ^ فتاوى بحثية - ذم علم الكلام - دار الإفتاء المصرية.
  21. ^ التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص: 100.
  22. ^ علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، ص: 15.
  23. ^ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص: 265-268.
  24. ^ شرح العقائد النسفية للتفتازاني، ط. مكتبة الكليات الأزهرية، ص: 10.
  25. ^ المواقف1/45، وكشاف اصطلاح الفنون 1/33.
  26. ^ مسألة الكلام في علم الكلام – مجلة نزوى.
  27. ^ علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، ص: 16.
  28. ^ دكتور محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، ص: 187.
  29. ^ إحياء علوم الدين: بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة 52/1.
  30. ^ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 355-356.
  31. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ج1، ص: 40.
  32. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 427.
  33. ^ جلال الدين الدواني، شرح العقائد العضدية، ص: 5.
  34. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف، ص: 7.
  35. ^ التهانوي، كشف اصطلاحات الفنون، ج1، ص: 47.
  36. ^ شمس الدين السمرقندي، الصحائف الإلهية، ص: 65.
  37. ^ الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص: 27.
  38. ^ الكمال بن الهمام، المسايرة، ص: 5.
  39. ^ سيف الدين الآمدي، أبكار الأفكار في أصول الدين (مخطوط)، ص: 289.
  40. ^ الرسالة القشيرية، ص: 3.
  41. ^ الرسالة القشيرية، ص: 5.
  42. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري 344/13.
  43. ^ سنن ابن ماجه، كتاب المقدمة، باب في الإيمان.
  44. ^ إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان، ص: 28-29.
  45. ^ فتاوى قاضيخان (مطبوعة بهامش الفتاوى الهندية): الباب الثاني فيما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون 320/2.
  46. ^ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 356-357.
  47. ^ المستدرك على الصحيحين 494/2.
  48. ^ انظر: كتاب التبيان في الرد على من ذم علم الكلام.
  49. ^ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص: 24.
  50. ^ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص: 24.
  51. ^ أبو المعالي الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ص: 8.
  52. ^ أبو منصور الماتريدي، التوحيد، ص: 305.
  53. ^ د. مراد وهبة وآخرين، المعجم الفلسفي، ص: 95.
  54. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص: 78، وسيف الدين الآمدي، أبكار الأفكار في أصول الدين، ص: 268.
  55. ^ تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، سورة البقرة/ الآية رقم 164.
  56. ^ دكتور محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، ص: 78-85. دكتور فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، ص: 42. الدكتور محمد يوسف موسى، القرآن والفلسفة، ص: 52-60.
  57. ^ فتاوى بحثية - حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء المصرية.
  58. ^ محمد الزحيلي، الإمام الجويني إمام الحرمين، ص: 94-96.
  59. ^ كلية الدراسات القرآنية - جامعة بابل.
  60. ^ صحيح البخاري، كتاب التوحيد.
  61. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 12.
  62. ^ شرح العقيدة الطحاوية للإمام عبد الغني الميداني، ص: 44.
  63. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 12-13.
  64. ^ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام، منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية.
  65. ^ راجع التبصرة للإمام البغدادي، ص: 9، وإشارات المرام من عبارات الإمام للبياضي، ص: 19.
  66. ^ المتقي المكي، مناقب أبي حنيفة، ص: 51.
  67. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 16.
  68. ^ كتاب تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، للشيخ مصطفى عبد الرازق، ص: 264-265.
  69. ^ أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم.
  70. ^ الدكتور يحيى هاشم حسن فرغل، مدرس الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر، الأسس المنهجية لبناء العقيدة الإٍسلامية، دار الفكر العربي، ص: 22.
  71. ^ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري.
  72. ^ الدكتور يحيى هاشم حسن فرغل، مدرس الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر، الأسس المنهجية لبناء العقيدة الإٍسلامية، دار الفكر العربي، ص: 23.
  73. ^ الزركشي، البرهان في علوم القرآن، الجزء الثاني، ص: 24-25، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى سنة 1957 م.
  74. ^ محمد يوسف موسى، القرآن والفلسفة، ص: 30، 52-64، ط المعارف 1958.
  75. ^ التمهيد في تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص: 272، ط 1959 م.
  76. ^ سليمان دنيا، التفكير الفلسفي الإسلامي، ص: 324، ط الخانجي 1967.
  77. ^ الدكتور يحيى هاشم حسن فرغل، مدرس الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر، الأسس المنهجية لبناء العقيدة الإٍسلامية، دار الفكر العربي، ص: 24.
  78. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ج1، ص: 256.
  79. ^ أبو الحسن الأشعري، رسالة استحسان الخوص في علم الكلام.
  80. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف، ص: 8.
  81. ^ التهاتوي، كشف اصطلاحات الفنون، مجلد (1) مادة كلام.
  82. ^ الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، ص: 5-6.
  83. ^ انظر تفصيلاً المقصود بتصنيف العلوم: الدكتور جلال موسى، منهج البحث العلمي عند العرب، في مجال العلوم الطبيعية والكونية، دار الكتاب اللبناني بيروت، الطبعة الأولى 1973م، ص: 55-56، وأيضاً الدكتور محمد علي أبو ريان، تصنيف العلوم بين الفارابي وابن خلدون، بحث بمجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد التاسع، العدد الأول، 1978م، ص: 97-122.
  84. ^ الفارابي، إحصاء العلوم، قام بتحقيقه تحقيقياً علمياً الأستاذ الدكتور عثمان أمين، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968م، ص: 53-54.
  85. ^ الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: الأستاذ الدكتور عثمان أمين، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968م، ص: 124-138، ويعتبره الدكتور عثمان أمين من أمتع فصول الكتاب، ص: 12 من المقدمة.
  86. ^ الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: الأستاذ الدكتور عثمان أمين، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968م، ص: 131-132.
  87. ^ الدكتور عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لاحصاء العلوم للفارابي، ص: 13.
  88. ^ جارديه، فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، ج1، ص: 192.
  89. ^ جارديه، التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابي، مجلة الفارابي والحضارة الإنسانية، مهرجان الفارابي، بغداد، 1975م، ص: 129.
  90. ^ جارديه، فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، ج1، ص: 195.
  91. ^ حنا الفاخوري، وخليل الجر، تاريخ الفلسفة العربية، دار المعارف، بيروت، 1957، ج1، ص: 230-231.
  92. ^ الخوارزمي، مفاتيح العلوم، إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة، 1342 هـ، ص: 5.
  93. ^ الدكتورة فوقية حسين محمود، مدخل إلى الفكر الإسلامي، ص: 58-59.
  94. ^ الغزالي، الجواهر الغوالي في رسائل الغزالي، القاهرة 1353 هـ، 1934، الرسالة اللدنية، ضمن الرسائل العشر.
  95. ^ الدكتور أبو ريان، تصنيف العلوم بين الفارابي وابن خلدون، مقالة بمجلة عالم الفكر، ص: 122.
  96. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 435.
  97. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 478.
  98. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 436.
  99. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 458-461.
  100. ^ دكتور أبو ريان، تصنيف العلوم بين الفارابي وابن خلدون، ص: 116.
  101. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 466.
  102. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 467.
  103. ^ طاش كبرى زاده، مفتاح السعادة ومصباح السيادة، ج2، ص: 150.
  104. ^ طاش كبرى زاده، مفتاح السعادة ومصباح السيادة، ج2، ص: 150-282.
  105. ^ دكتور محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، دار الثقافة والنشر والتوزيع، 1987، ص: 58.
  106. ^ دكتور علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، ص: 114.
  107. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص: 7، والتفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص: 18 وغيرهما.
  108. ^ أبو حيان التوحيدي، المقايسات، ص: 223.
  109. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 430.
  110. ^ ابن سينا، عيون الحكمة، ص: 12.
  111. ^ مقدمة ابن خلدون.
  112. ^ مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية – عن نشأة الأشعرية وتطورها.
  113. ^ المقدمة للعلامة عبد الرحمن بن خلدون – النسخة الأولى بتحقيق: عبد السلام الشدادي – منشورات: بيت الفنون والعلوم والآداب/الدار البيضاء - الطبعة الأولى/2005- ج/3 – ص:33-34-35. والنسخة الثانية بتحقيق: علي عبد الواحد وافي -ملتزمة الطبع والنشر: لجنة البيان العربي– الطبعة الأولى/ 1960– ج/3- ص: 1044- 1045 – 1046 – 1047 - 1048.
  114. ^ د. عبد الأمير الأعسم، الفيلسوف نصير الدين الطوسي مؤسس المنهج الفلسفي في علم الكلام الإسلامي.
  115. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 466.
  116. ^ الدكتور إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق، ج1، ص: 19-20.
  117. ^ دكتور محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، ص: 187.
  118. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 437، والدكتور أبو الوفا التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، ص: 26.
  119. ^ طاش كبرى زاده، مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، ج2، ص: 150.
  120. ^ الدكتور أبو الوفا التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، ص: 25-26.
  121. ^ دكتور محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، ص: 189-190.
  122. ^ أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، ص: 551-554.
  123. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 439.
  124. ^ د. كمال جعفر، التصوف طريقاً وتجربة ومذهباً، ص: 7-8.
  125. ^ الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ص: 63 وما بعدها.
  126. ^ الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2، ص: 19.
  127. ^ الغزالي، المنقذ من الضلال، ص: 7.
  128. ^ الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2، ص: 13-14، وأيضا: د. أبو الوفا التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، ص: 171-176.
  129. ^ انظر على سبيل المثال ما ذكره ابن خلدون في المقدمة، ص: 442 وما بعدها.
  130. ^ نقلاً عن كتاب د. أبو الوفا التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، ص: 5.
  131. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 418.
  132. ^ ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص: 2.
  133. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 42-45.
  134. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 46-49.
  135. ^ ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص: 2-3.
  136. ^ الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص: 6-7، وابن خلدون، المقدمة، ص: 419.
  137. ^ ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص: 34 في شرحه للأدلة الشرعية.
  138. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 34-36.
  139. ^ عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص: 142.
  140. ^ ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص: 37.
  141. ^ المسودة في أصول الفقهة، أئمة آل تيمية، ص: 327-329.
  142. ^ د. علي سامي النشار، مناهج البحث، ص: 103-110، والغزالي، معيار العلم، ص: 134-147 حيث فرق بين استخدام هذا القياس في علمي الكلام وأصول الفقه، وأيضا تهذيب شرح الأسنوي للبيضاوي، ج3، ص: 56 في أركان القياس حيث بين اختلاف المتكلمين والفقهاء في الأصل والفرع.
  143. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 35.
  144. ^ الشاطبي، الموافقات، ج3، ص: 27-29.
  145. ^ الشاطبي، الموافقات، ج1، ص: 91-99.
  146. ^ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص: 245 وما بعدها، حيث أورد شراح الرسالة من المتكلمين.
  147. ^ حاجي خليفة، كشف الظنون، ص: 113-114.
  148. ^ ابن خلدون، المقدمة، ص: 420-421.
  149. ^ الشريف الجرجاني، التعريفات، مكتبة لبنان، 1985، ص: 251.
  150. ^ تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية، ط. الأزهرية المصرية، ص: 12.
  151. ^ فتاوى بحثية - حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء المصرية.
  152. ^ "رد المحتار" (1/ 43).
  153. ^ "المنهاج القويم" (1/ 45).
  154. ^ "مغني المحتاج" (6/ 9).
  155. ^ "منح الجليل" (3/ 138).
  156. ^ مكانة العلوم العقلية في الحضارة الإسلامية - دار الإفتاء العام الأردنية.
  157. ^ مكانة العلوم العقلية في الحضارة الإسلامية - دار الإفتاء العام الأردنية.
  158. ^ أحمد البراء الأميري‎، فن التفكير: رؤية إسلامية، ص: 11.
  159. ^ جلال الدين السيوطي، صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، تحقيق: د. علي سامي النشار، الطبعة الأولى، مكتبة الخانجي، ص: 31.
  160. ^ إيضاح المبهم من معاني السلم للشيخ الدمنهوري، ط. مصطفى الحلبي، ص: 5.
  161. ^ حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء العام الأردنية.
  162. ^ "تحفة المحتاج" (1/ 178).
  163. ^ تحفة المحتاج في شرح المنهاج.
  164. ^ "رد المحتار" (1/ 45).
  165. ^ حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء العام الأردنية.
  166. ^ فتاوى بحثية - حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء المصرية.
  167. ^ الحاوي للفتاوي، 1/300، ط. دار الفكر.
  168. ^ فتاوى السبكي: 2/ 644، ط. دار المعارف.
  169. ^ فتاوى بحثية - حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء المصرية.
  170. ^ فتاوى بحثية - حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء المصرية.
  171. ^ المستصفى، ط. دار الكتب العلمية، ص: 10.
  172. ^ شرح السلم للملوي، ط مصطفى البابي الحلبي، ص: 40.
  173. ^ فتاوى بحثية - حكم تعلم المنطق - دار الإفتاء المصرية.
  174. ^ الفتاوى الفقهية الكبرى 1/ 51، ط. المكتبة الإسلامية.
  175. ^ المكلاتي، لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، تحقيق: الدكتور فوقية حسين محمود، دار الأنصار، القاهرة، 1977 م نقلاً عن "مدخل إلى الفكر الإسلامي" للمحققة، ص: 60.
  176. ^ دكتور محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام، ص: 112.
  177. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 146، وتاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج2، ص: 246، وابن خلكان، وفيات الأعيان، ج2، ص: 446.
  178. ^ الدكتور عبد القادر محمد الحسين، إمام أهل الحق أبو الحسن الأشعري، الطبعة الأولى 2010م المشرق للكتاب، ص: 11-12.
  179. ^ المقريزي، الخطط، ج2، ص: 358.
  180. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 177-178.
  181. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 278.
  182. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 217.
  183. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 232.
  184. ^ تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج3، ص: 111، وابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 243-244.
  185. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 257-258.
  186. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 276.
  187. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: 291-306، وتاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص: 101.
  188. ^ تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج5، ص: 33.
  189. ^ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، المنهجية العامة في العقيدة والفقه والسلوك والإعلام بأن الأشعرية والماتريدية من أهل السنة، ص: 23-25.
  190. ^ د. فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، ص: 270-271.
  191. ^ د. علي أيوب، العقيدة الماتريدية، رسالة دكتوراه مخطوطة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ص: 469.
  192. ^ د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة، ص: 333.
  193. ^ أبو المعين النسفي، تبصرة الأدلة في أصول الدين، ص: 218.
  194. ^ د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة، ص: 330-332.
  195. ^ الكفوي، الفوائد البهية، ص: 243، وأيضاً المقدمة التي كتبها الدكتور هانز بيتر لينس في تحقيق كتاب أصول الدين للبزدوي.
  196. ^ الكفوي، الفوائد البهية، ص: 281، قاسم بن قطلوبغا، تاج التراجم، ص: 58، الشرواني، طبقات أصحاب الإمام الأعظم، د. إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج2، ص: 57، د. عبد الحي قابيل، رسالة ماجستير بعنوان: أبو المعين النسفي وآراؤه الكلامية، ولقد أصدر أيضاً تحقيقاً ودراسة لكتاب التمهيد لقواعد التوحيد.
  197. ^ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، المنهجية العامة في العقيدة والفقه والسلوك والإعلام بأن الأشعرية والماتريدية من أهل السنة، ص: 24.
  198. ^ د. إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج2، ص: 37، وجولد تسيهر، العقيدة والشريعة، ص: 112، ود. أبو الوفا التفتازاني، علم الكلام ومشكلاته.
  199. ^ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص: 206-207.
  200. ^ ابن النديم، الفهرست، ص: 258-259.
  201. ^ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص: 175 و 179.
  202. ^ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص: 183.
  203. ^ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص: 194.
  204. ^ الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص: 179.
  205. ^ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص: 186 و 206.
  206. ^ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص: 203.
  207. ^ عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص: 94-95.
  208. ^ دكتور فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص: 156.
  209. ^ دكتور فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص: 162-163.
  210. ^ حظى الإمام أبو حنيفة بذكر حافل في المراجع التاريخية، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه المراجع على سبيل المثال: الطبقات الكبرى لابن سعد - التاريخ الكبير للبخاري - المعارف لابن قتيبة - الفهرست لابن النديم - أعلام الأخيار للكفوي - الطبقات السنية للتميمي - أبو الوفا القرشي، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية. ولقد أفردت تراجم خاصة في مناقب الإمام الأعظم مثل: مناقب الإمام الأعظم لأبي المؤيد الموفق بن أحمد المكي - مناقب الإمام أبي حنيفة لحافظ الدين حمد بن شهاب الكردري - الخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان لابن حجر الهيتمي المصري المكي. وأيضاً هناك كتباً حديثة في ترجمة الإمام الأعظم مثل: أبو حنيفة حياته وعصره وآراؤه للشيخ محمد أبو زهرة - أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام، والأستاذ عبد الحليم الجندي - الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلم لعناية الله إبلاغ.
  211. ^ أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج2، ص: 198 طبعة القاهرة 1357 هـ.
  212. ^ ملا علي القاري، شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة، ص: 47-51 طبعة القاهرة 1327 هـ، وشرح أبي المنتهى، ص: 55-57 طبعة القاهرة 1325 هـ.
  213. ^ ابن حجر الهيتمي، الخيرات الحسان، ص: 27.
  214. ^ أبو الوفا القرشي، الجواهر المضيئة، ج1، ص: 61.
  215. ^ طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة، ج2، ص: 153-154.
  216. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص: 8.
  217. ^ عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص: 8.
  218. ^ دكتور علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، 103-104.
  219. ^ شرح النووي على صحيح مسلم.
  220. ^ شرح السيوطي لسنن النسائي.
  221. ^ الفتاوى الحديثية، تأليف: ابن حجر الهيتمي، ص27.‏
  222. ^ غاية البيان شرح زبد ابن رسلان، تأليف: شمس الدين الرملي، ص20.‏
  223. ^ أبو حنيفة النعمان بـن ثابـت (ت ١٥٠ه )، العـالم والمتعلم، تحقيق: عبد الوهاب الندوي وزميله، مكتبة الهدى، حلب، ط١٩٧٢ ،١م، ص٣٤.
  224. ^ إحياء علوم الدين، تأليف: الغزالي، ج1، ص38.
  225. ^ إحياء علوم الدين، تأليف: الغزالي، ج1، ص39.
  226. ^ شمس الدين السمرقندي، الصحائف الإلهية، ص: 59.
  227. ^ كتاب التوحيد للإمام الماتريدي، ص: 89.
  228. ^ التمهيد لقواعد التوحيد للإمام أبو الثناء محمود بن زيد اللامشي الحنفي الماتريدي، ص: 60.
  229. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 20-21.
  230. ^ ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 344.
  231. ^ محمد أبو زهرة، الشافعي، ص: 136 - طبعة القاهرة 1367 هـ.
  232. ^ محمد أبو زهرة، الشافعي، ص: 136-142 - طبعة القاهرة 1367 هـ.
  233. ^ محمد أبو زهرة، الشافعي، ص: 124 - طبعة القاهرة 1367 هـ.
  234. ^ علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1، ص: 248.
  235. ^ د. جلال محمد عبد الحميد موسى، نشأة الأشعرية وتطورها، ص: 20.
  236. ^ التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، سورة البقرة: الآية 21.
  237. ^ التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، سورة البقرة: الآية 21.
  238. ^ مناقب أبي حنيفة للمكي 183-184
  239. ^ ذم الكلام وأهله لعبد الله بن محمد الأنصاري الهروي أبو إسماعيل (B/194)
  240. ^ ذم الكلام وأهله لعبد الله بن محمد الأنصاري الهروي أبو إسماعيل (Q/173/A)
  241. ^ ذم الكلام وأهله لعبد الله بن محمد الأنصاري الهروي أبو إسماعيل (Q/213)
  242. ^ الذهبي ، سير أعلام النبلاء(10/30)
  243. ^ ابن أبي حاتم ،مناقب الشافعي 182
  244. ^ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(2/95)
  245. ^ مناقب الإمام أحمد ، 205
  246. ^ الإبانة لابن بطة العكبري (2/540)
  247. ^ الغزالي، إحياء علوم الدين، ج1، ص: 97-99، وطاش كبرى زادة، مفتاح السعادة، ج2، ص: 157-161.
  248. ^ طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة، ج2، ص: 157-158.
  249. ^ التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص: 18-19.
  250. ^ الغزالي، إحياء علوم الدين، ج1، ص: 97.
  251. ^ تفسير ابن كثير - سورة هود - الآية (32).
  252. ^ محمد محسن العيد، الحوار والمعرفة، مقالة منشورة في مجلة النبأ، العدد 48، آب، 2000م.
  253. ^ عبد الستار الهيتي، الحوار... الذات والآخر، ص37.
  254. ^ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 339.
  255. ^ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 333 وما بعدها.
  256. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 16-17.
  257. ^ سعد الدين التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ط. مكتبة الكليات الأزهرية، ص: 12.
  258. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 18.
  259. ^ أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية، للدكتورة آمنة محمد نصير.
  260. ^ ابن حزم وآراؤه الكلامية والفلسفية، للدكتورة سهير فضل الله أبو وافية، رسالة دكتوراه من جامعة عين شمس، كلية البنات.
  261. ^ بحر الكلام للإمام أبي المعين ميمون بن محمد النسفي، دراسة وتحقيق: محمد السيد البرسيجي، دار الفتح للدراسات والنشر، ص: 21-22.
  262. ^ محمد زاهد الكوثري، بيان زغل العلم والطلب، ص: 22.
  263. ^ سعيد عبد اللطيف فودة، بحوث في علم الكلام، ص: 13.
  264. ^ طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي.

وصلات خارجية[عدل]