عنف سياسي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

العنف السياسي (بالإنجليزية: Political violence) ثمة اتفاق عام بين أغلب الباحثين، أن العنف يصبح سياسياً عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية، على الرغم من الاختلاف بينهم في تحديد طبيعة ونوع هذه الأهداف، وطبيعة القوى المرتبطة بها. ولذلك فمعظم الباحثين يعرِّفون العنف السياسي بأنه: "استخدام القوة المادية، أو التهديد باستخدامها، لتحقيق أهداف سياسية". ويقترب من هذا المعنى تعريف بول ويلكنسون، الذي عرَف العنف السياسي بأنه "استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين، لتحقيق أهداف سياسية". كما عرفه شانغ سياهن بأنه: "استخدام القوة المادية لتحقيق أهداف سياسية". وحدده باحث آخر بأنه كافة أعمال الشغب والأذى والتدمير، التي يُقصد منها تحقيق أهداف سياسية.


مفهوم المصطلح[عدل]

يُعرف مصطلح العُنف (Violence) في اللغة الـعربية بمعنى الخرق بالأمر وقلة الرفق به، وهو العنيف إذا لم يكن رفيقاً في أمره، وعُنف به، وعليه عُنفاً أخذه بشدة وقسوة، فهو عنيف، وطريق معتنف، غير قاصد، وقد اعتُنف اعتنافاً إذا جار ولم يقصد. والتعنيف هو التعبير واللوم والتوبيخ والتقريع. وهكذا تُشير كلمة عُنف في اللغة العربية إلى كل سلوك يتضمن معاني الشدة والقسوة والتوبيخ واللوم والتقريع. وعلى هذا الأساس فإن العُنف قد يكون على مستوى السلوك (الفعل)، أو مستوى القول (اللفظ).

أما في اللغة الإنجليزية، فإن الأصل اللاتيني لكلمة (Violence) هو (Violentia)، ومعناها الاستخدام غير المشروع للقوة المادية لإلحاق الأذى بالأشخاص والإضرار بالممتلكات. ويتضمن ذلك معاني العقاب والاغتصاب والتدخل في حريات الآخرين. وهكذا يمكن القول إن الدلالة اللغوية لكلمة "العُنف" في اللغة الـعربية، أوسع في دلالتها من الإنجليزية؛ ففي الأولى يشمل العنف، إلى جانب استخدام القوة المادية أموراً أخرى لا تتضمن استخداماً فعلياً للقوة. أما في الثانية، فالعُنف يقتصر على الاستخدام الفعلي للقوة المادية فقط.

لذا فقد عرَّفت ساندرا بول العنف بصورة شاملة بوصفه "الاستخدام غير الشرعي للقوة، أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين". وفي هذا الصدد يقدم روبرت ماكافي براون تعريفاً مطولاً للعنف، بوصفه انتهاكاً للشخصية. بمعنى أنه تعد على الآخر، أو إنكاره، أو تجاهله مادياً، أو غير ذلك. أي أن مخاطبة الشخصية تعني إعطاء وصف شامل للعنف بأنه أكثر من الجسد والروح وحدهما؛ إنه يقر بأن الأعمال التي تسلب الشخصية هي أعمال عنف؛ فأي سلوك شخصي ومؤسساتي يتسم بطابع تدميري مادي واضح ضد آخر، يُعد عملاً عنيفاً؛ فهناك العنف الشخصي الخفي، الذي يؤذي الآخر نفسياً، وهناك العنف المؤسساتي الخفي، حيث تنتهك البُنى الاجتماعية هوية مجموعات الأشخاص، كما يحدث في المناطق العشوائية. كما وسع براون العنف، الذي ينبع من الفرد (الجسد والروح) إلى العنف الناتج عن علاقة مؤذية وضارة (الظلم) بين الأشخاص.

أنواع العنف السياسي[عدل]

تتعدد القوى التي تمارس العنف السياسي، كما تتباين، بالطبع، الأهداف السياسية، التي تسعى إلى تحقيقها على النحو التالي:

  • العنف الموجه من النظام إلى المواطنين، أو إلى جماعات وعناصر معينة منهم، وذلك لضمان استمرار النظام، وتقليص دور القوى المعارضة أو المناوئة له. ويمارس النظام العنف من خلال أجهزته الرسمية كالجيش، والشرطة، والمخابرات، والقوانين الاستثنائية... إلخ. ويُعرف العنف في هذه الحالة باسم "العنف الرسمي أو الحكومي".
  • العنف الموجه من المواطنين، أو فئات اجتماعية معينة ـ كالعمال، والطلبة، والفلاحين، والأقليات، والأحزاب، والتنظيمات السياسية، إلى النظام أو بعض رموزه. ويتخذ العنف في هذه الحالة شكل التظاهرات، والاضرابات، والاغتيالات، والانقلابات... إلخ. ويُعرف العنف في هذه الحالة بالعنف الشعبي، أو العنف غير الرسمي.
  • العنف الموجه من بعض عناصر النخبة الحاكمة، إلى بعض عناصرها الأخرى. ويدخل هذا العنف في إطار الصراعات داخل النخبة، ويتخذ عدة أشكال، منها: التصفيات الجسدية، والاعتقالات، وانقلابات القصر. وقد يصل الأمر إلى حد الصدامات المسلحة بين العناصر والقوى الموالية للأجنحة المتصارعة، داخل النخبة الحاكمة. وقد يوظف الجيش، أو الشرطة، وبعض القوى المدنية، في هذه الصراعات.
  • العنف الموجه من بعض القوى أو الجماعات، ضد جماعات أخرى داخل المجتمع، نتيجة أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية. وقد يتدخل النظام لتصفية مثل هذه الصراعات، أو ليلقي بثقله إلى جانب أحد أطرافها. ويطلق على هذه الحالة اسم "العنف السياسي المجتمعي".

الأهداف السياسية[عدل]

الأهداف السياسية، التي تسعى القوى التي تمارس العنف السياسي إلى تحقيقها، تختلف طبقاً لطبيعة تلك القوى وحدود قوتها، وموقعها من السلطة السياسية، وطبيعة أيديولوجياتها. ويمكن تصنيف هذه الأهداف طبقاً للمعايير التالية:

معيار الموقف تجاه الوضع القائم[عدل]

ولمعيار الوضع القائم اتجاهان:

  • إذا فشل النظام السياسي القائم في تحقيق استيعاب القوى الجديدة، الراغبة في المشاركة في السلطة والحصول على نصيب أكبر من الثروة والنفوذ؛ فيلجأ إلى استخدام القوة لضرب القوى، التي تمثل تحدياً له وتحجيمها.
  • أما الاتجاه الآخر، فيتمثل في إذا شعرت القوى أن النظام السياسي لا يعبر عن قيمها ومصالحها، ولا يسعى إلى تحقيق أهدافها، فإنها قد تسعى إلى تغييره بالقوة. وقد يكون التغيير جزئياً، أى تغيير بعض السياسيات أو القرارات أو الأشخاص، أو كلياً بمعنى تغيير النظام برمته (النخبة والمؤسسات والتوجهات والسياسات) وباستبداله نظاماً آخر، أي هدم للنظام الذي ثار الناس ضده، وبناء آخر يحل محله.

معيار الشرعية (بالإنجليزية: Legitimacy)[عدل]

يرى بعض الدارسين أن العنف عمل غير شرعي، يمثل اختراقاً للحدود المقبولة؛ لاستعمال القوة في العلاقات الاجتماعية. ولذلك فهو ظاهرة سيئة وغير مرغوب فيها، ومن ثم فأهدافه تكون غير شرعية، أي لا يقرها الوعي الجماعي؛ بينما يرى آخرون أن العنف وسيلة شرعية لتحقيق أهداف شرعية. فقد لا يوجد طريق سوى العنف للتخلص من أوضاع ظالمة وبائدة ومختلة.

معيار نوع الهدف وطبيعته[عدل]

تكون أهداف العنف، عادة، مرتبطة بالسعي إلى السيطرة على السلطة، أو تغيير بعض سياسات النظام، أو إزاحة بعض الشخصيات من النخبة الحاكمة، أو المشاركة بشكل أكبر في عملية صنع القرار. وقد يكون العنف من جانب النظام للتخلص من القوى المعارضة له. كما قد يكون للعنف أهداف اقتصادية واجتماعية، كالمطالبة بإحداث تغييرات تتعلق بأسس توزيع الثروة والدخل في المجتمع، والاستفادة من الخدمات الأساسية، وضمان حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية.

معيار المشروعية (بالإنجليزية: Legality)[عدل]

ويعني اتفاق الممارسات السياسية مع الإطار الدستوري/ القانوني، السائد في المجتمع؛ فالفعل يصبح مشروعاً عندما يستند إلى نص دستوري أو قانوني، ويصبح غير شرعي عندما لا يكون كذلك. ومن ثم يرى بعضهم أن العنف وسيلة لتحقيق أهداف مشروعة، أي يقرها القانون. ويركز المساندون للنظام، عادة، على فكرة المشروعية لتبرير ممارسات النظام. ويرى آخرون أن لجوء النظام لاستخدام العنف على نطاق واسع، أمر غير شرعي؛ أي لا يقبله الرأي العام. ومن ثم فإن القوانين التي تضفي على ممارسات النظام العنيفة صبغة المشروعية، تعدهن كذلك غير شرعية، خاصة إذا كانت صادرة طبقاً لإرادة الحاكم، ولا تعبر عن إرادة المحكومين.

وعلى هذا، فالعنف السياسي يتضمن كافة الممارسات، التي تتضمن استخداماً فعلياً للقوة، أو تهديداً باستخدامها، لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بشكل نظام الحكم وتوجهاته الأيديولوجية، أو سياساته الاقتصادية والاجتماعية. قد يكون العنف منظماً، أو غير منظم، وقد يكون فردياً أو جماعياً، علنياً أو سرياً، وقد يكون مستمراً لفترات طويلة، أو سريعاً ومؤقتاً.

أنظر أيضا[عدل]

المصادر والمراجع[عدل]

الـعربية[عدل]

  • باربرا ويتمر "الأنماط الثقافية للعنف"، ترجمة ممدوح عمران، سلسلة عالم المعرفة، مجلس النشر العلمي، العدد 337، الكويت، مارس 2007.
  • حسنين توفيق إبراهيم، "ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية"، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 17، بيروت، 1993.
  • عمار علي حسن، "التغيير الآمن: مسارات المقاومة السلمية من التذمر إلى الثورة، دار الشروق، القاهرة، 2012.
  • لسان العرب، المجلد 15، دار المعارف، القاهرة، 1979.
  • مجمع اللغة العربية، "المعجم الوجيز"، وزارة التربية والتعليم، القاهرة 2000.
  • الموضوعات الاجتماعية والنفسية، معجم المصطلحات الاجتماعية. موسوعة مقاتل من الصحراء.

الأجنبية[عدل]

  • Boll-Rkeach, S., The legimization of violence, in short L. and Wolfang. M. (eds) Collective violence, N.Y., 1977K.
  • Ontons, C.T., etal, The Oxford dictionary of English, Estymology Oxford: Clareandon Press, 1966.