فرضية كورغان

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

فرضية كورغان (بالإنجليزية: Kurgan hypothesis)‏ (المعروفة أيضًا باسم نظرية كورغان أو نموذج كورجان) أو نظرية السهوب. هي الاقتراح الأكثر قبولًا لتعريف لموطن اللغة الهندية الأوروبية البدائية الذي انتشرت منه اللغات الهندية الأوروبية في أوروبا وأجزاء من آسيا.[3] تقترح الفرضية أن شعب حضارة كورغان في سهوب بونتيك-قزوين شمال البحر الأسود كانوا المتحدثين الأكثر أرجحية باللغة الهندية الأوروبية البدائية. يُستمد هذا المصطلح من الكلمة الروسية  كورغان (курга́н) التي تعني جثوة أو تل الدفن.

صيغت نظرية السهوب للمرة الأولى من قِبَل أوتو شريدر (1883) وجوردون تشايلد (1926)،[4][5] ليجري منهجتها في خمسينيات القرن العشرين من قِبَل ماريا جيمبوتاس التي استخدمت المصطلح لتُجْمِل حضارات مختلفة  كحضارة يامنايا (أو القبر الصغير) وما سبقها من حضارات. وبدلًا من ذلك يتخذ ديفيد أنتوني لبّ حضارة يامنايا وعلاقتها بالحضارات الأخرى كنقطة مرجعية.

عرّفت جيمبوتاس حضارة كورغان بأنها تتألف من أربع فترات متوالية، إذ كانت أبكر أبكرها «حضارة كورغان الأولى» متضمنةً حضارتي سمارة وسيروغلازوفو في منطقة دنيبر-فولغا في العصر النحاسي (مطلع الألفية الرابعة قبل الميلاد). شعوب هذه الحضارات كانوا من الرعاة الرحّل الذين -وفقًا للنموذج- قد توسعوا في جميع أنحاء سهوب بونتيك-قزوين وأوروبا الشرقية بحلول أوائل الألفية الثالثة قبل الميلاد.[6]

قدمت ثلاث دراسات وراثية في عام 2015 دعمًا جزئيًا لنظرية جيمبوتاس فيما يتعلق بالموطن الأصلي للغة الهندية الأوروبية البدائية. وطبقًا لهذه الدراسات فإن المجموعتان الفردانيتان R1b, R1a –المجموعتان الأشيع في أوروبا حاليًا (R1a شائعة أيضًا في جنوب آسيا)– قد توسعتا من السفوح الواقعة شمال بحري بونتيك وقزوين إلى جانب اللغات الهندية الأوروبية؛ واكتشفوا أيضًا وجود مكون صبغي جسمي في الأوروبيين المعاصرين لم يكن موجودًا في الأوروبيين النيوليثيين، والذي من الممكن أنه أُدخل مع السلالة الأبوية R1b و R1a فضلًا عن اللغات الهندية الأوروبية.[7][8][9]

التاريخ[عدل]

الأسلاف[عدل]

كانت الحجج الداعية إلى تعريف الأوروبيين الهنديين البدائيين بوصفهم بدو السهوب الرحّل من منطقة بونتيك-قزوين قد قُدمت بالفعل في القرن التاسع عشر من قبل العالمين الألمانيين تيودور بينفاي (1869) وفيكتور هين (1870) متبوعين على وجه الخصوص بأوتو شريدر (1883، 1890).[5][10] تيودور بيشه كان قد اقترح أهوار بينسك القريبة. رأى كارل بروغمان في عمله المعياري[11] حول (بّي آي إي) وفي صيغة مختصرة في وقت لاحق أن الموطن الأصلي لا يمكن تحديده بدقة في ذلك الوقت، لكنه ميّال نحو رأي شريدر.[12] ولكن بعد رفض كارل بينكا 1883 للأصول غير الأوروبية،[13] أيّد العلماء الأصل الأوروبي الشمالي (انظر فرضية شمال أوروبا).

استمر الرأي القائل بالأصل البونتيكي بحصد التأييد بقوة من قبل البعض كعالمي الآثار غوردون تشايلد[14] وإرنست واهل.[15] يوناس بوتزيناس أحد طلاب واهل كان بدوره واحدًا من أساتذة جيمبوتاس. كانت جيمبوتاس التي تعترف بشريدر باعتباره مرهصًا،[16] قادرة على حشد ثروة من الأدلة الأثرية من أراضي الاتحاد السوفييتي (وغيرها من البلدان التي كانت تنتمي آنذاك إلى الكتلة الشرقية) غير المتاحة بسهولة للعلماء من الدول الغربية،[17] الأمر الذي مكنها من التوصل إلى صورة أكمل لأوروبا ما قبل التاريخ.

لمحة عامة[عدل]

عندما اقُترح لأول مرة في عام 1956، في كتاب أوروبا الشرقية ما قبل التاريخ، الجزء 1، كانت مساهمة ماريا جيمبوتاس في البحث عن الأصول الهندية الأوروبية توليفة متعددة التخصصات من علم الآثار واللغويات. إن نموذج كورغان للأصول الهندية الأوروبية يحدد سهوب بونتيك -قزوين على أنها الموطن الأصلي للغة الهندية الأوروبية البدائية، ومن المفترض أن مجموعة متنوعة من اللهجات المتأخرة منها قد تم التحدث بها في مختلف أنحاء المنطقة. وفقًا لهذا النموذج، توسعت حضارة كورغان تدريجيًا حتى شملت كامل سهوب بونتيك-قزوين، إذ عُرفت حضارة كورغان الرابعة بحضارة يامنايا نحو العام 3000 قبل الميلاد.

وسهل تنقل حضارة كورغان توسعها في المنطقة بأسرها، ويعزى ذلك إلى استئناس الخيول ثم إلى استخدام العربات المبكرة لاحقًا.[18] ويأتي أول دليل أثري قوي لاستئناس الخيول من حضارة سردني ستوغ شمال بحر آزوف في أوكرانيا بالتوافق مع نشوء النواة المبكرة للغة «بّي آي إي» أو «ما قبل اللغة بُي آي إي» للألفية الخامسة قبل الميلاد.[18] أدى التوسع اللاحق إلى ما وراء السهوب أدى إلى حضارات هجينة أو حسب جيمبوتاس حضارات «مكرغنة» كحضارة الأمفورا الكروية. ومن هذه الحضارت المكرغنة جاءت هجرة البروتو-يونانيين إلى البلقان والحضارت الهندو-إيرانية البدوية إلى الشرق حوالي العام 2500 ق.م.

حضارة كورغان[عدل]

الأفق الحضاري[عدل]

عرّفت جيمبوتاس وقدّمت مصطلح «حضارة كورغان» عام 1956 بينّة إدخال «مصطلح أوسع» من شأنه أن يجمع بين أفق حضارة سردني ستوغ الثانية وحضارة القبر الصغير وحضارة الخزف المحزم (التي تغطي الألفية الرابعة والثالثة في جزء كبير من أوروبا الشرقية والشمالية).[19] يجمع نموذج «حضارة كورغان» مختلف حضارات العصر النحاسي حتى العصر البرونزي المبكر (الألفية الخامسة إلى الثالثة قبل الميلاد) وسهوب بونتيك-قزوين لتبرير تعريفها بأنها حضارة أثرية واحدة أو أفق حضاري واحد على أساس أوجه التشابه فيما بينها. إن بناء الكورغان (مقابر التلال) على نحو غريب لا يشكل سوى عامل واحد من بين عدة عوامل. وكما هو الحال دائمًا في تجميع الحضارات الأثرية، فإن الخط الفاصل بين حضارة وأخرى لا يمكن رسمه بدقة شديدة وسيكون موضعًا للجدال.

الحضارات التي اعتبرتها جيمبوتاس جزءًا من «حضارة كورغان»:

  • بوك-دنيستر (الألفية السادسة)
  • سمارا (الألفية الخامسة)
  • خفالينسك (الألفية الخامسة)
  • دنيبر-دونيتس (الألفية الخامسة إلى الرابعة آلاف سنة)
  • سريدني-ستوغ (منتصف الألفية الخامسة حتى منتصف الألفية الرابعة)
  • مايكوب-ديرايفكا (منتصف الألفية الرابعة حتى منتصف الألفية الثالثة)
  • يامنايا (القبر الصغير): إن هذا في حد ذاته أفق ثقافي متنوع ، يمتد على كامل سهوب بونتيك - قزوين من منتصف الألفية الرابعة إلى الألفية الثالثة.
  • حضارة يوساتوفو (أواخر الألفية الرابعة)

مراحل الحضارة والتوسع[عدل]

نظرة عامة على فرضية كورغان

يحدد اقتراح جيمبوتاس الأصلي أربع مراحل متتالية من حضارة كورغان:

  • كورغان الأولى، منطقة دنيبر/فولغا، مطلع منتصف الألفية الرابعة قبل الميلاد. وفيما يبدو أنها تطورت من حضارات حوض الفولغا تشمل المجموعات الفرعية حضارتي سمارا وسيروغلازوفو.
  • كورغان الثانية-الثالثة، النصف الأخير من الألفية الرابعة قبل الميلاد. تشمل حضارة سريدني ستوغ وحضارة مايكوب في شمال القوقاز. دوائر الحجر ومسلات حجرية تجسيمية للآلهة.
  • حضارة كورغان الرابعة أو القبر الصغير (يامنايا)، النصف الأول من الألفية الثالثة قبل الميلاد وتشمل كامل منطقة السهوب من الأورال وحتى رومانيا.

وفي منشورات أخرى[20] تقترح ثلاث «موجات» متتالية من التوسع:

  • الموجة 1: قبل كورغان الأولى، التوسع من فولغا السفلى إلى دنيبر مؤديةً إلى التعايش بين كورغان الأولى وحضارة كيوكوتيني. تمتد انعكاسات الهجرات حتى منطقة البلقان وعلى طول نهر الدانوب حتى حضارة الفينكا في صربيا وحضارة لنغيال في المجر.
  • الموجة 2: منتصف الألفية الرابعة قبل الميلاد نشأت في حضارة المايكوب وأسفرت عن تقدم الحضارات «المكرغنة» الهجينة إلى شمال أوروبا في حوالي العام 3000 ق.م (حضارة الأمفورا الكروية، وحضارة بادن، وحضارة السلع الحبلية أو كوردد وير). ووفقا لجيمبوتاس، فإن هذا يتوافق مع أول توغل للغات الهندية الأوروبية في أوروبا الغربية والشمالية.
  • الموجة 3: 3000-2800 ق.م، إن التوسع في حضارة القبر الصغير إلى ما هو أبعد من السهوب مع ظهور القبور الصغيرة المميزة حتى مناطق رومانيا الحديثة وبلغاريا وشرق المجر وجورجيا يتزامن مع نهاية حضارتي كوكوتيني-تريبيليا وترياليتي في جورجيا (2750 ق.م).

انظر أيضًا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ Mallory 1989، صفحة 185.
  2. ^ Strazny 2000، صفحة 163.
  3. ^ See:
    • Mallory: "The Kurgan solution is attractive and has been accepted by many archaeologists and linguists, in part or total. It is the solution one encounters in the Encyclopædia Britannica and the Grand Dictionnaire Encyclopédique Larousse."[1]
    • Strazny: "The single most popular proposal is the Pontic steppes (see the Kurgan hypothesis)..."[2]
  4. ^ Renfrew, Colin (1990)، Archaeology and Language: The Puzzle of Indo-European Origins، CUP Archive، ص. 37–38، ISBN 978-0-521-38675-3.
  5. أ ب Jones-Bley, Karlene (2008)، "Proceedings of the Eighteenth Annual Indo-European Conference, Los Angeles, November 3–4, 2006"، Historiographia Linguistica (باللغة الإنجليزية)، 35 (3): 465–467، doi:10.1075/hl.35.3.15koe، ISSN 0302-5160.
  6. ^ Gimbutas 1985، صفحة 190.
  7. ^ Haak؛ وآخرون (2015)، "Massive migration from the steppe is a source for Indo-European languages in Europe"، bioRxiv 10.1101/013433.
  8. ^ Allentoft؛ وآخرون (2015)، "Population genomics of Bronze Age Eurasia"، Nature، 522 (7555): 167–172، Bibcode:2015Natur.522..167A، doi:10.1038/nature14507، PMID 26062507، S2CID 4399103، مؤرشف من الأصل في 20 مايو 2021.
  9. ^ Mathieson؛ وآخرون (2015)، "Eight thousand years of natural selection in Europe"، bioRxiv 10.1101/016477.
  10. ^ Grünthal, Riho؛ Kallio, Petri (2012)، A Linguistic Map of Prehistoric Northern Europe، Société Finno-Ougrienne، ص. 122، ISBN 978-952-5667-42-4.
  11. ^ Karl Brugmann, Grundriss der vergleichenden Grammatik der indogermanischen Sprachen, vol. 1.1, Strassburg 1886, p. 2.
  12. ^ Karl Brugmann, Kurze vergleichende Grammatik der indogermanischen Sprachen, vol. 1, Strassburg 1902, pp. 22–23.
  13. ^ Karl Penka, Origines Ariacae: Linguistisch-ethnologische Untersuchungen zur ältesten Geschichte der arischen Völker und Sprachen (Vienna: Taschen, 1883), 68.
  14. ^ Vere Gordon Childe, The Aryans: A Study of Indo-European Origins (London: Kegan Paul, 1926).
  15. ^ Ernst Wahle (1932). Deutsche Vorzeit, Leipzig 1932.
  16. ^ Gimbutas, Marija (1963)، The Balts، London, UK: Thames & Hudson، ص. 38، مؤرشف من الأصل في 30 أكتوبر 2013.
  17. ^ Anthony 2007، صفحات 18, 495.
  18. أ ب Parpola in Blench & Spriggs (1999:181). "The history of the Indo-European words for 'horse' shows that the Proto-Indo-European speakers had long lived in an area where the horse was native and / or domesticated.(Mallory 1989:161–63) The first strong archaeological evidence for the domestication of the horse comes from the Ukrainian Srednij Stog culture, which flourished c. 4200–3500 BC and is likely to represent an early phase of the Proto-Indo-European culture (Anthony 1986:295f.; Mallory 1989:162, 197–210). During the Pit Grave culture (c. 3500–2800 BCE), which continued the cultures related to Srednij Stog and probably represents the late phase of the Proto-Indo-European culture – full-scale pastoral technology, including the domesticated horse, wheeled vehicles, stock breeding and limited horticulture, spread all over the Pontic steppes, and, c. 3000 BCE, in practically every direction from this centre (Anthony 1986, 1991; Mallory 1989، vol. 1).
  19. ^ Gimbutas (1970) page 156: "The name Kurgan culture (the Barrow culture) was introduced by the author in 1956 as a broader term to replace and Pit-Grave (Russian Yamnaya), names used by Soviet scholars for the culture in the eastern Ukraine and south Russia, and Corded Ware, Battle-Axe, Ochre-Grave, Single-Grave and other names given to complexes characterized by elements of Kurgan appearance that formed in various parts of Europe"
  20. ^ Bojtar 1999، صفحة 57.