مملكة آرام دمشق

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث


دمشق لفظة سريانية (آرامية) معناها الحديقة المزهرة [1]، وتُعدُّ مملكة آرام دمشق وريثة مملكة صوبا الآرامية التي شملت البقاع وجبال لبنان الشرقية وغوطة دمشق وحوران، وورد ذكر ملكها (هدد عزر) في وثائق الدولة الآشورية، وأول ملوك مملكة آرام دمشق هو (رزون بن إيل يدع، نحو 965–925 ق.م.)، الذي كان قائداً في جيش ملك صوبا التي هُزمت على يد الملك داود (النبي)، فانتهز روزن بن إيل الفرصة وأعلن نفسه ملكاً على آرام دمشق، وأول عمل قام به هو التوجه لمحاربة الملك سليمان بن داود لرد اعتبار الآراميين، فانتصر عليه وحرر دمشق من نير إسرائيل ورفع الجزية عنها.

خلَف رزون ملكان ضعيفان [2]، ثم جاء برهدد الأول (880–865 ق. م تقريباً)‏ الوارد ذكره في سفر الملوك الأول (15: 18) والذي استطاع أن يستغل حقبة من الهدوء الآشوري شرقاً، والخلاف بين ملك يهوذا (آسا 9011–870 ق.م.) وملك إسرائيل (بعشا 909–886 ق.م.) غرباً، فوسّع سلطانه على الممالك الآرامية شرقاً إلى حماة وحلب وحتى غرب الفرات، وفرض نفوذه على يهوذا وإسرائيل غرباً، خاصة بعد أن أرسل (آسا) ملك يهوذا هدايا ثمينة من أورشليم إلى برهدد طالباً مساعدته للقضاء على (بعشا) ملك إسرائيل، فاستجاب له وهجم على بعشا وألزمه بالكف عن مضايقة آسا، ثم قام برهدد بعد ست سنوات تقريباً بإجبار ملك إسرائيل عمري (885–874 ق.م.) بفتح أسواق السامرة أمام منتجات بلاده.

خلَف برهدد الأول ابنه برهدد الثاني نحو (865–842 ق. م.) الذي لمَّ شمل الآراميين وسار لمحاربة ملك إسرائيل (آخاب 874–853 ق.م.) سنة 857 ق.م. برفقة اثنين وثلاثين أميراً (شيخاً) آرامياً كما جاء في (1 ملوك 20: 1)، لكنه فشل وخسر المعركة، فعقد آخاب معاهدة أجبره فيها على أن يفتح أسواق دمشق أمام منتجاته رداً على ما فعله أبوه سابقاً، وسبب عدم قتل آخاب لبرهدد الثاني هو أن أخبار الملك الآشوري شلمنصر الثالث (858–824 ق.م.) الذي بدأ يزحف إلى سوريا كانت قد وصلت إليه، لذلك حاول آخاب أن يكسب برهدد لعله يقف بوجه شلمنصر، ولم تستمر المعاهدة أكثر من ثلاث سنين حيث اتفق آخاب مع ملك يهوذا بيهوشافط وهجم على الآراميين واسترد الأراضي التي احتلها برهدد الأول، وأصيب آخاب في المعركة ومات، والجدير بالذكر أن نعمان السرياني المذكور في سفر (2 ملوك 5) هو قائد جيش برهدد الثاني، ثم قام شلمنصر في بداية عهده بالهجوم على سوريا قاصداً آرام دمشق، لكنه لم يستطع الوصول بسبب وجود الممالك الآرامية الصغيرة في الطريق والتي استطاعت إنهاكهُ، وفي سنة 853 ق.م. عاد شلمنصر للزحف إلى سوريا واجتاز الفرات قاصداً دمشق، فقام برهدد الثاني بجمع تحالف ضخم ضم اثني عشر ملكاً (حسب لائحة كورخ 11ملكا) و71900 مقاتلاً، وحوالي 4000 مركبة و2000 حصاناً و1000 جملاً [3]، وتقدم برهدد بهذا الجيش والتقى مع جيش شلمنصر في موقعة (قرقر) الشهيرة بين حلب وحماة، وخسر الآراميون 14000 مقاتل حسب الحوليات الآشورية، ولم يستطع شلمنصر التقدم إلى حماة ودمشق فرجع إلى بلاده مع بعض الغنائم، ولم يذكر شلمنصر في حولياته عدد خسائره، ويبدو أنه قد بالغ في حجم جيش الآراميين لتبرير فشله [4]، ثم عاود شلمنصر غزواته في غرب الفرات في الأعوام (849 و848 و845 ق. م.) وكبد الآراميين خسائر كبيرة، ومع هذا صمدت كثير من الممالك ومنها دمشق بزعامة برهدد وحليفه ملك حماة "آرخوليني" أمام المد الآشوري، ثم توفي برهدد الثاني مريضاً فخلَفه أحد رجال بلاطه وهو (حزائيل)، ويلمِّح (2 ملوك 8: 7–15) بأن حزائيل قتل برهدد
وهو مريض، وهناك من يقول إن حزائيل هو ابن برهدد.

يُعدُّ الملك الآرامي حزائيل (842–805 ق.م.) من أعظم وأشجع ملوك آرام على الإطلاق ومن أشد الملوك شأناً في القتال، ولا تقل قوته ورباطة جأشه عن ملوك آشور وبابل، وهو الذي أرسل الله إيليا النبي ليمسحه ملكاً على آرام (1 ملوك 19: 15)، وفي عهده ازدهرت مملكة آرام دمشق وأصبح سيد الموقف وأخذ يصول ويجول في البلاد، وبسط سلطانه على كل بلاد الشام تقريباً، واسترجع جميع المناطق من إسرائيل، وكان خصماً عنيداً لشلمنصر الثالث، ودلت الاكتشافات الأخيرة على أنه استطاع أن يعبر الفرات شرقاً ويتخذ موقفاً هجومياً ضد الدولة الآشورية في نهاية حكم شلمنصر، وبذلك يكون هو ملك آرام دمشق الوحيد الذي عبر الفرات لمواجهة الآشوريين، ولتأثير شخصيته القوية، فقد ولَّدَ انطباعاً مثالياً في نفوس رعاياه حتى لقَّبوه حزائيل، وهذا اللقب يعني الرب، وكان معروفاً بعداوته الشديدة لليهود، فهو الذي تحدث عنه (2 ملوك 8: 12) قائلاً: إن اليشع النبي بكى أمام حزائيل، فسأله حزائيل لماذا تبكي؟، أجاب اليشع (لأني علمت ما ستفعله ببني إسرائيل من الشر، فإنك تطلق النار على حصونهم وتقتل شبانهم بالسيف وتحطم أطفالهم وتشق حواملهم)، وفعلاً فقد خاض حروباً مدمرة ضد إسرائيل ويهوذا وقتل منهم الكثير حتى لم يبق لإسرائيل سوى خمسين فارساً وعشرة مراكب وعشرة آلاف راجل، أما ملك يهوذا (يواش 835–796 ق.م.) فقد جمع كل الذهب الموجود في أورشليم منذ عهد آبائه وأسلافه وقدمه هدية لحزائيل ليصرفه عنه (2 ملوك 12: 18).

كانت الانتصارات والشهرة التي أحرزها حزائيل تصل شلمنصر الثالث فتقضُّ مضجعه باعتبار أن حزائيل منافساً له، فصمم على محاربته لكسر شوكته، وقام بحملة على دمشق سنة 841 ق.م. والتقى مع جيش حزائيل عند جبل الشيخ (حرمون)، وتمكن شلمنصر من قتل ستة آلاف آرامي وغنم 1121مركباً و470 حصاناً، فتحصن حزائيل في جبل سنير (صيدنايا)، ثم التجاء إلى دمشق، فلحقه شلمنصر لكنه لم يستطع اقتحام أسوار دمشق، فرجع إلى بلاده مع الغنائم، وفي سنة 838 ق.م. قام شلمنصر بحملة أخرى، واحتل بعض المناطق القريبة من دمشق، لكنه لم يستطع أن يصل دمشق، وبقيت دمشق في عهد حزائيل حتى وفاته سنة 805 ق.م. تتمتع باستقلالها رغم تقلص نفوذها.

خلَف حزائيل ابنه برهدد الثالث الذي تسميه المصادر الآشورية (ماري)، واتَّبع سياسة قاسية في فرض الجزية على الممالك التابعة له، فاستاءت هذه الممالك وضعفت سيطرته عليها، وتمرد (زكّور) ملك مملكة حماة الآرامية وأخذ يتوسّع على الممالك المجاورة فضم مملكة "لعش" وأقام في عاصمتها "خزرك"،‏ فشكل برهدد حلفاً وهاجمه وطوق زكّور، وفي هذه الأثناء تدخل الملك الآشوري أدد نيري الثالث وشن حملة على برهدد الثالث وحلفائه سنة 805 ق.م. انسحب برهدد على إثرها إلى دمشق، تلتها حملات أخرى كان آخرها سنة 796 ق.م. استطاع فيها أدد نيري إخضاع برهدد وأخذ الجزية منه، وتوفي برهدد سنة 773 ق.م. تقريباً. بقي الأمر هكذا إلى أن اعتلى الملك رصين (750–732 ق. م‏.) مملكة آرام دمشق، وخاض هذا الملك عدة حروب مع إسرائيل والآشوريين، إلى أن قام تغلاث فلاصر الثالث بسلسلة من الحملات نحو الغرب بدأت سنة 743 ق.م. ثم سنة 738 ق.م.، لكنه لم يستطع دخول دمشق، وفي خضم هذه الأحداث استغل ملك يهوذا فقح بن رمليا (737–732 ق.م.) الفرصة وطلب النجدة من تغلاث فلاصر الثالث لحمايته من مملكة آرام دمشق بزعامة رصين، فاستجاب تغلاث للطلب وتحرك جنوباً واجتاح المقاطعات الآرامية الستة عشرة التابعة لآرام دمشق، وعاث في الأرض خراباً، فدمر 591 قرية ومدينة تابعة لمملكة دمشق، وخرب جميع بساتين الغوطة، وأرهب السكان وسبى عدداً كبيراً من الآراميين، ثم حاصر الملك رصين لمدة خمسة وأربعين يوماً، وأخيراً دخل دمشق وقبض على رصين وقتله، وبذلك سقطت مملكة آرام دمشق سنة 732 ق.م. بعد أن دامت أكثر من ثلاثمئة سنة.

المصدر[عدل]

  • موفق نيسكو، السريان الاسم الحقيقي للآراميين والآشوريين والكلدان، بيسان للنشر، بيروت 2012م، ص321-325.
  1. ^ محمد كرد، مقدمة كتاب دمشق مدينة السحر والجمال.
  2. ^ حسب الكتاب المقدس هما حزيون وابنه طبريمون وإن برهدد هو أبن طبريمون.
  3. ^ الجِمال عائدة لملك العرب جنديب، وهي المرة الأولى في التاريخ يرد فيها اسم العرب.
  4. ^ ألبير أبونا، الآراميون في التاريخ ص117.