مشبهة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

المشبهة هي طائفة من الطوائف الإسلامية التي شبهت الله بخلقه، ووصفته بأنه يشبه المخلوقات، وأن له جسم كجسم الإنسان، له يد ورجل ووجه وعين وأعضاء وانه جالس على العرش في السماء أو على السماء أو فوق السموات السبع، وينتقل من مكان لمكان، وهذا الاعتقاد باطل لأن الله هو الأول الموجود بلا بداية قبل كل شيء، والآخر الباقي بلا نهاية بعد فناء كل شيء، والظاهر الغالب العالي على كل شيء، والباطن الذي ليس تحته شيء، منزه عن التحيز في جهة أو مكان، منزه عن الحركة والسكون والشكل والحجم واللون وسائر صفات المخلوقات، جاء في الحديث: "اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء". رواه البخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان.

وأول من قال بالتشبيه هم البيانية، وهي فرقة من غلاة الروافض، وأول من نشر التشبيه في الأمة هو هشام بن الحكم الشيعي. ومن فرق المشبهة: المغيرية، والكرامية، والهشامية والسبئية.

قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: وجدت في كتاب أبي نعيم بن حماد قال: "حق على كل مؤمن أن يؤمن (بجميع) ما وصف الله به نفسه ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى ويتبع حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) قال نعيم: ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء من الأشياء".[1]

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: "تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات". والجهات الست هي الفوق والتحت واليمين والشمال والأمام والخلف. أي لا يوصف الله بأنه تحيط به الجهات الست كما أن المخلوق تحيط به الجهات الست، بعض المخلوقات في جهة فوق وبعضها في جهة تحت وبعضها في الشمال وبعضها في الجنوب أما الله فليس متحيزاً في جهة من الجهات الست، على هذا علماء السلف والخلف من الصحابة ومن جاء بعدهم، ومن خالف هذا فهو ضالٌ مبتدع في العقيدة. وقال أيضا: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر. من أبصر هذا اعتبر. وعن مثل قول الكفار انزجر. وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر".[2]

وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في بيان عقيدة المشبهة: "واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة. وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت آراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسّه، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جُملاً من فضائح مذهبهم فيما تقدم".[3] وقال أيضا: "البارىء سبحانه وتعالى قائم بنفسه، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يُقله".[4] فالله تعالى هو القيوم أي القائم بنفسه الذي لا يزول ولا يحول ولا يتغير ولا يتحول، ومعنى قيامه بنفسه هو استغناؤه عن كل شيء، فلا يحتاج إلى شيء.

زعم المشبهة أن الله موجود في السماء[عدل]

  • قال فخر الدين الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب: "واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله: {أأمنتم من في السماء}، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطاً به من جميع الجوانب، فيكون أصغر من السماء، والسماء أصغر من العرش بكثير، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئاً حقيراً بالنسبة إلى العرش، وذلك باتفاق أهل الإسلام محال، ولأنه تعالى قال: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12] فلو كان الله في السماء لوجب أن يكون مالكاً لنفسه وهذا محال، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل".
  • وقال نظام الدين القمّي النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن: "واستدلال المشبهة بقوله {من في السماء} ظاهر. وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العرب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم {أأمنتم من} تزعمون أنه {في السماء} ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من في السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء. ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله".
  • وقال النسفي في تفسيره مدارك التنزيل: "{أأمنتم من في السماء} أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه فكأنه قال: أأمنتم خالق السماء وملكه، أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعالٍ عن المكان".
  • وقال السمين الحلبي فى تفسيره الدر المصون: "قوله: {من في السماء}، مفعول "أمنتم"، وفي الكلام حذف مضاف أي: أمنتم خالق مَنْ في السماوات. وقيل: "في" بمعنى على أي: على السماء، وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك لأنه اعتقد أن "مَنْ" واقعة على الباري تعالى وهو الظاهر، وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم. ولا حاجة إلى ذلك فإن "مَنْ" هنا المراد بها الملائكة سكان السماء، وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم، فإن القوم كانوا مُجَسِّمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن".
  • وقال البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل: "{أأمنتم من في السماء} يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم، أو الله تعالى على تأويل {من في السماء} أمره أو قضاؤه، أو على زعم العرب فإنهم زعموا أنه تعالى في السماء".
  • وقال الزمخشري في تفسيره الكشاف: "{من في السماء} فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل، إذا رأيته يركب بعض المعاصي".
  • وقال أبو حيّان في البحر المحيط: "{من في السماء}: هذا مجاز، وقد قام البرهان العقلي على أن تعالى ليس بمتحيز في جهة، ومجازه أن ملكوته في السماء لأن في السماء هو صلة من، ففيه الضمير الذي كان في العامل فيه، وهو استقر، أي من في السماء هو، أي ملكوته، فهو على حذف مضاف، وملكوته في كل شيء. لكن خص السماء بالذكر لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأمره ونهيه، أو جاء هذا على طريق اعتقادهم، إذ كانوا مشبهة، فيكون المعنى: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء؟ وهو المتعالي عن المكان. وقيل: من على حذف مضاف، أي خالق من في السماء. وقيل: من هم الملائكة. وقيل: جبريل، وهو الملك الموكل بالخسف وغيره. وقيل: من بمعنى على، ويراد بالعلو القهر والقدرة لا بالمكان، وفي التحرير: الاجماع منعقد على أنه ليس في السماء بمعنى الاستقرار، لأن من قال من المشبهة والمجسمة أنه على العرش لا يقول بأنه في السماء".
  • وقال الطبراني في التفسير الكبير: "قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}؛ معناه: أأمنتم يا أهل مكة من في السماء سلطانه وقدرته وملكه أن يغيبكم في الأرض جزاء على قبح أفعالكم. وقيل: معناه: أأمنتم عقوبة مَن في السماء وعذاب مَن في السماء. وقيل: معناه: من جرت عادته أن ينزل نقمته من السماء على من يكفر به ويعصيه. وقيل: أأمنتم مَن في السماء، وهو الملك الموكَّل بالعذاب، يعني جبريل أن يخسف بكم الأرض بأمر الله تعالى".
  • وقال الماتريدي في تفسير تأويلات أهل السنة: "قوله: {من في السماء} أراد نفسه تعالى، أخبر أنه إله السماء، لا على تثبيت أنه في الأرض سواه وعلى النفي أن يكون هو إله الأرض، بل هو في السماء إله وفي الأرض إله؛ وهو كقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] ليس فيه أن النجوى إذا كانت بين اثنين فهو لا يكون ثالثهم. وجائز أن يكون قوله: {أأمنتم من في السماء} أي: أأمنتم [من] في السماء ملكه وسلطانه، ولم تروا أحدا انتهى ملكه إلى السماء، فكيف تأمنون ممن بلغ ملكه السماء؛ فكيف تأمنون مكره وتعادونه، وأنتم لا تجترئون على معاداة ملك من ملوك الأرض الذي لا يجاوز ملكه الأرض؛ هيبة منه وخوفاً من سلطانه، فكيف تأمنون عذاب من بلغ ملكه ما ذكرنا؟!".
  • وقال برهان الدين البقاعي في تفسيره نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: "{أأمنتم} أي أيها المكذبون، وخاطبهم بما كانوا يعتقدون مع أنه إذا حمل على الرتبة وأول السماء بالعلو أو جعل كناية عن التصرف لأن العادة جرت غالباً أن من كان في شيء كان متصرفاً فيه صح من غير تأويل فقال: {من في السماء} أي على زعمكم العالية قاهرة لكم، أو المعنى: من الملائكة الغلاظ الشداد الذي صرفهم في مصالح العباد، أو المعنى: في غاية العلو رتبة، أو أن ذلك إشارة إلى أن في السماء أعظم أمره لأنها ترفع إليها أعمال عباده وهي مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس والسلطان والكبرياء وجهة العرش ومعدن المطهرين والمقربين من الملائكة الذين أقامهم الله في تصريف أوامره ونواهيه، والذي دعا إلى مثل هذا التأويل السائغ الماشي على لسان العرب قيام الدليل القطعي على أنه سبحانه ليس بمتحيز في جهة لأنه محيط فلا يحاط به، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج؛ ثم أبدل من "من" بدل اشتمال فقال: {أن}. ولما كانت قدرته على ما يريد بلا واسطة كقدرته بالواسطة، وقدرته إذا كان الواسطة جمعاً كقدرته إذا كان واحداً، لأن الفاعل على كل تقدير حقيقة هو لا غيره، وحد بما يقتضيه لفظ "من" إشارة إلى هذا المعنى سواء أريد بـ "من" هو سبحانه أو ملائكته أو واحد منهم فقال: {يخسف} أي أأمنتم خسفه، ويجوز أن يراد بـ "من" الله سبحانه وتعالى كما مضى خطاباً على زعمهم وظنهم أنه في السماء وإلزاماً لهم بأنه كما قدر على الإمطار والإنبات وغيرهما من التصرفات في الأرض فهو يقدر على غيره {بكم الأرض} كما خسف بقارون وغيره".

الله موجود بلا مكان، وهو معنا في كل مكان[عدل]

الله موجود بلا مكان، وهو معنا في كل مكان، وليس له مكان محدد، لأنه ليس له جسم، فالله ليس مثلنا نحن البشر، فنحن من لنا أجسام وطول وعرض ووزن، أما الله سبحانه وتعالى فليس له حد ومقدار فهو الواسع العظيم الكبير المتعال الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. ولا يوجد بيننا وبين الله مسافة، فالله هو القريب، أقرب إلينا من أنفسنا، كما قال: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] قال ابن عطية في المحرر الوجيز عند تفسيره لهذه الآية ما نصه: "عبارة عن قدرة الله على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة، والعلم قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب عن علم الله باطن ولا ظاهر، وكل قريب من الأجرام فبينه وبين قلب الإنسان حجب". وليس هنا حلول ولا اتحاد، قال الله تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض} [البقرة: 255].

قال الشعراوي فى تفسيره لقول الله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10]: "دائماً نخاطب الله على جهة العلو، مع أنه سبحانه في كل مكان، وليس له مكان، لذلك يحتج البعض على هذه المسألة فيقول: كيف أن الله ليس له مكان، وسيدنا رسول الله لما أراد الله أنْ يُكلِّمه أصعده إلى السماء السابعة؟ نقول: كان الصعود لمكان الرائي لا لمكان المرئي، فالرائي لا يرى إلا من هذا المكان، فمثلاً لو أننا سمعنا الآن ضجة خارج المسجد، وهذه النافذة التي تُطِل على هذه الضجة عالية، فماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تعرف ما يدور بالخارج، لا بُدَّ لك أنْ تصعد هذا العلو لترى ما يحدث، فالأحداث هي هي، لكن مكان الرائي يختلف".

وقال القشيري فيما نقله الزبيدي في الاتحاف: "وقصارى الجهلة قولهم: كيف يُعقل موجود لا في محل، والذي يدحض شُبههم (أي المشبهة) أن يقال لهم: قبل أن يخلق العالم أو المكان هل كان موجوداً أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقولوا: بلى، فيلزمه لو صح قوله لا يُعلم موجود إلا في مكان أحدُ أمرين: إما أن يقول المكان والعرش والعالم قديم (يعنى لا بداية لوجودها) وإما أن يقول الرب محدَث وهذا مآل الجهلة الحشوية، ليس القديم بالـمُحدَث والـمُحدَث بالقديم".

وممن نقل إجماع المسلمين سلفهم وخلفهم على أن الله موجود بلا مكان الإمام أبو منصور البغدادي الذي قال فى كتابه "الفَرْق بين الفِرَق" ما نصه: "وأجمعوا -أي أهل السنة- على أنه -أي الله- لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان". وقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الإرشاد: "ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات". وقال الشيخ محمد مَيَّارة المالكي ما نصه: "أجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لا جهة له، فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف".[5] فكما صح وجود الله تعالى بلا مكان وجهة قبل خلق الأماكن والجهات، فكذلك يصح وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان وجهة وهذا لا يكون نفياً لوجوده تعالى، فالله موجود معنا في كل مكان، كما قال: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4] اي حاضر لا يغيب. قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: "و {أينما} ظرف مركب من (أين) وهي اسم للمكان، و (ما) الزائدة للدلالة على تعميم الأمكنة". وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: "معناه بقدرته وعلمه وإحاطته. وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها مخرجة عن معنى لفظها المعهود، ودخل في الإجماع من يقول بأن المشتبه كله ينبغي أن يمر ويؤمن به ولا يفسر فقد أجمعوا على تأويل هذه لبيان وجوب إخراجها عن ظاهرها. قال سفيان الثوري معناه: علمه معكم، وتأولهم هذه حجة عليهم في غيرها". وقال ابن عجيبة في البحر المديد: "بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابنُ عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلّم، وأمّا أهل الباطن فمجمِعون على خلافه". وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وفي الحديث الشريف: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم". رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان".[6]

قيل إن راهباً سأل عن بعض المسائل وطلب من علماء المسلمين الرد عليها، فأجابه الإمام أبو حنيفة.. وهذا وصف الحوار الذي دار بينهما: قال الراهب: ماذا قبل الله؟ فأجاب أبو حنيفة: هل تحسن العدد؟ قال نعم. قال: ماذا قبل الواحد؟ قال: لا شيء قبله. قال: إذا كان الواحد الفاني لا شيء قبله -فالله سبحانه- لا شيء قبله. ثم قال الراهب: في أي جهة يكون وجه الله؟ قال: إذا أوقدت السراج ففي أي جهة يكون وجهه؟ فقال: ذلك نور يملأ المكان، وليس له جهة. قال أبو حنيفة: إذا كان النور الزائل الحادث لا جهة له فوجه ربي (جل وعلا) منزه عن الجهة والمكان. قال الراهب: ماذا يفعل ربك الآن؟ فأجاب أبو حنيفة: يرفع أقواماً ويخفض آخرين {كل يوم هو في شأن} فخجل الراهب وانصرف.

سبحانك لا تدرك في حس، ولا تخيل في نفس ذاتك مقدسة أزلية، صفاتك معظمة أبدية
يا موجد الأشياء وخالقها، ورازقها وراحمها عالمها ظاهرها وباطنها، أولها وآخرها
يارب الحياة والموت، رب الآخرة والأولى رب الأرواح والأشباح
يا خالق كل شيء ولا شيء يشبهك يا من أنت مع كل شيء ولا شيء معك
ذاتك أجل من أن تدرك وصفاتك أعظم من أن تعقل
أبرزت الوجود من العدم، فكان لك القِدم دون أن يكون قبلك شيء ولا بعدك أحد
أنت معنا أينما كنا، لا بالحلول بالأبدان فما نحن إلا من صنع قدرتك، وما العقل إلا من فيض نعمتك
فلا أنت نحن ولا نحن أنت ولا أنت العقل ولا العقل أنت
الخلائق عن فهم ذاتك عاجزون سبحانك يا من لا يدرك كُنْهَ صفاتِهِ الواصفون
أنعمت بالبصر والبصر لايدركك وتفضلت بالبصيرة والبصيرة لا تُنْكرُكَ
لا تحيط بك الروح، فهي من عجائب أمرك ولا يصل إليك العقل، فهو من ضنائن سرك
الخلق خلقك، الملائكة جندك، الروح من أمرك تبارك اسمك، أحاط علمك، سَبَق تقديرك، نفذ حكمك
يا محصي الأشياء وزناً وعداً، طولاً وعرضاً قرباً وبعداً، نوراً وظلاماً، مكاناً وزماناً
يا خالق ما نرى وما لا نرى، من فوق السموات العلا وما وراءها إلى ما تحت أطباق تخوم الثري ومابعدها
يا صاحب العظمة المتعالية عن الادراك يا خالق الجسد في أعلى مثل، خلقت فأبدعت، وصورت فأحسنت
هذه آثارك في حياة كائناتك، فكيف أنت في سمو عليائك؟ هذه دنيانا الفانية، فكيف آخرتنا الباقية؟
سبحانك لا ترقى مداركنا إلى آفاق معانيك يا من أنت وراء الفهم والظن والوهم والخيال
تساميت لطفاً وعدلاً، وتفضلت حلماً وكرماً لا شيء عندي لا تعرفه فأقول لك عليه، ولا شيء خافٍ عنك فأظهره بين يديك
سبحانك في علوِّك سبحانك، ما خلقت شيئاً عفواً ولا عبثاً ولا تركت شيئاً للمصادفة والاتفاق أبداً
هذه مظاهر الأسباب عبرة لأولي الألباب، لا تخلو ذرة في أكوانك من عظيم قهرك وسلطانك يا غنياً عن خلقك ولا غنى لخلقك -حتى الجاحدين منهم- عن فضلك وإحسانك
يا ظاهراً في خفائك، يا باطناً في ظهورك، يا بديعاً في صنعك يا خفياً في لطفك، يا أليماً في أخذك، يا شديداً في بطشك
تعاليت إلهي عن أقوال الملحدين، وتساميت ربي عن وصف الواصفين وتقدست سيدي عن سوء فهم المفكرين، وتنزهت مولاي عن تصورات الواهمين
يا خالق الكون والزمان والمكان ما أعمى بصيرة من لم يرك معه أينما كان
وإلا فأين المكان الذي ليس فيه أمرك وقهرك وأين الزمان الذي ليس فيه حمدك وشكرك[7]

الآيات المحكمات والآيات المتشابهات[عدل]

قال الله تعالى في محكم كتابه:

Ra bracket.png هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ Aya-7.png La bracket.png

بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى أن القرآن فيه آيات محكمات وفيه آيات متشابهات، فأما المحكمات فهي الآيات الواضحة التي لا تحتاج إلى تفسير كقوله تعالى {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] وقوله تعالى {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] وقد سمى الله الآيات المحكمات بأم الكتاب أي أساس القرآن لأنها الأصل الذي تُرَد إليها الآيات المتشابهات، وأغلب آيات القرآن محكمة.

وأما الآيات المتشابهة فهي الآيات الغامضة الغير واضحة وتحتمل بحسب وضع اللغة العربية أكثر من معنى، ويُحتاج لمعرفة المعنى المرادِ منها إلى نظر أهل العلم الذين لهم دِراية بالنصوص الشرعية ومعانيها ولهم دراية بلغة العرب فلا تخفى عليهم المعاني، كقوله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] فإن كلمة (استوى) في لغة العرب تحتمل معاني كثيرة، تحتاج إلى نظر العلماء لمعرفة المراد منها في هذه الآية.

فالآحاديث والآيات المتشابهة لا تأخذ على ظاهرها انما لها معنى يليق بالله وتفسر وتأول كما أولها المفسرون. فمثلاً تفسير قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} لا يجوز اعتقاد أن معناها أن الله جالس على العرش! انما تفسر بما يليق بكمال الله عز وجل. كما قال الإمام مالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والجحود به كفر، والسؤال عنه بدعة). أي أن الله تعالى منزه عن الكيفية والجسم والحد. قوله: "الاستواء غير مجهول" أي أنه معلوم وروده في القرآن، ولا يعني أنه بمعنى الجلوس ولكن كيفية الجلوس مجهولة، كما زعم بعض المجسمة، وقوله: "والكيف غير معقول" معناه أن الاستواء بمعنى الكيف أي الهيئة كالجلوس لا يعقل أي لا يقبله العقل، لكونه من صفات الخلق، لأن الجلوس لا يصح إلا من ذي أعضاء كألية وركبة، وتعالى الله عن ذلك، فلا معنى لقول المشبهة: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة، يقصدون بذلك أن الاستواء الجلوس لكن كيفية جلوسه غير معلومة، لأن الجلوس كيفما كان لا يكون إلا بأعضاء، وهؤلاء يوهمون الناس أن هذا مراد الإمام مالك.

قال الصحابي الجليل والخليفة الراشد علي بن أبي طالب: "إنّ الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته لا مكاناً لذاته".[8] وقد سئل الإمام أبو حنيفة عن الاستواء فقال: "من قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض فقد كفر"، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه. وهذا القول ثابت عن الإمام أبي حنيفة نقله الإمام أبو منصور الماتريدي [ت333هـ] في شرحه على الفقه الأكبر والإمام أحمد الرفاعي في "البرهان المؤيد" والعز ابن عبد السلام في حل الرموز والشيخ تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبه وتمرد" والشيخ علي بن عطية علوان الحموي الشافعي الأشعري في كتابه بيان المعاني وشمس الدين الرملي في فتاويه وشهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي في الفواكه الدواني والشيخ محمد بن سليمان الحلبي في نخبة اللآلي وغيرهم.

وفي "الفقه الأبسط" للإمام أبي حنيفة: "من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فهو كافر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض" وإنما كفَّر الإمام قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله مختصًّا بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والتحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أن السماء والعرش مكان لله تعالى بدليل كلامه الصريح في نفي الجهة عن الله، فقد قال أيضاً في "الفقه الأبسط": "كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كل شيء".

وقال في الفقه الأكبر: "والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له: قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4) [سورة الإخلاص] لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه". وقال: "وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، فمن قال إنها مخلوقة أو محدَثة أو توقَّفَ فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى". وقال: "وهو شيء لا كالأشياء. ومعنى الشيء إثباته بلا جسم ولا عَرَض ولا حد له ولا ضد له ولا نِد له ولا مِثل له". وقال أيضا: "ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة".

وفي "الوصية" للإمام أبي حنيفة: "ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حق بلا كيفية ولا تشبيه ولا جهة". وقال في "الوصية" أيضا: "نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه وهو الحافظ للعرش وغير العرش، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا".

تأويل الاستواء[عدل]

قال الله تعالى: {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] قال ابن عجيبة في البحر المديد: "أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال". فلا يوصف الله بصفات المخلوقين من التغيّر والتطور من حال إلى حال والانتقال من مكان إلى مكان والجلوس فوق العرش، تعالى الله عن ذلك.

وقال: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] قال ابن عجيبة في البحر المديد: "لا تجعلوا له أشباهًا تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه، فإنَّ ضرب المثل تشبيه حال بحال". أي لا تجعلوا لله الشبيه فإن الله تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات.

وقال أيضا: {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] قال ابن عجيبة في البحر المديد: "أي: شبيهًا ونظيرًا، أو هل تعلم أحدًا تسمى بهذا الاسم غير الله العالي، والتسمية تقتضي التسوية بين المتشابهين، ولا مثل له، لا موجودًا ولا موهومًا، مع أن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلاً، ولم يتجاسر أحد أن يسمي بهذا الاسم، ولو تجاسر أحدٌ لهلك". فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بصفة من صفات البشر كالقعود والقيام والجلوس والاستقرار يكون شَبَّهَهُ بهم، وهذا الاعتقاد كفر لتكذيبه قول الله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] (انظر تفسير التحرير والتنوير)، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه.

وممن تأول الاستواء على العرش بالقهر والاستيلاء من علماء أهل السنة:

  • الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن قال: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه منها الاحتـياز والاستـيلاء كقولهم: استوى فلان علـى المملكة، بـمعنى احتوى عليها وحازها، ثم أوّل قول الله تعالى: {ثم استوى إلى السماء} [البقرة: 29] فقال: علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال.[9]
  • البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل وأسرار التأويل قال: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] استوى أمره أو استولى، وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف، والمعنى: أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكن والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل الملك.

حديث الجارية[عدل]

حديث الجارية من أحاديث الآحاد، وليس من الأحاديث المتواترة المجمع عليها، وأحاديث الآحاد لا يُعتد بها في العقائد ولا تقوم بها الحجة لأنها تفيد الظن، وإنما تقوم بالتواتر لأنه لا سبيل إلى إنكاره، وهذا رأي جمهور العلماء. قال المتكلمون: إن العقائد لا تثبت بأخبار الآحاد؛ لأن المطلوب فيها القطع وأخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، وقد قال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس: 36] وإنما تثبت بالأحاديث المتواترة؛ لأنها هي التي تفيد اليقين الذي هو شرط الإيمان.[10]

قال النووي في شرح صحيح مسلم: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أين الله؟ قالت في السماء قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة) هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان. أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها، هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة؟ وليس ذلك؛ لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: في السماء، علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان. قال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم".[11]

وقال الإمام المازري المالكي: "إنما وجه السؤال ب (أين) ها هنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري وعظمته، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها والسماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين فكما لم يدل أن الله جلت قدرته فيها لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله سبحانه حال فيها".[12]

حديث النزول[عدل]

حديث النزول من ضمن الأحاديث التي يستغلها المشبة فيأخذون نص الحديث على ظاهره بلا تأويل ولا تفويض (أي بدون تفسير او تفويض المعنى والكيفية لله بأن يقولوا "الله أعلم بالمراد" مع تنزيه الله عن كل نقص وعيب واعتقاد ان الله ليس كمثله شيء) ويقولون ان الله ينزل نزولاً حقيقياً من السماء إلى الأرض، مما يجعل الله صغيراً محدوداً في جسم وتحيط به الجهات الست. وقد وضح هذا الأمر تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى فقال: "...إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر، والاعتقاد أنه المراد، وأنه لا يستحيل على الباري، فذلك قول المجسمة عباد الوثن، الذين في قلوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتباع المتشابه، ابتغاء الفتنة، عليهم لعائن اللَّه تترى واحدة بعد أخرى، ما أجرأهم على الكذب، وأقل فهمهم للحقائق".[13]

وهذه طائفة من أقوال العلماء في شرح الحديث:

  • قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له) هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين: أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي: أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها. فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال : فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره. والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف. والله أعلم".[14]
  • وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري: "قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة، وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك. وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم. ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج، والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث، إما جهلا، وإما عنادا، ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة، والسفيانين، والحمادين، والأوزاعي، والليث، وغيرهم، ومنهم من أوله على وجه يليق، مستعمل في كلام العرب، ومنهم من أفرط في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدا مهجورا، فأول في بعض، وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد، قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق، فيصار إليه. من الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب، فحينئذ التفويض أسلم. وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد، إن شاء الله تعالى. وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها، وبه أقول. فأما قوله: ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني، فإن حملته في الحديث على الحسي فتلك صفة الملك المبعوث بذلك، وإن حملته على المعنوي، بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل، فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة، فهي عربية صحيحة. انتهى. والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه. وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا، ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر، عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: إن الله يمهل، حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع فيستجاب له. الحديث. وفي حديث عثمان بن أبي العاص : ينادي مناد: هل من داع يستجاب له. الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني: ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري. لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور. وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة".[15]
  • وقال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك: "(عن أبي هريرة أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، قال: ينزل ربنا) اختلف فيه فالراسخون في العلم، يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه. ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي وغيرهم، قال البيهقي: وهو أسلم. ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم. وقال ابن العربي: النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، فالنزول حسي صفة الملك المبعوث بذلك، أو معنوي بمعنى لم يفعل ثم فعل فسمي ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة. والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما أن المعنى ينزل أمره أو الملك، وإما أنه استعارة بمعنى التلطف والإجابة لهم ونحوه. وكذا حكي عن مالك أنه أوله بنزول رحمته وأمره أو ملائكته، كما يقال فعل الملك كذا أي أتباعه بأمره، لكن قال ابن عبد البر: قال قوم ينزل أمره ورحمته وليس بشيء; لأن أمره بما يشاء من رحمته ونعمته ينزل بالليل والنهار بلا توقيت ثلث الليل ولا غيره، ولو صح ذلك عن مالك لكان معناه أن الأغلب في الاستجابة ذلك الوقت. وقال الباجي: هو إخبار عن إجابة الداعي وغفرانه للمستغفرين وتنبيه على فضل الوقت كحديث: "إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا. الحديث، لم يرد قرب المسافة لعدم إمكانه، وإنما أراد العمل من العبد ومنه تعالى الإجابة. وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا، قال الحافظ: ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد: "أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له؟" الحديث. وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد: "ينادي مناد: هل من داع يستجاب له؟ الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكر عليه حديث رفاعة الجهني عند النسائي: "ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري"; لأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأل عن صنع العباد، بل يجوز أنه مأمور بالمناداة، ولا يسأل البتة عما بعدها، فهو أعلم سبحانه بما كان وما يكون، انتهى. ولك أن تقول: الإشكال مدفوع حتى على أنه ينزل بفتح أوله الذي هو الرواية الصحيحة. وكل من حديثي النسائي وأحمد يقوي تأويله بأنه من مجاز الحذف أو الاستعارة. وقال البيضاوي: لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد دنو رحمته أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة".[16]
  • وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه "الباز الأشهب" بعد ذكر حديث النزول ما نصه: "إنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير. وواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام جسم عال وهو مكان الساكن وجسم سافل وجسم ينتقل من علو إلى أسفل وهذا لا يجوز على الله قطعا".[17]
  • وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج في شرح المنهاج: "وللحديث الصحيح {ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له} ومعنى ينزل ربنا ينزل أمره كما أوله به الخلف وبعض أكابر السلف ولا التفات إلى ما شنع به على المؤولين بعض من عدم التوفيق ومن ثم قال ابن جماعة في ابن تيمية رأسهم إنه عبد أضله الله وخذله نسأل الله دوام العافية من ذلك بمنه وكرمه".[18]
  • وقال الإمام عبد الحميد الشرواني الشافعي في "حاشيته على تحفة المحتاج في شرح المنهاج": ومعنى {ينزل ربنا} ينزل أمره) أي أو ملائكته أو رحمته أو هو كناية عن مزيد القرب وبالجملة فيجب على كل أن يعتقد من هذا الحديث وما شابهه من المشكلات الواردة في الكتاب والسنة ك {الرحمن على العرش استوى} {ويبقى وجه ربك} {يد الله فوق أيديهم} وغير ذلك مما شاكله أنه ليس المراد بها ظواهرها لاستحالتها عليه تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم هو بعد ذلك مخير إن شاء أولها بنحو ما ذكرناه وهي طريقة الخلف وآثروها لكثرة المبتدعة القائلين بالجهة والجسمية وغيرهما مما هو محال على الله تعالى، وإن شاء فوض علمها إلى الله تعالى وهي طريقة السلف وآثروها لخلو زمانهم عما حدث من الضلالات الشنيعة والبدع القبيحة فلم يكن لهم حاجة إلى الخوض فيها شرح بافضل (قوله: ينزل أمره) قال الإسنوي يدل عليه ما في الحديث {أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا ينادي فيقول هل من داع} انتهى.[19]
  • وقال القاضي أبو بكر الباقلاني ما نصه: "ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك".[20]

النهي عن التفكر في ذات الله[عدل]

قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى وأثنى على المتفكرين فقال تعالى:

Ra bracket.png الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ Aya-191.png La bracket.png

وقد نهى النبي عن التفكر في ذات الله عز وجل، فليس في طاقة إنسان أن يتعرض للحديث عن ذات الله، لقصور العقل البشري عن إدراك كُنْهِها، ولهذا كلفنا بما في طاقتنا من تنزيه الأسماء، قال تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم} و {سبح اسم ربك الأعلى}. ونُهينا عن عن التفكر في ذات الله وصُرفنا إلى التفكر في خلقه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله فتهلكوا".[21] وعن ابن عباس قال: إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره. رواه إسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب وأبو نعيم في الحلية ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقى في الشعب. ومعنى (تفكروا في خلق الله) أي في مخلوقاته وما بثه في الأكوان من الأنفس ونحوها. (ولا تتفكروا في الله) أي في ذاته وماهية صفاته. (فإنكم لن تقدروا قدره) أي لا تعرفونه حق معرفته ولا تحيطون به علماً بل ولا شيء من علمه إلا بما شاء.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرون فقال ما لكم لا تتكلمون فقالوا نتفكر في خلق الله عز وجل قال فكذلك فافعلوا تفكروا في خلقه ولا تتفكروا فيه.[22]

وعن عبد الله بن سلام، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أناس من أصحابه، وهم يتفكرون في خلق الله، فقال لهم: فيما كنتم تفكرون، قالوا: نتفكر في خلق الله قال: لا تتفكروا في الله وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خلق ملكا قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العليا من بين قدميه إلى كعبيه مسيرة ستمائة عام، وما بين كعبه إلى أخمص قدميه مسيرة ستمائة عام، الخالق أعظم من الخلق.[23]

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا، فليقل آمنت بالله".[24]

انظر أيضا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن التفكر في ذات الله عز وجل
  2. ^ العقيدة الطحاوية
  3. ^ الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين الجويني
  4. ^ الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد
  5. ^ الدليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة من الإجماع
  6. ^ انظر تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، سورة الحديد آية 4.
  7. ^ من كتاب "في ملكوت الله مع أسماء الله" للشيخ عبد المقصود محمد سالم
  8. ^ الفرق بين الفرَق لأبي منصور البغدادي
  9. ^ تفسير الطبري - [سورة البقرة: آية 29]
  10. ^ فتاوى مجلة المنار: الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد للشيخ محمد رشيد رضا.
  11. ^ شرح النووي على مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته
  12. ^ المعلم بفوائد مسلم للإمام المازري
  13. ^ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي
  14. ^ شرح النووي على مسلم » كتاب صلاة المسافرين وقصرها » باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه
  15. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري » كتاب التهجد » باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل
  16. ^ شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك » كتاب القرآن » باب ما جاء في الدعاء
  17. ^ مقالة الحافظ ابن الجوزي
  18. ^ تحفة المحتاج في شرح المنهاج » كتاب الصلاة » باب في صلاة النفل
  19. ^ حاشية الشرواني على تحفة المحتاج
  20. ^ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: ص 64
  21. ^ العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني - باب الأمر بالتفكر في آيات الله عز وجل وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته ووحدانيته
  22. ^ إحياء علوم الدين
  23. ^ المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة » تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في الله
  24. ^ صحيح مسلم » كتاب الإيمان » باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها
  • كتاب: "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية"، المؤلف: محمد بن أحمد السفاريني الأثري الحنبلي، الناشر: مؤسسة الخافقين - دمشق، الطبعة الثانية، 1402 هـ - 1982 م

وصلات خارجية[عدل]