وقد بيَّن الشيخ زروق المقصد من تأليف كتابه قائلا: "فالقصد بهذا المختصر وفصوله تمهيد قواعد التصوف وأصوله، على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويصل الأصول والفقه بالطريقة".[2] واستطاع "بما يملك من قدُرات عقلية ومن موسوعة علمية أن يصل إلى مراده، وأن يقرِّب المدلول الصوفي إلى المدلول الفقهي، وأن يُبعد عنه كثيرًا من مظاهر الغموض والإبهام والالتباس".[3]
يعد الكتاب من أهم المصادر في علم التصوف السني، ولا يخفى على القارئ كما أكد الدكتور المصطفى غانم: "أن التصوف السني، جليل القدر، عظيم النفع. مَهَمَّتُه تزكية الأنفس من الدنس، وتطهير الأنفاس من الأرجاس، وتوصيل الإنسان إلى نيل مرضاة الرحمن. وخلاصته، اتباع شرع الله، وتسليم الأمور كلها لله، والالتجاء في كل الشئون إليه، مع الرضا بالمقدّر، من غير إهمال في واجب، ولا مقاربة لمحظور."[4]
والكتاب مرجع تربوي أخلاقي يهدف ضبط السلوك وتزكية النفس لأن "التصوف الإسلامي الذي يهدف إلى التسامي بالبشرية إلى مستوى الإنسانية الرفيعة، لاشك في أنه وحي من الوحي، بل هو الدين كل الدين؛ لأنه بهذا الوصف يسعى لعلاج أمراض النفوس، وما من إنسان على وجه البسيطة إلا وهو مبتلى بجانب قليل أو كثير من مرض النفس، أو الخُلق أو السلوك. وإنما بعث الله تعالى الأنبياء والرسل والصالحين كلهم لعلاج الإنسان من هذه الأمراض النفسية والخلقية والسلوكية."[4]
إن كتاب "قواعد التصوف"، لا غنى للباحث عنه في التصوف الإسلامي ؛ إذ ينطلق من الوحي ويحتكم إليه، وهو المنهج الذي أبرزه المؤلف في صفحات كتابه.
إذ يعد؛ " تأصيلا وتقعيدا شرعيا للتربية الصوفية الملتزمة بالكتاب والسنة، ذلك أن الشيخ زروق هو أحد المتصوفة المغاربة الذين عرفوا بتقيدهم بالوحي تأصيلا وممارسة."
و المنهج المعتمد في الكتاب وسطي معتدل؛ لأن صاحبه تميز بفكره الوسطي المعتدل في تصوفه؛ وهذا طابع يطبع التصوف المغربي عموما."[5]
وقد أكد محقق الكتاب نزار حمادي أنه مؤلف" وحيد في أسلوبه، فريد في بابه وبالرغم من أنه لم يسبق بغيره إلا أنه لم يلحق به غيره فقد وضع قواعد يحتاجها كل متخصص في علوم الشريعة حتى يتسنى لكل عالم أن يجمع بين أركان الدين الثلاثة الإيمان والإسلام والإحسان على أكمل الوجوه وأحسنها."[6]
ومما يميز منهج الشيخ زروق، جمعه في تقعيده لعلم السلوك بين منهجين قلما نجد الجمع بينهما وهما: تصحيح المفاهيم وتعديل السلوك،فتجد أنه يؤصل للقاعدة نظريا ثم يبين تطبيقاتها في الواقع، ويكون بذلك قد أسس لمبدأ تربوي مهم وهو ضرورة أن يرتبط السلوك بالمفهوم..."[7]
يضع الإمام زروق في هذا الكتاب أكثر من 40 قاعدة، يهدف من خلالها إلى ضبط علم التصوف وضمان عدم انحرافه عن أصول الشريعة. ويُعرف التصوف بأنه "الصدق مع الله واتباع السنة".[8]
كما أن الكتاب يبرز أهم الأسس التي يقوم عليها السلوك الصوفي، مثل:
قال الإمام زروق في القاعدة الخامسة: "إسناد الشيء لأصله، والقيام فيه بدليله الخاص به، يدفع قولَ المنكرِ لحقيقته؛ لأن ظهور الحق في الحقيقة يمنعُ من ثبوت معارضتها. فأصل التصوف مقام “الإحسان” الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك»؛ لأن معاني صدق التوجه لهذا الأصل راجعة، وعليه دائرة؛ إذ لفظه دال على طلب المراقبة الملزومة به، فكان الحض عليها حضا على عينه، كما دار الفقه على مقام الإسلام، والأصول على مقام الإيمان."[9]
وقال في القاعدة الرابعة عشرة: " العلم بفائدة الشيء ونتيجته، باعث على التهمم به والأخذ في طلبه لتعلق النفس بما يفيدها، وإن وافقها وإلا فعل العكس وقد صح أن شرف الشيء بشرف متعلقه."[10]
وقال في القاعدة السادسة والعشرين: "ولم يكف التصوف عن الفقه بل لا يصح دونه ولا يجوز الرجوع منه إليه وإن كان أعلى مرتبة فهو أسلم وأعم منه مصلحة."[11]
وقال في القاعدة الخامسة والثلاثين: "فغلاة المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين وكالمطعون عليهم من المتفقهين، ويُرد قولهم ويُيجتنب فعلهم ولا يُترك المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه".[12]
وقال في القاعدة التاسعة والخمسين: "اتباع الأحسن أبدا محبوب طبعا، مطلوب شرعا...لأن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها."[13]
وقال في القاعدة الستين: "تعدد وجوه الحسن يقضي بتعدد الاستحسان، وحصول الحسن لكل مستحسن؛ فمن ثم كان لكل فريق طريق فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي ومن نحا نحوه، وللفقيه تصوف رعاه بن الحاج في مدخله وللمحدث تصوف حام حوله ابن العربي في سراجه..."[14]
يُعدّ قواعد التصوف للإمام أحمد زروق أحد الكنوز العلمية في تراث التصوف السُّني، جمع بين الزهد والعلم، والسلوك والانضباط، والتجربة الشخصية والتنظير التربوي، ولا يزال مصدرًا معتمدًا في التكوين الروحي للمريدين، ومرجعًا ثابتًا في التنظير لتصوف قائم على الشريعة والحقيقة معًا.
^أحمد زروق الفاسي البرنسي، أحمد زروق (2005م ـ 1426ه). قواعد التصوف (ط. 2). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ج. 1. ص. 21. {{استشهاد بكتاب}}: تحقق من التاريخ في: |سنة= و|تاريخ= (مساعدة)صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 21.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 23.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 26.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 32.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 37.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 50.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (2005). قواعد التصوف (ط. الثانية). بيروت لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 51.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: التاريخ والسنة (link)
^أحمد زروق الفاسي (27ـ 07ـ 2013). "قواعد التصوف". موقع نور. اطلع عليه بتاريخ 14ـ08ـ2025. {{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في: |تاريخ-الوصول= و|تاريخ= (مساعدة)
^أحمد زروق الفاسي (2005). "قواعد التصوف". مكتبة طريق العلم. مؤرشف من الأصل في 2025-05-13. اطلع عليه بتاريخ 14ـ08ـ2025. {{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في: |تاريخ-الوصول= (مساعدة)
^أحمد زروق الفاسي. "قواعد التصوف". مكتبة الشاملة. اطلع عليه بتاريخ 14ـ08ـ2025. {{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في: |تاريخ-الوصول= (مساعدة)