انتقل إلى المحتوى

مروانيون

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
مروانيون
مناطق حكم المروانيين (990 - 1085)
عاصمة آمد
نظام الحكم إمارة
الديانة الاسلام السني
التاريخ
الفترة التاريخية 983–1085
التأسيس 983  تعديل قيمة خاصية (P571) في ويكي بيانات
النهاية 1085  تعديل قيمة خاصية (P576) في ويكي بيانات

الدولة المروانية (بالكردية: میرنشینی مەڕوانی/دۆستەکی) التي عُرفت في بدايتها باسم الإمارة الدوستكيّة، هي دولة كرديّة إسلاميّة سنيّة حكمت شمال وغرب كردستان بين عامي 983م و1085م.[1] اتّخذت من ميافارقين عاصمةً لها، وامتدّ نفوذها ليشمل آمد وحصن كيفا ومناطق مجاورة. تمكّنت من ترسيخ حكمها عبر موازنةٍ دقيقة في علاقاتها مع الدولة العبّاسيّة والدول المحيطة. وبلغت أوج قوّتها في القرن الحادي عشر الميلادي، وتميّز عهدها باستقرارٍ نسبي وازدهارٍ عمرانيٍّ وإداريّ، قبل أن تسقط على يد السلاجقة سنة 1085م، لتؤول أراضيها لاحقًا إلى بني أرتق.

كانت الكردية اللغة الرسمية والمحكية، وعُرفت الدولة بالدوستكية نسبةً إلى دوستك والد باذ، وبالمروانية نسبةً إلى مروان والد أبي علي وإخوته الذين استمر الحكم في نسلهم.[2] امتد نفوذها إلى مدن وقلاع استراتيجية مثل خلاط وبدليس وملاذكرد ونصيبين وأرجيش ومرادية وإسعرد وجزرة وحصن كيفا، وتمكنت من السيطرة مؤقتًا على الموصل والرها، مما جعلها قوة إقليمية مؤثرة بين البيزنطيين والقوى الإسلامية.

التاريخ

[عدل]

مرحلة التأسيس الأوّل (الإمارة الدوستكيّة)

[عدل]

عند بداية تحرّكات الزعيم الكردي باذ بن دوستك، كانت بلادُ آمد (ديار بكر) بما فيها مدينة ميافارقين، خاضعةً لنفوذ الدولة البويهية الشيعية التي ينتمي مؤسسوها إلى الديلم. إذ كان البويهيّون قد أحكموا سيطرتهم على بغداد والخلافة العبّاسيّة منذ سنة 334هـ/945م، فأصبحت الخلافة اسمًا بيد العبّاسيّين، وسلطةً فعليّة بيد البويهيّين. وقد عانت مدن آمد في تلك المرحلة من جورٍ شديد على يد ولاة الديلم، وهو ما مهّد لاحقًا لقبول الأهالي بأيّ قوّةٍ محلّيّة قادرة على رفع هذا الظلم. وفي هذا السياق برز أبو عبد الله الحسين بن دوستك المعروف باسم بَاذ الكُرديِّ، وهو من أكراد حربخت أو بختان من القبيلة الحميديّة. وقد بدأت مسيرته من موقعٍ اجتماعيٍّ متواضع، إذ كان في أوّل أمره يرعى الغنم، غير أنّه عُرف برجاحة العقل والدهاء، واتّصف بالكرم والسخاء على الفقراء، فذاع صيته واجتمع حوله الأتباع. وشرع في شنّ غاراتٍ متقطّعة على بلدان الثغور، وكان يعود بغنائم وافرة يقسّمها بالعدل بين رجاله، الأمر الذي أدّى إلى التفاف عددٍ متزايد من الناس حوله.

وفي بدايته اصطدم باذ بالجيش البويهي، إذ أرسل صمصام الدولة البويهي جيشًا بقيادة أبي حرب للقضاء عليه، غير أنّ باذ تمكن من كسر الجيش البويهي والاستيلاء على عسكره وغنائمه، وهو انتصار عزّز مكانته العسكرية والإقليمية. كما خاض باذ معارك ضد الأرمن، ويُذكر أنّه حظي بدعم من الخليفة العباسي القادر بالله في حملاته ضدهم، ونال على إثر ذلك ألقابًا منها «شاه» و«أبو شجاع»، اعترافًا بدوره في حماية الثغور. وامتد نشاطه العسكري ليشمل مناطق شمال شرق بحيرة وان، حيث خاض معارك في منطقة أرجيش بدعم من قبيلة بشنوية الكردية التي تحالفت معه وأسهمت في تقوية نفوذه العسكري في تلك الأنحاء.

ومع وفاة الأمير البويهي عضد الدولة سنة 372هـ/983م، استغلّ باذ ما أعقبها من اضطرابٍ وضعفٍ في سلطة البويهيّين، واتّخذ من جبال حيزان والمَعْدِن مقرًّا لنشاطه، ومنها بدأ بمراسلة أهل ميافارقين، واعدًا إيّاهم بالإحسان ورفع الجور. ولمّا ضاقوا بظلم ولاة الديلم، فتحوا له أبواب المدينة، فدخلها وولّى عليها أخاه أبو الفوارس، واتّخذها مركزًا رئيسيًا لنفوذه. ومن ميافارقين انطلقت مرحلة الفتوح المنظّمة، فامتدّ سلطان باذ إلى نصيبين وإسْعِرْد وحصن كيفا، ووصل إلى الموصل، حيث ضرب السكة باسمه. غير أنّ هذه المرحلة انتهت بمقتله سنة 380هـ/990م أثناء محاولته استعادة الموصل من بني حمدان وبني عقيل، إذ خاض معركة دامية ضد تحالفهما بالقرب من الموصل، وخلالها سقط عن فرسه وانكسرت عظام ترقوته قبل أن يُقتل في أرض المعركة.

التوسُّع وقيام الدولة

[عدل]

انضمّ أبو علي الحسن بن مروان وإخوته إلى خالهم باذ منذ البداية، ولعبوا دورًا نشطًا في جيشه. وبمقتل باذ، صاح أبو علي في مقاتليه وجمع شملهم، ثم توجّه إلى حصن كيفا حيث كانت زوجة خاله الديلميّة تقيم، فأقنعها بفتح أبواب الحصن له وتزوّجها، فآلت إليه القلاع والموارد التي كانت تحت يد باذ دون إراقة دماء. ولم يقتصر نشاطه على تثبيت الإرث السياسي لخاله، بل خاض مواجهات عسكرية مباشرة مع بني حمدان انتقامًا لمقتله، فهزمهم في معركة دامية واستولى على أموالهم. كما تمكن خلال معاركه الأولى من أسر أبي عبد الله الحسين بن ناصر الدولة الحمداني، غير أنّه أكرمه وأطلق سراحه لاحقًا. وبحلول سنة 990م، كان أبو علي الحسن قد أحكم سيطرته على ميافارقين وحصن كيفا وآمد ومعظم بلاد آمد، لتدخل الإمارة في عهده مرحلة الاستقرار. غير أنّ عهده لم يخلُ من نزاعات داخلية، إذ قُتل غدرًا داخل مدينة آمد سنة 387هـ/997م نتيجة مؤامرة شارك فيها يوسف بن دمنة وشروه بن ممو.

ترسيخ الدولة

[عدل]

عقب اغتيال أخيه الأكبر، تولّى ممهد الدولة سعيد بن مروان الحكم في الفترة الممتدّة بين سنتي 997م و1011م، وكان سعيد قد شغل منصب والي الجزيرة، ولا سيّما منطقة جزيرة بوطان، وهو ما أكسبه خبرةً إداريّة مبكّرة انعكست على أسلوب حكمه لاحقًا. وما إن استقرّ له الأمر حتّى وجّه اهتمامه إلى الشأن الداخلي، فركّز على العاصمة ميافارقين وتحسين مرافقها العامّة، وجعل من إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار العمراني محورًا أساسيًا في سياسته. وفي إطار تحصين الدولة، قام ممهد الدولة بحملة تفتيش واسعة على أسوار ميافارقين، وأمر بترميم ما تهدّم منها وإصلاح مواضع الضعف، تأمينًا للعاصمة في مواجهة التهديدات الخارجيّة. وانتهى حكمه نهايةً مأساويّة، إذ اغتيل سنة 402هـ/1011م في منطقة هتّاخ، فكان مصيره شبيهًا بمصير أخيه الحسن.

العصر الذهبي للدولة

[عدل]

مثّل عهد الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان مرحلة متقدمة في تاريخ الدولة. نال فيه الأمير لقب «نصر الدولة» من الخليفة العباسي سنة 403هـ/1013م، واشتهر بلقب «الملك العادل»، كما تميّز بسياسة موازنة علاقاته مع القوى الكبرى. وظهر نفوذه الإقليمي في اجتماع رسل الخلافة العباسية والفاطمية وملك الروم في بلاطه، كما تدخّل وسيطًا لدى السلطان السلجوقي طغرل بك لإطلاق سراح أحد ملوك الروم دون فدية، فازدادت مكانته الدولية وتدفقت عليه الهدايا والتحف النفيسة.

لوحة بيزنطيّة تُصوّر جنود الإمارة المروانيّة وهم يفرضون الحصار على الرها عام 1032م، والتي كانت خاضعة للبيزنطيون.

وشهدت ميافارقين في عهده نشاطًا عمرانيًا، إذ شُيّدت القصور والمساجد والبيمارستانات والخانات والحمامات والجسور، كما أُسّست مدينة الناصرية على نهر بطمان، وأُعيد تحصين أسوار مدينة آمد وبُنيت فيها منشآت عسكرية. وعلى الصعيد التوسّعي، بسط نفوذه على مدينة الرها سنة 416هـ/1025م بعد حصار عسكري للمدينة التي كانت خاضعة للنفوذ البيزنطي، وعيّن نائبًا لإدارتها. كما دخل في نزاع عسكري مع بني عقيل، ولا سيّما مع قرواش صاحب الموصل، حين قام الأخير بحصار مدينة نصيبين، وانتهى النزاع بعقد صلح تضمن دفع أموال وتقديم تنازلات إقليمية متبادلة.

كما نشطت الحركة العلمية والطبية في عهده، وأصبح قصره مقصدًا للعلماء، وبرز الاهتمام بالطب والأطباء. وامتلك مقتنيات نفيسة، من أشهرها جوهرة «جبل الياقوت»، أهدى جزءًا منها لاحقًا للسلطان السلجوقي طغرل بك ضمن سياسته الدبلوماسية. شهدت البلاد في عهده استقرارًا اقتصاديًا وأمنيًا، رافقه قدر من التعايش بين الجماعات الدينية والعرقية المختلفة. وأدار شؤون دولته عبر جهاز إداري تولّى فيه الوزارة رجال بارزون، مثل فخر الدولة بن جهير وابو القاسم المغربي. كما عزّز علاقاته الإقليمية عبر زيجات سياسية. وانتهى حكمه سنة 1061م بعد أكثر من خمسة عقود، لتدخل الدولة عقب وفاته مرحلة نزاعات داخلية بين ورثته.

غزوات قبائل الغز

[عدل]

واجهت الدولة المروانية تحدِّي غزوات قبائل الغُزّ أو الأوغوز التركيَّة القادمة من سُهوب آسيا الوُسطى، فقد تعرضت نواحي آمد لهجماتٍ مُتكررة في سنة 437هـ/1045م، فحاول نصر الدولة احتواء الموقف عبر عرض الصُلح عليهم، والسَّماح لهم بالإقامة في البلاد حتَّى حلول الرَّبيع، على أن يرحلوا بعدها نحو الشام. ويأتي هذا التوجّه ضمن سياقٍ أوسع من سياسات الاستيعاب التي انتهجتها الإمارات الكردية المتحالفة مع المروانيين تجاه قبائل الغز، إذ سعت الزعامات الكردية مثل وهسودان بن مملان، في فتراتٍ سابقة إلى استيعاب هذه القبائل والاستفادة منها عسكريًا، وهو ما مثّل نموذجًا مبكرًا لمحاولات توظيف الغز ضمن التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة. غير أنَّ هذه السياسة لم تُؤتِ ثمارها، إذ تدهورت العلاقة على خلفيَّة مُؤامرة، أفضت إلى مقتل أحد قادة الغُزّ، منصور بن غزغلي، الأمر الذي فجَّر موجةً من النَّهب والسَّلب في البلاد. وهذه التوترات لم تكن معزولة عن سياق أوسع من الصدامات بين القوى المحلية وقبائل الغز، إذ أدّت اعتداءاتهم المتكررة في كردستان والأناضول إلى تحوّلهم إلى عنصر اضطراب دائم، وهو ما دفع القوى الإقليمية ومن بينها الدولة المروانية، إلى بناء تحالفات مع القوى الكبرى التي تمثّلهم للحد من الهجمات، ولا سيما السلاجقة الذين برزوا لاحقًا بوصفهم القوة السياسية المنظمة لجموع الغز. وقد انعكس ذلك في توجّه نصر الدولة أحمد بن مروان ثم خلفه نظام الدولة نصر إلى اعتماد سياسة التحالف مع السلاجقة، في إطار محاولة الحفاظ على استقرار الدولة.

عهد نظام الدولة نصر

[عدل]

التحالف السلجوقي ومعركة ملاذكرد

[عدل]

تولّى الحكم سنة 453هـ/1061م نظام الدِّين نصر بن أحمد المعروف بلقب نظام الدولة نصر، خلفًا لوالده نصر الدولة أحمد، واستمرّ في الحكم حتى وفاته سنة 472هـ/1080م. ومع بداية حكمه نشب نزاع حاد مع أخيه الأكبر أبي الحسن سعيد، إذ بايعه الوزير ابن جهير وأعيان الدولة دون أخيه، مما دفع سعيد إلى التعاون مع السلطان السلجوقي طغرل بك الذي أمدّه بقوة من الفرسان بلغ عددهم نحو خمسة آلاف فارس، حاصرت ميافارقين، وانتهى الصراع بصلح منح بموجبه سعيد مالًا وإقطاعات، قبل أن يستقل بمدينة آمد مدة من الزمن. ثم انتهى النزاع بمقتل سعيد إثر مكيدة نُسبت إلى نظام الدولة، فعادت آمد إلى سلطته واستقر له الحكم.

واصل نظام الدولة تحالفه مع السلاجقة ونال مكانة رفيعة عندهم حتى خوطب بلقب «سلطان الأمراء». وشارك في معركة ملاذكرد سنة 1071م حين أنجد السلطان ألب أرسلان الذي كان في ظرف حرج أمام البيزنطيين، بجيش كردي كبير قوامه عشرة آلاف مقاتل أسهم في تحقيق النصر الحاسم على الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينيس. غير أنّ هذا التحالف لم يمنع السلطان السلجوقي عقب المعركة من بسط نُفوذه المُباشر على خلاط وملاذكرد، إذ عيَّن عليهما وُلاة تابعين له، مُنتزعًا إدارتهما من السُّلطة المروانيَّة.

النشاط العمراني

[عدل]

شُيّد في عهده جسر «العشر عيون» أو «العشر أقواس» على نهر دجلة سنة 457هـ/1065م بإشراف وزيره ابن الأنباري، كما أُعيد ترميم أبراج وأسوار مدينة آمد في عدة مراحل خلال ستينيات وسبعينيات القرن الحادي عشر، واستمر جهاز الدولة الإداري نشطًا بوزارة شخصيات بارزة، كان من أبرزهم فخر الدولة بن جهير الذي اكتسب لاحقًا مكانة رفيعة في بغداد. وانتهى حكم نظام الدولة بوفاته في ذي الحجة سنة 472هـ/1080م، ودُفن في ميافارقين إلى جانب والده، وخلفه ابنه ناصر الدولة منصور.

سقوط الدولة

[عدل]

تولّى آخر حكامها ناصر الدولة منصور بن نصر، المعروف أيضًا بأبي المظفّر منصور، الحكم في الفترة ما بين سنتي 472-478هـ/1079-1085م. وجعل في بداية حكمه أبا طاهر بن الأنباري وزيرًا له، غير أنّ أوضاع البلاط تغيّرت سريعًا حين تأثّر بطبيب مسيحي كان يعمل عطارًا في ميافارقين يُدعى أبو سالم، فأقنعه بالقبض على الوزير ابن الأنباري وحبسه، واستبدّ بتسيير شؤون الإدارة، وهو ما أدّى إلى خلل واضح في توازن الحكم وإثارة حالة من السخط وعدم الاستقرار داخل الدولة.

الحملة السلجوقيَّة

[عدل]

وتزامن هذا الاضطراب مع توتّر سياسي في علاقاته الخارجية، إذ تذكر بعض الروايات أنّ منصور ارتكب خطأً بالغ الأثر حين قطع الخطبة للخليفة العباسي في بغداد وأمر بالخطب للخليفة الفاطمي في مصر، وهو ما أثار غضب العباسيين والسلجوقيين معًا. كما لعبت أسرة ابن جهير دورًا حاسمًا في تسريع سقوط الدولة، إذ كان فخر الدولة بن جهير قد تولّى الوزارة للمروانيين سابقًا قبل انتقاله إلى خدمة العباسيين والسلاجقة، وكان مطّلعًا على حجم الثروات الكبيرة الموجودة في خزائن بني مروان. وقد قام ابنه أبو نصر بن محمد بن جهير بإغراء السلطان السلجوقي ملك شاه بالاستيلاء على آمد، وذكر له ما تحويه خزائن الدولة من جواهر ونفائس عظيمة، ومن بينها «حبل الياقوت» الشهير وغيره من المقتنيات الثمينة. فاستجاب السلطان لهذه الدعوات، فأقطع سنة 476هـ كردستان لفخر الدولة بن جهير، وزوّده بجيش كبير بقيادة القائد التركي أرتق بك بن أكسب لمساندته في انتزاع البلاد من المروانيين. فتحرّكت القوات السلجوقية نحو الإقليم وفرضت حصارًا شديدًا على العاصمة ميافارقين ومدينة آمد، وضيّقت الخناق عليهما وقطعت الأشجار والموارد المحيطة بهما لإجبارهما على الاستسلام.

حاول ناصر الدولة منصور إنقاذ ملكه بالتحالفات الإقليمية، فاستنجد بحاكم الموصل شرف الدولة مسلم بن قريش الذي لبّى النداء وسار بجيش كبير لفك الحصار. غير أنّ القوات السلجوقية شنّت هجومًا ليليًا مباغتًا على جيش الموصل، فانهزم وانسحب من ساحة القتال، مما ترك منصور معزولًا في مواجهة الحصار. وتمكّنت قوات ابن جهير وأرتق بك من فتح ميافارقين والسيطرة على آمد وديار بكر سنة 478هـ/1085م، بعد حملة عسكرية كبرى أنهت حكم بني مروان الذي استمر نحو واحد وتسعين عامًا، وانتقلت أراضيها إلى حكم بني أرتق. وبعد سقوط العاصمة، استولى ابن جهير على ثروات ضخمة من خزائن المروانيين، من بينها مائدة بلورية كبيرة، و«حبل الياقوت» الشهير، وقطع من البلخش قُدّرت قيمتها بمئات الآلاف من الدنانير، وأرسل جزءًا كبيرًا من هذه الغنائم إلى السلطان ملك شاه. وشهدت بعد المنطقة بعد ذلك تراجعًا ملحوظًا في مظاهر الرخاء والاستقرار التي كانت قد سادت في العهد المرواني، إذ تحوّلت آمد من مركز حضاري وسياسي مستقل إلى ساحة تتقاسمها القوى العسكرية التابعة للدولة السلجوقية.

الجيش

[عدل]

ظل الجيش المرواني يعتمد أساسًا على القبائل الكردية في تكوينه ولم يحتج إلى استخدام فرق الغلمان الأتراك كما فعل البويهيون من قبلهم، إذ وفّر المقاتلون الأكراد، ولا سيما الفرسان، القوة العسكرية اللازمة للدولة. شكّل المقاتلين الأكراد العمود الفقري لجيشها منذ مرحلة التأسيس الأولى. فقد ضمّ المؤسس باذ بن دوستك أعدادًا كبيرة منهم إلى خدمته، وكان من أبرز حلفائه قبيلة بشنوية الكردية التي وقفت إلى جانبه منذ ظهوره العسكري سنة 983م، وشاركت معه في معاركه المبكرة، ومنها معركة أرجيش، واستمر وجودهم داخل الجيش خلال العهود اللاحقة. كما تذكر الروايات أنّ باذ، عندما ضاق عليه الموقف في صراعه مع الحمدانيين والعقيليين، تحصّن مع نحو خمسمائة مقاتل كردي من نخبة رجال الجبال في قواته.

وبعد مقتل باذ، أعاد أبو علي الحسن بن مروان تنظيم الجيش، فجمع بقايا قوات خاله وشرع في تجنيد عناصر جديدة، حتى تحوّل الجيش إلى قوة عسكرية مهابة. وقد عُرف هذا الجيش باعتماده على الخيالة الأكراد الذين امتازوا بالقدرة القتالية العالية، كما مارس عمليات حصار منظّمة للمدن، ومن أبرزها حصار الرها في القرن الحادي عشر عندما كانت خاضعة للبيزنطيين. وقاد باذ نفسه في مرحلة التأسيس قوات كبيرة واجه بها البويهيين والحمدانيين، وتمكّن من بسط نفوذه العسكري حتى الموصل.

ولم يقتصر اهتمام المروانيين على الحشد العسكري فحسب، بل شمل أيضًا تعزيز المنشآت الدفاعية، فقد عمل حكامهم على تحصين المدن، ولا سيما مدينة آمد، حيث جرى ترميم الأبراج الدفاعية وبناء تحصينات جديدة على مراحل متتابعة. كما أنشئت أبراج مراقبة في العاصمة ميافارقين لتعزيز منظومة الدفاع، وأمر الأمير نصر الدولة أحمد ببناء مسجد عند «باب الجبل» في آمد ليكون مخصصًا لجنود الحراسة المرابطين على الأسوار.

قائمة الأمراء

[عدل]
الحاكم فترة الحكم (ميلادي)
أبو شجاع باذ بن دوستك 983-990م
أبو علي الحسن بن مروان 990-997م
ممهد الدولة سعيد بن مروان 997-1011م
نصر الدولة أحمد بن مروان 1011-1061م
نظام الدين نصر بن أحمد 1061-1079م
ناصر الدولة منصور بن نصر 1079-1085م

المراجع

[عدل]
  1. ^ Sebastian (2018)، ص. 130.
  2. ^ محمد جمال باروت. التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية. ص 235.

ثبت المراجع

[عدل]
  • Sebastian، Maisel (2018). The Kurds: An Encyclopedia of Life, Culture, and Society. ISBN:9781440842573. مؤرشف من الأصل في 2020-12-31.{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link)