مصعد جلفاني

المصعد الغلفاني (Galvanic anode) أو مصعد التضحية (sacrificial anode) ، هو المكوّن الرئيسي في نظام الحماية الكاثودية الجلفانية المستخدم لحماية الهياكل المعدنية المدفونة أو المغمورة من التآكل.
يُصنع هذا الأنود من سبيكة معدنية ذات جهد أكثر "نشاطًا" (أي ذات جهد اختزال أكثر سلبية / أو جهد أكسدة أكثر إيجابية) من المعدن المستخدم في الهيكل المراد حمايته. ويعني فرق الجهد بين المعدنين أن الأنود الجلفاني هو الذي يتآكل، بحيث يتم "التضحية" به فعليًا لحماية الهيكل من التآكل
النظرية
[عدل]التآكل هو تفاعل كيميائي يحدث بآلية كيميائية-كهربية (تفاعل أكسدة-اختزال). يحدث تفاعلان أثناء تآكل الحديد أو الفولاذ: الأكسدة (المعادلة 1)، حيث تغادر الإلكترونات المعدن (ويذوب المعدن، أي يحدث فقدان فعلي للمعدن)، والاختزال، حيث تُستخدم الإلكترونات لتحويل الأكسجين والماء إلى أيونات الهيدروكسيد (المعادلة 2):
Fe ⟶ Fe²⁺(aq) + 2e⁻
O₂ + 2H₂O + 4e⁻ ⟶ 4OH⁻(aq)
في معظم البيئات، تتحد أيونات الهيدروكسيد مع أيونات الحديد الثنائية لتكوين هيدروكسيد الحديد الثنائي، والذي يتحول في النهاية إلى الصدأ البني المعروف:
Fe²⁺(aq) + 2OH⁻(aq) ⟶ Fe(OH)₂(s)
مع حدوث التآكل، تحدث تفاعلات الأكسدة والاختزال، وتتكوّن خلايا كهروكيميائية على سطح المعدن، بحيث تصبح بعض المناطق أنودية (مكان الأكسدة)، وتصبح مناطق أخرى كاثودية (مكان الاختزال). تتدفق الإلكترونات من المناطق الأنودية عبر المعدن وإلى الإلكتروليت مع استمرار تآكل المعدن. وعلى العكس، عندما تتدفق الإلكترونات من الإلكتروليت إلى المناطق الكاثودية، ينخفض معدل التآكل. (ويجدر بالذكر أن تدفق الإلكترونات يكون في الاتجاه المعاكس لاتجاه التيار الكهربائي التقليدي).
ومع استمرار التآكل، تتغير الجهود المحلية على سطح المعدن، وتتبدل المناطق الأنودية والكاثودية وتتحرك. ونتيجة لذلك، في المعادن الحديدية، تتكوّن طبقة عامة من الصدأ تغطي السطح كله، والتي ستستهلك في النهاية كامل المعدن. هذا وصف مبسط لعملية التآكل، لأنها يمكن أن تحدث بأشكال متعددة.
يتم منع التآكل بواسطة الحماية الكاثودية من خلال إدخال معدن آخر (الأنود الجلفاني) يملك سطحًا أكثر أنودية بكثير، بحيث يتدفق كل التيار منه، ويصبح المعدن المراد حمايته كاثوديًا بالمقارنة معه. بهذه الطريقة تتوقف تفاعلات الأكسدة على سطح المعدن المحمي، وتنتقل بدلًا منها إلى الأنود الجلفاني، الذي يتم التضحية به لصالح الهيكل المحمي. وبصياغة أبسط، تستفيد هذه الطريقة من انخفاض استقرار معادن مثل المغنيسيوم والألمنيوم والزنك؛ إذ تذوب بدلاً من الحديد لأن روابطها أضعف مقارنة بروابط الحديد القوية الناتجة عن امتلاء جزئي لمدارات d.
ولكي تعمل هذه الحماية، يجب أن يوجد مسار إلكتروني بين الأنود والمعدن المراد حمايته (مثل سلك أو تلامس مباشر)، كما يجب أن يوجد مسار أيوني بين العامل المؤكسد (مثل الأكسجين والماء أو التربة الرطبة) وبين الأنود، وبين العامل المؤكسد والمعدن المحمي، لتشكيل دائرة كهربائية مغلقة. ولهذا فإن مجرد تثبيت قطعة من معدن نشط مثل الزنك على فولاذ منخفض الكربون في الهواء (الذي يُعد موصلاً أيونيًا ضعيفًا) لن يوفر أي حماية.
مواد الأنود
[عدل]هناك ثلاثة معادن رئيسية تُستخدم كأنودات جلفانية: المغنيسيوم، والألومنيوم، والزنك. وتتوفر جميعها على شكل كتل أو قضبان أو صفائح أو شرائط مسحوبة. ولكل مادة مزايا وعيوب.

يمتلك المغنيسيوم أكثر جهد كهربائي سالب بين المعادن الثلاثة (انظر السلسلة الجلفانية)، لذلك فهو الأنسب للمناطق ذات المقاومة العالية للإلكتروليت (التربة أو الماء). ويُستخدم عادةً في خطوط الأنابيب البرية والهياكل المدفونة، كما يُستخدم في القوارب في المياه العذبة وفي سخانات المياه.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يكون الجهد السالب العالي للمغنيسيوم عيبًا؛ فإذا أصبح جهد المعدن المحمي سالبًا جدًا، فقد يؤدي اختزال الماء أو البروتونات المذابة إلى توليد ذرات هيدروجين على سطح الكاثود، وفق التفاعل:
2H₂O + 2e⁻ ⟶ 2H + 2OH⁻(aq)
وهذا قد يؤدي إلى هشاشة الهيدروجين أو انفصال الطلاء. وعندما يكون ذلك مصدر قلق، يمكن استخدام أنودات الزنك. كما تُستخدم سبيكة ألومنيوم–زنك–قصدير تُسمى KA90 بكثرة في التطبيقات البحرية وفي سخانات المياه.[1]
يُستخدم الزنك والألومنيوم عادةً في مياه البحر، حيث تكون المقاومة أقل عمومًا، وحيث يذوب المغنيسيوم بسرعة بسبب تفاعله مع الماء وتطور الهيدروجين (تآكل ذاتي). ومن الاستخدامات النموذجية: هياكل السفن والقوارب، خطوط الأنابيب البحرية، منصات الإنتاج البحرية، محركات السفن المبردة بمياه البحر، مراوح وزعانف القوارب الصغيرة، والأسطح الداخلية لخزانات التخزين.
يُعد الزنك مادة موثوقة، ولكنه غير مناسب للاستخدام في درجات الحرارة العالية، لأنّه يميل إلى التمرّد (تكوّن طبقة أكسيد تحجب استمرار التفاعل)، وإذا حدث ذلك يتوقف مرور التيار ويتوقف عمل الأنود. يمتلك الزنك جهد دفع منخفض نسبيًا، مما يعني أنه في التربة أو المياه عالية المقاومة قد لا يوفر تيارًا كافيًا. ومع ذلك، في بعض الحالات — مثل وجود خطر هشاشة الهيدروجين — يكون هذا الجهد المنخفض ميزة لأنه يمنع الحماية الزائدة.
أما الألومنيوم فله عدة مزايا مثل الوزن الأخف والسعة الأعلى بكثير مقارنة بالزنك. لكن سلوكه الكهروكيميائي يُعد أقل موثوقية من الزنك، لذا يتطلب حذرًا أكبر في استخدامه. ويصبح الألومنيوم خاملاً (مُمرّدًا) عندما يكون تركيز الكلوريد أقل من 1,446 جزءًا في المليون. ومن عيوب الألومنيوم أنه عند اصطدامه بسطح صدئ قد يولّد شرارة "تيرمايت" قوية، لذلك يُقيّد استخدامه في الخزانات التي قد تحتوي على أجواء قابلة للانفجار في حال سقوط الأنود.
وبما أن عمل الأنود الجلفاني يعتمد على فرق الجهد بين الأنود والكاثود، يمكن عمليًا استخدام أي معدن لحماية معدن آخر، بشرط وجود فرق جهد كافٍ. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام أنودات الحديد لحماية النحاس.
اعتبارات التصميم
[عدل]يجب أن يأخذ تصميم نظام الحماية الكاثودية بالأنود الغلفاني في الحسبان عدة عوامل، منها نوع البنية المراد حمايتها، ومقاومية الوسط الكهربائي (التربة أو الماء) الذي سيعمل فيه النظام، ونوع الطلاء المستخدم، والعمر التشغيلي المطلوب. الحساب الأساسي هو تحديد كمية مادة الأنود اللازمة لحماية البنية طوال الفترة المطلوبة. فإذا كانت كمية الأنود قليلة، ستوفر حماية مؤقتة لكنها ستحتاج إلى استبدال متكرر. أما الكمية الزائدة فتوفر حماية فوق الحاجة وبكلفة غير ضرورية.

تُحسب الكتلة بالكيلوغرام وفق المعادلة:
- الكتلة = (التيار المطلوب × العمر التصميمي × 8760) ÷ (عامل الاستفادة × سعة الأنود)
- العمر التصميمي يُقاس بالسنوات (1 سنة = 8760 ساعة).
- عامل الاستفادة: هي قيمة ثابتة تعتمد على شكل الأنود وطريقة تثبيته، وتُبيّن مقدار ما يمكن استهلاكه من الأنود قبل أن يتوقف عن العمل بكفاءة. فقيمة 0.8 تعني إمكانية استهلاك 80% من الأنود قبل استبداله. الأنود الطويل النحيف البارز عن السطح (مرفوع على دعامات بعيدًا عن الهيكل) يمتلك عامل الاستفادة مقداره 0.9، بينما الأنود القصير المثبّت ملاصقًا للسطح عامل الاستفادة له 0.8.
- سعة الأنود تعبّر عن كمية المادة المستهلكة مع مرور التيار. في مياه البحر تكون: الزنك: 780 أمبير-ساعة/كغ، الألمنيوم: 2000 أمبير-ساعة/كغ. وهذا يعكس الكتلة الذرية الأقل للألمنيوم، مما يعني أنه يمكنه نظريًا إنتاج تيار أكبر لكل وحدة وزن قبل أن يُستهلك، وهو عامل مهم عند اختيار المادة الأنسب.
تتحدد كمية التيار المطلوبة بشكل مباشر بمقدار المساحة السطحية المعدنية المعرَّضة للتربة أو الماء، لذا فإن تطبيق الطلاء يقلّل كثيرًا من كتلة الأنود المطلوبة؛ فكلما كان الطلاء أفضل، قلّت الحاجة لمادة الأنود.
بعد تحديد الكتلة المطلوبة، يُختار نوع الأنود. فالأشكال المختلفة للأنودات تمتلك مقاومات متفاوتة تجاه الأرض، وهذه المقاومة تحدد مقدار التيار المتاح.إذا كانت مقاومة الأنود مرتفعة، يجب اختيار شكل أو حجم مختلف، أو زيادة عدد الأنودات المستخدمة. ثم تُنظّم الأنودات بحيث توفر توزيعًا متوازنًا للتيار على كامل البنية. فعلى سبيل المثال، إذا احتاج خط أنابيب بطول 10 كيلومترات إلى 10 أنودات، فإن وضع أنود واحد كل كيلومتر يكون أكثر فعالية من تجميعها في طرف واحد.
المزايا
[عدل]- لا تحتاج إلى مصدر طاقة خارجي.
- سهلة التركيب نسبيًا.
- الجهد والتيار المنخفضان يقللان من خطر التيارات الشاردة على البنى الأخرى.
- تتطلب مراقبة أقل مقارنة بأنظمة الحماية الكاثودية بالتيار المسلط (ICCP).
- خطر الحماية المفرطة منخفض نسبيًا.
- يمكن اختبار مكونات النظام بسهولة بواسطة فنيين مدرَّبين بعد التركيب.
العيوب
[عدل]- قدرة التيار محدودة بكتلة الأنود ومعدل استهلاكه عند كثافات تيار منخفضة.
- الجهد الدافع منخفض، ما قد يجعل الأنودات غير فعّالة في البيئات عالية المقاومية.
- غالبًا يتطلب الأمر عزل البنية المراد حمايتها كهربائيًا عن البنى والأرضيات الأخرى.
- الأنودات ثقيلة وقد تزيد مقاومة الماء على الهياكل المتحركة أو داخل الأنابيب.
- في حال توفر التيار المستمر، تكون الطاقة الكهربائية أرخص من استخدام الأنودات الغلفانية.
- عند استخدام مجموعات كبيرة، يلزم تمديد أسلاك إضافية بسبب ارتفاع التيارات وضرورة تقليل فقدان المقاومة.
- يجب وضع الأنودات بعناية كي لا تعيق تدفّق الماء نحو المروحة.
- يجب فحص الأنودات واستبدالها ضمن أعمال الصيانة الدورية للحفاظ على كفاءتها.
الجدوى الاقتصادية
[عدل]نظرًا لكون المواد المستخدمة في صناعة أنودات التضحية أغلى عادةً من الحديد، فقد يبدو استخدام هذه الطريقة لحماية الهياكل المعدنية الحديدية غير مجدٍ اقتصاديًا. يجب أيضًا الأخذ في الحسبان تكاليف إصلاح بدن متآكل أو استبدال خط أنابيب أو خزان فولاذي فقد متانته بسبب التآكل.
ومع ذلك، توجد حدود للجدوى الاقتصادية لنظام الأنودات الغلفانية. فبالنسبة للهياكل الكبيرة، مثل خطوط الأنابيب الطويلة، قد يتطلب الأمر عددًا كبيرًا من الأنودات إلى درجة يصبح معها استخدام الحماية الكاثودية بالتيار المسلط أكثر فعالية من حيث التكلفة.
إنتاج أنودات التضحية
[عدل]الطريقة الأساسية لإنتاج أنودات التضحية هي عملية الصب. ومع ذلك، يمكن التمييز بين طريقتين للصب:
- السباكة بالضغط العالي: وهي عملية شائعة في إنتاج أنودات التضحية، وتتم بشكل آلي بالكامل. ولكي تعمل عملية التصنيع بشكل موثوق وثابت، يجب تعديل سبيكة الأنود المستخدمة لتناسب ظروف الإنتاج.
- السباكة بالجاذبية : وتُستخدم كذلك في صناعة أنودات التضحية، ويتم تنفيذها يدويًا أو آليًا بشكل جزئي. في هذه الطريقة لا تحتاج السبيكة إلى تعديل لملاءمة عملية الإنتاج، بل تُصمَّم لتحقيق أفضل حماية ممكنة من التآكل بنسبة 100%.
اقرأ أيضاً
[عدل]مراجع
[عدل]- ^ "80251 KA90 Aluminum Alloy Anodes in Hot and Cold Seawater and Brine Environments". ASM International. مؤرشف من الأصل في 2022-01-04. اطلع عليه بتاريخ 2022-01-04.