ميناء قنا
| ميناء قنا | |
|---|---|
منظر عام لخليج بئر علي، موضع ميناء قنا القديم، في محافظة شبوة | |
| المكان | |
| البلد | اليمن |
| المكان | بئر علي، محافظة شبوة |
| التفاصيل | |
| النوع | ميناء بحري قديم |
| الإحصائيات | |
| تعديل مصدري - تعديل | |
ميناء قنا (يعرف اليوم باسم: بئر علي) يقع الميناء على ساحل البحر العربي، ويبعد عن المكلا بحوالي 120 كيلو متراً، وعن عتق المركز الإداري لمحافظة شبوة بحوالي 140 كيلومتراً، إن أقدم ذكر له جاء في العهد القديم من الكتاب المقدس، كما ورد ذكره في المصادر الكلاسيكية، الإغريقية واللاتينية، ولاسيما في كتاب الطواف حول البحر الإريتري، فقد جاء اسمه عند بطليموس ترولا، غير أن اسمه في النقوش اليمنية القديمة قنا أما اليوم فيطغى عليه اسم بير علي، وهو الاسم الذي تعرف به تلك القرية الحديثة التي تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة قنا والتي تبعد عنه بحوالي 3 كيلومترات.
لقد كشفت التنقيبات الأثرية للبعثة اليمنية السوفيتية عن الدور الذي كان يؤديه ميناء قنا كمرفأ على الطريق الممتد على الهند منذ النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، ولم تكشف بعد الحفريات الأثرية عن الفترات الأقدم لها، إذ كان الميناء الرئيس لليمن القديم والذي ازدهرت فيه تجارة الترانزيت من القرن الأول وحتى القرن الرابع الميلادي، فقد ذكرت النقوش اليمنية القديمة أن خليج قنا فرضة ملك حضرموت، وقد ورد في النقش الموسوم من أنه كان الميناء الرئيسي لمملكة حضرموت، إذ كان ينقل منه البخور واللبان اليمني عبر الطريق البري إلى دول البحر الأبيض المتوسط بواسطة القوافل وعن طريق البحر في الفترات المتأخرة، كما كانت تنقل إلية توابل الهند وسلع شرق أفريقيا، وكان من أفضل موانئ الجزيرة العربية التي تلجأ إليها السفن لحمايتها من الرياح الموسمية الجنوبية الغربية.
الاسم وتحديد الموقع
[عدل | عدل المصدر]التعرف على موضع الميناء
[عدل | عدل المصدر]ورد ذكر ميناء «كانيه» (Kanē) في كتاب الطواف حول البحر الإريتري وفي جغرافيا بطليموس، وبفضل المعطيات التي يوردها هذان المصنفان أمكن تحديد موقعه — تحديداً تقريبياً على الأقل — منذ الدراسات الأولى في الجغرافيا التاريخية لجزيرة العرب. وتنافس في مرحلة أولى اقتراحان يستندان بخاصة إلى التعرف على الجزر التي يذكرها الطواف: فقد وضع ألويس شبرنغر الميناء سنة 1875 في بلحاف على بعد 17 كم غربي حصن الغراب، بينما فضّل إدوارد غلاسر سنة 1890 «مؤقتاً» وضعه في خليج حصن الغراب.[1]
وقد حُسم الخلاف بين الموضعين سنة 1885 على يد يوهان هاينريش مورتمان الذي أدرك أن الصيغة اليونانية «كانيه» إنما تنقل الاسم العربي الجنوبي «قنأ» (Qnʾ) الوارد في نقش من حصن الغراب هو المعروف بـ«قنا 4» = CIH 728/2. واللافت أن هذه الملاحظة تأخرت، إذ كانت كلمة Qnʾ قد قُرئت قراءة صحيحة منذ سنة 1841 على يد إميل روديغر في نص منسوخ سنة 1834، وذلك بفضل تشابه الحروف الثلاثة (ق) و(ن) و(ء) في خط المسند وفي الجعزية.[1]
ضبط الاسم
[عدل | عدل المصدر]ساد باكراً في ضبط "ق ن ء" شكلُ «قَنَا»، وهو اختيار يفترض أن نهاية «ـيه» في الصيغة اليونانية زيادة، ويستند فيما يبدو إلى أن الألف في آخر الكلمة كثيراً ما تُسبق بالفتحة، كما في «سبأ» و«ضرأ» و«بنأ»، وهي من أسماء الأقوام والمواضع في جنوب الجزيرة العربية. ومن الممكن أيضاً أن تكون بلدة «قانا» الجليلية، المعروفة بـ«عرس قانا»، نموذجاً ضمنياً لهذا الاختيار؛ فقد سمّى ولفرد هـ. شوف الميناء «Cana» سنة 1912، وهو «قَنَا» عند هرمان فون فيسمان وماريا هوفنر سنة 1953 وعند برايان دو بعدهما بقليل. أما في العربية فقد اشتُقت منه صيغتا «قَنَا» و«قَنَع» بالعين.[2]
غير أن كريستيان روبان يرى أن الضبط «قانئ» (Qāniʾ) أولى، وهو الذي اعتُمد في خريطة روبان-برونر لليمن القديم؛ ذلك أن أسماء المواضع اليمنية شديدة التكرار، فتتردد الأسماء نفسها — أو ما يقاربها — في مناطق شديدة التباين، والجذر "ق ن ء" مشهود في «قانية»، وهو اسم موضع على وزن «فاعلة» كما يؤكد البكري، مما يؤدي إلى افتراض صيغة أولية *«قانئة» تقابل تماماً الصيغة العربية الجنوبية "قنأتم"؛ ويرجَّح أن قنأ مذكّر قنأت. وبهذا يكون ضبط "قنأ" في النقوش هو «قانئ»، وهي صيغة تمتاز بمطابقتها للضبط اليوناني.[3]
قنا في النقوش العربية الجنوبية
[عدل | عدل المصدر]نقش قتباني من القرن الأول قبل الميلاد
[عدل | عدل المصدر]أقدم ذكر نقشي محتمل لقنا — وهو ذكر افتراضي إلى حدٍّ ما — يرد في نقش قتباني قد يرقى إلى القرن الأول قبل الميلاد إن استُند في تأريخه إلى الخط. وهو إهداء شديد التشظي إلى «بعل بصرم»، افترض ألفرد ف. ل. بيستون أنه يخلّد تقدمة من البرونز من غنيمة أُخذت في قنا، غير أنه لم يبقَ منه سوى كلمتي «تقدمة برونز» و«قنأ» (CIAS 95.11/p8 رقم 1/2-3). والنص أشد تشظياً من أن يسمح بتفسير مؤكد، فهو لا ينص صراحة على أن قنأ اسم موضع ولا يشير إلى حضرموت. على أن الشواهد الوحيدة لجذر "ق ن ء" في العربية الجنوبية هي اسما الموضعين قنأ و قنأتم، وسائر موارد "قنأ" تشير بلا خلاف إلى ميناء حضرموت.[3]
وتاريخ هذه الوثيقة، الذي يبدو سابقاً لازدهار التجارة بين مصر والهند (أي بعد دخول مصر في الفلك الروماني سنة 30 ق.م)، يوحي بأن بلدة — وميناءً على الأرجح — كانت قائمة في قنا في عهد أواخر البطالمة.[3]
حملة الملك السبئي شعرم أوتر (نحو 225م)
[عدل | عدل المصدر]أول ذكر نقشي مؤكد لقنا يرد في روايتين لحملة سبئية ظافرة واحدة في أرض حضرموت؛ فنحو سنة 225م هزم الملك السبئي شعرم أوتر ملكَ حضرموت إليعز يالط وأسره، واستولى على عاصمته شبوة، وخرّب ميناء قنا.[3]
- يشير النقش Ry 533/8-9، في سياق مشوَّه للأسف، إلى عدد السفن التي دمّرها السبئيون في الميناء: «... إلى مدينة قنا في اليوم التالي، فوصلوا إلى [...] ... وسبعاً وأربعين سفينة نقل وفلائك...».[4]
- وتُستحضر الحملة نفسها في النقش Ir 13، الفقرة 13: «وشكراً لأن المقة أنعم مجدداً على خادمه فارعم بالخروج في حملة إلى بلاد حضرموت مرتين، وأنهم نهبوا كذلك البرونز والغنائم في مدينتي شبوة وقنا، وبلغوا ودمّروا عدداً كبيراً من السفن في مرفأ (حيق) قنا، وهو "مكدح" ملك حضرموت».[5]
- ويخلّد النقش Ja 632/2-3 إهداء تقدمات اقتُطعت من غنيمة تلك الحملة: «أربعة تماثيل صغيرة وثور من البرونز، أُخذت من غنيمتهم في شبوة وفي مدينة (hgr) قنا».[5]
- أما النقش Sh 17/10-12، الذي يسجل تقدمة تمثالَي رجل وتمثالِ امرأة من الغنيمة المأخوذة في شبوة، فيشكر فيه صاحبه الإله على أن «جنّب ابنه ربيبم يدرم أن يصاب بعاهة في حملة قنا».[5]
ويُلاحظ أن قبيلة بكيلم، وهي اتحاد قبلي كبير امتد نفوذه شمال غربي صنعاء من شبام إلى ريدت (ريدة اليوم)، أدت دوراً مهماً في الغارة على قنا؛ فثلاثة من النصوص الأربعة التي تروي هذه العملية من تأليف بكيليين يبرزون جميعاً حسن حظهم: فالنقش Ry 533 لربيبم أخطر وأسدم أسعد من بني سُؤران، وهما قيلان من بكيلم من فرع ذي ريدت؛ وJa 632 لضابطين من رجال أسدم أسعد نفسه؛ وIr 13 قدّمه فارعم أحسن بن أقيانم، قيل بكيلم من فرع ذي شبام. أما النص الرابع (Sh 17) فكتبه سبئيون من مأرب (بنو عثكلان) لا يبدو أنهم شاركوا في الحلقة الحاسمة ضد قنا، إذ لا يذكرون غنيمة ولا مآثر، بل يكتفون بشكر الإله على أنه جنّبهم عاهة خطيرة.[5]
وتوحي هذه الوثائق الأربع بأن جزءاً صغيراً فقط من الجيش السبئي — وبخاصة كتائب بكيلم — هو الذي شارك في الغارة على قنا، ويؤكد ذلك أن نقشاً واحداً فقط (Ja 632) يذكر غنيمة أُخذت في قنا، في حين تذكر ستة نقوش الغنيمة المأخوذة في شبوة.[5]
شراء سفن في قنا (نحو 350–360م)
[عدل | عدل المصدر]بعد حملة شعرم أوتر ينبغي انتظار نحو قرن ونصف قرن ليعاود اسم قنا الظهور، وهو دائماً مقترن بالبحر. ففي نقش عبدان الكبير/37 المؤرخ في يوليو سنة 360م (ذو مذرأن 470 من التقويم الحميري) يروي بنو يزأن، وهم البيت الذي كان يسيطر آنذاك على حضرموت: «واشتروا من ... في مرفأ قنا خمس سفن بعتادها».[6]
ذكر قنا في ألقاب القرنين الخامس والسادس
[عدل | عدل المصدر]آخر ذكرين لقنا في النقوش هما من طبيعة مختلفة:[6]
- النقش «قنا 4» = CIH 728 نقشه خادم أحد الولاة: «—يدم أبرد بن ملشان، خازن (؟) ذي بدس², والي قنا، كتب هذا النقش على جبل مويت». والأشخاص المذكورون فيه مجهولون، ويتعذر تأريخه بدقة، غير أن خطه يضعه نحو القرن الخامس الميلادي (وبدرجة أقل ترجيحاً في الرابع أو السادس).
- آخر ذكر لقنا يرد في ألقاب بني يزأن العائدين من حملة على أسعيان (S¹ʿyn، وهي «الأسعاء» في العربية، الشحر اليوم)، وقد خُلّدت في شعب ينبق. والنص BR-Yanbuq 47 مؤرخ في نيسان/أبريل سنة 515م (ذو ثبتان 625 حميرية)، وفيه: «سميفع أشوع ومعدي كرب يمجد ولحيعثت يرخم وشرحبئل يكمل، بنو لحيعثت يرخم، ذي يزأن وجدنم وبس³ين ويلغب وغيمان ويصبر وميفعة وجردان ورخيات، وقبائلهم ضيفتن ورثحم وسعكلان وشكرد ومطلفن، مع أشراف ورؤساء قبائلهم سيبان وحضرموت وقنا وعمر(..)».
وفي هذه الوثيقة تُوصف قنا بأنها «قبيلة» (s²ʿb) بعد أن كانت توصف قبل ذلك بأنها «مدينة» (hgr) أو «مرفأ» (ḥyq)؛ ولا يعني ذلك سوى أن المقصود هو السكان، وأنه لا اسم لهم غير اسم مدينتهم.[6]
أسماء المواضع في نقوش قنا
[عدل | عدل المصدر]لا تذكر النقوش سوى اسم موضع واحد هو «م و ي ت»، وهو الاسم القديم للقمة التي يتوجها اليوم حصن الغراب. ولا تذكر النقوش اسم الحصن نفسه الذي يخلّد نقش حصن الغراب بناءَ أسواره وبابه وصهاريجه وطرق الوصول إليه، ولا يرد فيها ذكر أي معلم أو معبد أو قصر أو سور آخر.[7]
المفردات البحرية في النقوش
[عدل | عدل المصدر]تضم مجموعة النقوش القليلة التي تذكر قنا كلَّ ما ورد من ذكر للسفن في الوثائق النقشية العربية الجنوبية، وتستعمل فيها ثلاثة ألفاظ كلها أجنبية الأصل:[8]
- سْدق: جمع كلمة يبدو أنها هندية الأصل، أعطت في العربية «صندوق/سندوق» بمعنى الصندوق (وتُقارن باليونانية σκάφη «حوض، زورق»)، ويرجَّح أنها قارب صغير من نوع الصندل.
- أفلك: جمع لفظ أعطى في العربية «فلوك/فلوكة» ويشتق من اليونانية ἐφόλκιον، ويرجَّح أنه مركب أكبر قادر على ارتياد عرض البحر.
- سفن: تُقارن بالعربية «سفن» جمع «سفينة»، وهي على الأرجح اقتراض من السريانية، ويبدو أنها تدل على كل نوع من المراكب.
ويسمّي كتاب الطواف حول البحر الإريتري (الفقرة 33) المراكبَ التي كان أهل قنا يستعملونها للذهاب إلى جزيرة سيرابيس (مصيرة) σκάφας وἐφόλκια، والثاني منهما هو الذي يرد في العربية الجنوبية. ومما يزيد التعرف على هذه المراكب صعوبةً أنها غير مصوَّرة في الفن العربي الجنوبي، باستثناء بعض النقوش الصخرية في ظفار العُمانية التي نشرها علي أحمد الشحري. ويوحي الأصل الأجنبي للمفردات البحرية بأن العرب الجنوبيين لم تكن لهم تقاليد بحرية حقيقية، على الرغم مما يذكره الطواف من وجود ملكية حميرية في أفريقيا.[8]
وللدلالة على الميناء تستعمل هذه النصوص لفظين، أحدهما يشير إلى التضاريس والآخر إلى الوظيفة:[8]
- حيق: يمكن تقريبه من الجعزية ḥayq «شاطئ (بحر أو بحيرة)» ومن الأمهرية ḥayq «بحيرة».
- مكدح: أشد غموضاً؛ فقد قُرِّب من العربية «كدح» بمعنى تعب، مما يوحي بمعنى «حوض بناء السفن»؛ ويوحي معنى آخر لـ«كدح» — أي «اكتدح: سعى في طلب الرزق» — بمعنى أقرب إلى «الجمرك» أو «السوق والمتجر»، وهو معنى يذكّر بأن الإمبوريون (emporion) كان يقال له في اللغات السامية الغربية maḥūzā؛ والتقارب الصوتي بين mkdḥ وmaḥūzā يدعو إلى التساؤل عمّا إذا كان اللفظان مشتقين من كلمة واحدة غير سامية.
وقد استُعمل اللفظان حيق و مكدح في وصف قنا في النقش Ir 13، ويرد شاهد آخر على لفظ "حيق" في علاقته بـعدن: «ودخلوا خليج ذي عدن»، نحو سنة 275م).[8]
مسافرون أجانب عبر قنا
[عدل | عدل المصدر]من المرجح أن بعض الأجانب الذين ترد أسماؤهم في النقوش الحضرمية قد مرّوا بقنا؛ فبحسب النقش Ja 931 ضمّت حاشية إليعز يالط ملك حضرموت — الذي يعود أول شاهد عليه إلى سنة 218–219م (144 من التقويم الردماني) — تدمريَّين (خيري وعددم) وكلدانيَّين (دمترن وفلقت) وهنديَّين (ذرذه ومنده). ومن الجائز أنهم سفراء أُوفدوا حين اعتلى إليعز العرش؛ والهنديان جاءا بحراً قطعاً، أي عبر قنا، أما الآخرون فقد يكونون جاءوا براً أو بحراً.[9]
ومن المعروف أن سفيراً هندياً اسمه داماداميس استقبله الإمبراطور إيلاغابالوس (218–222) في حمص؛ ومن المرجح جداً أن يكون داماداميس و«ذرذه» شخصاً واحداً لقرابة الاسمين وتقارب التاريخ، فيمكن افتراض أن ذرذه كان في جزيرة العرب في مطلع حكم إليعز ثم توجه إلى الشام.[9]
أما التدمريون فتجدر الإشارة إلى أن إهداءً من شبوة (RES 4691، من عهد إليعز يالط) ألّفه تدمريان هما «عددم» و«ربئل»، ويحتمل أن يكون الأول هو سفير النقش Ja 931 لأن التسلسل الزمني لا يمنع ذلك. وتتجلى وثاقة الصلة بين حضرموت وتدمر في معطيات أخرى: نصّان سريانيان، أحدهما مكتوب بآرامية من الطراز التدمري، عُثر عليهما على جرار في أثناء التنقيب في ميناء قنا؛ كما أن أهل العربية السعيدة (Arabes Eudaemones)، أي العرب الجنوبيين، ربما ظهروا في موكب انتصار أورليان بعد ظفره بـزنوبيا سنة 273م بحسب تاريخ أغسطس، غير أنه لا ينبغي المبالغة في أهمية هذه الإشارة الواردة في تضخيم ملحمي يعدّد كل الشعوب التي قد تهدد العالم الروماني.[9]
ويُذكر أخيراً سبئي ترك نقشين مع تمثالين في معبد المقة الكبير في مأرب يهنئ نفسه فيهما بأنه «عاد سالماً معافى من شبوة ومن البحر» (Ja 741/6-8 وJa 756/6-8)، ولا يُعرف أهذه الإشارة الموجزة تلميح إلى عودة من شبوة بحراً (أي عبر قنا) أم إلى حملتين، أولاهما إلى شبوة والثانية في البحر.[9]
النقوش المكتشفة في الموقع
[عدل | عدل المصدر]النقوش التي عُثر عليها في موقع قنا ليست كثيرة؛ فإلى جانب ما كُشف عنه في التنقيبات ونشره ألكسندر ج. لوندين، هناك أربعة نقوش (ورسم غامض) معروفة منذ القرن التاسع عشر تُعرف بـ«قنا 1–5».[9]
نقش حصن الغراب
[عدل | عدل المصدر]النقش «قنا 1» = CIH 621 = RES 2633 = RES 5091 محفور على صخرة على حافة الطريق المؤدية إلى حصن الغراب، أكروبول قنا، ويخلّد إتمام أعمال متواضعة الأهمية إذا حُكم عليها ببقاياها المرئية اليوم. وهو لا يتضمن أي ابتهال ديني، وهو ما ينمّ على الأرجح عن حالة نزاع.[10]
ونصه في عشرة أسطر: «سميفع أشوع وأبناؤه شرحبئل يكمل ومعدي كرب يعفر، بنو لحيعثت يرخم، (من نسل) كلعان، ذي يزأن وجدنم ومطلن وشارقان وحبم ويطن ويشرم ويرسْ ومكربم وأغهت وبسْين ويلغب وغيمان ويصبر وشبحم وجدوين وكعران ورخيات وجردان وقبلن وشرجي وبني ملحم، وقبائلهم وحاظت وألهان وسفلان وضيفتن ورثحم وركبان ومطلفن وسعكلان وسكرد، ورؤساء وقادة سيبان ذي نصف، كتبوا هذا النقش على جبل مويت، حين هيّأوا الأسوار والباب والصهاريج وطرق الوصول، وحين تحصّنوا فيه لدى عودتهم من أرض الحبشة وأرسل الأحباش فيلقهم إلى أرض حمير، حين قتلوا ملك حمير وأشرافه من الحميريين والرهبتيين، في شهر ذي حلتان من سنة 640 (= فبراير سنة 531م)».[10]
وتحته إلى اليسار سلسلة من خمسة رنوك (مونوغرامات) تمثل على الأرجح، من اليسار إلى اليمين: يصبر ويز[أن] وير[حم] وك[لعن] وحب[م].[10]
ويمكن تحديد مواضع عدد من أسماء البيوت الواردة في الأسطر 2–4، وهي: ذو كلعان (منطقة إب في غربي اليمن)، وذو يزأن، وجدنم (مأرب)، وحبم (وادي ضرأ)، وكعران (وادي الكسر جنوبي حينن في غربي وادي حضرموت)، ورخيات (بين شبوة ووادي حضرموت)، وجردان (جنوبي شبوة)؛ وهي ترسم حدود الأقاليم التي كان مؤلفو النص يسيطرون عليها أو يدّعون السيطرة عليها. وفي السطر 4 يرد الاسم Gdwyn وحرفه الأول ذو زائدة مستطيلة لا مثلثة، مما قد يدعو إلى التردد بين الجيم والغين. أما القبائل التي أمكن تحديد مواضعها في السطر 5 فهي: وحاظت وألهان (غربي اليمن)، وضيفتن ورثحم (منطقة نقب الهجر)، وسعكلان (ظفار العُمانية)، وشكرد (جزيرة سقطرى)، وسيبان (الهضبة الواقعة جنوبي وادي حضرموت).[11]
قنا 2 إلى قنا 5
[عدل | عدل المصدر]- قنا 2 = RES 2634: رسم غامض فسّره إميل روديغر بأنه وردة رياح، ولم يُعثر عليه من جديد.[12]
- قنا 3 = CIH 727 = RES 2635: نص صغير معروف من نسخة ولستد، ولم يُعثر عليه من جديد، ويُقرأ على الأرجح: «مرثدم بن أوسم سطر اسمه».[12]
- قنا 4 = CIH 728 = RES 2636 = RES 5092: نص محفور على حافة الطريق المؤدية إلى حصن الغراب، إلى الشرق قليلاً من «قنا 1»، ونصه: «صيدم أبرد بن ملشان، خازن (؟) ذي بدس²، والي قنا، كتب على جبل مويت». ويُلاحظ فيه بقاء أداة التعريف الحضرمية «ـهن» في نص متأخر قطعاً عن زوال المملكة المستقلة في حضرموت.[12]
- قنا 5 = RES 5093: يقع إلى يمين سابقه، ولعله بداية فاشلة له، ونصه: «صيدم / ʾي».[12]
قنا في الإمبراطورية الحميرية
[عدل | عدل المصدر]نهاية مملكة حضرموت وأفول شبوة
[عدل | عدل المصدر]تتيح النقوش السبئية الحميرية تأريخ إضافة «حضرموت» إلى ألقاب الملك الحميري شمر يهرعش بين سنتي 286 و299م (396 و409 حميرية). ولا يبدو أن هذه الإضافة تعني ضم حضرموت كلها، بل ضم مناطقها الغربية حول حوض رملة السبعتين فحسب، أي العاصمة شبوة وأودية جردان وعبدان وضرأ وبيحان.[13]
وصارت شبوة تابعة للسلطة الحميرية؛ فبحسب النقش Ja 662/12-14 أمر الملك شمر يهرعش أحد قائديه على رأس قبيلة سبأ بأن «يرابط ويسهر على حفظ النظام في مدينة شبوة مع قبيلته سبأ»، ويُلاحظ أن هذا الشخص كان يستشير الإله المقة في شبوة نفسها. ويعلمنا نقش آخر (Ir App. B 3/10-12) من عهد شمر نفسه أن «أبي شمر أولط أُرسل في مهمة إلى مدينة شبوة للمشاركة في حج سِيان»، ويبدو أنه كان مكلفاً بتمثيل الملك في مدينة انتقلت إلى سلطانه.[13]
ويبيّن النقش «عبدان 1» أن انضمام بني يزأن إلى السلطة الحميرية كان قد تم فعلاً في عهد ثأران يهنعم (المذكور في السطرين 5 و16) الذي يُشهد لنشاطه ابتداءً من سنة 324م. وتمتد الأقاليم المعنية من وادي مرخة إلى وادي جردان مروراً بضرأ وعبدان، فضلاً عن المناطق الواقعة بين عبدان وقنا.[13]
على أن مملكة مستقلة ظلت قائمة بلا شك في وادي حضرموت الحالي (وهو «سررن» في النقوش و«السرير» في العربية)، كما يدل عليه ذكر ملوك لحضرموت في ما بعد: شرحئل وربّشمسم (Ja 656) أو شرحئل وحده (CIH 948) في عهد شمر؛ وملك مجهول الاسم في عهد ياسر يهنعم وابنه ذرأمر أيمن (نحو سنة 315م) (Ja 665/19-20)؛ وربما ملك اسمه أنمارم بحسب تفسير جديد للنقش Ir 32/42-43 في عهد ذمار علي يهبر (نحو 320–350م). وفي تاريخ غير محدد سابق لتموز/يوليو سنة 360م كانت حضرموت لا تزال قادرة على تدمير مدينة عبدان (نصاب اليوم) («عبدان 1»/32).[13]
ويقع الزوال النهائي للمملكة المستقلة بلا شك نحو سنة 350م أو بعدها بقليل. ومنذ ذلك الحين لم تعد حضرموت سوى أحد مكوّنات الإمبراطورية الحميرية، غير أن أهميتها لا تُنكر: فقد ظلت كلمة «حضرموت» في ألقاب الملوك، بل إن رنك «شقر» (S²qr)، وهو القصر الملكي الحضرمي في شبوة، أحد الرموز الثلاثة التي يتألف منها ختم الأسرة الحاكمة حتى عهد أبرهة.[14]
ومع ذلك يبدو مؤكداً أن شبوة أفلت سريعاً بعد الفتح الحميري؛ فآخر الشواهد النقشية على اسم المدينة يعود إلى مطلع القرن الرابع الميلادي في عهد شمر يهرعش (Ja 662 وIr App. B 3). ومن بين النقوش التي عُثر عليها في الموقع نقشان متأخران على الأرجح لأنهما يتضمنان صيغاً توحيدية نموذجية، هما Hamilton 11 (وهو خربشة متواضعة) وRES 4699؛ ومع تعذر تأريخهما بدقة يرجَّح أنهما لاحقان لأول النقوش الملكية التوحيدية المؤرخة في كانون الثاني/يناير سنة 384م. غير أنهما نقشان قليلا العناية، ولا يصدران على الأرجح عن موظفين أو أعيان، بل عن أشخاص أرادوا تأكيد التوحيد في مركز وثني قديم عُرف بحجّه؛ ولا يمكن الجزم بمدى دلالتهما على بقاء سكان دائمين في شبوة.[14]
ولا تلقي الآثار ضوءاً على تاريخ هجر الموقع؛ فالمبنى الذي عُرّف بأنه قصر «شقر» الملكي دمّره حريق في تاريخ غير محدد. ويجدر بالذكر أن شبوة لم تكن في زمن الحسن الهمداني في القرن العاشر الميلادي سوى قرية لا شأن لها. ويبدو إذن أن شبوة كفّت عن أن تكون مركزاً سياسياً ودينياً في أثناء القرن الرابع أو في القرن الخامس على أبعد تقدير؛ وفي القرن السادس لم تعد الإشارة إلى قصر شقر في الرنوك الملكية سوى وسيلة لإضفاء الشرعية على السلطة، ومجرد بقية من الماضي.[14]
هل كانت قنا عاصمة حضرموت؟
[عدل | عدل المصدر]هل أتاح أفول شبوة لقنا أن تصير أهم مركز حضري في حضرموت، أي عاصمتها بشكل من الأشكال؟ لا تسمح المصادر المتاحة بجواب مؤكد، لكنها توحي بأن قنا أدت دوراً كبيراً بالفعل.[14]
فالآثار والنقوش لا تقدم إلا معلومات قليلة عن حضرموت في القرنين الخامس والسادس؛ وقد أكدت التنقيبات الأثرية أن ميناء قنا كان لا يزال نشطاً في القرن السادس، لكنها لا تعلّمنا شيئاً عن بقية البلاد. والنقوش ذات الدلالة قليلة وتكاد كلها تقع في الإمارة اليزأنية غربي البلاد وجنوبها الغربي، والاستثناء الوحيد الجدير بالذكر هو النقش Beeston Or. Ant. 1/1 + Bāfaqīh ND 4.[15]
ويمكن استنتاج تنظيم الإمارة اليزأنية من الألقاب التي يوردها نقش ينبق 47، إذ يميز مجموعتين من القبائل: الأولى ضيفتن ورثحم وسعكلان وشكرد ومطلفن، والثانية سيبان وحضرموت وقنا وعمر(..). والمجموعة الأولى خاضعة قطعاً لسلطة بني يزأن المباشرة، إذ تضم ضيفتن ورثحم (منطقة نقب الهجر) وهما موطن البيت الأصلي، كما تضم ظفار العُمانية (سعكلان) وجزيرة سقطرى (شكرد) وقبيلة غير محددة (مطلفن). أما المجموعة الثانية فتجمع، فيما يبدو، القبائل التي لا يمارس بنو يزأن عليها سوى سلطة غير مباشرة.[16]
ومن الأمور الحاسمة تحديد المقصود بـ«حضرموت» في هذا السياق وفي تلك الحقبة؛ فهي تسمية ينبغي أن تشمل ما تبقى من القبائل التي تنتسب إلى المملكة القديمة، خارج تلك التي يسيطر عليها بنو يزأن، وتقع هذه القبائل في جزء منها في وادي حضرموت الحالي، وفي جزء آخر جنوباً على الساحل بين الشحر وقنا.[16]
ولا توجد معطيات دقيقة عن الخريطة القبلية لحضرموت إلا في المصادر العربية الإسلامية — ولا سيما أخبار الردة وقبل ذلك وصف الهمداني الجغرافي لحضرموت — وهي متأخرة بقرون عدة. فبحسب الهمداني كانت كندة في القرن العاشر مستقرة في المجرى الغربي لوادي حضرموت بين حينن وشبام («حيث تبدأ بلاد حمير») وفي بعض الأودية جنوبي حينن؛ وكانت إحدى البلدتين اللتين تتألف منهما شبام، في وادي دوعن، مقاماً لأحفاد الملك الكندي حجر آكل المرار؛ ويضاف إلى ذلك أن الشاعر امرؤ القيس (ت. نحو سنة 550م)، وهو من نسل حجر، يلمّح إلى هذه المنطقة في شعره.[16]
وليس مستبعداً أن تكون كندة قد شغلت في القرن السادس الأقاليم نفسها التي شغلتها في القرن العاشر، إذ إن ممتلكات بني يزأن نحو سنة 500م لا تشمل أياً من هذه الأقاليم الكندية؛ ولا ينفي هذا الافتراضَ خبرُ ثورة الكندي يزيد بن كبشة الذي جمع سبئيي مأرب وبني يزأن والكنديين ضد أبرهة (CIH 541). وبناءً على هذا الافتراض تكون «حضرموت» في نقش ينبق 47 هي وادي حضرموت من شبام فما بعد والمناطق الواقعة جنوبه بين الشحر وقنا.[16]
المصادر الكنسية والمسيحية
[عدل | عدل المصدر]تشكّل التواريخ الكنسية وسير القديسين صنفاً أخيراً من المصادر التي يمكن استجوابها. فقد ذكر فيلوستورجيوس في تاريخه الكنسي أن ثيوفيلوس الهندي، مبعوث الإمبراطور قسطنطيوس الثاني (337–360)، أقنع العاهل الحميري باعتناق المسيحية، فالتزم ببناء ثلاث كنائس على نفقته: الأولى في العاصمة تافاروس (ظفار)، والثانية في المرفأ الروماني على المحيط أدانِه (عدن)، والثالثة في «الإمبوريون الفارسي المعروف عند مصبّ البحر الفارسي».[16]
فهل بُنيت هذه الكنيسة الثالثة في قنا، أم أبعد من ذلك بكثير في شبه جزيرة عُمان أو على الخليج العربي؟ إذا نُظر في الخريطة فإن قنا تقع فعلاً عند مخرج ذراع بحري طويل يتألف من البحر الأحمر وخليج عدن، فينطبق عليها لفظ «المصبّ» انطباقاً تاماً. غير أن سؤالين يظلان بلا جواب: هل يُعقل أن تكون قنا «إمبوريوناً فارسياً»؟ وهل كان خليج عُمان يسمى «البحر الفارسي»؟ وينبغي كذلك أن يؤخذ في الحسبان أن الإمبراطورية الحميرية في القرن الرابع لم تكن تمتد على الأرجح إلى ما وراء ظفار العُمانية — كما تدل عليه العمليات العسكرية التي يرويها النقش «عبدان 1» — وأن قنا، وهي ميناء عالمي مهم كان المسيحيون الأجانب فيه بحاجة إلى مكان للعبادة، كانت مرشحة ممتازة بداهةً لإقامة كنيسة. فمن الممكن إذن، وإن لم يكن مبرهناً عليه، أن تكون الكنيسة الثالثة قد بُنيت في قنا.[17]
وثمة مصدر كنسي ثانٍ جدير بالاهتمام هو سيرة القديس غريغنتيوس التي تُحصي الكنائس التي بناها الملك الحبشي كالب في جنوب الجزيرة العربية بعد انتصاره على يوسف (نحو سنة 529م): ثلاث كنائس في نجران، وثلاث في ظفار، وثلاث في «أكانا» (كنيسة صعود المخلّص وكنيسة يوحنا المعمدان وكنيسة الرسول توما)، وأخرى غير محددة في «أتارف» و«لغميا» (مدينتان لم يُتعرف عليهما). ومكان تأليف هذه السيرة وتاريخه موضع نقاش طويل، شأن قيمتها التاريخية؛ غير أن اسم «أكانا» نفسه يوحي بأن السيرة قد أفادت من مصادر موثوقة، إذ يُرجَّح أن كالب بنى كنائس في قنا وهي ميناء لا يزال مهماً في تلك الحقبة، و«أكانا» نقل يوناني مقبول للاسم العربي الجنوبي «قانئ».[17]
وتضيف السير المكرسة لاضطهاد نصارى نجران (تشرين الثاني/نوفمبر 523م) معطيات تكميلية؛ فبحسب كتاب الحميريين أصاب الاضطهاد ثلاثة مراكز رئيسة أُحرقت فيها الكنيسة وأُعدم فيها المؤمنون، هي ظفار (الفصل الثامن) ونجران (الفصل الثالث عشر لتدمير الكنيسة) و«حضرموت المدينة» (Ḥḍrmwt mdyntʾ) (الفصول 29–30)؛ ويذكر المصنف كذلك شهداء في مأرب (الفصل 31) وفي [هـ]جرين (الفصل 32) من دون أن يذكر تدمير كنيسة في هاتين المدينتين. وفي الرسالة الثانية لسمعان الأرشمي يصيب الاضطهاد حضرموت من دون مزيد تحديد. ويرجَّح أن «حضرموت» في هذه الأخبار تدل على مدينة («مدينة حضرموت») لا على إقليم؛ والسؤال هو: أي مدينة؟[17]
ويبدو أن الهجرين (في وادي دوعن) مستبعدة إن عُرّفت بها المدينة المسماة [هـ]جرين؛ وعليه فإن أفضل المرشحين نظرياً — استناداً إلى المعطيات النقشية والتاريخية — هي شبام وسيئون وتريم والأسعاء (= الشحر) وقنا. ويصعب الاختيار بين هذه المدن التي كان يمكن أن تُكسب للمسيحية عن طريق التبادل البري (مثل نجران) أو عن طريق الاتصالات البحرية (مثل مخوان = المخا وسقطرى). ومع ذلك تبقى قنا على الأقل، كما يؤكد عرفان شهيد، أفضل المرشحين لأن أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية في القرن السادس معروفة.[17]
وإذا كانت قنا مدينة ذات شأن في القرن السادس فلا ينبغي أن يُنسى أن الهجرين (في وادي دوعن) كانت أيضاً بلدة ذات بريق؛ وهي غير مشهودة في النقوش العربية الجنوبية، لكنها تُعرف في صيغة Hagarayne في النقش الجعزي من مأرب — وهو شديد النقص — الذي يصف حملة كالب الحبشية على الملك يوسف (RIEth 195-II/16)، ومن المرجح أن كتاب الحميريين قد ذكرها بوصفها أحد مراكز الاضطهاد.[18]
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن الحملة الفارسية الساسانية التي أنهت الحكم الحبشي في مطلع سبعينيات القرن السادس قد رست في «مطوب» (وفي رواية «منوب»)، وهو اسم موضع لم يُتعرف عليه. ولما كانت نقاط الرسو التي تتيح بلوغ اليمن قادماً من الخليج العربي قليلة، وأيسرها بلا منازع قنا التي يُبلَغ منها بسهولة وادي ميفعة ومنه رملة السبعتين، فقد تساءل روبان عمّا إذا كان «مطوب/منوب» تحريفاً لـ«مويت»، إذ إن الهيكل الصامت للكلمتين يكاد يتطابق إن قُرئت الصيغة العربية *Mwyt؛ غير أن هذا الافتراض يقتضي أن يكون اسم «مويت» قد أُطلق على الموقع كله لا على القمة وحدها.[19]
ويخلص روبان إلى أن حضرموت يبدو أنها كانت ذات مركزين كبيرين في القرن السادس هما قنا (التي قد تُعرَّف بـ«أكانا» و«مدينة حضرموت») وهجرين/الهجرين؛ وأن البلاد كانت منظمة في ثلاث مجموعات قبلية: الإمارة اليزأنية غرباً، والجيب الكندي في الوسط، وما تبقى من القبائل الحضرمية شرقاً وجنوباً. ويقترح — على سبيل الفرضية الجريئة — أن يُرى في قنا المركز الحضري الرئيس للمجموعتين اليزأنية والحضرمية، وفي الهجرين عاصمة كنديي حضرموت.[19]
انظر أيضاً
[عدل | عدل المصدر]دراسات متعلقة
[عدل | عدل المصدر]- خالد صالح قاسم الشعيبي (2007). ميناء قنا في القرن 2 ق.م. الى القرن 6م.
- "The Port of Qanaʾ, a Junction between the Indian Ocean and the Mediterranean Sea". academic.oup.com. DOI:10.1093/oso/9780198790662.003.0018. مؤرشف من الأصل في 2022-12-17. اطلع عليه بتاريخ 2023-12-04.
- Sedov, A.V. (Jun 1992). "New archaeological and epigraphical material from Qana (South Arabia)". Arabian Archaeology and Epigraphy (بالإنجليزية). 3 (2): 110–137. DOI:10.1111/j.1600-0471.1992.tb00033.x. ISSN:0905-7196. Archived from the original on 2023-12-05.
- Mouton، Michel (1 يناير 2008). "A new map of Qâni' (Yemen)". Arabian Archaeology and Epigraphy. مؤرشف من الأصل في 2023-12-05.
- موتون، ميشيل (23 مارس 2020). شارلو، جيوم؛ شيتكات، جيريمي (المحررون). قِنَا، ميناء قديم في حضرموت. Histoire et société de la péninsule Arabique. Sanaa: Centre français de recherche de la péninsule Arabique. ص. 169–175. ISBN:978-2-909194-67-7. مؤرشف من الأصل في 2023-10-25.
المصادر
[عدل | عدل المصدر]- روبان, كريستيان جوليان (2010). "Qāniʾ et le Ḥaḍramawt, à la lumière des inscriptions sud-arabiques". In Salles, Jean-François; Sedov, Alexander V. (eds.). Qāniʾ : le port antique du Ḥaḍramawt entre la Méditerranée, l'Afrique et l'Inde. Fouilles russes 1972, 1985-1989, 1991, 1993-1994. Preliminary Reports of the Russian Archaeological Mission to the Republic of Yemen 4 / Indicopleustoi: Archaeologies of the Indian Ocean 6 (بالفرنسية). تورنهاوت: Brepols. pp. 403–418. ISBN:978-2-503-99105-4.
مراجع
[عدل | عدل المصدر]- 1 2 روبان 2010، صفحة 403.
- ↑ روبان 2010، صفحات 403–404.
- 1 2 3 4 روبان 2010، صفحة 404.
- ↑ روبان 2010، صفحات 404–405.
- 1 2 3 4 5 روبان 2010، صفحة 405.
- 1 2 3 روبان 2010، صفحة 406.
- ↑ روبان 2010، صفحات 406–407.
- 1 2 3 4 روبان 2010، صفحة 407.
- 1 2 3 4 5 روبان 2010، صفحة 408.
- 1 2 3 روبان 2010، صفحة 409.
- ↑ روبان 2010، صفحات 409–410.
- 1 2 3 4 روبان 2010، صفحة 410.
- 1 2 3 4 روبان 2010، صفحة 412.
- 1 2 3 4 روبان 2010، صفحة 413.
- ↑ روبان 2010، صفحات 413–414.
- 1 2 3 4 5 روبان 2010، صفحة 414.
- 1 2 3 4 روبان 2010، صفحة 415.
- ↑ روبان 2010، صفحات 415–416.
- 1 2 روبان 2010، صفحة 416.