مستخدم:Hasanisawi/نظرية المعرفة عند الفارابي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

نظرية المعرفة عند الفارابي

فهرس[عدل]

  • وسائل تحصيل المعرفة
  • كيف يتم الإدراك الحسي.
    • ما هي القوى المتعلقة بالإدراك الحسي.
    • ماذا تفعل هذه القوى بها.
    • المتوهمة، الحس المشترك، المتخيلة، ما وظيفة كل واحدة، حتى تصل الصورة إلى العقل.
  • تراتبية العقل.
    • العقل النظري، ماذا يفعل، وكيف يكون التأثير.
  • العلاقة بين الحس والعقل، تمايز وإرباكات هذه العلاقة، التجارب أكثر، المعرفة.

وسائل تحصيل المعرفة عند الفاربي[عدل]

تتنوع طرق المعرفة عند الفارابي الى ثلاثة: المعرفة الحسية, والعقلية, والاشراقية. والمعرفة الحسية مركبة من فعل بدني وفعل نفساني. ولكونها فعلا بدنيا يقتضي اتصال الانسان المباشر بالاشياء والمحسوسات. أما كونها فعلا نفسانيا فلأن الاحساس ذاته هو فعل نفسي. ولا تحصل المعرفة بمجرد مباشرة الحس بالمحسوسات, بل تتدخل في ذلك قوى نفسية متعددة. فإن الحس يباشر محسوسه فتحصل صورته فيه, فيؤديها الى الحس المشترك ومن ثم الى قوة التمييز في المتخيلة, التي تهذبها وتنقحها فبل ان تؤدي بها الى العقل.

وبذلك يكون الفارابي قد جمع بين المعرفة من خلال الحس الظاهر والحس الباطن وأوصلها الى المعرفة العقلية. ومراتب العقل البشري عند الفارابي هي: العقل بالقوة او العقل الهيولاني , والعقل بالفعل. العقل بالقوة وهو لوحة ملساء قادر على ادراك الصور منقوص منها لواحق المادة ولوازمها, ويدرك الكليات المنتزعة من الجزئيات, ولكنه لكي يدرك الكليات المفارقة (مثل الله والعقول العشرة او مفاهيم الميتافيزيقا بشكل عام), بحاجة الى فيض العقل الفعال لكي يعينه للانتقال الى مرتبة العقل بالفعل, ومن ثم الى مرتبة العقل المستفاد حيث يدرك المعقولات حدسا واشراقا.

المعرفة الحسية[عدل]

الفارابي يرى ان حصول المعارف للانسان, يكون اولا من جهة الحواس. ويقول ان ليس هناك معرفة بدونها ولذلك فدورها حاسم في تحصيل المعرفة. ولكن كما سنرى بعد ذلك فإن الفارابي يستغني عنها.
ينفعل الحس عن المحسوس فتحصل فيه صورة. ولكن هذه الصورة تبقى ملابسة للمادة من حيثيات وكيفيات ولواحق وغواشي ولوازم وجميع الأعراض المتعلقة بالمادة. مثلا عندما انظر الى سلمان, تحصل عندي صورة عنه, تشمل الملابس التي يرتديها, واين وكيف يجلس ... الخ. إذن حصول الصورة في الحس يتم عن طريق انفعال الحس بموضوع تلك الصورة, "ولا بغير ذلك من الاحوال", اي يجب ان يكون الموضوع حاضر ومتعين.

أنواع الحواس[عدل]

الحواس نوعين: الحواس الظاهرة والحواس الباطنة

الحواس الظاهرة[عدل]

يدرك الحس الأشياء المحسوسة, الأتية من الخارج. ويأخذ منها صورة. ويقول الفارابي تنطبع صورة المحسوس في الحس كما ينطبع الختم في الشمع. الصورة التي انطبعت في الشمع ليست الشيء نفسه, ولكنها شبيهة له, وتمثل تأثير المحسوس في الحس. ويقول الفارابي ان الصور - الاتية من تأثير المحسوسات على الحس- ذات كيفيات : بعضها شديد, وبعضها ضعيف. إذا كان شديدا, فالصورة تبقى حتى وان زال المحسوس. ولكن اذا كانت شدتها اكثر من اللازم فإنها تتلف آلة الحس. كمثل الضوء العالي على البصر, يعيقه من أن يبصر.
وبما ان هذه الصورة مرتبطة بحضور المحسوس, فإن زال زالت. الحس ينسلخ عن الصورة إذا فارقه المحسوس. فلا يدرك الصورة الا في مادتها وبعوالق هذه المادة.الحس يدرك الشخص ليس فقط من حيث هو انسان, بل أيضا بزيادة أحواله, من كم وكيف وأين ووضع ... الخ. الحس ينسلخ عن الصورة إذا فارقه المحسوس. فلا يدرك الصورة الا في مادتها وبعوالق هذه المادة.
العلاقة بين المحسوس والحس كما هي عند افلاطون: المؤثر والمتأثر, حيث الصورة المحسوسة هي الحصيلة, ويعرفها الفارابي بالاثر الحاصل عن تأثير المحسوس في قوة الحس.
الادراك الحسي عند الفارابي يأتي من ظاهر الاشياء او كما يقول من سطوحها, وليس من الشيء في حد ذاته. بل اقصى ما نحصل عليه في الادراك الحسي هو خواص ولوازم وأعراض ولواحق الأشياء, وهذه هي التي تؤثر في حواسنا.

الحواس الباطنة[عدل]

يقسم الفارابي الحواس الباطنة الى خمسة, وهي: الحس المشترك، والمصورة أو الخيال، والمتخيلة، والوهم، والحافظة

  • الحس المشترك: تحصل فيه صور تأثير المحسوس على الحواس الخمسة, ويربط بين هذه الصور, مثلا الشم والطعم , وبفضلها ندرك الشكل والمقدار والحركة والسكون.
  • المصورة : تحفظ ما اجتمع في الحس المشترك من صور المحسوسات وتبقى هذه الصور فيها حتى بعد غيبه المحسوس.
  • الوهم: تدرك المعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات. ويتميز الوهم بأنه أقدر من الحس والخيال على تجريد الصور عن المادة. فهو المسؤول عن القوة النزوعية, مثلا الهروب من الخطر.
  • المتخيلة : تقوم باستعادة صور الأشياء التي حفظتها المصورة ومن ثم تفكيك وتركيب صور جديدة
  • الذاكرة (الحافظة) : تقوم بحفظ ما يدركه الوهم من المعاني الموجودة في الأشياء المحسوسة واستعادتها بمعاونة المتخيلة.

يرتبط بالحس عدد من القوى جميعها داخلية, لأن وسائل اتصال النفس مع العالم الخارجي هي الحواس, وبمجرد الحصول على صورة المحسوس, تكون قد انتهت وظيفة القوة الحاسة. بعد ذلك هذه الصورة تنتقل إلي قوة أخرى وهي قوة الوهم.

قوة الوهم تدرك معنى الصور الأتية عن طريق الحس. مثلا الشاة عندما ترى الذئب تدرك معنى العداوة فيه -والتي ليست مدركة حسيا- فتهرب حتى وان لم يكن لها خبرة سابقة بذلك.

الفارابي يضيف قوتين أخريين ويسمي كلاهما خزانة (ذاكرة):

  • القوة المصورة, خزانة كل ما يدركه الحس
  • القوة الحافظة, خزانة ما يدركه الوهم بالإضافة إلى ما يدركه الحس

القوة المتسلطة على تفكيك وتركيب ودائع هاتين الخزانتين هي القوة المتخيلة. ولكن هذه القوة تسمى "مفكرة" إذا استعملها العقل, أو "مخيلة" إذا استعملها الوهم. كيف يمكننا أن نعرف من بين هاتين القوتين من يستخدم ودائع الصور ؟


يرتب الفارابي المعرفة الحسية على النحو التالي:

  • تحصل الصور المحسوسة في الحس , نتيجة تأثير الأشياء في حواسنا
  • ثم تنتقل إلى الحس المشترك (وليس الى الوهم ؟). بتذكر ما قاله افلاطون ان حواسنا ليست معبئة فينا كما لو كانت انها في حصان خشبي, أي يجب ان يكون وراء كل هذا شيء ما, وهو الحس المشترك.
  • ثم تنتقل الى المتخيلة

الحس المشترك لا يدرك الصورة خالصة , بل يدركها كخلطة من التأثيرات الحسية, ولكنه يستثبتها [1] بعد زوال المحسوس. وكما يقول الفارابي الوهم والمخيلة يتعاملان مع صورة مخلوطة بزوائد وغواشي (الاعراض والكيفيات واللوازم).

بالرغم من هذا الدور الحاسم لقوة الحس في نظرية المعرفة عند الفارابي, إلا انه يسند ثقة الإنسان في حواسه إلى تعوده عليها. لأن الإنسان من بداية خلقه وهو يعتمد على الحواس, وبالتالي فان مرد هذه الثقة للحواس هي التعود عليها. وكما القول الشائع هل اصدقك واكذب عيني؟. لأن النفس نشأت على الحواس, وما لديها هي معطيات الحس , فاصبح تتضمنن لها وتثق فيها وتتوهم ان ليس هناك وجود لغير مدركاتها. وكما القول "ما هو محسوس موجود وما هو غير محسوس غير موجود", وبالتالي النفس تتوهم أن لا وجود للعقليات. إنما هي أوهام مرسلة.
فما هي العقليات وكيف تدركها النفس وبأية قوة ؟.

دور العقل[عدل]

التعقل هي القوى الأسمى في النفس الناطقة, تتفوق على الطبيعة لتسمو الى ما فوق الطبيعة. أي انها تجسر الهوة بين ما هو تحت القمر وما هو فوق القمر. ولذلك يعتبر الفارابي العقل ماهية النفس الناطقة. وبها تتميز هذه النفس عن باقي الكائنات الاخرى, حتى مع الحيوانات التي تشاركها قوتي الحس والتخيل.

لمعرفة دور العقل ينبغي أولا معرفة وظائف القوى الأخرى , مثل الحس المشترك وقوة الحفظ والمتخيلة, ومعرفة ان النفس تطمئن لهذه القوى, ومثال على ذلك القول الدارج: "هل تريد أن أصدقك وأكذب عيني". وهذا يعني ان ما يأتينا من الحواس هو الواقع والحقيقة. فهل العقليات أوهام مرسلة وتخيلات من صنع الخيال ؟.

وظيفة القوى المتخيلة تكمن في تفكيك وتركيب الصور الأتية عن طريق الحس وأيضا في تأليف صور جديدة  [بحاجة لمصدر], التي يكون بعضها صادق والأخر كاذب. ويعطي الفارابي للمتخيلة دور حاسم في عملية المعرفة, (او على الأقل كمدخل لها). دور هام في عملية الانتقال مما هو محسوس وملابس للمادة الى ما هو معقول ومجرد من المادة. ودور المتخيلة في هذه العملية هو دور الوسيط. كما هو حال الشاكلة عند كانط  [بحاجة لمصدر].
ويضيف الفارابي قوة اخر للمتخيلة وهي قوة التمييز, التي وظيفتها تكمن في تنقيح وتهذيب الصور من الغواشي قبل ان تؤدي بها الى العقل.
ما يميز القوة العاقلة في النفس الناطقة عن غيرها في الحيوانات الغير ناطقة, هي انها تدرك غيرها وتدرك ايضا ذاتها. مثلا عندما نبصر شيئا فنحن لا نبصر بصرنا, أي نكون غافلين عن آلة البصر التي تسمح لنا من أن نبصر. او عندما نسمع صوتا نكون غافلين عن آلة السمع التي تمكننا من أن نسمع.


ارباكات فارابية[عدل]

الفارابي يميز بين الحس والعقل, حيث يقول ليس من شأن المحسوس ان يعقل وليس من شأن المعقول ان يُحس. لأن كل واحد منهما له مدركه الخاص به. مثلا الخروف كمفهوم معقول لا يمكن ان يحس, والانسان كمفهوم كلي ليس متحققا مثل حسن وسلمان, أي انه ليس محسوسا.
ولكن الفارابي في نفس الوقت لا ينكر العلاقة بين المحسوس والمعقول. لأنه يقول ان معرفة الانسان لا تأتي الا عن طريق الحواس. أي ان ادراك الانسان بالكليات يأتي عن طريق احساسه بالجزئيات. على اعتبار ان الكلي يأتي عن طريق انتزاعه من مجموعة من الجزئيات. وكما يقول الفارابي ان الكلي يتم إدراكه من الكلي ومعه بفعل معرفي واحد. أي أنني لا أرى سلمان ومن ثم أدرك انه انسان, بل بمجرد رؤيتي له ادرك الانسان الموجود فيه. بشكل عام يمكن القول ان هناك إرباكات عند الفارابي حول العقل وصلته بالحواس.

  • لأنه يرى حينا ان العقل ليس الا تجارب حسية, وانه بزيادة هذه التجارب تكون النفس أتم. كما القول الدارج: "من هو أكبر منك بيوم يكون أحكم منك بسنة ". وهذا يعني ان القوة الحاسة تعطي العقل الصور المحسوسة الذي بدوره يجردها من عوالقها ليدركها كماهيات.
  • وفي حينا اخر يرى ان القوى البدنية تعيق النفس من ان تخلو بذاتها وإدراكاتها. أي المادة هي الشيء الذي تمنع النفس ان تكون عاقلة. فإذا انشغلت النفس بالحواس, أي بالوسائط المادية, غفلت عن ذاتها. وهذا يعني ان ليس هناك ضرورة للحواس اذا اردنا ان تكون النفس في حالة افضل. وفي هذا الصدد يقول الفارابي عند مفارقة النفس للبدن تحصل لها المعقولات على نحو مباشر وبدون معونة الحواس. وهنا أيضا يمكن ملاحظة تأثير افلاطون على فلسفة الفارابي.
  • وهناك ارباكات أيضا بخصوص الاوائل والمبادئ, الذي يعتبرها الفارابي أحيانا فطرية واحيانا اخرى غير فطرية. وفي هذه الحالة الأخيرة يقول أنها تحصل للنفس عن غير قصد ومن حيث لا تشعر. ولكن الفارابي لا يعطي اي تبرير عن متى وكيف تحصل هذه الأوائل.

علما بأن الاوائل هي المعارف الضرورية مثل ان يكون الكل اكبر من الجزء او ان الاشياء المتساوية لشيء تكون متساوية فيما بينها.

الفارابي يقر من جهة بحصول الاوائل العقلية بدون استعانة الحس, ولكنه من جهة اخرى تحدث عن أفكار فطرية, مثل الصفات الفطرية التي اشترط أن تتوافر في رئيس المدينة الفاضلة. [2] . فما هو الحل لهذه الارباكات ؟

فما هو سبب هذه الإرباكات , وهل هي ناتجة من سوء ترتيب الفارابي للأمور ؟

حلول ممكنة[عدل]

يقول الفارابي ان عملية فيض العقل الفعال على العقل بالقوة تنقله الى ان يصبح عقلا بالفعل. وهنا يجب معرفة كيف ومتى تتم هذه العملية ؟.

بتذكر ما قلناه سابقا عن العلاقة بين الحس والعقل ولم نتطرق الى الادراك العقلي للغيبيات, مثل الله والكون. فهل هناك مرتبة اخرى من التجريد تتميز فيها الكليات المنتزعة عن العقليات المجردة تماما. لقد عرفنا ان الكليات المنتزعة كما قال الفارابي تدرك في الجزئي ومعه في فعل معرفي واحد. فهل هذه العقليات, مثل الله والكون, تأتي عن طريق الفيض ؟.

الفارابي يقسم العقل الى نوعين: العقل النظري والعقل العملي .

  • بالعقل النظري يحوز الانسان بعلم ما ليس بشأن انسان ان يفعله اصلا, مثل العلم بالله والملائكة والجنة والنار أو الميتافيزيقيا بشكل عام.
  • بالعقل العملي يحوز الانسان على علم يفعله بارادته, مثل الأفعال الحرة.

ولكي يحافظ الفارابي على مبدأ القوة والفعل يقول ان العقل بمعناه الاتم لم يعطى للانسان من اول امره. لأنه يعرف القوة الناطقة في النفس , بهيئات معدة لتقبل المعقولات. وسمى هذه القوة بالعقل الهيولاني او عقل بالقوة الذي بعد ان حصول المعقولات لهذه الهيئات, التي سماها عقل بالقوة او عقل هيولاني, تنقلها الى ان تصبح عقلا بالفغل. أي بواسطة عملية التعقل يصبح العقل بالقوة عقلا بالفعل.

وللعقل مراتب كما صنفه الفارابي:

  • العقل بالقوة, وله صله بالخيال, او المتخيلة التي تقوم بعمليات تفكيك وتركيب الصور الأتية عن طريق الحس ومن ثم تهذبها وتنقحها قبل ان تؤدي بها الى هذا العقل. ويقول الفارابي ان هذه الصور الناتجة من تلك العمليات والتي استحضرتها المتخيلة بعد غياب المحسوس, ليس لها علاقة مباشرة بالمحسوس. وهذه تمثل اول مراتب الانتزاع والتجريد ونصل إليها بدرجات تبدأ اولا بحصول الصور الملابسة للمادة ومن ثم استحضارها من قبل المتخيلة لتفك وتركب دون ان يقتضي استحضارها حضور المحسوس. وبالتالي المتخيلة تمثل مرحلة متوسطة بين ما هو محسوس وما هو مجرد.

ولكن الفارابي يقول: قد يظن ان العقل تحصل فيه صور الاشياء عند مباشرة الحس بالمحسوس بدون توسط , وليس الامر كذلك. اي ان هناك وسائط بين صور الأشياء في العقل وبين هذه الأشياء نفسها. وهذه الوسائط هي المتخيلة وقوة التمييز. ولكن بمقارنة ما يقوله الفارابي الآن من عمليات متتابعة للادراك تبدأ بمباشرة الحس وتنتهي بالعقل مرورا بالحس المشترك وبقوة التمييز وبالمتخيلة, وما قاله سابقا عن علاقة الكلي بالجزئي: الكلي يدرك في الجزئي ومعه في فعل معرفي واحد, نجد ان هناك تناقض. [3]

العقل بالقوة في مرتبتة الهيولانية يصبح مؤهلا ومستعدا لان يصبح عقلا بالفعل عندما يبدأ بادراك الصور المحسوسة منقوصا منها اللواحق واللوازم والغواشي (الجوانب المادية) الصور المحسوسة.

بتذكر ما قلنا سابقا ان العقل التام لم يعطى للانسان من اول الامر, وبأن ما كان بالقوة يصبح بالفعل بفعل فاعل, او كما يقول الفارابي ان ما بالقوة ليس به الكفاية للانتقال من حال هو عليها بالقوة الى حال هو عليها بالفعل (الحالة الاتم) الا بفعل فاعل. وهذا المعين كما يقول الفارابي هو العقل الفعال. الذي منزلته من العقل الهيولاني كمنزلة الشمس من البصر. أي ان الاشياء في الظلام التي هي مرئية بالقوة, تصبح مرئية بالفعل بفعل ضوء الشمس.

  • العقل بالفعل
  • العقل المستفاد, هي المرتبة العليا التي يصل اليها العقل بالفعل, وحيث يعقل معقولاته حدسا واشراقا دون معونة الحواس. أي ان العقل المستفاد في هذه المرحلة يكون قادرا على تقبل فيض المعقولات من العقل الفعال بدون مساعدة الحواس.

تكملة[عدل]

عندما يصل الانسان الى تجريد الكلي من الجزئي وإدراك الجزئي في الكلي ومعه, عند إذن يكون مستعد لقبول فيض العقل الفعال, الذي ينقله من عقل بالقوة الى عقل بالفعل. أسمي مرتبة للعقل بالفعل هي مرتية العقل المستفاد, حيث يستطيع ادراك المعقولات حدسا واشراقا, أي مباشرة بدون استعانة الحواس. التي ليست ضرورية في هذه المرتبة لإدراك كليات مثل الله.

العقل في مرحلة العقل بالقوة يكون قادر على ادراك الصور منقوص منها لواحق المادة ولوازمها. وهذه المرحلة تمثل مرحلة اولى من التجريد. وهنا العقل يصبح مؤهلا ومستعدا لأن يصبح عقلا بالفعل. في مرحلة العقل بالقوة, العقل يدرك الكليات المنتزعة من الجزئيات ولكنه لكي يدرك الكليات المفارقة (مثل الله والعقول العشرة او مفاهيم الميتافيزيقا بشكل عام), بحاجة الى فيض العقل الفعال لكي يعينه للانتقال الى مرتبة العقل بالفعل, ومن ثم الى مرتبة العقل المستفاد حيث يدرك المعقولات حدسا واشراقا (علم حضوري).

هل فيض العقل الفعال يكون متساوي على جميع العقول البشرية ؟. نعم ولكن تفاوت استعداد الأفراد في تقبل الفيض يؤدي إلى تفاوت مستوياتهم في التفكير. أي ان كل نفس ناطقة تتلقى مقدار من الفيض بحسب استعدادها له, وإن لم يكن هذا التفاوت لتساوى الفيلسوف والصعلوك.

ويقول الفارابي : وليس في جوهرها- بالإشارة كفاية ان تصير من تلقاء نفسها معقولات بالفعل. ولا أيضا في القوة الناطقة الكفاية مما اعطي لها بالطبع (أي التعقل) ان تصبح عقلا بالفعل, بل تحتاج الى شيء اخر, وهو العقل الفعال.

من عقل بالقوة يدرك الصور الآتية عن طريق الحس مجردة من علائقها المادية, اصبح مستعدا مهيئا لأن يصبح عقلا بالفعل بواسطة او بمعونة العقل الفعال. الذي يفيض عليه معقولات تسمح له بالوصول الى اسمى مرتبة , وهي العقل المستفاد. وفي هذه المرتبة يستطيع العقل العقل البشري ان يدرك الصور المعقولة بدون العمليات المتراتبة: من حس, فحس مشترك فمتخيلة فعقل.

العقل بالقوة يعتمد في تهيئته لأن يصبح عقلا بالفعل على الخيال, الذي فيه قوة التمييز تهذب وتشذب وتنقح الصور الآتية عن طريق الحس قبل ان تؤديها الى العقل. ويتحول بعد ذلك الى عقل بالفعل نتيجة فيض العقل الفعال عليه. وهذا الفيض كما يقول الفارابي يحفز العقل بالقوة على إدراك الأمور المجردة. مثلا اذا كان لديك فكرة عن العلة والمعلول, فالعلة الأولى يمكن ان تكون سبب محفزا.

كيف يحصل الادراك[عدل]

الادراك الحسي[عدل]

العلاقة بين المدرك والمدرَك, بين الذات والموضوع. تبدأ المعرفة عند الفارابي بالحس, فما هي علاقة الحس بالمحسوس, كيف تتم عملية الادراك الحسي ؟. يقول الفارابي أن جوهر الادراك الحسي قائم على المماثلة بين المدرك والمدرَك, مثلا انطباع الختم في الشمع, كالصورة التي تنطبع في المتخيلة تماثل او تشابه المحسوس. يقول الفارابي فكما الشمع يبقى غريبا عن الختم الى ان ينغمس فيه, وهكذا الحواس تبقى غريبة عن المحسوسات الى ان تنطبع فيها صورتها. فالإدراك الحسي مماثلة او مشابهة بين الصورة الحسية والموضوع المحسوس.

الادراك العقلي[عدل]

أما الادراك العقلي ,كما يقول الفارابي, فيتصوره في نفسه. أي ان ليس له علاقة مع ما هو خارج النفس. فعندما يأخذ العقل صورة الشيء خارج النفس , ويعمل بها فعاليته الخاصة به, فيتصورها في نفسه وبالتالي لا تكون بعد الآن مطابقة او مماثلة لصورة ذلك الشيء المحسوس. ويقول الفارابي ان الصور كما يتصورها العقل تكون الطف الصور. فهل هذا يعني انها افضل مما هي في الواقع ؟. الحقيقة عند افلاطون هي مطابقة ما في الاعيان لما في المثل, وعند ارسطو هي مطابقة ما في الاذهان لما في الاعيان, أما عند الفاربي فهي مطابقة ما في الاعيان لما في العقل الفعال, ولذلك فهي الطف الصور.

الفرق بين المحسوس والمعقول[عدل]

  • زوال المحسوس بزوال موضوعه؛ اما المعقول فيبقى في العقل.
  • تطابق او تماثل بين الإدراك الحسي والمدرك حسيا ؛ بينما لا يوجد مماثلة بين المعقول داخل النفس والمعقول خارجها.
  • الحسيات تدرك بظواهرها او كما يقول الفارابي من سطوحها, أي كما تبدو بلواحقها وأعراضها ولوازمها؛ بينما في الإدراك العقلي يتم انتزاع ماهية الأشياء وصورها مجردة من علائقها المادية
  • العقل عندما يكون في مرتبة العقل بالفعل يكون عقلا ويعقل ذاته؛ وهذا لا يتحقق في الحواس, اي ان الحس والمحسوس لا يصيران امرا واحدا.
  • المعقولات بالفعل والعقل بالفعل يكونان شيء واحدا, وكما يقول كانط لا يوجد ذات عارفة دون وجود موضوع تفكر فيه, أي يوجد مصاحبة بين الموضوع المدرَك والذات المدركة؛ بينما الحواس تبقى غريبة عن المحسوس. وحدة العاقل والمعقول واضحة, ولكن ليس هناك وحدة بين الحس والمحسوس.

النتيجة[عدل]

عندما تتحقق المعرفة الكلية بالكون والمعرفة الكلية بالذات (أي في مرحلة العقل المستفاد الذي يدرك الاشياء حدسا بدون توسط) تصير المعقولات هي الذات , والذات هي المعقولات. عندما يكون هناك معرفة تامة بالكون ومعرفة تامة بالذات يكون هناك وحدة بين الكون والذات. اي وحدة المايكروكوزم والميكروكوزم. حيث يمكن القول ان الكون هو الانسان الكبير , والانسان هو الكون الصغير.

القوة المتخيلة[عدل]

تحدثنا عن القوة الناطقة وانها على ضربين :

  • القوة الناطقة النظرية, هي التي تعقل كل ما من شأن الانسان ان يعلمه, وهنا نتعامل مع الكليات
  • والقوة الناطقة العملية, هي التي تعقل كل ما من شأن الانسان ان يعمله, وهنا نتعامل مع الجزئيات

القوة المتخيلة, حسب التراتيب التي وضعها الفاربي بين رئيس ومرؤوس, هي رئيسة للحواس ومرؤوسة للقوة الناطقة. القوة المتخيلة مواصلة لضربي القوة الناطقة, أي أنها خادمة لكليهما. وهذا يعني قوة التمييز في المتخيلة تهذب صور المحسوسات وتنقحها من عوالقها وغواشيها قبل ان تؤدي بها الى القوة الناطقة. فالمتخيلة لها دور الوسيط بين الحس والقوة الناطقة. والتي كما عرفنا تتلقى فيض من العقل الفعال. وهذا الفيض ربما يصيب بعض منه المتخيلة, أي ربما يصيب المتخيلة طراطيش [4], من تأثير فيض العقل الفعال على القوة الناطقة. وبما ان القوة الناطقة على ضربين: نظري وعملي, فالفيض يكون معقولات عندما يكون المتلقي هو العقل النظري, ويكون امورا جزئية محسوسة عندما يتلقاه العقل العملي. فكيف يمكن ان يكون الفيض محسوس ؟. لأن العقل النظري يعقل ما هو من شأنه ان يعمل في الحاضر والمستقبل. وبالتالي فنحن نتحدث عن أشياء محسوسة.
فما هو السبب الذي جعل الفارابي يقول بفعل العقل الفعال في المتخيلة. السبب هو انه طالما أن النبي لا يستعمل العقل بنفس طريقة الفيلسوف, فلا بد من تفسير اخر. وبما النبوة ظاهرة انسانية, والنبي هو من سائر البشر, فلا بد من تفسير أي ظاهرة انسانية. أي اذا اصبح لديك علم فهناك حاجة الى تفسير, وهذا تم من خلال تراتيب عمليات الحس, فالحس المشترك فالمتخيلة فالقوة الناطقة. واذا كان هناك نبي, فكيف حدث له ذلك ؟. أي ما هي القوة التي أوصلت هذا الإنسان إلى هذه المرحلة من المعرفة ؟. وبما ان النبي يصل الى نفس مرتبة الفيلسوف, فما هو المسار المعرفي الذي يسلكه النبي ؟. الفارابي جعل المتخيلة هي الأساس لذلك المسار المعرفي عند النبي.

بمتابعة مسألة الطراطيش المتعلقة بفيض العقل الفعال على العقل العملي في القوة الناطقة, نقول أن المتخيلة ليس لديها القدرة المعرفية على تقبل المعقولات الكلية المحض, فهي تحاكيها محكاة بما لديها من صور محسوسة. مثلا عندما نتخيل مفهوم كلي مثل الملاك , فنحن نتخيل شاب بجنحان اشقر ... الخ, فهذه هي محاكاة هذا المفهوم الكلي بما لدينا من صور محسوسة. مثال اخر للمحاكاة يمكن ان نجده في الأية القرانية, التي نزلت عندما سأل العرب النبي عن طبيعة الله, وهي: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم. وحتى مفاهيم الجنة والنار هي محاكاة. المعقولات التي يفيضها العقل الفعال يمكن ان تكون كليات نظرية, مثل الله, التي من شأنها ان تعلم؛ وكليات عملية مثل الصدق والعدل, من شأنها ان تفعل.

الآن سنقوم بالتميز بين ما تقوم به كل من القوة الناطقة العملية والمتخيلة, كلاهما لهما علاقة بالجزئيات الحاضرة والمستقبلية [المرجو التوضيح], الاولى تقوم بعملها بمساعدة الروية (او عملية تعقل), بينما المتخيلة تقوم بعملها بلا روية (اي بدون أسئلة). وبالتالي عندما تقبل المتخيلة هذه المعقولات التي لها علاقة بما يعمل (أي الطراطيش) تقوم بمحاكاتها بدون مساعدة العقل. فما أعطاه العقل الفعال من الكليات العملية للمتخيلة يأتي عن طريق المنامات والرؤيا الصادقة. مثلا عندما رأى يوسف أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجين له, هي رؤيا صادقة.
ما أتى للقوة المتخيلة من معقولات كطراطيش فيض العقل الفعال على العقل النظري, وقبلته محاكاة, يصبح كهانة. وهذه تحصل في حال النوم وفي حال اليقظة. ولكنها في حال اليقظة قليلة وفي اقل الناس. لأن متخيلة اغلب الناس تكون في اليقظة منشغلة بعملها الخاص بها, أي باستقبال ما يرد إليها من الحواس وبتنقيحه وإيداعه في القوة الناطقة. وبالتالي عندما تكون القوة المتخيلة قوية وكاملة جدا, كما في حالة النبوة, فعملها في رئاسة الحواس وخدمة القوة الناطقة لا يشغلها تماما, وكما يقول الفارابي لا يستغرقها بأسرها, فيتوافر لديها ما يجعلها قادرة ان تواصل عملية محاكاة تلك الطراطيش. ولشدة قوتها يكون حالها في اليقظة كحالها في النوم. علما بأن المتخيلة في النوم عادة ما تكون قوية لانها تكون متفرغة تماما, اي انها لا تكون مرؤوسة ولا رئيسة.

في حالة اليقظة عندما تغمض عينيك فانه بامكانك تخيل صورتك ماثلا امامك. الفارابي يريد ان يقول لنا انه من الممكن بعينيين مفتوحتين رؤية الصور التي صاغتها المتخيلة محاكاة لطراطيش المعقولات. هذه الصور تعود فتحصل رسومها في الحس المشترك, الذي ينفعل فتحصل رسومها في القوة الباصرة, فترتسم فيها الصور وتبثها في الهواء, "المنحاز بشعاع البصر". فاذا حصلت تلك الرسوم في الهواء, تراها العين مجددا وهكذا تعودد الى الحس المشترك فالمتخيلة. وبما ان هذه العمليات متصلة مع بعضها البعض, فيصير ما اعطاه العقل الفعال مرئيا لذلك الشخص.
في المتخيلة هناك درجات متفاوتة من صور الجميلة والصور القبيحة. مثلا عنما نتخيل الشيطان, فنحن نحاكيه باسواء ما لدينا من الصور المحسوسة.
يقول الفارابي اذا حدث خلال الفيض توافق بين المحاكيات والمعقولات وبين محسوسات في غاية من الجمال, عندئذ يمكنك روؤية من الموجودات ما ليس يمكن ان يكون له وجود. مثلا نرى الملاك عندما المتخيلة نحاكي طراطيش المعقولات بأجمل ما لديها من صور محسوسة.

وتبلغ القوة المتخيلة ذروتها عندما يكون الشخص في غاية من الكمال, وعنداذن فانه يقبل في يقظته من العقل الفعال, فيض من الكليات العملية الحاضرة والمستقبلية, كما هي او كما تحاكيها المتخيلة, فبالاضافة الى رؤية سائر الموجودات الشريفة, يتحقق لديه ايضا الشريعة. اي ما عليه ان يفعل او يُفعل. وهذا الشخص يكون نبي بشريعة.
وهذه هي اقصى المراتب التي يمكن ان يصلها الانسان عن طريق المتخيلة. أي مرتية النبوة.

نظرية المتخيلة للفارابي في تبرير النبوة سادت حتى القرن السابع عشر اي حتى سبينوزا.

اقتباسات[عدل]

نظرية المعرفة عند الفارابي[عدل]

[5]

الفارابي (870-950) لم يضع نظرية خاصة للمعرفة الإنسانية كما نظرياته في السياسة والتصوف والموسيقى والماوراء وغيرها. إلا أن أفكاره في نظرية المعرفة جاءت منثورة التوزيع بين طيات مؤلفاته في النفس وقواها من ناحية, وفي العلوم العقلية والإلهية من ناحية أخرى. وفي ما يلي محاولة لتجميع العناصر لهذه النظرية.

المعرفة الحسية[عدل]

المعرفة البشرية تحصل عليها النفس عن طريق الحس. فالحواس هي إدراك للجزئيات، ومنها تحصل الكليات التي هي التجارب على الحقيقة. وليس العقل شيئاً غير التجارب، وكلما كانت التجارب أكثر كلما كانت النفس أتم عقلاً. ولكن المعرفة لا تحصل فقط من خلال الإدراك المباشر للمحسوسات، بل هناك قوى نفسية متعددة تعمل عل استكمالها. ووفقا للكائن المعني فهذه القوى تتفاوت في وظيفتها. فمثلا بالرغم من أن الإنسان والحيوان يشتركان في إدراك الجزئيات في الصور المادية, فإن الإنسان يتميز فيها بالنزوع نحو التفكير. ولقوى الإدراك جانبين:

  • ظاهري, وبخص الحواس الخمسة
  • وباطني، يخص الحس المشترك كالخيال والوهم والذاكرة.

إن قوى الإدراك هي أدوات المعرفة، فالمخيلة تحفظ صور المحسوسات التي يؤديها الحس المشترك، رغم غياب الحس عنها. حيث تعمل المخيلة على تفكيك الصور المحفوظة عندها وتركيب منها صور جديدة, كصور الأحلام, حيث قوة الخيال تحاكي الإحساس. فمثلا عندما نتخيل المياه في الحلم , نحس بالرطوبة. وكلما كانت المخيلة أقوى كلما كانت الأشياء المتخيلة أكثر واقعية (كما في حالة النبي). وكذلك القول عن الوهم الذي يدرك فيه الكائن الحي ما لا يُحس. كما في إدراك النعجة مثلاً، حيث تحس إن الذئب عدوها فتهرب منه من غير أن يكون لها تجربة سابقة لهذا الخطر. ولكنها تُحسَ ما لا يُحسَ بمعناه. أما الذاكرة فهي خازنة الوهم وحافظة صور الأشياء. وعليه فإن المعرفة الحسية لا يمكن لها أن تتم إلا عبر "وسائط" حيث تبدأ الحواس بالمحسوسات فتنتزع صورها، وتحصل في هذه العملية تعاقبات متوالية تقوم بها القوة المتخيلة، حيث تجري على الصور تهذيباً لكي تنقيها من علائقها الشائبة فيها قبل ان تؤديها إلى العقل.

المعرفة العقلية[عدل]

وهذه المعرفة تخص الإنسان وحده من بين الكائنات السفلية. حيث يدرك بالعقل التجريدات الخالصة أو الكليات مثل: الله، الملائكة، الروح، الرياضيات، الهندسة وغيرها. وللعقل ثلاث درجات, وهي:

  • أ- العقل الهيولاني: وهو العقل المنفعل أو العقل بالقوة. فإذا ما أدرك صور الأجسام في الخارج صار عقلاً بالفعل. حيث يكون فارغاً من المعلومات. إلا أنه يتقبل المعلومات كلها، كما وأنه يحتفظ بصور الموجودات وفقاً لماهياتها وليس لمادياتها إذ يجرد الموجودات وينزع عنها آليتها محتفظاً بمعانيها المجردة فقط.
  • ب- العقل بالفعل: وهو يكون بعد حصول صور الموجودات، حيث يدرك المعقولات بعد انتقاله من وضع الفعل، وذلك بواسطة المعرفة المكتسبة: المعقولات التي كانت بالقوة تصبح بعد انتزاعها معقولات بالفعل. وهذه الصور أو المعقولات ليست كالأشياء خاضعة للأين والمتى والوضع والكيف والكم والفعل والإنفعال، بل هي مجردة عن المادة. وهذا لا يعني أن العقل هو غير المعقولات بل هما شيء واحد تماماً. كالشمعة المشتعلة يُنقش فيها النقش على السطح وفي أعماقها في آن واحد، والسطح والعمق منصهران تماماً كالعقل والمعقولات.

ولكن عملية هذا الانتقال من القوة إلى الفعل لا تكون بفعل الإنسان حسب تصور الفارابي في كتابه: "آراء أهل المدينة الفاضلة". وإنما بتأثير عقل آخر هو دائماً بالفعل ويكون أعلى من مرتبة العقل الإنساني. ألا وهو العقل الفعَال، عقل فلك القمر.

  • ت- العقل المستفاد: وهو العقل الذي أصبح بالفعل يدرك المعقولات كلها. وقد أكتسبها في نفسه من حيث صورها المجردة لا مادياتها. وان: الإنسان الذي أستكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها، صار عقلاً بالفعل، ومعقولاً بالفعل. وصار المعقول منه هو الذي يُعقل، عندها يحصل له عقل هو فوق رتبة العقل المنفعل، وهذا العقل هو أرقى من العقل المنفعل وأكثر كمالاً، وأكثر ابتعاداً عن المادة واقتراباً من العقل الفعَال.

المعرفة الإشراقية[عدل]

عندما يصبح عقل الإنسان عقلاً مستفاداً، ولا يعود بينه وبين العقل الفعَال مسافة تفصل بينهما، فإن الحقائق التي تتجلى من العقل الفعَال كونه واهب الصور حيث يفيض منه كإشراقات تتنزل على من أستطاع أن يتحرر من قيود المادة ويرتفع إلى مرتبة الكائنات السماوية. وإذا حصل ذلك لإنسان ما كان الذي يوحى إليه بواسطة العقل الفعَال هو الله تعالى. لأن الله الذي يفيض منه إلى العقل الفعَال فإن الأخير يعود ويفيضه إلى العقل المنفعل لهذا الإنسان. وبالتالي يصبح هذا الإنسان فيلسوفاً. أما ما يفيضه العقل المستفاد إلى مخيلته فإنه يصبح نبياً منذراً بما سيكون ومخبراً بما هو الآن من الجزئيات. وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية وفي أعلى درجات السعادة وهو يدرك المعقولات أو الكائنات العلوية "البريئة من الأجسام" وفق حالتها الراقية والشريفة حيث يراها بدون حجاب.

إذن فإن نظرية المعرفة عند الفارابي ترتكز على أعمدة ثلاث هي: حسية وعقلية وإشراقية. ولقد جعلها وفق درجات متفاوتة ومختلفة بحسب قرب قدرات البشر للعقل الفعال والاستغراق فيه أو بعدهم عنه. فهناك الناس العاديين ثم الحكماء والعلماء ثم أعلاهم شأناً الأنبياء.

إذا كانت نظرية المعرفة عند الفارابي موزعة ومتداخلة في بعض نظرياته عن: النفس، الفيض، النبوة، التصوف. فإنه من المفيد هنا أن نتناول الجوانب التي تتعلق صلتها بتلك النظريات. ففي كتاب "السياسة المدنية" مثلاً إذا أخذنا المعرفة الحسية فإن صلتها تكون في قوى النفس وفق ثلاثة أنواع هي: نباتية وحيوانية وإنسانية. الأولى لها قوى ثلاثة هي: غاذية ومنمًية ومولدًة. أما الثانية فتنقسم إلى محركة ومدركة، لكل منها ضربين أثنين: فالمحركة (أو النزوعية) إما أن تكون شهوانية أو غضبية. بينما المدركة إما أن تكون بالحواس الخمس الظاهرة: البصر، السمع، اللمس، الشم، الذوق. أو الباطنة وهي: الحس المشترك، المصورَة، الواهمة، الحافظة، المتخيلة. والثالثة فإنها تتعلق بالمعرفة العقلية. حيث أن القوى الإنسانية إنما ترتكز على القوة الناطقة أو العقل. وهي تنقسم إلى نوعين: عملية ونظرية. فالعقل العملي يعرف الإنسان ما شأنه أن يعمله بإرادته. والعملية منها مهنية ومروية. الأولى هي التي بها تحاز الصناعات والمهن. والأخرى هي التي يكون بها الفكر والروية في شيء مما ينبغي أن يُعَمل أو لا يُعمَل. أما العقل النظري فهو الذي به يحوز الإنسان علم ما ليس شأنه أن يعمله إنسان أصلاً.

ولقد خصص الفارابي في رسالته "في معاني النفس" شرحاً مسهباً عن معاني العقل الذي قسمه إلى أربع مراتب هي: العقل بالقوة، العقل بالفعل، العقل المستفاد، العقل الفعَال. بالاختصار إن العقل الإنساني عندما يتصل بالعقل الفعَال يتحول الإدراك الحسي إلى إدراك عقلي. ولكن ما يتلقاه العقل الإنساني من العقل الفعَال، فإن هذا العقل يتلقى بدوره من العقل الذي يعلوه مرتبة، وهكذا تصاعدياً حتى الانتهاء إلى العقل الإلهي مصدر كل شيء. وهذا الصدور أو الفيض الإلهي حسب نظرية الفارابي يكون العقل الفعَال فيه في مرتبة العقل السماوي العاشر الذي يشكل الوجود الحادي عشر بين الموجودات الكونية. فمن الوجود الأول (الله) يفيض وجود ثاني هو عقل أول يلزم عنه وجود ثالث هو عقل ثاني، وهكذا نزولاً إلى العقل الفعَال الذي هو المسؤول عما دون فلك القمر، عالمنا الأرضي الأسفل. فمن العقل الفعَال تفيض النفوس البشرية والمعارف العقلية والإشراقية.


تقييم عام[عدل]

إذا كانت نظرية المعرفة عند الفارابي تقوم على أُسس حسية وعقلية وإشراقية. فذلك لأنها تختص أو تقترن بقوى نفسية وإدراكية وإلهامية. ولهذا لم يكن للفارابي نظرية معينة ومستقلة تخص المعرفة، بقدر ما كانت موزعة في ثنايا نظرياته الفلسفية المختلفة.

نعم لقد تأثر الفارابي بأقطاب الفلسفة اليونانية أفلاطون وأرسطو وكذلك بالأفلاطونية المحدثة وخصوصا ما جاء عند أفلوطين في المعرفة الفيضوية. وهذا أمر طبيعي لاسيما وان الفارابي لم يكن مقلداً تابعاً. بل قد أعطى في ذلك المزج الفكري طابعه الإسلامي المميز. فالفكر لا حدود جغرافية له والحضارة سجال بين الأمم والفارابي في هذا الشأن أبلى بلاءً حسناً.

مصادر[عدل]