نيران صديقة (كتاب)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

الوصف
مجموعة قصصية
المؤلف: علاء الأسواني طبيب أسنان وأديب مصري. ولد عام 1957 وأتم دراسته الثانوية في مدرسة الليسيه الفرنسية، وحصل علي شهادة الماجستير في طب الأسنان من جامعة إلينوي في شيكاجو بالولايات المتحدة الأمريكية. أحدثت روايتاه "عمارة يعقوبيان" 2002 و"شيكاجو" 2007 نجاحا هائلا جعله من أشهر أدباء العالم العربي وأكثرهم شعبية في مصر والوطن العربي والعالم، فتم تكريمه في أكثر من دولة وترجمت أعماله لأكثر من 20 لغة
ملخص الكتاب
نيران صديقة " اسم المجموعة القصصية. لكنك لن تجد قصة بهذا الاسم داخل المجموعة. إلا أن هذا التعبير " نيران صديقة " شاع مؤخرا خلال الحرب علي العراق حين كانت الفرق العسكرية الأمريكية والبريطانية تصيب بعضها البعض، والنيران الصديقة عند علاء الأسواني هي تلك التي نصيب بها بعضنا البعض، حين تذهب النفس البشرية إلي أقصي مدي من شماتة التلاميذ في زميلهم الدواخلي البدين في قصة " حصة الألعاب " رغم نبله وتودده إليهم. وهي ذاتها النيران الصديقة التي يفتحها كل أطباء القسم علي الطبيب الجديد " هشام " في المستشفي الذي عين به حديثا، فلا يتركوه إلا حطاما من الذكاء المحبط في قصة " المرمطون " البديعة. هي ذات النيران التي يفتحها ناجي الرقيق المهذب علي زملائه ما أن يمكنه المدرس منهم ليشرف ناجي مؤقتا علي سير الدرس. وفي قصة "أختي الحبيبة مكارم" التي كتبها علاء الأسواني في شكل خطاب من أخ في السعودية إلي أخته، يعري الكاتب دناءة الاغتيال الإنساني بالنيران الصديقة للأم المريضة، حين يبخل الأخ الثري ببعض النقود لعلاج أمه في مستشفي مموها كل ذرائعه بكلمات ورعة عن الدين وقدر الإنسان. هي أيضا ذات النيران التي يفتحها بطل قصة "فستان قديم" علي الفتاة الفقيرة التي أحبته حين يهجرها ليقترن بفتاة أخرى فاضلة تساوم بقسوة علي مهرها الذي ستبيع به نفسها لزوجها. كل هذا الواقع قبيح، لكل من اقترب ورأي، لأننا نتصيد فيه بعضنا البعض، بلا رحمة، ونغتال فيه الآخرين، سواء أكان أخا أو صديقا أو معشوقة جديرة بأن نقطف لها النجوم.

كما يقدم الأسواني هؤلاء الذين سقطوا في هوة اليتم الوجودي، العجز السياسي، الاجتماعي والنفسي حيث الأحلام المجهضة، المبتسرة التي تتحول إلي كوابيس مروعة كما حدث في روايته القصيرة البديعة «أوراق عصام عبد العاطي» فالكل أسير صومعته النائية، المعزولة عن الآخر هو عالم فصامي، فقد المشاعر والتواصل، فالمدينة الفصامية تنضح بالقسوة، بالذاتية المفرطة، بحالة الثأر الكامنة، المتربصة، فعائلة عصام الشاب المتمرد علي الواقع القبيح، المزدوج، المحاصر بالزيف الديني يثأرون من بعضهم البعض بسادية مفرطة، هؤلاء جميعا وقعوا في براثن ما يسمي بهزيمة الروح، غيابها بل مواتها لتعربد الغريزة الحبلى بالأذى، فالأب فنان تشكيلي منزوع البريق (مديوكر) ضئيل الموهبة لا يوحي لابنه عصام بوهج الأبوة كما يجب أن تكون، وها هي الأم المصابة بالسرطان، فخلايا الجسد تنقلب علي صاحبها وتعلن العصيان وتعربد في الجسد المسلوب، فكما يبدو أفدح الأخطار تأتي دوما من الأقرب ومن الداخل وهي غارقة في عالمها السقيم، العليل، لا تكترث بأحد، مسكونة بشراهة وذاتية وحشية تجاه الحياة التي تراوغها وتنفلت من بين أصابعها، وتبرز الجدة تحصد تيه الشيخوخة فهي مكبلة بعجز الزمن عندما يشيخ فيتحول عنها الجميع، والأم تتمني موت ابن الخادمة هدي لكي تتفرغ لها، وهكذا فالجميع يعيشون فقط علي غريزة البقاء أو الشهوة الكئيبة مثل هدي الخادمة وعصام حيث اقتفاء أثر لذة شبقه تطفئ سعير رغبة منزوعة الروح أيضا تفتقد أي عاطفة لا يعوقهما هذا العالم الذي يطوقهما ويعج بالمرض، الإخفاق والبؤس، فالروح المصرية أصابها العطب، ويقول علاء الأسواني: «أكدت لها أن مصر بلد ميت وأن الحضارات كائن كأي كائن يمر بمرحلة الطفولة والصبا والشباب ثم يشيخ ويموت وقد ماتت حضارتنا من مئات السنين فلا أمل يُرجي في بعثها، قلت لها إن المصريين لهم نفسية الخدم والعبيد ولا يفهمون إلا لغة العصا». وهكذا يمضي القاص يقترب ويدنو من الحقيقة ويراها كما هي بل يسعي هو إلي تهشيم كل ما يحجبها، أو يسترها دون أي تبرج أو (رتوش) لتصبح مسجاة علي السطح شفافة، رقراقة ومن ثم يصبح من اليسير إيجاد الترياق المنشود.

هو لا يكبح مخيلته الثاقبة التي تتقن التلصص، فينهل من المسكوت عليه خلف الأبواب الموصدة هذا العالم الخفي السري، السفلي، الذي يقطر قبحا ويحرك ما يطفو في الظاهر وعلي السطح، بل يفك شفرته المبهمة الغامضة، فعلاء الأسواني لا يلوذ بتراث النعام بل هو مولع بالمواجهات الصادمة التي قد تثمر صحوة يانعة يرغبها ويتوق إليها الجميع، مصاب هو بالبيرومانيا (PYROMANIA) وهو الولع بأشغال الحرائق المفضية إلي حيوية التغيير الفضيلة الغائبة عن مجتمعنا المصاب بالجمود والإخصاء الفكري والركوض إلي الخلف.

فها هو عصام الموظف في مصلحة الكيمياء، المتوحد، المعذب بوعيه، بأحلامه الوردية، بشهواته الجامحة، يقترب ويري عالما دميما، غارقا في الانحراف، الرياء، غارق في غربة الاستبداد والفساد البين يجتر السنوات العجاف والأيام النافقة، يشاهد الرحيق المرير للأحداث، الأشخاص والأمكنة فيرصد دين المصريين الجديد الوافد من الشوارد الشائهة للرياح الوهابية حيث العقيدة المفرغة من جوهرها النبيل، الرحيم والصادق ليغوص المجتمع في آتون أجواء قبلية منفرة وحالة من التعصب القبلي والقومي أو ما يعرف بـ«الشوفينية» فيرجم هذا التطرف البائس، الجاثم علي قدر المصريين.

يقول د. علاء الأسواني علي لسان عصام عبد العاطي: «لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا» العبارة الشهيرة لمصطفي كامل اخترت هذه العبارة لأبدأ بها أوراقي لأنها في رأيي أسخف ما سمعت في حياتي أو هي تمثل إن كان صاحبها صادقا نوعا من التعصب القبلي الغبي الذي ما إن أفكر فيه حتى يتملكني الغيظ»: «هل يتميز المصريون مثلا بالجدية وحب العمل كالألمان أو اليابانيين؟! هل يعشقون المغامرة والتغيير كالأمريكان؟! هل يقدرون التاريخ والفنون كالفرنسيين والإيطاليين؟! ليسوا علي أي شيء من ذلك.. بماذا يتميز المصريون إذن؟

أين فضائلهم؟ إنني أتحدي أي شخص أن يذكر لي فضيلة مصرية واحدة؟! الجبن والنفاق، الخبث واللؤم، الكسل والحقد، تلك صفاتنا المصرية ولأننا ندرك حقيقة أنفسنا فنحن نداريها بالصياح والأكاذيب.. شعارات رنانة جوفاء». «ننظم أكاذيبنا عن أنفسنا في أغنيات وأناشيد، هل سمعتم عن أي شعب في العالم يفعل ذلك؟ هل يردد الإنجليز مثلا «آه يا إنجلترا يا بلدنا أرضك مرمر وترابك مسك وعنبر»!! هذا الابتذال من خصائصنا الأصيلة»!. «إن التاريخ المصري ليس في الواقع سوي سلسلة متصلة من الهزائم منينا بها أمام كل الأجناس بدءا من الرومان إلي اليهود».

أديبنا علاء الأسواني مولع بتهشيم التابوهات وتعرية عورات المجتمع المصري الجديد بالإضافة إلي العمق الفلسفي الذي يتجلي وتتحلي به «أوراق عصام عبد العاطي»، حيث السقوط الوجودي المفضي إلي السقوط الاجتماعي الذي أفرز الزيف الديني ليتحول مجتمعنا إلي مجتمع وثني، جاهلي، منزوع القيم الأصيلة، يتمرغ في طقوس واهية، مضللة، وفكر إظلامي مزدوج يقاومه علاء الأسواني من خلال فكره المجوهر فهو يكمل بالمقال ما سطره بالأدب حيث يسطع أسلوبه المنساب، الدافق المفعم بالسخرية السوداء! وأعود لعصام المعذب بالوعي، المتوحد، العائش تارة في الحلم وتارة في الحقيقة المؤلمة، يلتحق بالوظيفة فيقع في قلب عالم يمور بالدناءة، احتراف المزايدات الدينية الجوفاء التي تغلف الفساد، الآثام والانحراف الكئيب، فالكل يزايد، يضلل، يزيف، يقترب العهر تحت وطأة مؤامرة الصمت، يشهد عصام المثقف، المتوحد، فساد رئيسه الدكتور سعيد الذي يضاجع الفراشات البائسات في مكتبه مستغلا وظيفته وسلطته فيقضي منهن وطرا، أما من تقاومه فيحاول سحقها، وسحلها بمساندة جميع من في الوحدة، حيث يصبح الصمت المتفق عليه أسوأ أنواع الصمت، كما كتب ذات يوم د. يوسف إدريس فالكل يتواطأ عندما تحين لحظة الحسم والانقضاض علي الضحية، البائسة ومن ثم تهدر وتنحر الكرامة علي مذبح الانحراف الوظيفي، الانتهازية، القهر، الاستبداد والنفاق والجميع يلوذ بالستار الديني لاقتراف أبشع الفواحش فنجد هذا الدكتور سعيد الذي يضاجع البائسات من النساء يغوص أيضا في المزايدات الدينية: «في شهر رمضان يتحول الدكتور سعيد إلي مؤمن ورع. المسبحة الطويلة الخضراء لا تفارق يده وطاقية شبكية بيضاء يضعها علي صلعته».

ويكثر من التسبيح ويؤم الموظفين الوقت بوقته. ويقرأ القرآن من مصحف كبير يفتحه أمامه علي المكتب! وهكذا يثور عصام ويرفض تلك الازدواجية، وهذا التناقض الفاسد، والزيف، باسم الدين ويفطر في رمضان متحديا هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فسادا. ويقول: «أنا قرأت عن الإسلام أكثر منكم» «يا جهلة يا رعاع».

ويتكرر ذات المعني عندما يلتقي عصام بالألمانية يوتا التي يذوب معها في نشوة مُسكرة فهي الثمرة المجوهرة لحضارة الغرب الذي وقع صريعا في غوايته، فلقد فتنته تلك الحضارة الخالية من التناقضات الدميمة حيث الحرية، الرقي، الجمال، والشفافية، فالروح ملتحمة بالجسد، لا حواجز تفصل بينهما، ذروة التناغم وتصوف الحواس حيث تطفو الروح وتروض الغريزة فتتجمل بفعل النقاء.

ويأتي شعبان البقال هذا الذي يمثل فلول العوام الذين يتحكمون بجهل ومزايدة في حيوات الآخرين، شعبان البقال القابع أسفل منزل يوتا يمثل محاكم التفتيش التي تفتش في النفوس، الأفئدة، العقول، الكتب، الضمائر، فهو يقوم برقابة بوليسية علي حياة يوتا وعلاقاتها، ويقول الأديب المبدع: «من هو شعبان؟ بقال متدين، يغش الزبائن ويغالطهم ويصلي الوقت بوقته، دنيء وغبي ومتطفل، حاقد كأي مصري، سأخاطبه باللغة التي يفهمها، لا تشتري العبد إلا والعصا معه»، فهكذا يرصد القاص تدهور الشخصية المصرية الجديدة والتي عصف بجوهرها الاحتلال الوطني فنال من رونقها بنزاهتها، صدقها، كرامتها، فكان السقوط المدوي الذي أتلف الأخضر واليابس، «أوراق عصام عبد العاطي» رثاء أليم يفطر الأفئدة الثكلى، لما آلت إليه الشخصية المصرية الجديدة التي تحولت تحت وطأة القهر، الفقر، الاستبداد، والتيارات الإظلامية، إلي مسخ يثير الحزن العميق، فبفعل قلم علاء الأسواني النفيس وإتقانه لتشريح الشخصية المصرية الجديدة تبزغ أمراض مجتمعنا المعاصر. كما يبين أيضا تشبث الإنسان بالحياة علي نحو يقول عنه الأسواني " إن حرصنا الذليل علي الحياة لشيء دنيء حقا "، وهو حرص يمتد من التشبث بالحياة ذاتها إلي التشبث بالمكاسب الاجتماعية والمرتب والجاه. ويتوجه علاء الأسواني بسؤال مباشر إلي قارئه : " حاول أن تتذكر كم مصريا شجاعا بمعني الكلمة رأيته في حياتك ؟"، ويطالب أبطاله بأمر واحد : " نفثه واحدة من الشجاعة "، لمواجهة الحقيقة سواء أكانت الموت المحتوم، أو الظلم الاجتماعي، أو التاريخي، أو الحزن الناجم عن النيران الصديقة. فورة واحدة من الشجاعة تكفي الأم المريضة لتدرك أن السرطان لن يدعها إلا وهي ميتة، وهبة شجاعة تكفي الموظف ليرفض العمل بأقل من أجره الذي يستحقه، وكانت لحظة كتلك تكفي عمر مكرم لكي لا يفتدي حياته بجزية يدفعها للفرنسيين أعدائه. إن عصام الشخصية الرئيسية في القصة يعي كل هذا، وترسخ في عقله صور الشماتة المتبادلة، والكراهية التي تنبع في أحيان كثيرة من المحبة، وهو يعي ذلك علي نحو مرعب يدفعه للانسحاب من الحياة، واحتقار وطنه، ومواطنيه، ويصبح مجرد شخص وحيد، كالخلية المعزولة: "ليس مع أي شيء، ولا ضد أي شيء" أي أنه يمضي في الطريق إلي الموت أو الجنون، لأنه اقترب ورأي.