معركة كربلاء

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
معركة كربلاء
جزء من صراعات إسلامية داخلية
صورة معبرة عن معركة كربلاء
لوحة لمعركة كربلاء في متحف بروكلين
التاريخ 10 محرم سنة 61 هـ، الموافق 12 أكتوبر 680 م.
الموقع كربلاء
32°36′N 44°00′E / 32.6°N 44°E / 32.6; 44 تعديل القيمة في ويكي بيانات
النتيجة انتصار عسكري ليزيد بن معاوية
المتحاربون
Umayyad Flag.svg الدولة الأموية قوات الحسين بن علي
القادة
عمر بن سعد الحسين بن علي
القوة
30.000 أو أكثر[1][2][3] 72 أو 73
الخسائر
غير معروف 72

معركة كربلاء وتسمى أيضاً واقعة الطف هي ملحمة وقعت على ثلاثة أيام وختمت في 10 محرم سنة 61 للهجرة والذي يوافق 12 أكتوبر 680م،[4][5] وكانت بين الحسين بن علي بن أبي طالب ابن بنت نبي الإسلام، محمد بن عبد الله، الذي أصبح المسلمون يطلقون عليه لقب "سيد الشهداء" بعد انتهاء المعركة، ومعه أهل بيته وأصحابه، وجيش تابع ليزيد بن معاوية.

تعتبر واقعة الطف من أكثر المعارك جدلاً في التاريخ الإسلامي فقد كان لنتائج وتفاصيل المعركة آثار سياسية ونفسية وعقائدية لا تزال موضع جدل إلى الفترة المعاصرة، حيث تعتبر هذه المعركة أبرز حادثة من بين سلسلة من الوقائع التي كان لها دور محوري في صياغة طبيعة العلاقة بين السنة والشيعة عبر التاريخ وأصبحت معركة كربلاء وتفاصيلها الدقيقة رمزا للشيعة ومن أهم مرتكزاتهم الثقافية وأصبح يوم 10 محرم أو يوم عاشوراء، يوم وقوع المعركة، رمزاً من قبل الشيعة "لثورة المظلوم على الظالم ويوم انتصار الدم على السيف".[6]

رغم قلة أهمية هذه المعركة من الناحية العسكرية حيث اعتبرها البعض من محاولة تمرّد فاشلة قام بها الحسين إلا أن هذه المعركة تركت آثاراً سياسية وفكرية ودينية هامة. حيث أصبح شعار "يا لثارات الحسين" عاملاً مركزياً في تبلور الثقافة الشيعية وأصبحت المعركة وتفاصيلها ونتائجها تمثل قيمة روحانية ذات معاني كبيرة لدى الشيعة، الذين يعتبرون معركة كربلاء ثورة سياسية ضد الظلم. بينما أصبح مدفن الحسـين في كربلاء مكاناً مقدساً لدى الشيعة يزوره مؤمنوهم، مع ما يرافق ذلك من ترديد لأدعية خاصة أثناء كل زيارة لقبره. أدى مقتل الحسين إلى نشوء سلسلة من المؤلفات الدينية والخطب والوعظ والأدعية الخاصة التي لها علاقة بحادثة مقتله وألفت عشرات المؤلفات لوصف حادثة مقتله.

يعتبر الشيعة معركة كربلاء قصة تحمل معاني كثيرة "كالتضحية والحق والحرية" وكان لرموز هذه الواقعة حسب الشيعة دور في الثورة الإيرانية وتعبئة الشعب الإيراني بروح التصدي لنظام الشاه، وخاصة في المظاهرات المليونية التي خرجت في طهران والمدن الإيرانية المختلفة أيام عاشوراء والتي أجبرت الشاه السابق محمد رضا بهلوي على الفرار من إيران، ومهدت السبيل أمام إقامة النظام الإسلامي في إيران وكان لهذه الحادثة أيضا، بنظر الشيعة، دور في المقاومة الإسلامية في وجه الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

جذور الخلاف بين السنة والشيعة[عدل]

بعد وفاة النبي محمد سنة 632م في المدينة المنورة كانت هناك فترة من الغموض والتساؤل حول كيفية اختيار خليفة له يقود المجتمع الإسلامي حديث النشوء. حدث الكثير من المناقشات حول تحديد الطريقة الواجب اتباعها في اختيار الحاكم حيث لم يكن هنالك حسب أية وثيقة أو دستور لتحديد نظام الحكم وإنما بعض القواعد العامة فقط حول علاقة الحاكم بالمحكوم. بينما يعتقد البعض أنه كانت هناك نصوص واضحة حول ما اعتبروه أحقية علي بن أبي طالب بخلافة الرسول محمد، وهي الآية القرآنية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

يرى معظم علماء الدين المسلمين أن حادثة سقيفة بني ساعدة تشير إلى أن من حق المسلمين تحديد ما يصلح لهم في كل عصر ضمن إطار القواعد الرئيسة للإسلام. توزعت الآراء حول اختيار الحاكم في سقيفة بني ساعدة إلى ثلاتة آراء رئيسية: رأي يرى بقاء الحكم في قريش مستندا إلى أبى بكر الذي قال

   
معركة كربلاء
إن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قـريش ،هم أوسط العرب نسبا ودارا
   
معركة كربلاء

وكان هذا مخالفا لرأي أهل المدينة المنورة الذين استقبلوا الدعوة الإسلامية واتخذ فيها المسلمون من مكة ملاذا ونقطة انطلاق، وكان هناك رأي ثالث بأن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير آخر ودار النقاش في سقيفة بني ساعدة. وقع الاختيار في النهاية على أبي بكر ليتولى الخلافة -ربما على أساس أن النبي محمد اختاره لإمامة جموع المسلمين حين أقعده المرض، مع وجود رواية تاريخية أخرى تقول بأن أبا بكر كان ضمن جيش أسامة ورجع عندما أرسلت له ابنته السيدة عائشة مبلغة اياه بسوء الحالة المرضية للنبي فرجع وتقدم للصلاة فلما علم النبي في تقدم أبي بكر جاء واستأنف الصلاة من بدايتها ولم يبن على صلاة أبي بكر، ولم يكن في الأمر انفرادا في اتخاذ القرار وبينما اعتبرت العملية التي تمت تحت تلك السقيفة في نظر السنة أكثر ديمقراطية في ذلك الوقت من العديد من أنظمة الحكم الوراثية التي كانت ولا تزال لحد هذا اليوم شائعة في بعض مناطق العالم.[7] اعتبر الشيعة غياب ركن هام في المجتمع الإسلامي وهو الهاشميين ينقص من اكتمال اجتماع السقيفة حيث غاب عنها علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وباقي أبناء عبد المطلب حيثوا كانوا مشغولين بتغسيل الرسول وتكفينه واعترض على نتائجها بعض الصحابة أمثال أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد بن عمرو وأسامة بن زيد وغيرهم.[8]

من جهة أخرى يعتقد الشيعة أن بعض الحوادث التاريخية مثل غدير خم وحادثة الكساء وائتمان الرسول لعلي على شؤون المدينة أثناء غزوة تبوك وبعض النصوص في القرآن والحديث النبوي مثل حديث السفينة وحديث الثقلين وحديث دعوة العشيرة وحديث المنزلة فيها إشارة واضحة إلى حق علي بن أبي طالب بخلافة النبي محمد، على الرغم من مبايعة علي لأبو بكر ليكون الخليفة رغبة منه في تفادي حدوث صدع في صفوف المسلمين، بينما يذهب البعض الآخر إلى التشكيك أصلا في مبايعة علي لأبي بكر استنادا إلى بعض الروايات التي رواها ابن كثير وابن الأثير والطبري عن امتناع علي بن أبي طالب وبعض من الصحابة في دار فاطمة الزهراء عن البيعة لأبي بكر.[9][10][11]

بعد مقتل عثمان بن عفان الذي كان من بني أمية،[12] أخذ معاوية بن أبي سفيان الذي كان من بني أمية أيضا مهمة الثأر لعثمان بسبب ما اعتبره معاوية عدم جدية علي بن أبي طالب في معاقبة قتلة عثمان واعتبر معاوية علي بصورة غير مباشرة مسؤلا عن حوادث الاضطراب الداخلي التي أدت إلى مقتل عثمان.[13] وتفاقم الخلاف بين علي ومعاوية مفضيا إلى صراع مسلح بينهما في معركة صفين ولكن دهاء معاوية في المعركة أدى إلى حدوث انشقاقات في صفوف قوات علي بن أبي طالب. وأطلقت تسمية الخوارج على الطائفة التي كانت من شيعة علي بن أبي طالب ثم فارقته وخرجت عليه وقاتلته. استغل معاوية ضعف القيادة المركزية لخلافة علي وقام بصورة غير مركزية ببسط نفوذه على سوريا ومصر وبعد اغتيال علي في عام 661م كان معاوية في موضع قوة أفضل من ابن الخليفة الراحل، الحسن بن علي بن أبي طالب الذي فضل أن يعيش في المدينة المنورة لأسباب لا تزال موضع نقاش إلى الآن. فحسب السنة قام الحسن بمبايعة معاوية وحسب الشيعة فإن المبايعة تمت بسبب تقديرات الحسن لموقف أهل البيت الذي كان في وضع لايحسد عليه بعد اغتيال علي بن أبي طالب ويعتبر البعض إن الحسن بن علي "تنازل" عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان على شرط أن تعود طريقة الخلافة بعد موته إلى نظام الشورى بين المسلمين [14] ويعتبر البعض أن تعين يزيد بالوراثة خليفة على المسلمين بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان كان نقطة تحول في التاريخ الإسلامي حيث شكل بداية لسلسلة طويلة من الحكام الذين يستولون على السلطة بالقوة ليورثونها فيما بعد لأبنائهم وأحفادهم ولا يتنازلون عنها إلا تحت ضغط ثورات شعبية أو انقلابات عسكرية أو حركات تمرد مسلحة.

قبل المعركة[عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم
Allah1.png

هذه المقالة جزء من سلسلة الإسلام عن:
الشيعة
لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفِقار

استنادا لمصادر تاريخية فإن الخلافة استقرت لمعاوية بن أبي سفيان بعد توقيع معاهدة الصلح مع الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ويعتقد البعض أن مجموعة من العوامل أدت إلى تنازل الحسن لمعاوية منها:

  • محاولة لحقن الدماء وتوحيد الكلمة بعد سلسلة من الصراعات الداخلية بين المسلمين ابتداء من فتنة مقتل عثمان إلى معركة الجمل ومعركة صفين وقد أثنى الكثير على هذه المبادرة وسمي العام الذي تم فيه الصلح "عام الجماعة".
  • مبادرة الصلح والتنازل كانت مشروطة بعودة طريقة الخلافة إلى الامام الحسن بن علي بن أبي طالب بعد موت معاوية.

أعقب هذا الصلح فترة من العلاقات الهادئة بين أعداء الأمس في معركة صفين وبعد استشهاد الحسن عندما قام معاوية وهو على قيد الحياة بترشيح ابنه "يزيد بن معاوية" للخلافة من بعده قوبل هذا القرار بردود فعل تراوحت بين الاندهاش والاستغراب إلى الشجب والاستنكار فقد كان هذا في نظر البعض نقطة تحول في التاريخ الإسلامي من خلال توريث الحكم وعدم الالتزام بنظام الشورى الذي كان متبعا في اختيار الخلفاء السابقين وكان العديد من كبار الصحابة لايزالون على قيد الحياة واعتبر البعض اختيار يزيد للخلافة يستند على عامل توريث الحكم فقط وليس على خبرات المرشح الدينية والفقهية. وبدأت بوادر تيار معارض لقرار معاوية بتوريث الحكم تركز بالحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب.[15][16]

عند وفاة معاوية بن أبي سفيان أصبح ابنه يزيد بن معاوية خليفة ولكن تنصيبه جوبه بمعارضة من قبل بعض المسلمين وكانت خلافة يزيد التي دامت ثلاث سنوات وصلة حروب متصلة، ففي عهده حدثت ثورة كربلاء ثم حدثت ثورة في المدينة انتهت بوقعة الحرة ونهبت المدينة. كما سار مسلم بن عقبة المري إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير وأصيبت الكعبة بالمنجنيقات. حاول يزيد بطريقة أو بأخرى إضفاء الشرعية على تنصيبه كخليفة فقام بإرسال رسالة إلى والي المدينة المنورة يطلب فيها أخذ البيعة من الحسين الذي كان من المعارضين لخلافة يزيد إلا أن الحسين رفض أن يبايع "يزيد".

وصلت أنباء رفض الحسين مبايعة يزيد واعتصامه في مكة إلى الكوفة التي كانت أحد معاقل القوة لشيعة علي بن أبي طالب وبرزت تيارات في الكوفة تؤمن أن الفرصة قد حانت لأن يتولى الخلافة الحسين بن علي واتفقوا على أن يكتبوا للحسين يحثونه على القدوم إليهم، ليسلموا له الأمر، ويبايعوه بالخلافة. بعد تلقيه العديد من الرسائل من أهل الكوفة قرر الحسين أن يستطلع الأمر فقام بإرسال ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليكشف له حقيقة الأمر. عندما وصل مسلم إلى الكوفة شعر بجو من التأييد لفكرة خلافة الحسين بن علي ومعارضة لخلافة يزيد بن معاوية وحسب بعض المصادر الشيعية فإن 18,000 شخص بايعوا الحسين ليكون الخليفة وقام مسلم بإرسال رسالة إلى الحسين يعجل فيها قدومه.[17]

حسب ما تذكر المصادر التاريخية، إن مجيء آل البيت بزعامة الحسين كان بدعوة من أهل الكوفة. قام أصحاب واقارب واتباع الحسين بأسداء النصيحة له بعدم الذهاب إلى ولاية الكوفة ومنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن ابي طالب وأبو سعيد الخدري وعمرة بنت عبد الرحمن، حيث حذر أبو سعيد الخدري من إعطاء الخصم الذريعة بالخروج عن الطاعة لولي الأمر مانصه "غلبني الحسين على الخروج وقد قلت له، اتق الله والزم بيتك، ولاتخرج على امامك" استنادا على تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 342. وكذلك عمرة بنت عبد الرحمن، نفس المصدر ص 343. ولكن الحسين واستنادا إلى الطبري ج 4 ص 292 "كان مصراً إصراراً كبيراً على الخروج"، كما أسدى له ابن عباس النصح برأي آخر مهم، "فان أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فان بها حصوناً وشعاباً ولأبيك بها أنصار (الشيخ الخضري، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية).

مرقد مسلم بن عقيل (إلى اليسار من الصورة) ومرقد هانئ بن عروة (إلى اليمن) في مسجد الكوفة.

لكن هذا الخبر وصل بسرعة إلى الخليفة الأموي الجديد الذي قام على الفور بعزل والي الكوفة النعمان بن بشير بتهمة تساهله مع الاضطرابات التي تهدد الدولة الأموية وقام الخليفة يزيد بتنصيب والٍ آخر كان أكثر حزماً اسمه عبيد الله بن زياد الذي وحسب المصادر الشيعية قام بتهديد رؤساء العشائر والقبائل في منطقة الكوفة بإعطائهم خيارين إما بسحب دعمهم للحسين أو انتظار قدوم جيش الدولة الأموية ليبيدهم على بكرة أبيهم.[18] وكان تهديد الوالي الجديد فعالاً فبدأ الناس يتفرّقون عن مبعوث الحسين، مسلم بن عقيل شيئاً فشيئاً لينتهى الأمر بقتله واختلفت المصادر في طريقة قتله فبعضها تحدث عن إلقائه من أعلى قصر الإمارة وبعضها الآخر عن سحله في الأسواق وأخرى عن ضرب عنقه. بغض النظر عن هذه الروايات فإن هناك إجماع على مقتله وعدم معرفة الحسين بمقتله عند خروجه من مكة إلى الكوفة بناءً على الرسالة القديمة التي استلمها قبل تغير موازين القوى في الكوفة.[18]

هناك رواية مشهورة لا يمكن التحقق من صحتها تقول بأن الحسين وهو في طريقه إلى الكوفة لقي الشاعر الفرزدق وقال الفرزدق للحسين "قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية" ولما وصل الحسين كربلاء في طريقه إلى الكوفة أقبل عليه مبعوث من والي الكوفة عبيد الله بن زياد وكان اسمه الحرّ بن يزيد فحذره الحر بن يزيد من أن أي قتال مع الجيش الأموي سيكون انتحارا ولكن الحسين وحسب المصادر الشيعية جاوبه بهذا البيت من الشعر:

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وآسى الرجـال الصـالحين بنفسـه وفارق خوفاً أن يعيش ويرغما[19]

فيما تشير روايات أخرى إلى أن الحسين لما علم بمقتل مسلم بن عقيل وتخاذل الكوفيين عن حمايته ونصرته، قرر العودة إلى مكة، لكن إخوة مسلم بن عقيل أصرّوا على المضي قدما للأخذ بثأره، فلم يجد الحسين بداً من مطاوعتهم، واستنادا إلى الطبري فإن أبناء مسلم بن عقيل قالوا: "والله لانرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل"، ثم قال الحسين: "لا خير في الحياة بعدكم" فسار.[20]

وفي رواية أخرى نقلها التستري، أن الحسين قال: «ليس شأني شأن من يخاف الموت، ما أهون الموت على سبيل نيل العز وإحياء الحق، ليس الموت في سبيل العز إلا حياة خالدة وليست الحياة مع الذل إلا الموت الذي لا حياة معه، أفبالموت تخوفني، هيهات طاش سهمك وخاب ظنك لست أخاف الموت، إن نفسي لأكبر من ذلك وهمتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفا من الموت، وهل تقدرون على أكثر من قتلي؟! مرحبا بالقتل في سبيل الله، ولكنكم لا تقدرون على هدم مجدي، ومحو عزي وشرفي، فإذا لا أبالي بالقتل».[21] ثم أقبل الحسين إلى أصحابه، وقال: "هل فيكم أحد يخبر الطريق على غير الجادة؟"، فقال الطرماح بن عدي الطائي: "يا ابن بنت رسول الله! أنا أخبر الطريق". فقال الحسين: "إذا سر بين أيدينا!" قال: فسار الطرماح، وأتبعه الحسين هو وأصحابه.[21]

وقائع المعركة[عدل]

لوحة إيرانية زيتية مرسومة على القماش من القرن التاسع عشر تمثل معركة كربلاء، من المتحف الاستوائي في أمستردام.

استمر الحسين وقواته بالمسير إلى أن اعترضهم الجيش الأموي في صحراء كانت تسمى الطف واتجه نحو الحسين جيش قوامه 30000 مقاتل يقوده عمر بن سعد الذي كان ابن سعد بن أبي وقاص ووصل هذا الجيش الأموي بالقرب من خيام الحسين وأتباعه في يوم الخميس التاسع من شهر محرم.[22] في اليوم التالي عبأ عمر بن سعد رجاله وفرسانه فوضع على ميمنة الجيش عمر بن الحجاج وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس وكانت قوات الحسين تتألف من 32 فارسا و 40 راجلا من المشاة[23] وأعطى رايته أخاه العباس بن علي وقبل أن تبدأ المعركة لجأ جيش ابن زياد إلى منع الماء عن الحسين وصحبه، فلبثوا أياماً يعانون العطش.

بدأ رماة الجيش الأموي يمطرون الحسين وأصحابه بوابل من السهام وأصيب الكثير من أصحاب الحسين ثم اشتد القتال ودارت رحى الحرب وغطى الغبار أرجاء الميدان واستمر القتال ساعة من النهار ولما انجلت الغبرة كان هناك خمسين صريعا من أصحاب الحسين واستمرت رحى الحرب تدور في ميدان كربلاء وأصحاب الحسين يتساقطون الواحد تلو الآخر واستمر الهجوم والزحف نحو من بقي مع الحسين وأحاطوا بهم من جهات متعددة وتم حرق الخيام فراح من بقي من أصحاب الحسين وأهل بيته ينازلون جيش عمر بن سعد ويتساقطون الواحد تلو الآخر، ومنهم: ولده علي الأكبر، أخوته، عبد الله، عثمان، جعفر، محمد، أبناء أخيه الحسن أبو بكر، والقاسم، والحسن المثنى، ابن أخته زينب، عون بن عبد الله بن جعفر الطيار، آل عقيل: عبد الله بن مسلم، عبد الرحمن بن عقيل، جعفر بن عقيل، محمد بن مسلم بن عقيل، عبد الله بن عقيل.[24]

بدأت اللحظات الأخيرة من المعركة عندما ركب الحسين جواده يتقدمه أخوه العباس بن علي بن أبي طالب حامل اللواء. إلا أن العباس ذهب إلى بحر العلقمي وهو جزء من نهر الفرات ليأخذ الماء إلى الحسين واصحابه ولكن العباس لم يستطع ان يشرب شربة ماء واحدة إثاراً لأخوه الحسين وسرعان ما وقع صريعا من جنود العدو[25] ولم يبق في الميدان سوى الحسين الذي أصيب بسهم فاستقر السهم في نحره، وراحت ضربات الرماح والسيوف تمطر جسده، وحسب رواية الشيعة فإن شمر بن ذي جوشن قام بفصل رأس الحسين عن جسده بضربة سيف[26] كما وانهم جعلو خيلا ً تسمى بخيل الاعوجي تمشي وتسير فوق جسد الحسين بن علي وكان ذلك في يوم الجمعة من عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة وله من العمر 56 سنة.[27] ولم ينج من القتل إلا علي بن الحسين، فحفظ نسل أبيه من بعده.[28][29]

بعد المعركة[عدل]

هناك الكثير من التضارب حول التفاصيل الدقيقة لوقائع المعركة وماحدث بعد المعركة ولايوجد مصادر محايدة يمكن الاعتماد عليها ولكن هناك إجماع على أن رأس الحسين قد قطع وتم إرساله مع نساء أهل بيت الحسين إلى الشام إلى بلاط يزيد بن معاوية فبعض المصادر تشير إلى أنه أهان نساء آل بيت نبي الإسلام محمد بن عبد الله وأنهن أخذن إلى الشام مسبيات وأُهِنّ هناك ولكن هناك مصادر أخرى على لسان ابن تيمية تقول نصا "إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره ولم يسب لهم حريما بل أكرم بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلادهم" وهذه الرواية يرفضها الشيعة وبعض من أهل السنة.[30]

هنالك أيضا جدل أزلي حول من كان المسؤول عن قتل الحسين، ففي نظر الشيعة والذي يوافق بعض المؤرخين من أهل السنة مثل ابن كثير في البداية والنهاية، وابن الأثير في الكامل، وابن خلدون في العبر والإمام الذهبي في تاريخ الإسلام فإن يزيد لم يكن ملتزما بمبادئ الإسلام في طريقة حياته وحكمه وكان هو المسؤول الأول عن مقتل الحسين.[31]

أما موقف يزيد المعادي لآل البيت، فهنالك رواية تنفي ذلك طرحا لمختلف الآراء فيذكر الطبري أن يزيدا أرسل رسالة إلى عبيد الله بن زياد قائلا "بلغني أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق، فضع المناظر (العيون أو المراقبون) والمسالح (جيوش تحمي الطرقات) واحترس على الظن وخذ على التهمة غير لا تقتل إلا من قاتلك". وقيل أيضا أنه اهتم بأهل بيت الحسين وحزن على استشهاده.[32][33]

موضع الرأس[عدل]

النقطة الأخرى المثيرة للجدل هي الموضع الذي دفن به رأس الحسين بن علي فهنالك العديد من الآراء حول هذا الموضوع منها:[34]

  • أن الرأس دفن مع الجسد في كربلاء وهو مع عليه جمهور الشيعة حيث الاعتقاد بأن الرأس عاد مع السيدة زينب إلى كربلاء بعد أربعين يوما من المقتل أي يوم 20 صفر وهو يوم الأربعين الذي يجدد فيه الشيعة حزنهم.
  • أن موضع الرأس بالشام وهو على حسب بعض الروايات التي تذكر أن الأمويين ظلوا محتفظين بالرأس يتفاخرون به أمام الزائرين حتى أتى عمر بن عبد العزيز وقرر دفن الرأس واكرامه، كما ذكر الذهبي في الحوادث من غير وجه أن الرأس قدم به على يزيد "[35]. وما زال المقام هناك إلى اليوم يزار.
  • أن موضع الرأس بعسقلان وهذا الرأي امتداد للرأي الثاني حيث لو صح الثاني من الممكن أن يصح الثالث والرابع، تروي بعض الروايات ومن أهمها المقريزي أنه بعد دخول الصليبيين إلى دمشق واشتداد الحملات الصليبية قرر الفاطميين أن يبعدوا رأس الحسين ويدفوننها في مأمن من الصليبيين وخصوصا بعد تهديد بعض القادة الصليبيين بنبش القبر، فحملوها إلى عسقلان ودفنت هناك.
   
معركة كربلاء
حدثني أبي، عن أبيه قال: "أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال: رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهن يقال لها ريا حاضنة يزيد بن معاوية، يُقال: بلغت مائة سنة، قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر فقد مكنك الله من الحسين، فحين رآه خمر وجهه كأنه يشم منه رائحة، قال حمزة: فقلت لها: أقرع ثناياه بقضيب؟ قالت: إي والله، ثم قال حمزة: وقد كان حدثني بعض أهلها أنه رأى رأس الحسين مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام، وحدثتني ريا أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان الخلافة، فبعث إليه فجيء به وقد بقي عظماً أبيض، فجعله في سفط وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين، فلما دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صنع به.
   
معركة كربلاء

من الناحية السياسية لم تكن ثورة الحسين على خلافة يزيد آخر الثورات فقد تلاها ثورة في المدينة المنورة التي انتهت بوقعة الحرة ثم ثورة عبد الله بن الزبير ولم تصبح البلاد الإسلامية تابعة بصورة كاملة لحكم الأمويين إلا في عهد عبد الملك بن مروان وبواسطة الحجاج بن يوسف الثقفي الذي استطاع القضاء على ثورة عبد الله بن الزبير في سنة 73 هـ.

يؤمن البعض من أتباع المذهب الشيعي أن عدد من المعجزات حصلت بعد مقتل الحسين بن علي، فيُقال:

   
معركة كربلاء
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّةِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ شَوْقٍ الْعَبْديَّةُ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي نَضْرَةُ الْأَزْدِيَّةِ، قَالَتْ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ مَطَرَتِ السَّمَاءُ دَمًا، فَأَصْبَحْتُ وَكُلُّ شَيْءٍ مَلْآنُ دَمًا.[36]
   
معركة كربلاء

الثورات[عدل]

ثورة التوابين[عدل]

الكوفيون دعوا الحسين إليهم وكتبوا له. لم تلبث حماستهم أن خمدت فقتل مسلم وقتل هاني والكوفيون ينظرون وها هو الحسين على أبواب الكوفة قد حط رحاله في كربلاء[37] في ذلك الحين كان الكوفيون ثلاث فئات، فئة قليلة قد كانت فيمن طلب إلى الحسين القدوم إلى الكوفة ووعدته النصر فيمن وعد، وقد قامت هذه الفئة بمناصرته حينما أقبل مجيباً الدعوة، وكان في هذه الفئة حبيب بن مظاهر الأسدي ونافع بن هلال الجملي وغيرهم.[38] فئة أخرى كانت على نقيض الفئة الأولى لا تحفل بعقيدة وهي إذا كانت قد كتبت إلى الحسين فيمن كتب وتحمست لدعوته أشد التحمس وإذا كانت ترى في الحسين رجل الساعة المفرد الذي يخلق بالتأييد والنصرة فلاترى بأساً وقد مالت الكفة مع ابن زياد أن تميل معها وتقاتل الذي دعته لتنضوي تحت لوائه.[38] فئة ثالثة كانت وسطاً بين الفئتين فلا هي نصرت الحسين ولا هي نفرت لقتاله ولكنها انكمشت على نفسها تنكر المنكر بقلبها حتى إذا قتل الحسين ندمت على تركها نصرته وتلاومت فيما بينها ورأت أن قد أخطأت خطأ كبيراً ومن هذه الفئة انبعثت فكرة الثورة التي عرف رجالها باسم "التوابين".[38]

ثورة المختار الثقفي[عدل]

كان المختار يطالب بدم الحسين بن علي ورفع شعار يالثارات الحسين وكان موكلاً من محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية،[39][40] فقتل أغلبية من شارك في قتال الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلى رأسهم عمر بن سعد،[41] وشمر بن ذي الجوشن،[42] وعبيد الله بن زياد،[43][44] وحرملة بن كاهل الأسدي، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس الكندي، وسنان بن أبي أنس، والحصين بن نمير، وخولي بن يزيد الأصبحي.[45]

ثورة زيد بن علي[عدل]

ثورة زيد بن علي هي ثورة قام بها زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، في الكوفة ناحية العراق، ضد الأمويين وحكم هشام بن عبد الملك، وذلك في يوم الأربعاء 2 صفر 122 هـ، وانتهت بالقضاء على ثورة زيد بن علي ومقتله.[46] منذ أن خرج الحسين بن علي سنة 61 هـ على حكم يزيد بن معاوية، حيث استدعاه أهل الكوفة وانتهى هذا الخروج بقتل الحسين ومعظم أهل بيته في كربلاء، ومن يومها وما زال الطالبيون تراودهم فكرة الخروج مرة بعد مرة، ولكن المصاب الكبير وماجرى في معركة كربلاء كان يمنعهم، حتى جاء زيد بن علي زين العابدين بن الحسين.[46]

أثر واقعة كربلاء[عدل]

اليوم يسلم علماء علم التاريخ والاجتماع بوجود خطر خاص يهدد كل ثورة بعد قيامها وموقعيتها. يحكي لنا التاريخ عن وجود أشخاص كانوا يخالفون الثورة قبل أن توفق وتثمر، ولكن بمجرد أن يئسوا من مخالفتهم، انضموا إليها واكتسبوا صبغتها فأخفوا صورتهم الحقيقية وراء هذه الثورة ويسعى هؤلاء للحفاظ على شكل وظاهر الثورة، بحيث لايتمكن الأشخاص العاديون من فهم أي تغيير جوهري قد يحدث فيها، بينما يحاول هؤلاء في الواقع، تغيير جوهر ولب هذه الثورة ويجرونها في اتجاه الانحراف والفساد.[47] هنا نحتاج إلى أعين ثاقبة النظر وإرادة قوية، نحتاج إلى منظار يدخل إلى الداخل والمضمون، ويتخطى الشكل والظاهر والقشور، للتمكن من إدراك أن ما هو موجود يختلف تماماً عن الواقع والحقيقة.[48]

ويبرز هنا دور ثورة حسين بن علي في تغيير مسار التاريخ الإسلامي، حيث كان أداؤه استمراراً لحركة الإمام علي، عندما أصبح الإمام علي خليفة المسلمين لم يعط أي أهمية للفتوحات ومحاربة الكفار خارج الحدود، بينما أعطى الإمام كل الإهتمام للإصلاح الداخلي، كان الإمام يعتقد بأن الإسلام الذي أصبح في الظاهر واسعاً مترامياً، هو كالعين المتورمة حيث يتحرك في داخله نحو الفساد، فلابد من القيام بعملية إصلاح داخلية. وهكذا أيضاً كانت ثورة حسين بن علي من أجل الإصلاح داخل المجتمع الإسلامي. [49]

من جهة أخرى تعتبر ثورة حسين بن علي من أهم الأحداث التاريخية التي ساهمت في صياغة الثورات التاريخية التي تفجرت على الساحة، بعد حادثة كربلاء، وفي تكوين الخط السياسي العام لمدرسة أهل البيت. ومن هنا لايمكن لباحث في التاريخ أن يتوفر على دراسة تاريخ الحقبة الأموية، ومما عجت به من ثورات وتناقضات واحداث عظيمة، مالم يتناول آثار ثورة حسين بن علي في المجتمع الإسلامي بشكل عام، وفي مجتمع مدرسة أهل البيت الذي تركز وجوده في الكوفة والبصرة، وبعض المدن العراقية الأخرى، وبعض مدن فارس.[50]

أسباب زوال الأمم من وجهة نظر القرآن الكريم[عدل]

ما هي العوامل التي اعتبرها القرآن الكريم تؤدي إلى زوال الأمم؟ وهل وجدت هذه الإشارات والعوامل في المجتمع الإسلامي، حيث شعر حسين بن علي بالخطر؟ يفهم هذا المعنى من الآية الشريفة: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ(مائده-3)حيث وصل الوضع في أواخر حياة الرسول إلى مستوى يأس العدو الخارجي وأصبح لايشكل تهديداً للإسلام، حيث تشدد الآية الشريفة " لاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ " والمقصود من "اخْشَوْنِ": عليكم أن تخافوا على داخل الأمة الإسلامية من الفساد، حيث يسلب الله تعالى من الأمة بحكم سنته القاطعة: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّىٰ يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم" كل النعم الموجودة.[49]

الظلم[عدل]

الظلم في القرآن سبب زوال الأمم، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تحدثت عن الموضوع، مثل الآيات الواقعة بين 100-119 في سورة الهود؛ جاء في إحدى هذه الآيات الشريفة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وجاء في آية أخرى:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ والمعنى: لايمكن أن يفني الله قوماً من دون تقصير، ولا يكون الله ظالماً لهم.[51] كما قال الرسول: «الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم»[52] وجاء في أول سورة قصص: "إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ" ويخاطب علي بن أبي طالب ملك الأشتر قائلاً: وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة ظلم.[53]

الفساد الأخلاقي[عدل]

الصلاح والفساد الأخلاقي عند الشخص هو الأصل الثاني الذي يمكن استنباطه من القرآن الكريم، وإذا كان المجتمع يتألف من مجموعة أفراد فإن شخصياتهم تتحقق بواسطة الأخلاق والخُلقيات والملكات والفضائل. ويبقى المجتمع ويستمر إذا لم يبتلي أفراده بالفساد الأخلاقي. والفاسد هو الذي اعتاد على الخلاف والإنحراف والقمار والشراب والرشوة وغصب حقوق الآخرين. وتطرح الآية الشريفة التالية حال المترفين: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾(الإسراء-16) فالمترفون يظهرون الفسق والفجور والفساد الأخلاقي في المجتمع، والنتيجة كما توضح الآية الشريفة هي التدمير والهلاك والزوال.[54]

إذاً المجتمع مركّب من مجموعة أفراد، ولايصبح المركّب موجوداً في الطبيعة إلا إذا كانت جميع أجزائه سالمة صحيحة وغير فاسدة. بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون وجود الأجزاء في المركّب بنسب معينة، ليتشكل ما اطلق عليه القدماء المزاج الذي يؤدي إلى وجود حالة جذب وتأثير وتأثر بين الأجزاء. أما إذا كانت أجزاء المركب فاسدة (البناء الذي يشيد بواسطة مواد فاسدة) فإن المركب قد يظهر إلى الوجود لكنه لا يتصف بالاستحكام والثبات، على أساس أن أجزاءه فاسدة. وهكذا إذا كانت الأجزاء والمواد الأولية صحيحة سالمة إلا أن البنّاء والذي يعمل على اتصال الأجزاء ببعضها كان فاسداً فهذا سيؤدي إلى فساد البناء أيضاً.[54]

التفرقة والتشتت[عدل]

جاء في القرآن: "وأطيعوا الله وَرَسُولَهُ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"(الأنفال:46) قال الطبري: "يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا أيها المؤمنون ربكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه ولا تخالفوهما في شيء، ولا تنازعوا فتفشلوا، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم فتفشلوا، يقول: فتضعفوا وتجبنوا وتذهب ريحكم"[55] الأمة التي تفقد الوحدة فيما بينها، وتبتلي بالتفرقة والتشتت هي أمة ضعيفة، عند ذلك تختفي تلك الرائحة العطرة التي ترتفع من المجتمع الإسلامي الحقيقي.[56] وإن التاريخ يشهد أن من أهم أسباب سقوط الدول على اختلاف عقائدها ومللها التفرق والاختلاف، سقطت الخلافة العباسية بعد أن تفرقت الدول الإسلامية في ذلك الوقت، وسقطت الدولة الإسلامية في الأندلس بعد أن أصبحت دويلات متفرقة متناحرة، ولم تسقط الدولة العثمانية إلا بعد أن تمزق جسدها إلى أشلاءَ متناثرة.[57]

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[عدل]

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى زوال وفناء واضمحلال المجتمع[58]، فنقرأ في سورة هود: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا ممَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾(هود:116) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامل ضروري، مهما بذل الإنسان جهداً من أجل الوقاية إلا أنه يبقى في المجتمع أشخاص يميلون إلى الفساد أو إخراج المجتمع من أجواء العدالة، وهكذا يمكن أن يعود وجود التفرق والتشتت في المجتمع الإسلامي إلى وجود مجموعة من العلل والأسباب. إذاً يفترض وجود حركة أو حالة تأخذ على عاتقها مسؤولية الإصلاح، إذا فسدت الأخلاق هنا يجب أن يسرع الأمر بامعروف والنهي عن المنكر ليكون وسيلة إصلاح الأخلاق، إذا فقدت العدالة والمساواة فعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يسرع لإصلاح المفاسد التي وجدت عن هذا الطريق وهكذا إذا حل التفرق والتشتت فعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يوجد الوحدة من جديد.[59]

كربلاء في نظر الأدباء[عدل]

جبرا ابراهيم جبرا: ضمن المآسي الكبرى، كمأساة الحسين، تقع أنواع شتى من مآسي الإنسان في جو القيظ والعطش والقسوة والقتل الجماعي وحز الرؤوس، هناك مأساة الجنون البشري، ومأساة الخيانة، ومأساة القتل المجاني، وكذلك مأساة المروءة والفضيلة... الحسين أكبر من الحياة، ولعله لكبره وعلوه خارج الدائرة التي يمكن للمرء ضمنها أن يتوحد مع البطل رغم تطلعه إليه ولذا يكون التعبير الفني عنه قاصراً على مداه الفاعل.[60]

إحياء الذكرى[عدل]

يحيي الشيعة ذكرى المعركة في كل سنة هجرية ابتدءً من الأول من محرم لحد العاشر من محرم، وقد يصل الإحياء لليوم الثالث عشر، قد يتضمن الإحياء بعض الشعائر مثل إقامة المجالس، وزيارة ضريح الحسين، واللطم والتطبير وغيرها.

انظر أيضاً[عدل]

المصادر[عدل]

  1. ^ العباس بن علي، السيد الديباجي
  2. ^ الحسين بن علي، كمال السيد
  3. ^ روائع قصص المعصومين، منشورات الفجر
  4. ^ Western-Islamic Calendar Converter
  5. ^ Gregorian-Hijri Dates Converter
  6. ^ Karbala: The Everlasting Stand - Muharram 1427
  7. ^ أمر سقيفة بني ساعدة
  8. ^ البداية النهاية لابن كثير في أحداث خلافة أبو بكر
  9. ^ تاريخ الأمم والملوك للطبري
  10. ^ البداية والنهاية لابن كثير باب خلافة أبو بكر
  11. ^ الكامل لابن الأثير أحداث سنة 11 هج
  12. ^ كتاب عثمان بن عفان ذو النورين
  13. ^ الشبكة الإسلامية، أحداث فتنة ابن سبأ اليهودي وتأسيس الديانة الشيعية.
  14. ^ شبكة الشيعة العالمية، مقاتل مقاتل الطالبيين- أبو الفرج الاصفهاني صفحة 29، الحسن بن علي .
  15. ^ تاريخ الطبري. منشورات جامعة ولاية نيويورك. 1990. 
  16. ^ khyma, ÚÈÏÇááå Èä ÚãÑ, ÑÖí Çááå Úäå
  17. ^ The Tragedy of Karbala, pg. 23
  18. ^ أ ب كربلاء.. مأساة مسطورة، (في ذكرى وقوعها: 10 من المحرم 61هـ)
  19. ^ اللهوف، تأليف سید ابن طاووس. التراث عدد.72
  20. ^ شبهات وردود حول واقعة الطف
  21. ^ أ ب موقع الميزان، موسوعة الإمام الحسين بن علي
  22. ^ Book "Martyrdom Of Hussain"
  23. ^ اللهوف، تأليف سید ابن طاووس. التراث عدد. 140
  24. ^ شبكة حاروف، سـيرة معـركة كربلاء الطف - هذا هو الحسين، الفصل الأول
  25. ^ اللهوف، التراث 174 و 175.
  26. ^ اللهوف، التراث عدد.192 و 193
  27. ^ شبكة حاروف، سـيرة معـركة كربلاء الطف - هذا هو الحسين، الفصل الثالث
  28. ^ إسلام أونلاين، حدث في العام الهجري، مأساة كربلاء
  29. ^ الطبري، ابن طاووس، et al.
  30. ^ لعن وتكفير يزيد من كتب السنة
  31. ^ الشبكة الإسلامية، أمير المؤمنين يزيد بن معاوية
  32. ^ الطبري، الجزء الرابع، صفحة 352
  33. ^ الذهبي، تاريخ الإسلام، الجزء الثاني، صفحة 350.
  34. ^ الدين النصيحة: التحقيق في موضع رأس الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما
  35. ^ تاريخ الإسلام للذهبي الصفحة 584
  36. ^ البيهقي - دلائل النبوة - جماع أبواب غزوة تبوك
  37. ^ الأمین،حسین،(1356ه.ق)، صور من التاریخ الإسلامی: ثورة التوابین 1، مجلةالعرفان، المجلد السابع و العشرین، الجزء8، ص732.
  38. ^ أ ب ت الأمین،حسین،(1356ه.ق)، صور من التاریخ الإسلامی: ثورة التوابین 1، مجلةالعرفان، المجلد السابع و العشرین، الجزء8، ص733.
  39. ^ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 - الصفحة 250.
  40. ^ حابا لتصروم - يافه، فصول في تاريخ العرب والإسلام، ص 136.
  41. ^ البداية والنهاية – ابن كثير - الجزء الثامن - مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين.
  42. ^ البداية والنهاية - ابن كثير - الجزء الثامن - مقتل شمر بن ذي الجوشن أمير السرية التي قتلت حسينا.
  43. ^ تاريخ الرسل والملوك - الطبري - الجزء السادس - مقتل عبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشام.
  44. ^ البداية والنهاية - ابن كثير - الجزء الثامن - وهذه ترجمة ابن زياد.
  45. ^ البداية والنهاية – ابن كثير - الجزء الثامن - مقتل مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتز رأس الحسين.
  46. ^ أ ب ثورة زيد بن زين العابدين ـ الشيعة الزيدية مفكرة الإسلام اطلع عليه في 31 يوليو 2015.
  47. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 194، ص26
  48. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 194، ص26-27
  49. ^ أ ب مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 194، ص27
  50. ^ نوری، حاتم،(1373ه.ش)، ثورة الامام الحسین (ع) و موقعها فی مسار الامة الاسلامیة، مجلة التوحید، العدد72، ص62
  51. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 194، ص28
  52. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی1، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 194، ص29
  53. ^ نهج البلاغة، الرسالة35
  54. ^ أ ب مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی2، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 194، ص66
  55. ^ تفسير الطبري، (10/15)
  56. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی2، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 195، ص69
  57. ^ إسلام در:أهمية الوحدة بين المسلمين، هيثم جواد الحداد.
  58. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی3، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 196، ص23
  59. ^ مطهري، مرتضى،(1428ه.ق)، أثر واقعة کربلاء فی تغییر مسار التاریخ الإسلامی3، مترجم: الحاج حسن،علی، مجلة بقیةالله، العدد 196، ص24
  60. ^ عبدالرزاق عبدالواحد،الحر الرياحي، تقديم: جبرا ابراهيم جبرا، الطبعة الرابعة، ص5-6

وصلات خارجية[عدل]