الفتح الإسلامي للغال

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من فتح الغال)
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
الفتح الإسلامي للغال
جزء من الفتوحات الإسلامية  تعديل قيمة خاصية جزء من (P361) في ويكي بيانات
رسم غربي قديم لمعركة بلاط الشهداء يصور شارل مارتيل (على ظهر الجواد الأبيض) مواجهاً عبد الرحمن الغافقي (باليمين).
رسم غربي قديم لمعركة بلاط الشهداء يصور شارل مارتيل (على ظهر الجواد الأبيض) مواجهاً عبد الرحمن الغافقي (باليمين).
معلومات عامة
التاريخ 719-759
الموقع جنبو الغال (فرنسا الآن)
النتيجة انتصار الفرنجة:
  • تراجع دائم للعرب والبربر إلى أيبيريا
تغييرات
حدودية
غزو فرانسيا لسبتمانيا
المتحاربون
القادة

الفتح الإسلامي للغال (والغال الاسم القديم للمنطقة المعروفة اليوم باسم فرنسا) تبع الفتح الإسلامي للأندلس الذي بدأه طارق بن زياد سنة 711م.

التوسّع الإسلامي في فرنسا في القرن الثامنِ.

انطلاق حملة الغافقي[عدل]

حشد الغافقي جيشاً قوامه 50 ألف مقاتل،[1] وهو أكبر جيش أموي دخل الأندلس وغالية حتى ذلك الوقت[2]، فحتى طارق بن زياد كان جيشه يتألف من 7 آلاف مقاتل، وطريف بن مالك كان جيشه 5 آلاف، وموسى بن نصير كان جيشه 18 ألفاً، وبذلك يكون جيشهم جميعاً 30 ألف مقاتل[3]، أي أن الغافقي قد جهز حملة لم يسبق لأحد من قادة الأمويين قبله أن جهز مثلها.

كان الغافقي من طراز حسان بن النعمان يعمد إلى الفتح وترسيخه وتعزيز الحاميات قبل الانطلاق إلى فتحٍ غيره[4]، فانطلق في البداية من سرقسطة نحو إقليم كاتالونيا في الأندلس، وهو أقرب إقليم إلى بلاد الغال، فعمل على تقوية هذا الثغر والقضاء على الثوار فيه، ثم تحرك إلى إقليم سبتمانيا الأموي فعزز من وجود الحاميات فيه، وعاد بعدها إلى مدينة بنبلونة في شمالي أيبيريا، فانطلق منها وعبر معبر الرونسفال في جبال المعابر أو جبال الأبواب (في اللاتينية تسمى جبال البرت Porta، وتعني الباب)[5]، وكان هدفه أقطانيا (والتي كانت حدودها تنتهي عند نهر اللوار) والدوق أودو.

وصل الغافقي إلى إقليم أقطانيا، وسار في الطرف الغربي من فرنسا باتجاه الشمال، ثم انحرف باتجاه الشرق والجنوب إلى مدينة آرليس فأعاد فتحها وحصَّن المسلمين فيها، ثم عاد إلى أقطانيا وكان حريصاً على أن يصلها بسبتمانيا، لتمكين المسلمين من كلا الإقليمين معاً.

معركة نهر الجارون[عدل]

كان أودو حاكم أقطانيا قد جمع للغافقي كل ما استطاع، وكان حاكماً ذا سلطة ونفوذٍ وعلى اتصال مستمر ببابا الكنيسة في روما، ويطلق على نفسه لقب أودو العظيم، فخرج للقاء الغافقي، واصطدم الجيشان في معركة نهر الجارون، والتي كان النصر فيها حليف المسلمين، وكثر القتل في جيش أودو، حتى قال بعض المؤرخين: إن الله وحده يعلم عدد القتلى.[6]

وبعد هذه المعركة الحاسمة، فتحت مدن ومقاطعات أقطانيا بالكامل[7]، ويشار من بينها إلى مدينة بوردو عاصمة الإقليم[8]. وصل عبد الرحمن الغافقي إلى بواتييه ففتحها، ثم وصل إلى تور الواقعة على نهر اللوار وفتحها أيضاً[9]، وبذلك بات على مشارف ممالك الشمال الجرمانية والفرنجية.

بعد معركة نهر الجارون[عدل]

يرى بعض المؤرخين أن الغافقي لم يكن ينوي التقدم أكثر من ذلك، بل كان ينوي تحصين المدن المفتوحة وتقويتها لتصبح ثغراً للمسلمين، كما هي الحال في سبتمانيا، ولم يكن معه من الجند ما يكفي لفتح مدن أكثر، فبعد مسيرة طويلة في جنوب غالة وغربها، وبعد معركة نهر الجارون، لم يكن قد بقي معه أكثر من 10-30 ألف مقاتل[10].

أما قارلة -الملك الفعلي للفرنجة- فقد كان يعمل طوال فتوحات الأمويين في غالة على أن يظل بعيداً نائياً بنفسه عن مواجهتهم، على الرغم من أنَّ حملاتهم كانت على مقربة من أرضه، بل وقد دخلت حدود أرضه أحياناً كحملة عنبسة بن سحيم الكلبي التي افتتحت إقليم بورغانديا بالكامل الذي هو جزء من مملكة قارلة، ووصلت سراياها حتى سفوح جبال فوسغس في قلب مملكة الفرنجة[11]، ولكن قارلة لم يصطدم معهم، كما تشير المصادر التاريخية الإسلامية أيضاً إلى أن حملة عنبسة لم تلق مقاومة تذكر[12]، وأنه آثر العودة إلى قاعدته لأسباب إستراتيجية، لأنه شعر أنه توغل كثيراً في أرضٍ لا تزال مجهولةً بالنسبة للمسلمين[13][14]، وتذكر بعض هذه المصادر أيضاً (مثل ابن عذاري وابن الأثير)[15][16] أن عنبسة مات ميتة طبيعية ولم يُقتَل في طريق عودته.[17]

يعتقد بعض المؤرخين (مثل عبد الرحمن علي الحجي) أن قارلة رأى أن المسلمين أشداء في معاركهم وفتوحاتهم، وأن مواجهتهم وهم في أوج قوتهم ليست في صالحه، فترك أقطانيا وغيرها -وهم خصوم قارلة الذين أجبرتهم غزوات المسلمين على اللجوء إليه والتحالف معه- ينالهم من المسلمين ما ينالهم، في حين أخذ يعد ما بوسعه هو من العدد والعتاد للاشتباك في الوقت المناسب.[18] وبعد انتصارات المسلمين في غالة قرر تشارلز بالفعل أن الوقت قد حان للقائهم مباشرة بعد أن خاضوا حروبهم الأخيرة، وألا يتيح المجال أمام الغافقي كي يوطد نفسه ورجاله، ويعيد تجديد حملته، ويجلب الإمدادات.

وصادف ذلك قدوم أودو -منافس قارلة- إليه، وكان أودو قد أعاد لمَّ رجاله وقواته، ولكنها لم تكن تكفيه كي يستعيد ملكه، فطلب من قارلة أن يساعده في استعادة أقطانيا[19][20]، وكان هذا ما أراده تشارلز، حيث أخذ من أودو ميثاقاً بالولاء له ولدولته، وكان له ما أراد، فتحالف هكذا أودو العظيم مع تشارلز مارتل ضد المسلمين[21].

قوات الشمال تزحف باتجاه رافد اللوار[عدل]

خرج قارلة بجيش كبير جداً[22]، حيث كان قد جلب مرتزقة ومقاتلين من حدود الراين[23] وقوات من بورغانديا، ومتطوعين من كل أنحاء أوربا وبرعاية من بابا الكنيسة في روما، كما انضم إليهم أودو بفلول جيشه، فبات جلياً أن انهزام الجيش سيعني انكسار ممالك أوربا كلها.

كان عبد الرحمن قد وصل إلى تور مع من تبقى من جيشه، وكانت حملته بحاجة إلى الدعم بالإمدادات لتعويض ما خسرته من جنود في أقطانيا وكاتالونيا وسبتمانيا وغيرها سواء في المعارك التي خاضتها أو في الحاميات التي خلفتها ورائها أو غير ذلك.[24][25]

أراد قارلة ألا يتيح هذا المجال أمام الغافقي، وأن يسارع لمواجهته في هذا التوقيت، فاختار زمن المعركة الذي يناسبه، كما أنه أراد أن يختار أرض المعركة أيضاً، خصوصاً وأنه كان قد سبق لجيش المسلمين أن انتصروا مراراً في معارك حاسمة كانوا فيها قلة كاليرموك ومعركة وادي لكة.

يرى شوقي أبو خليل أن قارلة لم يكن مسيحياً متديناً، وأنه لم يحارب من أجل الصليب، بل غلب على طبعه وسياسته العكس تماماً، ويستدل على ذلك بأن كثيراً من مقاتليه كانوا مرتزقة وثنيين (خصوصاً أبناء القبائل الجرمانية)غلبت على معتقداتهم الأساطير والخرافات،[26] كما يستدل على ذلك أيضاً بأن شارل مارتل نفسه -كما يقول شوقي أبو خليل- كان إذا هاجم أراضي خصومه ومنافسيه لا يتورع عن تهديم الكنائس مع أنه كان مسيحياً.[26]

ويتابع شوقي أبو خليل قائلاً: "وفضلاً عن ذلك، فإن قارلة ((شارل مارتل)) عندما استرجع أملاك الكنائس والأديرة، لم يردها على أهلها بل وزعها على رجاله".[27]

رأى قارلة أن مواجهة المسلمين وهم متحصنون في تور قد تكسر كثرة جيشه، فرأى أن يستدرجهم إلى خارج المدينة إلى السهل الواقع غرب رافد نهر اللوار، حيث سيمكنه هذا السهل من محاصرة المسلمين من الخلف، ومن أكثر من جهة، معززاً بذلك تفوق عامل الكثرة الذي يتمتع به جيشه.

مع الإشارة هنا إلى أن هذا السهل هو سهل أحراش، الأمر الذي ساعد المسلمين نوعاً ما في صمودهم في المعركة، في حين يرى آخرون -ومنهم الغنيمي- أن الأحراش لعبت دوراً سلبياً بالنسبة للمسلمين. أرسل قارلة فرقاً صغيرة من طلائع جيشه إلى الضفة الشرقية من النهر، فعندما علم بأمرها عبد الرحمن، أرسل فرقاً استطلاعية لكشفها، وعادت تلك الفرق تخبره أنها فرق قليلة العدد يسهل القضاء عليها، فخرج عبد الرحمن من المدينة لمواجهتها، وبذلك تحقق لقارلة ما أراد، فعندما عبر الغافقي وقواته إلى ضفة النهر الشرقية، حرك قارلة قواته باتجاه أرض المعركة، وكانت مهولة الكثرة كالطوفان المندفع كما يصفها شوقي أبو خليل.[28][29]

عندما رأى عبد الرحمن هذا الجمع الهائل ارتد بقواته إلى السهل بين تور وبواتييه[29][30]، فقد أدرك عندها ما أراده عدوه، وأنه أراد الإيقاع به وبقواته في السهل، حيث سيظهر تفوق العدد بشكل واضح.

أخذ عبد الرحمن يعد بعض التحصينات، ومن المحتمل أنه عمد إلى حفر خندقٍ حول مؤخرة الجيش كي يحبط محاولات الفرنجة للاتفاف عليه، ومما يشير إلى ذلك اكتشافات حديثة لسيوف عربية هناك في منطقة تدعى خندق الملك Fossi le-Roi وفق ما أورده الأستاذ الدكتور عبد الرحمن علي الحجي[31] وأشار إليه أيضاً الدكتور الغنيمي[32]، والمرجح أن المقصود بالملك هو عبد الرحمن الغافقي، والخندق هو الخندق الذي عمد إلى حفره، ولكن الظاهر أن هذا الخندق كان سريع الإعداد هش المفعول ولم يتسن للمسلمين الوقت كي يكملوه كما يجب.

تقدم قارلة بقوات الشمال ونزل على مواجهة مع الجيش الأموي، استعداداً للمعركة، حيث انحرف الجيش الأموي قليلاً وتجمع في جهة الجنوب باتجاه بواتييه -كي يؤمن اتصاله بالجنوب-، وكان جيش أوربا ينحرف قليلاً ويتجمع في جهة الشمال باتجاه تور -كي يؤمن اتصاله بالشمال-[33].

معركة بلاط الشهداء[عدل]

استمرت بين الجيشين مناوشات لحوالي 9 أيام، انتهت بشن المسلمين للهجوم في اليوم الأخير، يرى بعض المؤرخين أن قارلة عمد إلى تعزيز كثرة قواته وموقفه بإطالة أمد المعركة، فأرسل يطلب المزيد من المدد من المدن المجاورة في حين أن الغافقي كان يحتاج لكل مقاتليه في المعركة، ولا يمكنه أن يتخلى عن بعضهم كي يرسلهم في طلب المدد، كما أن الطرق لم تكن مؤمنة بعد بما يكفي للرسل الأمويين -يشار هنا بشكل خاص إلى جبال الأبواب والتي كان عبورها مغامرة خطرة في ذلك الوقت-، وهذا الأمر لعب دوراً دفع الأمويين لشن الهجوم في اليوم الأخير، كي لا تطول المعركة وتزيد الإمدادات القادمة لقوات الشمال. يضاف إلى ذلك أن الأمويين قليلو العدد ستكثر جراحهم ويقل عددهم أكثر إذا طالت المعركة. وقدأشارت إحدى المصادر إلى أن الغافقي لو أرسل في طلب المدد، فلن يصله هذا المدد في أقل من شهر -في أحسن الأحوال-، أما قارلة فكان يقاتل في أرضه وبلاده وبين شعبه، وأرض المعركة نفسها خط إمداد له.[34]

المراجع[عدل]

  1. ^ د. طارق السويدان، الأندلس التاريخ المصور، ص 65
  2. ^ الحجي ص193
  3. ^ الحجي ص52
  4. ^ أبوخليل ص23
  5. ^ الفجر، ص303
  6. ^ عنان ص90. تذكر المخطوطة المستعربية اللاتينية العبارة التالية: "solus Deus numerum morientium vel pereuntium recognoscat"
  7. ^ الغنيمي ص65
  8. ^ الحجي ص205
  9. ^ الغنيمي ص64
  10. ^ الفجر، ص216
  11. ^ الفجر ص317
  12. ^ أبوخليل ص13
  13. ^ دكتورة منى ص26.
  14. ^ أبوخليل ص14.
  15. ^ ابن عذارى (البيان المغرب، ج2، ص26).
  16. ^ ابن الأثير (الجزء5، ص373).
  17. ^ الفجر ص313.
  18. ^ الحجي ص196
  19. ^ الغنيمي ص63
  20. ^ أبوخليل ص18
  21. ^ أبوخليل ص30
  22. ^ الحجي ص202-204
  23. ^ الحجي ص202
  24. ^ الفجر ص216
  25. ^ مقلد الغنيمي ص67
  26. ^ أ ب بلاط الشهداء، لأبي خليل ص41
  27. ^ بلاط الشهداء، لأبي خليل ص43
  28. ^ أبوخليل ص25
  29. ^ أ ب عنان ص99-100
  30. ^ الغنيمي ص66
  31. ^ الحجي ص194
  32. ^ الغنيمي ص76
  33. ^ الغنيمي ص66-67
  34. ^ مقلد الغنيمي ص65-66
  • فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس، دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية(711-756 م)، الطبعة الأولى (1423 هـ-2002 م)، طبعت في دار المناهل في بيروت، ودار العصر الحديث.
  • بلاط الشهداء، بقيادة عبد الرحمن الغافقي، للدكتور شوقي أبو خليل، الطبعة الثالثة، طبعت في دار الفكر المعاصر في بيروت، ودار الفكر في دمشق. ISBN 1-57547-503-0
  • التاريخ الأندلسي، من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة 92-897 هـ(711-1492 م)، للدكتور عبد الرحمن علي الحجي، أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب في جامعة بغداد، الطبعة الثانية (1402 هـ-1981 م) طبعت في دار القلم في دمشق وبيروت.
  • معركة بلاط الشهداء، في التاريخ الإسلامي والأوربي، للدكتور عبد الفتاح مقلد الغنيمي، الطبعة الأولى (1416 هـ-1996 م) لعالم الكتب. ISBN 977-232-081-9
  • دولة الإسلام في الأندلس، لمحمد عبد الله عنان، العصر الأول - القسم الأول، من الفتح إلى بداية عهد الناصر، الطبعة الرابعة 1417 هـ لمكتبة الخانجي في القاهرة. ISBN 977-505-082-4
  • قاعدة نربونة ودورها في الجهاد ضد الفرنجة والتوسع في أوربا (102 هـ-149 هـ)(720 م-766 م)، للدكتورة منى حسن أحمد محمود. الطبعة الأولى، لعين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، بإشراف دكتور قاسم عبده قاسم. ISBN 977-322-063-X
  • ابن الأثير، علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني (ت 630 هـ)، الكامل في التاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة السادسة 1406 هـ-1986 م.
  • ابن عذارى، أبو عبد الله محمد المراكشي، توفي آخر القرن السابع الهجري، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ج.س.كولان، ليفي بروفنسال، بيروت، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثالثة سنة 1983 م.