نقاش:أحمد بوزفور

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

لعل القارئ للأستاذ أحمد بوزفور، سيشعر بلذة وانسياب، وبعودة لأزمنة الحكي الحريري بكل دفئها، وتشويقها، وعجائبيتها، وسيلاحظ لا محالة تطريزا ساحرا لقصصه بمحكيات تجمع بين أزمنة أفلت، وبأخرى خيالية تخترق اللا ممكن وتحوله ممكنا، وحقيقيا* ولا غروة أن ذلك الشعور الغريب نابعا من كون زمن الحكي وحلاوته وتشويقه أفل، أو اضمحل بسبب عدم تواجد شروطه الخاصة، بسبب اختراق زمن الصورة الجارف والخادع، وطغيانه وتأثيره الكبير وبقسوة على صفاء اللحظات الجميلة، ودهن المتلقي أو المشاهد الذي أضحى لا يميز بين الغث السمين، الجميل والقبيح، مما سبب استلابا متواصلا وإرهاقا مطلقا. وبالعودة إلى القصة المراد تحليلها :الغابر الظاهر” نجد أن مبدعها وظف جماليات متعددة، وفضاءات وأشخاص، ومحكيات تظل شذارتها عالقة بالذاكرة وكأنها شجيرات دفلى بورود جميلة وسط صحراء قاحلة تقاوم جفافا متواصلا بمجرد ما تحاول قطف إحدى ورودها تتحول إلى كائن غريب كامل الغرابة ومتحول كل التحول. وهو ما لاحظناه في هذا النص الدافئ والهادر في نفس الوقت، الذي كتب بأنفاس متعددة وحمل دلالات بليغة، ورسائل ينبغي فك شفرات رموزها بهدوء وروية لفهم أبعادها الحقيقية. لقد اعتمد في كتابة النص على تقطيع مميز، بالتحديد ثلاثة أجزاء قد تبدو مستقلة عن بعضها البعض، لكنها متكاملة ومرصوصة البناء. في الجزء الأول يتم تحديد مرجعية إطار القصة - الحكاية - العام “كان حتى كان، في قديم الزمان” ص66، وهو عبارة عن استهلال أو برولوج يستعمل غالبا كتقنية في الكتابة المسرحية، لوضع المتلقي “القارئ” على سكة الحدث من خلال راو قد يكون ظاهرا أو خفيا، وهي نفس التقنية المستعملة في بداية هذا النص لتحديد إطاره الزمني “قديم الزمان” ص 66 وهو توظيف مستمد كذلك من أنفاس “الحلقة الشعبية بنمطها الفرجوي” في الساحات العمومية، وكذلك من خلال الجدات في البيوت قديما، وهن بصدد افتتاح حكايتهن في الأماسي الباردة لأحفادهن المتحلقين حولهن، مما يمنحنا منذ البداية الإحساس أننا بصدد بوح عجيب، وغريب ومشوق، مستمد من أعراف حكائية أصيلة، ومتميزة بخصوصياتها المتفردة داخل حلقة الحكي المغربي الشفيف. ويستمر السارد في فتح قمقم عجائبه، وصندوق حكاياته العجيبة من خلال تقديم شخوص متفردين بقدرات خارقة، لا يقدر على التميز بها أمثالهم، وهو نوع من التسليم بالمطلق والممكن …

فالعرجاء “تنقز” (تقفز) الحيطان، والعوراء تخيط الكتان، والطرشا (الصماء) تسمع الخبر فين ما كان ص 66، وهو ما يتنافى في عرف المألوف والسائد. وهذا الإخبار هو بمثابة تحذير، وتقديم لأبجديات الحكاية الأساسية، ومفاهيم جديدة لتفسير مضامينها، باعتبارها تبعد من حساباتها التفسير المنطقي والعادي جدا للظواهر وخفاياها وغموضها … وعالم الحكي من هذا المنظور هو عالم كل الممكنات.



.

“فالطرشا” سمعت حس الخيل قد مرت، والعورى استطاعت عدهم بالتحديد، أما العرجاء، فقد استفزت الجميع بقدرها الخارقة على اللحاق بهم.

ولم يكن حياد السارد مطلقا، فسرعان ما تحول إلى شاهد عيان ومشارك بقوله “حين لحقناهم لم نجد خيلا… لم نجد غير ثلاثة أطفال صغار في طرف الغابة يقفقفون من البرد ويمدون أبصارهم المتوجسة إلى الغابة في الظلام” ص66، ليصبح عدد الشخوص متعدد، وضمير الحكي متفرد، ويقين الخبر مفند، ومختلف عن الطرح الأصلي، لأنه حسب قول السارد “لم نجد خيلا” ص 66 وهو تصحيح ضمني لافتراضية الخبر السابق الذي بني على اليقين المطلق، وتشكيك في قدرة أصحاب الخوارق في الاستهلال الأول، وبالتالي إعادة تنضيد معطيات النص وبناؤها داخل مكان الحدث الحقيقي “الغابة” مع إبراز لمؤثثاتها على شكل لوحة بها : أشجار عارية/أحجار ساهرة/بوم متيقظ/ برد قارس/ليل، وهي لوحة قاتمة، ومثيرة للخوف، والرهبة، فينطلق السؤال من خارج إطارها محلقا، مدويا، غاضبا … لماذا يخرج في الليل أطفال هذا الزمان ؟

وهو سؤال مشروع لخلخلة الكائن، وزرع الحيرة في نفسية المتلقي، و بالتالي توريطه وإقحامه ضمن أحداث النص، وجعله يبحث عن جواب، أو حل للإشكال المطروح، وإعطاء تخمينات أو فرضيات. وهي محاولة أو رجة لإيقاظ كل نائم، أو جانح عن مسار الحكي .. وفرصة للسارد لالتقاط أنفاسه من زمن مستقطع أو ميت ليواصل حكيه على لسان الأشجار، والأحجار والبوم “ماتت الأم/تزوج الأب/ لا يرضى الأطفال الظلم .. ليتم الإجماع على صعوبة الحياة” “الحياة الباردة” ص 66.

وتبدو الأحداث منطقية في إجماع شخوصها على المعاناة، والظلم، وقساوة الواقع، لكن القسوة، ستولد رد فعل مضاد لدى الأبطال الصغار، لأن “الغاب” سيفرز لا محالة فكرا من صميم قوانينه، وإطاره المرجعي يضع على المحك كل المعتقدات والمكتسبات والموروثات السابقة، لأنه وسط مفتوح ومتسم بالغلبة للقوي، والأصلح، فيخفي ما سبق، بل يبيده سواء بفعل الدهشة، أو بخدش الذاكرة بالمعطيات الجديدة الناتجة عن إفرازاته، فتنمحي بالتالي، كل القيم، من تسامح، وتآزر، وتعاضد، وحب. سمو الذئب أبا/ سكان الغابة/ زوجة أب/ ناموس الغابة/ الظلم، وهو أمر ولد كراهية عمياء، بل مطلقة، وقلب كل متعارف أو متفق عليه، وكأنهم بتصرفهم المغرض يعودون بالزمن ملايين السنين إلى الوراء إلى العصور الحجرية، وهو ما شكل صدمة للمتلقي، وحسرة للسارد في نفس الوقت، الذي يقول “أح على الأطفال الشجعان بلعتهم مرجة الماء، وغار بهم سكان الغدران” ص 66.

وما يعلل هذا التحول أو تغييره، ويحدد معالمه، هو تأثير الوسط، وتماهيهم معه حد الذوبان في تناسق تام “الأقدام الحافية الرخصة” وخزتها إبر الجن، عرفت شوك الاسم، وشوك السر، وشوك الظن ..” ولم يفت السارد من تشبيههم بأقوام سادت تم بادت من خلال توظيف لمضمون النص القرآني بتحفظ كبير في إشارة إلى قساوة قلوب كفار قريش في صراعهم من الرسول محمد (ص) “إذا لقوا بعضهم قالوا نحن اخوة، وإذا خلوا إلى شياطينهم، قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزؤن” ص66.

لعلها من أكبر الصور الدالة على قساوة القلب وتحجره، بالنفاق، والاستهتار بمشاعر الغير، وإشارة إلى شخصيات انشطارية بامتياز، قادرة على تسليط القهر، وتصريفه في أحسن الوجوه، كما أن الفقرة كانت بمثابة تهيئ نفسي للمتلقي، للتطلع إلى مجريات الأحداث اللاحقة، بتشويق كبير، بعدما ثم وضعه من جديد في إطار خاص وتم تسليحه بأدوات تمكنه من متابعة الحكي، وكأنه يؤسس لمرجعية متفق عليها، و لا يمكن الحياد عن إطارها من أجل الاستمرار.

أما في الجزء الثاني من القصة، فقد حاول القاص الأستاذ أحمد بوزفور، قد أحداثها من عمق الغاب، من خلال حوار مقتضب بين الشخصيتين الجديدتين “كوثر” و “والمرأة المبتسمة” اللتان حلتا من عدم، دون مقدمات، أو تهيئ مسبق للمتلقي وعلى خلاف ما حدث في الجزء الأول من النص، بحيث تمت إزاحة الستار على مشهد من فصل مسرحي لعب فيه الحوار دورا أساسيا، ووظف كتقنية مركزية اختزلت حيثيات الحدث ولحمت أجزاءه، لتمتين العمود الفقري للقصة، بفكرة رئيسية ثانية عرفت بالشخوص الجديدة، وقدمت ملامح المرأة المبتسمة، صدر واسع/وفستانها ملون/ وصوتها عذب وحنون، وهي عكس الصورة المقدمة في نفس المقطع عن زوجة الأب “زوجة أبي تضربني”ص 66، كما تم تحديد ملامح الفتاة “مبهورة/مقهورة” معنفة من طرف والدها وزوجته “أبي يضربني/زوجة أبي تضربني” ص66، ومحرومة من طفولتها ومن اللعب “أنا أرعى البقرة/أنا أجلب الماء/وأشطب الدار” وبالتالي كان تمرير انقيادها بسلاسة وراء المرأة الفاتنة، وبسرعة كذلك، ولعل السبب يكمن في كونها كانت تبحث عن الخلاص، وتريد اللعب، وتنبذ حياة الشقاء وذلك ما استقيناه على لسان المرأة “تعالي معي، أضع لك عشرات العرائس، وأعلمك الغناء، وأما أكون لك …” ص66

لقد استطاع القاص أحمد بوزفور، تعرية واقع مأساة الطفولة المغتصبة، والمقهورة، وأبرز من خلاله سهولة انصياع “كوثر” مدى خطورة التغرير بالقاصرات ، وانحرافهن ، وانصياعهن بسهولة ، مشرحا نفسية كوثر، ورغباتها ، ومبرزا تطلعاتها الحقيقية والصادقة مقارنة بواقعها القاسي، والمجحف. كما أبرز الوجه الآخر للاستغلال البشع للأطفال القاصرين، فالمرأة المبتسمة هي وجه آخر للانحلال والفساد الأخلاقيين في البلاد، ورمز متعدد الدلالات لعالم الدعارة السري، الفاتن، والمغرض، والقاتل الذي وبمجرد ما تنتهي فيه صلاحية الوافد إليه، يتم إقصاؤه وإبعاده، وهو ما حدث مع “كوثر” الطفلة التعيسة التي قذفت بها المرأة المبتسمة في جوف ليل الغابة الغادر واختفت في لمح البصر، لتحترق الصبية بنار فضيحتها، ويضيع شرفها، فالنار “تغمر بالخوف وبالحب” وهي “نار الجن” ص 68، التي حاولت إبعادها عنها، لكنها في النهاية استسلمت، وطلبت اقترابها وصداقتها “يا نار اقتربي … حتى ولو كنت نار الجن اقتربي، وسارت الطفلة والنار نحو بعضهما” ص68، وهو اقتران لا منطقي وغريب بين كيانين وعالمين، الجن/الإنس، بين الشرف والخطيئة، لتتحول إلى فتاة مبتسمة هي الأخرى، وتلتحق بركب اخوتها داخل غابة اللا منطق، واللا معقول .. في موكب أحداث يلفها العبث والدرامية.

إن قوة الإقناع من خلال نسج أحداث الجزء الثاني من النص أعطت الانطباع عن قدرة القاص الأستاذ أحمد بوزفور، وتمكنه من تمرير بوح شفيف، مقتضب، ودال وسلس، اعتمادا على مجرد تلميحات غير مخجلة، أو مخدشة للمشاعر، وكأنه جالس على عرش الجدة، يحكي في مجمع أسري لأفراد من مختلف الأعمار، اعتمادا على الوخز الغير المبرح، والتلميح الخاطف، يمكن كل فرد حسب قدراته، وإمكانياته، وعمره من استنباط العبر الدالة، والحكم البليغة من أجل الاقتداء بها والتحصن بمضامينها، من خلال بثه لرسائل متعددة داخل مثنه القصصي، دون الحاجة إلى التصريح الجارح ،والمحاصرة، أو التضيق أو التفسير الممل، والمخجل.

لقد تلقت الوافدة الجديدة في الجزء الثالث من النص كل ترحيب وإكرام، من طرف اخوتها، في جو حميمي، “حكت لإخوتها جميع ما جرى لها من الأول إلى الآخر، وكذلك هم أخبروها بجميع ما جرى لهم وأقيمت الأفراح والليالي الملاح”. ص 68.

لقد لعب الاختصار في الجمل، والبساطة في الخبر ، دورا مركزيا لتلافي التكرار، وشد انتباه المتلقي، وتقريب مضامين الجزأين السابقين بلغة وخطاب من صميم المتعارف عليه، داخل الوسط العائلي المغربي، تميزت بالسلاسة، والتشويق، والتهيئ النفسي الهادئ، لتمرير أحداث عاصفة، وغير منتظرة، بعدما تيقن القارئ أو المتلقي أنه وصل للنهاية السعيدة للحكاية، لكن سرعان ما يتم كشف باطن ما كان غابرا في التوقعات، ويتم فتح قمقم مغارة الحكي من جديد، وبالتالي الدخول في متاهات جديدة.

قال الأقوى : أنا عريسها، قال الأجمل أنا حبيبها، قال الأذكى دعوها تختار، قالت كوثر أنا أختكم يا ويلكم.ص 68.

وكأننا إزاء مكاشفة أو لعبة الإفصاح عن النوايا، والمقاصد، وهي رجة قوية للقارئ، وصفعة حارة غير متوقعة، وأحداث تنطلق مجنونة، مسعورة، تغيب الظاهر والمألوف، وتعري أقنعة الغابر والمخفي، والنوايا المضمرة .. وبالتالي تبرز حقيقة منطق السائد في عالم الجور، عالم الغاب/القوة/الجمال/الذكاء والعقل(كوثر) فيتم الاحتكام في النهاية للغة الغرائز والأهواء.

“لابد للنساء من الرجال” أمر منطقي لكنه مغرض “أنا أختكم يا وليكم” ص 68، صرخة في واد سحيق. فالأقوى أرادها عروسة، والأجمل حبيبة، والأذكى، معا، باعتبار أن اختيارها له سيجمعهما معا، باعتباره اختيار ذكي ومغرض في نفس الوقت، وهو ما أجج صراعهم، ورجح الكفة للقوة، بعدما “لطم القوي الأجمل وفقأ عينه، وضرب الأذكى بعصا فكسر ساقيه، فهربا منه إلى خارج البيت” ص68، وهي صورة دالة على حيوانية التصرف، وجبروت القوة الممزوج بأريج منطق الغاب وقوانينه، وسمة من سمات التعايش داخل القطيع، الذي يسود فيه القوي، ويدعن له البقية ويدينون له بالولاء، والتبعية والاحترام، والطاعة العمياء .. فتم مراد القوي “ودخل هو بأخته تلك الليلة” ص68، لكن مفاجأته كانت أكبر من يتقبلها منطقه المكتسب “لم يجد بها دما” ص68، فيتم طرح مشكل الشرف/أو العذرية بحدة، وبكل قداسة ورمزية، فيتم اختزال إنسانية الفرد وكينونته، ومشاعره في مجرد بقع دم مهدورة، وكأن افتقاد الأخت للبكارة مخالف لأعراف وقوانين الغاب، وهو أمر شكل صدمة للقارئ باعتبار أن المنظومة المرجعية التي بنيت عليها فكرة النص “اللا منطق” منذ البداية تبيح كل شيء، وتعتمد أساسا لها قلب كل متعارف عليه.

وهو ما أحدث انقلابا في مسار الحدث، وأدخل القارئ متاهة أكبر، أيعقل أن يدافع عن الشرف، من أباح لنفسه كل محرم ؟

إن هذه الخلخلة كانت مقصودة، وربما الهدف من ورائها تعرية زيف الواقع واللا منطق، وإبطال لظاهر كل اعتقاد، وكشف لبواطن الحقائق المضمرة عنوة، وبالقوة، ولكل منطق مغلف بالزيف والخداع، ليتم تصريفه من خلال سلوك طبيعي. وهو ما شكل عودة إلى البدايات، ورجوع إلى الاحتكام إلى منطق الباطن وهو أمر فسره، كذلك، استنكار المخلوقات العجائبية الأخرى الأشجار/الأحجار/والبوم، للمطالبة بالاقتصاص لدم العدرة/دم القرابة/الثأر، وفي نفس الوقت عودة لمنطق الغاب المكتسب الذي تجلى في تصالح الاخوة الثلاثة وإجماعهم على الانتقام للشرف بدافع المصلحة دون مراعاة لإنسانية الإنسان وحقه الطبيعي في الحياة. وإحالته على الصراع السرمدي للحكي بين الخير والشر وهنا كانت الغلبة للشر، والطموح، والربح السريع، فاغتيال الأخت المتصارع حولها، سيشكل تآزرا وبالتالي تلاحما وتعاضدا، لينظروا إلى المستقبل بتفاؤل ، ومشروع طموح لتحقيق الرغبات والانتظارات “قال الأكبر كانت ابنتي/قال الأوسط كانت أختي/قال الأصغر كانت أمي” ص68، وهي ادعاءات باطلة، وكاذبة، ومنافقة، من خلالها استمد كل منهم مشروعيته، وأحقيته في الاستفادة من ريع مداخيل مزارها “الشريف” بعدما بنوا أسسه، وأحاطوه بقداسة كبيرة، وقدموا له النذور والقرابين، فتحول القبر إلى مزار و دفينته إلى قديسة، ومداخيله إلى غنيمة مسلوبة غدرا، وقهرا، “وإذا التقوا حول “الربيعة” قالوا نحن اخوة، وإذا خلوا إلى شياطينهم، قالوا إنا معكم، غنما نحن مستهزؤن” ص 68.

وهي الصورة الساخرة التي يقدمها القاص أحمد بوزفور بقتامة عن واقع الإنسان العربي المريض والمصاب بكل الانفصامات في شخصيته، وعن تطلعاته الفاقدة لكل منطق، أو عقل، والخالية من كل مشاعر، المتفسخ سلوكا، وأخلاقا، وعقيدة.

وهو ما سوف يثير ردود فعل من خارج الوسط الموبوء من طرف “سكان الأضرحة [لتدارك] أمر الأرض، والزمن الفاسد، والجيل الماسخ، لم تقبل في الجمع شفاعة، واتفقوا، وأعطوا التسليم، وصلوا الفجر جماعة. ص68.

هو حدث غير منتظر يأتي كخاتمة لأحداث مثيرة لقصة أكثر إثارة، وقرار الجماعة كان لا رجعة فيه لتغيير المنكر، واستتباب الأمن بالغاب، وإحقاق قوة الحق والمنطق، للضرب على أيدي المعتدين باعتبارهم المرجع الأساسي، والوصي عن تطبيق الشرع في حق كل جانح أو خارج عن المألوف والملة …

إن تحديد هوية الحق للحق أو الجماعة، يمنح الإحساس بكونه تنظيم ذو تراتبية مبني على الاحتكام لمرجعة خاصة منطقية ومألوفة لدى القارئ، غير أن أبعاده وإحالاته ترجعنا إلى عصور خلت وماضي تليد إبان الغزوات الإسلامية ضد الكفار والعابثين من الناس أو محاربة الخوارج، في الماضي، أو أحالة على نوع من التصوف ، بينما في الحاضر إشارة إلى تنظيمات سرية أو إسلاموية … وهو ما يضعنا في حيرة ومأزق وسقوط في شرك المرجعية التي بنيت على أساسها وضمنها هذه القصة، ليبقى نص الغابر الظاهر، يمتح من أحداث كل الأزمنة، ومفتوح على نهايات، واحتمالات متعددة في وجه كل قراءة متأنية، ليتحول إلى نص رغم سهولته ممتنعا، وكثيف الرمزية ومتعدد القراءات والدلالات، مما سيمنحه سرا، وقوة خفيتين، وقدرة حربائية على التشكل من جديد.

على سبيل الختم.،

إن الطابع الغالب في نص الغابر الظاهر هو توظيفه، بل اعتماده على قالب أسطوري أملته اختيارات محددة سلفا، نظرا لقدرته على استيعاب أنماط وأشكال ثقافية متعددة، تمكن من خلالها القاص الأستاذ أحمد بوزفور، من تطريز فضاء النص بجماليات متعددة، ومحكيات مختلفة اعتمادا على لغة اليومي، والمألوف، والمتداول لإصباغ طابع المغربية على هوية النص.

وإذا كانت القصة الأصلية بسيطة، وعادية جدا، تبدأ بهروب الاخوة الثلاثة بفعل سوء معاملة زوجة أبيهم، ونزوحهم إلى الشارع الذي احتضنهم في غابته الإسمنتية ومرنهم على قساوته وأرغمهم على اعتناق مذاهب الانحراف، والانحلال، والتفسخ، التي اعتنقتها أختهم فرارا من واقع القسوة والحرمان بعد التغرير بها، وارتمائها في جحيم الدعارة، كان بهدف تقديم بعد عميق لواقع المأساة داخل وسط تنتفي فيه الأصول، وتضيع فيه الأنساب، وتختلط بل تتهجن بفعل استباحة كل محظور، وهو واقع أبرزه بكل قتامة زمن كتابة النص مغرب الثمانينات، وما عرفته تلك العشرية من توالي سنوات حرجة اجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا وبالتالي دخول البلد في منعطف خطير وحرج ..

ولم يكن عنوان القصة بالهين، أو البسيط في دلالته، فالغابر (سر) والظاهر/سراب، وكلاهما ممتنع في القبض عليه، أو الكشف عنه، لكن تمريره همسا من خلال أحداث النص جاء منطقيا ومتسلسلا وضمنيا، فما هو الغابر الذي أرادنا القاص كشف أسراره وسبر أغواره ؟ وبالتالي أين يكمن ذلك الظاهر الذي نراه، وندركه، لكننا نعجز عن فهمه أو الإمساك بخيوطه السحرية ؟

لقد كان تشفير لغة النص، ومحاولة ترويضها من الصعوبة بمكان، فالحكم على ظاهر الأشياء كان مغلوطا منذ البداية، وخاطئا نظرا للإشكالات التي يطرحها النص، فهو يحدد ويضع الخبر محط شك ليفقد مشروعيته بسرعة بعد ذلك، وكأننا إزاء بلاغ أو وشاية كاذبة مررت من طرف أحد أعوان السلطة، بحيث كان تضخيم الحدث والمبالغة في الخبر بشكل كبير، وبالتالي نفيه ببرودة، وهو نفي أفرز إحالة شاذة – خروج الاخوة إلى الغاب ليلا وهو خروج فيه جنوح ومغامرة.

إن الليل يرمز إلى السيولة، كالماء في قدرته، ومن ظلمته تخرج أشياء لترى النور، وهذه واحدة من الأفكار التي سيطرت على ذهن الإنسان عبر مرور التاريخ، ومنحت الطبيعة قوة قادرة على الخلق والتشكيل العفوي.

إن الفكرة في إطار المرجعية الأسطورية مخالفة ومغايرة للفكر الديني الذي ارتكز على تناسق بين الكون والإنسان، واعترف بقدرة الله جل جلاله في الخلق وتنفي عنه كل صفة إنسانية. كما أن العلاقة بين الخالق والمخلوق تحكمها إرادة وقدرة الخالق … وما يمنح تلك القوة للنص والتقائه مع الأسطورة الإغريقية ،هو اتخاذهم للذئب أبا وللغاب …

وكذلك في حياتهم وهم شبه متخلى عنهم يعيشون في مغامرة مفتوحة، يكتشفون ويتعلمون، ويتطبعون في وسط العنف والقوة كما أظهر النص نوعا من حيرة الأبطال، أمام العديد من الاختيارات الصعبة فكان الوقوع في الخطأ .. وبالتالي سوف يتأتى البحث عن الصواب في نهاية النص من طرف قوة خارجية وليس منهم، في محاولة للتطهير أو التطهر من خلال رحلة البحث عن الصواب والخير نزولا من الأعلى نحو الأسفل .. وهي محاولة لتفسير الأسطورة تفسيرا جديدا، من خلال الربط بينها وبين مشاكل العصر، واتخاذها قالبا رمزيا لتسريب أفكار بشرية من داخلها، ثم إعادة صياغتها من خلال لغة، وخيال ووجدان معاصر.

إنها المغامرة التي تحمل في طياتها أكثر من سر وتساؤل، والتي كان أحد أبطالها القوة، والأخر الجمال والثالث الذكاء.

ولعل واقع الحياة المنحرفة بجمالها المزيف وجبروتها القاتل، ودهاء وذكاء أصحابها الغادر، وكأن القاص يكشف لنا عن الحجب والأسرار في مملكة الصمت حيث ينتفي ويختفي كل متعارف عليه أو متفق عليه ومألوف. وكان لا بد من تأجيج الصراع بتوظيف شخصيتين أنثويتين الأولى ظهرت واختفت بينما الثانية (كوثر) ظل حضورها متميزا وحارقا حتى نهاية النص، وحضورها دفع بالحدث إلى أعلى ذروته، وأبرز تواجدها غابر ما كان ظاهرا.

إن الإقدام على قتل الأخت كان في حد ذاته تناص من حكاية النص القرآني “قتل قابيل لأخيه هابيل، وهو تناص تجلى كذلك من خلال توظيف مضمون النص القرآني مرتين في الإشارة إلى المنافقين من كفار قريش” وكأننا أمام تأكيد على المرجعية القصصية للأستاذ أحمد بوزفور، وهي مرجعية متنوعة ومتعددة، اعتمدت على التوظيف والإيحاء والترميز بهدف تحقيق نوع من الاستمرار التاريخي أو الإعلان عن أصالتها وجذورها التاريخية، وبالتالي استمرارها في الواقع الراهن.

أما بخصوص السر الثاني والمتمثل في الجمال أو الفتنة فقد تمت الإشارة إليه أثناء الحديث عن المرأة المبتسمة دوما، والتي كانت لها صفة من صفات الجن من خلال ظاهرتي (التجلي/،والاختفاء) وكذلك في الجمال الحارق للنار/والنور على سواء، ثم إشارة إلى اللذة والفساد والخطيئة المتجلية في جسد الأنثى (المرأة/كوثر) وما أثاره من طمع سواء في الحياة أو الممات وهو جمال آفل مزيف وخادع ومصدر لكل القلاقل والصراعات.

في حين تجلى السر الثالث في الذكاء ويمكن اعتباره دهاء شيطانيا، تجلى من خلال قدرة أصحاب الخوارق وذوو العاهات في قدرة إقناعهم وإجماعهم على تزيف الحدث، وفي دهاء وخداع المرأة المبتسمة في إقناعها لكوثر وإدخالها جحيم الدعارة، بالإضافة إلى تبريرات كل من الإخوة الثلاثة لأحقيتهم بشكل أو بآخر للاستفادة من مداخيل الزاوية “أو الربيعة” عندما اعتبروا كوثر (أما/أختا/ ابنة) لهم وهي ثلاثية متوارية، شكلت مفاهيم فلسفية غابرة في ثنايا النص … تم توظيفها بإدراك ووعي للكشف عن حركة الديمومة والصراع الذي تنطبع بها الأشياء من خلال توحيد الأضداد والتأليف بينها في وحدة محكمة داخل درامية النص القائم على الصراع المحتدم بين الإنسان وقدره، وهو أمر من شأنه تقريب المسافة بين الأسطورة والقصة من حيث الخلق والتعريف بأصل الأشياء، وبالتالي الصراع من أجل السيطرة عليها .. كما أن هناك سرا آخر تم رصده انطلاقا من زاوية الالتقاط من الأعلى، فالبوم الذي كان يطلع على الأحداث ويلتقط تفاصيله وحيثياته، ثم الجماعة في أعلى الجبل (أصحاب القبب الخضر) الذين قرروا تغيير المنكر، فالنظر من الأعلى إلى الأسفل إشارة إلى المقدس وهي تيمة مركزية اشتغل عليها في النص وكأننا إزاء أشخاص لهم كرامات وقدرات (أولياء الله الصالحين) كإشارة مثلا إلى الولي الصالح عبد السلام بن مشيش وكرامته المتجلية في أمره للجبل المتحرك بالسكون فسكن بقدرة الله بعدما خرج الأمر عن السيطرة من طرف الآخرين … وما عزم الجماعة على تغيير الأوضاع واستتبابها بالأسفل وإصلاحها بعدما فار تنورها إلا إشارة بليغة للمقدس في النص. لكن السؤال هو لماذا ظل هؤلاء يلتزمون الحياد طوال تلك الفترة ؟ وهل كان من الضروري إجماعهم، واتخاذ قرارهم بعد حادثة القتل، ثم من هم الذين تدخلوا وطلبوا الشفاعة فلم تنفع شفاعتهم ؟


إن خاتمة النص تضعنا أمام سؤال مفتوح نتيجة واقع متردي لكن نتائجه المتوقعة تتطلب تخمينات وتفسيرات متعددة.

فالأشجار والأحجار والبوم، هي من مكونات الوسط الطبيعي ويمكن إسقاطها على الفئات الاجتماعية في هرم الدولة، حيث يمكن اعتبار الأشجار العارية الفئة المثقفة الملتزمة بالحياد السلبي، والأحجار بأصحاب المصالح والنفوذ والقوة، أما البوم، هو جهاز مخابراتي للدولة الناعق والساهر على أمنها .. والأطفال العامة والغوغاء والمتمردين، في حين مثلت كوثر الوجه الحقيقي للبلاد، بكل صفاتها وبراءتها والتي أضحت عرضة للاستغلال والتغرير والهتك والاغتيال أو القتل، لتبقى قصة الغابر الظاهر، صرخة قوية ترصد مغرب سنوات الرصاص والجمر بكل مآسيها وجوائحها، في قالب أسطوري بليغ استلهم مقوماته من الواقع الثقافي المغربي بأسلوب ساحر أو ساخر وصادم في نفس الوقت، اعتمد الإبطان والإضمار تارة، والترميز والتلميح تارة أخرى، داخل متاهة حكي يتطلب من القارئ امتلاك مفاتيح لكشف حجبه وأسراره الحارقة والنازفة على الدوام …