يهودية حاخامية

| جزء من سلسلة عن |
| اليهود واليهودية |
|---|
اليهودية الربانية (بالعبرية: יהדות רבנית) وتسمى ايضاً «اليهودية الحاخامية» أو «اليهودية التلمودية» أو «اليهودية الكلاسيكية» أو «اليهودية المعيارية» انبثقت من اليهودية الفريسيَة حيث تؤمن بان أساس الاعتقاد أن النبي موسى في جبل سيناء تلقى من الله التوراة المكتوبة ( التوراة الخمسة ) بالإضافة إلى تفسير شفوي يعرف باسم «التوراة الشفوية» التي نقلها موسى إلى الشعب.وهي شكل العقيدة اليهودية السائد بين معظم الجماعات اليهودية في العالم ابتداءً من حوالي القرن التاسع الميلادي وحتى نهاية القرن الثامن عشر. وهي عبارة استخدمها اليهود الفريسيون ليؤكدوا أن النسق الديني الذي يؤمن به الفريق الديني المعادي لهم لا يتمتع بالمطلقية وإنما هو ثمرة جهود الحاخامات الفقهاء أو بما يسموا المفتيين ( الذين فسروا التوراة (الشريعة المكتوبة) وابتدعوا الشريعة الشفوية (التوراة الشفوية أو التلمود) وجعلوها الأساس الذي تستند إليه رؤيتهم الدينية والمحور الذي تدور حوله وذلك تمييزاً لها عن اليهودية التوراتية التي تستند إلى التوراة وحسب (الشريعة المكتوبة) المرسلة من الإله. ولكن، بتحوُّل القرائين إلى جماعة دينية هامشية، أصبح مصطلحا «يهودية حاخامية» و «يهودية» مترادفين.[1]
الخلفية
[عدل]يهودية الهيكل الثاني
[عدل]
يهودية الهيكل الثاني هي اليهودية، أو الديانة اليهودية كما تطوّرت خلال فترة الهيكل الثاني، التي بدأت مع تشييد الهيكل الثاني نحو عام 516 قبل الميلاد وانتهت بتدمير القدس سنة 70 م. وقد تميّزت هذه الفترة بظهور تيارات دينية متعددة، إلى جانب تطورات ثقافية ودينية وسياسية واسعة بين اليهود. وشهدت هذه الحقبة تقدّم تقنين أسفار الكتاب المقدس العبري، وظهور الكنيس، وتبلور مفاهيم علم الآخرات اليهودي. كما بدأ صعود المسيحية في السنوات الأخيرة من فترة الهيكل الثاني.[2][3]
وفقًا للتقاليد اليهودية، فإن النبوة الأصيلة، قد توقّفت خلال السنوات الأولى من فترة الهيكل الثاني؛ مما ترك اليهود دون صورتهم الخاصة من الإرشاد الإلهي في وقت كانوا يشعرون فيه بأمسّ الحاجة إلى الدعم والتوجيه.[4] وفي ظل الحكم الهلنستي، أصبح تزايد تأثّر اليهودية بالهلنستية مصدر استياء بين التقليديين اليهود الذين تمسّكوا بعقائد التوحيد الصارم. وكان الاعتراض على التأثير الهلنستي في الممارسات الدينية والثقافية اليهودية عاملًا رئيسيًا في اندلاع ثورة المكابيين ضد الإمبراطورية السلوقية. وبعد قيام السلالة الحشمونية، أعاد المكابيون ترسيخ اليهودية التقليدية في أنحاء أرض إسرائيل مع توسّع إقليمهم المستقل. وشهدت السنوات اللاحقة من فترة الهيكل الثاني تطوّر عدة أفكار مسيانية يهودية. ومنذ 170 ق.م حتى 30 م، تعاقبت خمس أجيال من الزوغوت على قيادة الشؤون الروحية لليهود.
وشهدت أواخر فترة الهيكل الثاني ظهور عدة مدارس أو جماعات يهودية. فقد كان الفريسيون جماعة مؤثرة ضمّت أعضاء من الكهنوت ومن عامة الشعب، وآمنوا بأن التوراة المكتوبة والتقاليد الموروثة متساويتان في الإلزام.[5] أما الصدوقيون، الذين تألفوا من كبار الكهنة والأرستقراطيين، فقد رفضوا عقيدة قيامة الأموات.[6] وانتقد الأسينيون ممارسات الهيكل، معتبرين الكهنة غير شرعيين والطقوس معيبة، وتوقّعوا انتصار الخير على الشر، واختار بعضهم العيش في عزلة.[6] ومع ذلك، فإن معظم اليهود لم ينتموا إلى أي جماعة بعينها، بل مارسوا تقاليد عامة مثل حفظ السبت، والاحتفال بالأعياد، وحضور الكنيس، وأداء الحج إلى الهيكل، واتباع قوانين الطعام، وختان مواليدهم الذكور.[7]
وبعد تدمير الهيكل سنة 70 م، تحوّلت اليهودية بعيدًا عن الطقوس المرتبطة بالهيكل، بما في ذلك العبادة القربانية، وتكيّفت مع إطار جديد من دون مركزها المقدّس. واختفت الطائفية اليهودية،[8] بينما برز الفريسيون، الذين خلفهم لاحقًا الحاخامات،[9] بوصفهم القوة القيادية.[10] وتركّز هذا التحوّل على الالتزام بالتوراة، والأعمال الأخلاقية،[11] والصلاة الجماعية، والشريعة الحاخامية، مما أفضى إلى نشوء اليهودية الحاخامية، التي أصبحت الشكل السائد لليهودية منذ أواخر العصور القديمة.
شهدت فترة الهيكل الثاني اضطرابات مهمة وتغيرات دينية أثرت على الديانتين اليهودية والمسيحية. يسمي المسيحيون هذه الفترة بفترة بين العهدين. وانطبعت هذه الفترة بتطور مفاهيم دينية أساسية مثل سلطة الكتاب المقدس ومركزية القانون والأخلاق الدينية ودور الكنيس وأفكار نهاية الكون الحتمية. نشأت المسيحية المبكرة في إطار اليهودية في فترة الهيكل الثاني، وذلك خلال القرن الأول، وكان الفارق الجوهري بين اليهودية والمسيحية اليهودية هو الإيمان المسيحي بأن يسوع هو المسيح اليهودي الذي قام من بين الأموات.[12] وتُعرَف اليهودية بإتاحتها تصور وجود أكثر من شخصية مسيانية واحدة، وأبرز هاتين الشخصيتين هما المسيح بن يوسف والمسيح بن داود.[13][14][15][16]
اليهودية الهلنستية
[عدل]في عام 332 ق.م هُزم الفرس على يد الإسكندر الأكبر. وبعد وفاته وانقسام إمبراطوريته بين قواده، تأسست الدولة السلوقية. خلال هذه الفترة تأثرت التيارات اليهودية بالفلسفة الهلنستية التي تطورت منذ القرن الثالث قبل الميلاد، ولا سيما بين أفراد الشتات اليهودي في الإسكندرية، في ترجمة يونانية للكتاب العبري والتي عُرفت باسم الترجمة السبعينية. وكان فيلون السكندري من أبرز المدافعين عن التفاعل بين اللاهوت اليهودي والفكر الهلنستي.
كان للثقافة الهلنستية تأثير عميق في العادات والممارسات اليهودية، سواء في يهودا أو في الشتات. وأدى هذا التأثير إلى نشوء اليهودية الهلنستية التي سعت إلى ترسيخ تقليد ديني عبري–يهودي ضمن الثقافة واللغة الهلنستيتين المحيطتين.
وقد شهدت العلاقات بين اليهود المتأثرين بالهلنستية وغيرهم من اليهود تدهورًا عامًا، مما دفع الملك السلوقي أنطيوخوس الرابع ملك قوماجينة إلى حظر بعض شعائر اليهودية، واستبدال رئيس الكهنة ياسون بمينلاوس بعد أن رشاه، والعمل على التوفيق الديني في الهيكل الثاني بدمج عبادة إله إسرائيل مع عبادة زيوس. ونتيجة لذلك ثار اليهود الرافضون للهلنستية على الحكم اليوناني، فأسسوا مملكة يهودية بدرجات متفاوتة من الاستقلال تحت حكم الأسرة الحشمونية (110–37 ق.م). ثم تفككت الدولة الحشمونية في الحرب الأهلية الحشمونية، ما أدى إلى تدخل الإمبراطورية الرومانية وضم المنطقة (انظر مقاطعة يهودا). مع ذلك، بقيت الإشكالات الثقافية قائمة، وكان جوهر الخلاف يتمثل في تطبيق الشريعة الكتابية داخل ثقافة هلنستية منفتحة.[17]
انتشرت اليهودية الهلنستية إلى مصر البطلمية منذ القرن الثالث ق.م، وأصبحت ديانة معترفًا بها (religio licita) في الإمبراطورية الرومانية، حتى تراجعت في القرن الثالث الميلادي بالتزامن مع صعود الغنوصية والمسيحية المبكرة.
ولا تزال أسباب أفولها غير واضحة؛ فقد تكون همّشت أو اندمجت في المسيحية الناشئة (انظر إنجيل العبرانيين). وتشير أعمال الرسل إلى أن بولس الرسول بشّر خصوصًا في أوساط اليهود المتحولين والمتقين والدوائر غير اليهودية المتعاطفة مع اليهودية. وقد سهّل المرسوم الرسولي الذي أعفى المهتدين من الختان اعتناق المسيحية مقارنةً باليهودية. غير أن حظر المسيحية في ثمانينيات القرن الأول على يد دومطيانوس بوصفها «خرافة يهودية» أثّر في وضعها، في حين احتفظت اليهودية بامتيازاتها مقابل دفع الفيكسوس يودايكوس (ضريبة اليهود). ومع ذلك، أدت الاضطهادات الرومانية إلى زيادة التحولات، حتى اعتناق الإمبراطور قسطنطين الكبير المسيحية.
في المقابل، رفضت اليهودية الحاخامية السائدة بعض التيارات الهلنستية، وحرّمت استخدام الترجمة السبعينية (انظر مجمع يبنه). وربما اندمجت بقايا اليهودية الهلنستية في حركات غنوصية أو في اليهودية الحاخامية المبكرة.
التقسيم الزمني والتطور
[عدل]تُقسَّم اليهودية الحاخامية الكلاسيكية إلى ثلاث طبقات: طبقة [التنائيم (حتى 200م)، والأمورائيم (200–500م)، والسابورائيم (500م–القرن السابع).
حُفظت آراء التنائيم، الذين شهدوا تدمير الهيكل عام 70م وهزيمة ثورة بار كوخبا (132–135م)، في المشناه (حوالي 200م)، وهي أول تدوين للقانون الحاخامي. كما جُمعت التوسفتا في أواخر القرن الثاني، وأُلف التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي إضافة إلى نصوص المدراش.
وبعد أن كانت تعارض في الغالب التقليد الكهنوتي المرتكز على الهيكل والقرابين، قدّمت اليهودية الحاخامية صياغة جديدة تجمع بين التفسير، والبعد المسياني، والتراث الكهنوتي. وفي العصور الوسطى استمرت في الازدهار في الشتات، وأصبحت الشكل المعياري لليهودية.
هليل وشمّاي
[عدل]في أواخر فترة الهيكل الثاني (القرن الثاني ق.م) تأسست الدولة الحشمونية، وكانت الشؤون الدينية تُحسم من قبل زوجين من القادة (زوغوت) يرأسان لسنهدرين. استمر هذا النظام حتى بدايات الحكم الروماني في يهودا الرومانية. وكان الزوج الأخير، هليل وشمّاي، الأبرز تأثيرًا. ورغم أن الصدوقيون كانوا القوة المهيمنة زمن الهيكل، لم ينجوا بعد الحرب اليهودية الرومانية الأولى، بينما اعتُمدت آراء هليل لاحقًا في اليهودية الحاخامية. وأسهم تطور التقليد الشفهي (تنائيم) في حفظ الدين بعد سقوط الهيكل.
المسيانية اليهودية
[عدل]تعود جذور المسيانية اليهودية إلى الأدب الرؤيوي في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، الذي وعد بظهور قائد «ممسوح» (المسيح) يعيد إقامة ملكوت الله لبني إسرائيل بدلًا من الحكام الأجانب. ارتبط ذلك بثورة المكابيين ضد السلوقيين، ثم توجّه لاحقًا ضد الإدارة الرومانية في مقاطعة يهودا، وبرزت حركة الغيورون بعد اكتتاب كيرينيوس سنة 6م.
ويقترح المؤرخ هـ. هـ. بن ساسون أن «الأزمة في عهد كاليغولا» (37–41م) كانت أول قطيعة علنية بين روما واليهود، إذ أمر الإمبراطور بإقامة تمثال ذهبي له في هيكل القدس، ولم يمنع اندلاع الحرب سوى اغتياله عام 41م.
الرؤية اليهودية الأرثوذكسية
[عدل]ترى اليهودية الأرثوذكسية نفسها امتدادًا عضويًا للتراث الديني والثقافي لبني إسرائيل، منبثقًا من الشريعة التي أُعطيت لموسى في سيناء فصاعدًا. ووفقًا لهذا التصوّر، ورغم أن لقب «حاخام» لم يكن مستخدمًا في العصور المبكرة، فإن موسى يُعدّ أول حاخام (ويُشار إليه عادةً لدى الأرثوذكس بعبارة «موسى حاخامنا»)، إذ إن المعرفة والشرائع التي تلقّاها في سيناء انتقلت من المعلّمين إلى التلاميذ عبر عصر القضاة والأنبياء (الذين يُنظر إلى معظمهم بوصفهم «حاخامات» زمانهم)، ثم عبر الحكماء في أواخر فترة الهيكل الثاني، واستمر هذا التسلسل حتى يومنا هذا.[18]
المراجع
[عدل]- ^ Early Rabbinic Judaism: Historical Studies in Religion, Literature and Art By Jacob Neusner, pg 1
- ^ Catherine Cory (13 أغسطس 2015). Christian Theological Tradition. Routledge. p. 20 and forwards. ISBN:978-1-317-34958-7. مؤرشف من الأصل في 2025-12-09.
- ^ Stephen Benko (1984). Pagan Rome and the Early Christians. Indiana University Press. p. 22 and forwards. ISBN:978-0-253-34286-7. مؤرشف من الأصل في 2026-01-31.
- ^ The Jewish Backgrounds of the New Testament: Second Commonwealth Judaism in Recent Study, Wheaton College, Previously published in Archaeology of the Biblical World, 1/2 (1991), pp. 40–49. [وصلة مكسورة]
- ^ Cohen 2014، صفحات 161–162.
- ^ ا ب Cohen 2014، صفحة 160.
- ^ Cohen 2014، صفحة 171.
- ^ Cohen 1984، صفحات 31, 35–36.
- ^ Cohen 2014، صفحات 224–225.
- ^ Schaper 1999، صفحات 426–427.
- ^ Safrai 1976، صفحة 318.
- ^ Cohen 2014، صفحات 165-166.
- ^ Daniel Boyarin (2012). The Jewish Gospels: The Story of the Jewish Christ. New Press. ISBN:9781595584687. مؤرشف من الأصل في 2025-11-04. اطلع عليه بتاريخ 2014-01-20.
- ^ Israel Knohl (2000). The Messiah Before Jesus: The Suffering Servant of the Dead Sea Scrolls. University of California Press. ISBN:9780520215924. اطلع عليه بتاريخ 2014-01-20.
- ^ Alan J. Avery-Peck، المحرر (2005). The Review of Rabbinic Judaism: Ancient, Medieval, and Modern. Martinus Nijhoff Publishers. ص. 91–112. ISBN:9004144846. مؤرشف من الأصل في 2026-01-13. اطلع عليه بتاريخ 2014-01-20.
- ^ Peter Schäfer (2012). The Jewish Jesus: How Judaism and Christianity Shaped Each Other. Princeton University Press. ص. 235–238. ISBN:9781400842285. مؤرشف من الأصل في 2025-11-13. اطلع عليه بتاريخ 2014-01-20.
- ^ Jewish Encyclopedia: Hellenism
- ^ Unbroken Chain of Transmission نسخة محفوظة 2023-04-04 على موقع واي باك مشين.