فقه الجهاد
يشير فقه الجهاد إلى ما أقرّه علماء المسلمين في الشريعة والفقه باعتباره المنهج الإسلامي الصحيح الذي ينبغي على المسلمين اتباعه في أوقات الحرب والجهاد. أُعطي الجهاد بُعدًا عسكريًا بعد اضطهاد قريش للمسلمين. ينقسم الجهاد من حيث السبب إلى: جهاد الطلب وهو طلب العدو في أماكنهم وابتداؤهم بالقتال ولتكون كلمة الله هي العليا. وجهاد الدفع وهو دفع العدو عن بلاد المسلمين.[1] فهو فرض على الكفاية. وجهاد الدفع، إن كان النفير عامًا، كأن هجم العدو على أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين على كل قادر من المسلمين.[2]
نشأة الجهاد
[عدل]
فرض الجهاد في السنة الثانية من الهجرة، بعدما أصبح للمسلمين شوكة، استأذن الصحابة النبي في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ٣٨ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠﴾ [الحج:38–40]. فأذن الله لهم بالقتال بنزول هذه الآيات. فهذه أول آية نزلت في الجهاد، ثم بعد ذلك نزلت الآية الأخرى وأذن الله لهم بالقتال لكن قتال الدفع، يقاتل من قاتله ولا يبدؤهم بقتال، ولا يهجم عليهم بالقتال.[3]

ويقول عبد العزيز الراجحي أن الأمر بالجهاد كان تدريجيًا على أربع مراحل:[4]
- الطور الأول: أنهم منهيون عن الجهاد في مكة.
- والطور الثاني بعد الهجرة أذن ورخص في جهاد الدفع. وهو إباحة القتال في سبيل الله دون أن يفرض.
- أما الطور الثالث: الأمر بقتال من قاتل المسلمين من الكفار والكف عمن كف عن قتالهم. أي الأمر بجهاد الدفع. قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ١٩١﴾ [البقرة:191].
- ثم جاء الطور الرابع في الجهاد: وهو أن الله أمر بالقتال طلبًا ودفعًا، فأنزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ٣٦﴾ [التوبة:36]وأنزل سبحانه آية السيف: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:5].
أقسام الجهاد
[عدل]ينقسم الجهاد من حيث السبب إلى: جهاد الطلب وهو طلب العدو في أماكنهم وابتداؤهم بالقتال ولتكون كلمة الله هي العليا. وجهاد الدفع وهو دفع العدو عن بلاد المسلمين.[1] فهو فرض على الكفاية. وجهاد الدفع، إن كان النفير عامًا، كأن هجم العدو على أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين على كل قادر من المسلمين.[2]
جهاد الطلب
[عدل]أما جهاد الطلب، فحكمه أنه فرض على الكفاية،[5] إن لم يكن النفير عامًا،[6] متى قام به بعضهم سقط عن الباقين.[5] ومعناه أنه يفترض على جميع من هو أهل للجهاد، لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لقوله عز وجل:[6] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥﴾ [النساء:95] قال الزيلعي: "وهو فرض كفاية ابتداء.. يعني يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا.. وعليه إجماع الأمة".[7] ولا يجوز للمرأة الاشتراك في الجهاد إلا بإذن زوجها؛ لأن القيام بحقوق الزوجية فرض عين، كما لا يجوز الجهاد للولد بدون إذن أبويه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتًا؛ لأن بر الوالدين فرض عين، فيكون مقدما على فرض الكفاية.[6] وصحَّ عن النبي خروجه في بعض الغزوات وقعوده في البعض الآخر وأنه كان يؤمر غيره على الغزوة، أو السرية، ولم يكن يخرج أصحابه، بل بعضهم ولو كان الجهاد فرض عين ما قعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغزو، ولما أذن لأحد من أصحابه في القعود عن الجهاد.[8]
جهاد الدفع
[عدل]أما في جهاد الدفع، إن كان النفير عامًا، كأن هجم العدو على أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين على كل قادر من المسلمين. فإذا عم النفير خرجت المرأة بغير إذن زوجها، وجاز للولد أن يخرج بدون إذن والديه. ويصبح الجهاد فرض عين على المسلم القادر في ثلاث حالات:[2]
- إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٤٥﴾ [الأنفال:45]
- إذا نزل الكفار ببلد، تعين على أهله قتالهم ودفعهم. قال الجصاص: «ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة.».[5]
- إذا استنفر الإمام قومًا، لزمهم النفير معه، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨﴾ [التوبة:38]
وفي حالة أن الجهاد أصبح فرض عين، يُشترط لوجوب الجهاد على المسلم سبعة شروط وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة. فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع الشرعية. وأما الحرية؛ فلأن النبي كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد. يفترض الجهاد على القادر عليه، فمن لا قدرة له لا جهاد عليه، فلا يطالب بالجهاد: الأعمى، والأعرج، والمريض مرضًا مزمنًا أو غيره فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:61] وأما وجود النفقة فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٩١﴾ [التوبة:91].[2]
أحكام القتال
[عدل]الإعداد
[عدل]أمر الله المسلمين بالإعداد للحهاد على الدوام والنفقة في سبيل ذلك. قال الله:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٦٠﴾ [الأنفال:60] فأمر المسلمين أن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة، والمراد بالقوة: ما يكون سببًا لحصول القوة مثل أنواع الأسلحة المختلفة، وقد رُوي أنه النبي قرأ هذه الآية على المنبر وقال: "ألا إن القوة الرمي" قالها ثلاثًا. ومعنى الآية عامٌ في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة من فروض الكفايات. وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم. والمنافقون إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين.[9]
إبلاغ الدعوة
[عدل]قبل البدء بالقتال في حالة جهاد الطلب؛ يستحب إنذار العدو بإعلان الجهاد أو إبلاغ الدعوة الإسلامية. واختلف الفقهاء في حكم إبلاغ الدعوة على ثلاثة آراء:[10]
- الأول: يجب قبل القتال تقديم الدعوة الإسلامية مطلقًا، أي سواء بلغت الدعوة العدو أم لا، وهو قول المالكية لقوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:16]
- الثاني: لا يجب ذلك مطلقًا، وهو رأي قوم كالحنابلة.
- الثالث: تجب الدعوة لمن لم يبلغهم الإسلام، فإن انتشر الإسلام، وظهر كل الظهور، وعرف الناس لماذا يدعون، وعلى ماذا يقاتلون، فالدعوة مستحبة تأكيدًا للإعلام والإنذار، وليست بواجبة، وهذا رأي جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية والإباضية. قال ابن المنذر: هو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث. فمن الأحاديث التي توجب الإبلاغ: ما روي عن ابن عباس، قال: «ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم».[10] وفي الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصيته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا .. ثم قال: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال)، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم».[11] ومن الأحاديث التي لا توجب الإبلاغ أو الدعوة إلى الإسلام ما روي عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله أغار على بني المصطلق وهم غافلون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم.[10]
من يجوز قتاله ومن لا يجوز
[عدل]في فقه الجهاد الإسلامي؛ لا يجوز قتال المستأمنين أو المعاهدين أو أهل الذمة: لأن دماء هؤلاء معصومة مصونة، وقد حرم الشرع قتلهم. أما إذا قاتلوا المسلمين فيجوز قتل المقاتلة الذين يشتركون في الحرب برأي أو تدبير أو قتال.
كذلك لا يجوز قتل غير المقاتلة من امرأة أو صبي أو مجنون أو شيخ هرم، أو مريض مقعد، أو أشل، أو أعمى، أو مقطوع اليد والرجل من خلاف أو مقطوع اليد اليمنى، أو معتوه، أو راهب في صومعته، أو قوم في دار أو كنيسة ترهبوا، والعجزة عن القتال، والفلاحين في حرثهم إلا إذا قاتلوا بقول أو فعل أو رأي أو إمداد بمال، بدليل أن ربيعة بن رفيع السلمي أدرك دريد بن الصمة في غزوة حنين، فقتله وهو شيخ كبير جاوز المئة، لا ينتفع إلا برأيه، فبلغ ذلك النبي ولم ينكر عليه. ويجوز قتل المرأة إذا كانت ملكة الأعداء؛ لأن في قتلها تفريقا لجمعهم، وكذلك إذا كان ملكهم صبيًا صغيرًا وأحضروه معهم في المعركة، إذا كان في قتله تفريق جمعهم.[12]
وقد جاء في صحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجه عن سليمان بن بريدة أن رسول الله كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا، ثم يقول: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا.».[11] وجاء في السنن الكبرى للبيهقي، وسنن أبي داود أن رسول الله قال: «انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.».[13]
أحكام النكاية في العدو
[عدل]النكاية في العدو، والنيل منهم على ثلاثة أقسام؛ منها جائز باتفاق، ومنها محظور باتفاق، ومنها يجوز فقط عند الضرورة الحربية أو حسب الرؤية العسكرية:[14]
- فأما الجائز باتفاق، فقتل مقاتلتهم في الزحف، وسلب أموالهم، ووطء بلادهم، وسبي أبنائهم وذراريهم، والإسار بعد الإثخان، على خلاف في استحياء الأسرى بعد أو قتلهم.[14]
- وأما المحظور باتفاق: فقتل النساء والصبيان.[14]
- وأما ما يجوز فقط عند الضرورة الحربية بإحراق حصون العدو بالنار، وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم، وقطع أشجارهم وإفساد زروعهم، ونصب المجانيق.[14]
- كذلك من المسائل التي أجازها الفقهاء عند الضرورة الحربية فقط: التترس، أي إذا اتخذ الكفار المسلمين دروعًا بشرية، فيجوز رميهم أو قتالهم للضرورة وسدًا لذريعة الفساد التي قد تترتب على ترك قتلهم، لكن يقصد الكفار بالضرب. وإن أصيب مسلم فلا دية ولا كفارة.[15]
- من هذه المسائل أيضًا: أجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، وكانت القيادة للمسلمين. وقيد الشافعية ذلك أيضا بالحاجة؛ لأن النبي استعان بصفوان بن أمية يوم حنين، وتعاونت خزاعة مع النبي عام فتح مكة.[15]
التولي يوم الزحف
[عدل]يُعد التولي يوم الزحف من الكبائر ومن السبع الموبقات، إذا اصطف الجيشان: جيش المسلمين، وجيش الكفار، فلا يجوز للمسلم أن يفر من العدو؛ وشدد الله تعالى على المؤمنين، وحذرهم من أن يتولوا أمام الكفار، فقال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ١٥ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٦﴾ [الأنفال:15–16].[16] بحسب الآية، فإنه يٌستثنى من التولي أن يكون لغرض التحرف لقتال أو التحيز إلى فئة.[17]
ومعنى التحرّف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خيلهم من رجالتهم، أو ليجد فيهم فرصة، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب.[18]
وأما التحيز إلى فئة: فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم، فيقوى بهم على عدوهم، وسواء بعدت المسافة أو قربت. ولو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز، جاز التحيز إليها، لأن ابن عمر روى أن النبي قال: إني فئة لكم، وكانوا بمكان بعيد منه، وقال عمر: أنا فئة كل مسلم، وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد. وقال عمر: رحم الله أبا عبيدة لو كان تحيز إلي لكنت له فئة.[18]
القتال في الأشهر الحرم
[عدل]وقال الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ٣٦﴾ [التوبة:36]
ويلاحظ هنا أن الأشهر الحُرُم بهي شهور السنة القمرية اثنا عشر شهراً، ومن هذه الاثنى عشر شهراً أربعة أشهر حرم جمع حرام، وهي من الحرمة بمعنى التعظيم، يحرم فيها القتال، وهي: رجب وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم. {فلا تظلموا فيهن أنفسَكم} أي فلا تظلِموا أنفسَكم في هذه الأشهر باستحلال القتال فيها، أو امتناعكم عنه إذا هاجمكم الأعداء. وقاتِلوا كل من يقاتلكم من المشركين جميعا، كما يقاتلونكم معادين لكم جميعاً، ولو كان ذلك في الأشهر الحرم.[19]
انتهاء القتال
[عدل]في فقه الجهاد الإسلامي، ينتهي القتال في جهاد الطلب بطرق متعددة منها اعتناق العدو الإسلام، أو قبول الجزية أو بعقد معاهدة مع المسلمين.[20]
- الإسلام: إذا تم دعوة الكفار إلى الإسلام ودخلوا فيه كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فإن لم يقبلوا الدخول فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.[21]
- الجزية:[21]
- إن كانوا من أهل الكتاب أو المجوس فقد اتفق الفقهاء على أنه يطلب منهم الجزية فإن دفعوها كف عنهم وإلا ينتقل إلى القتال وذلك لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ٢٩﴾ [التوبة:29].
- إما أن كانوا من المشركين غير أهل الكتاب أو المجوس فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الشافعي، وفي رواية عن أحمد، إلى أنه لا تقبل منهم الجزية وأن عليهم إما القتال، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5]. وذهب الحنفية، ومالك في رواية، وعن أحمد في رواية، إلى أن الجزية تقبل من المشركين إلا مشركي العرب، قال ابن جرير الطبري: "أجمعوا على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبى أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف".
- وذهب مالك في قول هو الراجح عند المالكية والأوزاعي إلى أن الجزية تقبل من جميع الكفار سواء كانوا عربا أم عجمًا، واستدلوا بحديث بريدة الأسلمي قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقو ى الله ... وقال: "اغزو باسم الله ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال" وذكر من هذه الخصال الجزية.
- الهدنة: هي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لم يقر، دون أن يكونوا تحت حكم الإسلام. وذكر الفقهاء من شروطها أن يكون المسلمون في حال ضعف، والكفار أقوىاء، او للمصلحة التي يقدرها الإمام. لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ٣٥﴾ [محمد:35]. ولا يقاتل المعاهدون ما لم تظهر منهم بوادر الخيانة.
مراجع
[عدل]- ^ ا ب مرعي الشهري (2003)، أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ص. 68، QID:Q134615078
- ^ ا ب ج د وهبة الزحيلي (1985)، الفقه الإسلامي وأدلته (ط. 2)، دمشق: دار الفكر، ج. 8، ص. 5850، 5851، QID:Q126902480
- ^ القرطبي (1935)، الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان: تفسير القرطبي، القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، ج. 12، ص. 68، OCLC:17965928، QID:Q115683910
- ^ عبد العزيز الراجحي، شرح تفسير ابن كثير، المكتبة الشاملة، ص. 4، QID:Q134608827
- ^ ا ب ج أبو بكر الجصاص (1985)، أحكام القرآن، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ج. 4، ص. 311، QID:Q127327431
- ^ ا ب ج وهبة الزحيلي (1985)، الفقه الإسلامي وأدلته (ط. 2)، دمشق: دار الفكر، ج. 8، ص. 5848، 5849، QID:Q126902480
- ^ مرعي الشهري (2003)، أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ص. 69، QID:Q134615078
- ^ مرعي الشهري (2003)، أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ص. 70، QID:Q134615078
- ^ فخر الدين الرازي (2004)، مفاتيح الغيب، بيروت: دار الكتب العلمية، ج. 15، ص. 148، 149، OCLC:1114543549، QID:Q116459741
- ^ ا ب ج وهبة الزحيلي (1985)، الفقه الإسلامي وأدلته (ط. 2)، دمشق: دار الفكر، ج. 8، ص. 5853، 5854، QID:Q126902480
- ^ ا ب مسلم بن الحجاج (1916)، "حديث رقم 1731"، صحيح مسلم (ط. 1)، إسطنبول: دار الطباعة العثمانية، ج. 5، ص. 139، OCLC:862990803، QID:Q123415095
- ^ وهبة الزحيلي (1985)، الفقه الإسلامي وأدلته (ط. 2)، دمشق: دار الفكر، ج. 4، ص. 5855: 5857، QID:Q126902480
- ^ أبو داود (2009)، "حديث رقم 2614"، سنن أبي داود، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، محمد كامل قره بللي (ط. 1)، دمشق: دار الرسالة العالمية، ج. 4، ص. 256، OCLC:500612923، QID:Q115743500
- ^ ا ب ج د ابن المناصف (2005)، الإنجاد في أبواب الجهاد، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، بيروت: دار الإمام مالك، ص. 224، 225، QID:Q134570872
- ^ ا ب وهبة الزحيلي (1985)، الفقه الإسلامي وأدلته (ط. 2)، دمشق: دار الفكر، ج. 8، ص. 5858، QID:Q126902480
- ^ محمد حسن عبد الغفار. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي. دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، ورقم الجزء هو رقم الدرس. ج. 47. ص. 18. مؤرشف من الأصل في 2023-03-17.
- ^ "67790 - فتوى: هل يحرم القتال إذا كان مقابل كل شخص أكثر من عشرة؟". الإسلام سؤال وجواب. مؤرشف من الأصل في 2014-08-18. اطلع عليه بتاريخ 2025-06-07.
- ^ ا ب ابن قدامة (1997)، المُغْنِي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، عبد الفتاح محمد الحلو (ط. 3)، الرياض: دار عالم الكتب، ج. 13، ص. 186: 189، OCLC:44834218، QID:Q130276131
- ^ تفسير المنتخب/ تأليف: لجنة من علماء الأزهر، [سورة التوبة: الآية 36].
- ^ وهبة الزحيلي (1985)، الفقه الإسلامي وأدلته (ط. 2)، دمشق: دار الفكر، ج. 8، ص. 5860: 5890، QID:Q126902480
- ^ ا ب عبد الله الطيار (2011)، الفقه الميسر، تحقيق: عبد الله المطلق، الرياض، ج. 7، ص. 232: 234، QID:Q134617197
{{استشهاد}}: صيانة الاستشهاد: مكان بدون ناشر (link)