نوربانو سلطان

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
عفيفة نوربانو والدة سلطان
نور بانو سلطان
نوربانو و حاشيتها في قصر توب كابي
ولادة سيسيليا أو أوليفيا فينيير-بافو, or "راشيل", أو "كاليه كارتنو"
1525
جمهورية البندقية
وفاة 7 ديسمبر 1583
إسطنبول
دفن قبر السلطان سليم الثاني يقع في آيا صوفيا, إسطنبول
سبب شهرة والدة سلطان
دين كانت يهودية أثناء الأسر و بعدها تحولت إلى الإسلام.
زوج سليم الثاني
أولاد مراد الثالث
سلطانة أسمهان
سلطانة فاطمة
شاه سلطان
والدان نيكولو فينير و فيولانتا بافو.


لم تكن السلطانة الأم نوربانو وحدها التي تمارس النفوذ على ولدها السلطان مراد الثالث، فقد شاركتها في هذا النفوذ شخصية أخرى في الحرملك، عرفت كيف تمد نفوذها شيئا فشيئا داخل جنبات الحرملك، دون أن تستطيع السلطانة الأم نوربانو خاتون أن توقف نفوذ تلك المرأة في الصعود، تلك هي الباش قادين صفية خاتون، المفضلة عند السلطان وأم ولي العهد، والتي دخلت في صراع حقيقي ضد السلطانة الأم نوربانو وشقيقة السلطان؛ أسمات سلطان، للانفراد بالنفوذ داخل القصر، وتوجيه سياسة الدولة من خلف ستائر الحرملك، ورغم هزيمتها الأولية أمام السلطانة الأم نوربانو خاتون، إلا أن صفية خاتون ضحكت أخيرا بعد وفاة الاولى وانفرادها بإدارة الحرملك والسيطرة على السلطان ضعيف الشخصية. وهو تنافس تكررت فيه ثنائية الصراع بين السلطانة الأم والجارية المفضلة للسلطان، كما حدث أيام السلطان سليمان القانوني بين السلطانة حفصة خاتون وكل من السلطانة خُرَّم وماه دوران، لكن الخطير في الصراع الجديد أنه تزامن مع شخصية السلطان مراد الثالث الضعيفة، فضلا عن عشقه للنساء، ما جعله ألعوبة في يد سيدات الحرملك، وسعت كل واحدة منهن إلى السيطرة على السلطان والسلطة والدولة جميعا، من خلال تنفيذ مؤامرات عدة، كل هذا والسلطان العثماني يجلس في جناحه الخاص، تاركا إدارة الدولة لوزرائه، وسيدات القصر اللاتي مارسن نفوذا هائلا من وراء ستار. كانت نجمة الحرملك الجديدة، هي الجارية صفية خاتون، والتي ترجع أصولها إلى إيطاليا وتحديدا أسرة بافو التي تنتمي إلى جمهورية البندقية، فهي تشترك مع السلطانة الأم نوربانو في الأصول الإيطالية، إلا أن صفية خاتون كانت تنتمي إلى أسرة نبيلة، فوالدها كان حاكما على جزيرة قورفو، لذلك نشأت كما تنشأ أميرات الغرب الأوروبي، وفي إحدى جولات التنزه على شواطئ الجزيرة مع بعض صديقاتها النبيلات، شن قراصنة هجوما خاطفا على الجزيرة، كانت من أسلابه الأميرة ذاتها، وهي في عمر الرابعة عشر، وانتهى بها الحال لتباع إلى حرملك السلطان العثماني سليم الثاني، كجارية رائعة الجمال. البعض يتحدث عن علاقات نسب وقرابة تجمع بين صفية خاتون والسلطانة الأم نوربانو، اعتمادا على بعض الروايات التاريخية التي تشير إلى أصول السلطانة نوربانو الإيطالية، وأن السلطانة الأم هي من جلبت صفية باتفاق مع أسرتها إلى بلاط الدولة العثمانية، ودفعتها في طريق ابنها لتستمر في سيطرتها عليه، إلا أن الرواية الرسمية المعتمدة تؤكد أسر القراصنة لصفية وبيعها للحرملك السلطاني. ألحقت صفية كجارية بالقصور السلطانية ميزها قدر كبير من الجمال، فكانت موضع اهتمام أمراء القصور، فتزوجها الأمير مراد بن السلطان سليم الثاني قبل توليه السلطة، وكان في السادسة عشرة من عمره، وعندما كان حاكما لمقاطعة مانيسا أنجبت صفية الأمير محمد الذي تولى السلطنة في ما بعد، وحين تولى السلطان مراد الثالث بهره جمالها فأعتقها وتزوجها، وارتفع مركزها في البروتوكول العثماني من جارية إلى قادين ثم إلى باش قادين، أي أم ولي العهد، واحتلت بذلك المرتبة الثالثة داخل الحرملك بعد السلطانة الأم نوربانو، وأخت السلطان السلطانة أسمات. حاولت السلطانة الأم نوربانو تحجيم النفوذ المتصاعد لصفية خاتون، في صراع أصبح تقليديا داخل الحرملك بين أم السلطان والجارية المفضلة لديه، إلا أن السلطانة نوربانو استخدمت سلاحا جديدا في هذا الصراع، فاستغلت عشق ولدها للنساء، وتفننت في إعداد الجواري الحسان وإدخالهن على ولدها السلطان مراد الثالث، لعل واحدة منهن تنجح في أن تنسيه عشقه لصفية خاتون. أدركت نوربانو منذ البداية ولع ابنها السلطان مراد الثالث؛ ضعيف الشخصية، بالنساء والجواري، تتذكر جيدا كيف وقع ابنها في عشق الجارية بافو التي جاءت من البندقية، من اللحظة الأولى هو من سماها «صفية» بعد أن قال إنه يصطفيها لنفسه، لكنها لم تلق أسلحتها دون قتال، حجمت نفوذ الجارية الجديدة، وعملت على إعداد منافسات لها على أعلى مستوى، ولم يكن السلطان الجالس على عرش الحرملك، مهملا إدارة دولته مترامية الأطراف، يمانع في دخول جاريات من جنسيات عدة إلى جناحه الخاص، ما أشعل النار في قلب صفية خاتون، التي انزوت في جناحها تأكل الغيرة فؤادها، تحقد على السلطان الأبله الذي ينساها بمجرد أن يرى محظية جديدة.

رغم ذلك كانت صفية خاتون تحب السلطان مراد الثالث، تريد أن يتفرغ لها وحدها، تريد أن تتملكه، أن يحقق ما كان يقوله لها منذ زمن بأنها «خلقت له وهو خلق لها»، عندما دخلت أول مرة لجناح مراد الثالث، قال لها: «أنت نصفي الآخر الذي أبحث عنه»، حكى لها قصة حول أن البشر قبل الخلق يخلق الزوجان في جسد واحد، في الحياة تكون مهمة كل منهما البحث عن الجزء المكمل، وأنه حصل على نصفه المكمل بوجودها في حياته، باتت صفية خاتون متيقنة الآن أنه قال هذه القصة ألف مرة بعدد النساء اللاتي دخلن جناحه الخاص.

لم تستسلم صفية خاتون أمام ألاعيب السلطانة الأم نوربانو، قاومت بقدر ما تستطيع، حاولت الوقوف أمام نفوذ السلطانة الأم، لكنها لم تنجح في إزاحتها عن صدارة الحرملك، يقال إن صفية خاتون اتصلت بوزراء الدولة وخططت معهم للإطاحة بنفوذ الصدر الأعظم محمد باشا صوقوللو، عبر تنفيذ مؤامرة اغتياله، وهي ضربة موجهة بالأساس لنفوذ السلطانة الأم نوربانو، التي يعد صوقوللو ذراعها اليمنى. حديث القصور لا نهاية له، بعض الجواري تحدثن عن جريمة جرت في الحرملك سنة 1583م، ما السبب وراء وفاة السلطانة الأم نوربانو؟! عاشت السلطانة الأم أكثر مما ينبغي لها، هكذا قالت بعض الجواري، فالسلطانة الأم جاوزت السادسة والستين، وهو عمر متقدم حسب إمكانات القرن السادس عشر الطبية، إلا أن هذا لم يمنع ما قيل بأن السلطانة الأم نوربانو ماتت بالسم، هناك من رأى جارية من جواري صفية خاتون تخرج من مخدع السلطانة الأم ومعالم الارتباك تعلو وجهها في الليلة التي ماتت فيها نوربانو، الاتهام يوجه إذا لصفية خاتون التي ربما أصابها الملل من بقاء السلطانة الأم على رأس سلطة الحرملك لسنوات عديدة. لم يكن السلطان مراد الثالث راغبا في فتح تحقيق ليعرف ملابسات وفاة والدته، لذلك ظل ما جرى في اللحظات الأخيرة من عمر السلطانة الأم نوربانو حبيس الحرملك إلى الأبد، ما تغير حقيقة هو نفوذ صفية خاتون، التي استغلت وفاة السلطانة نوربانو، وتقلص نفوذ السلطانة أسمات، أخت السلطان مراد، بعد مقتل زوجها الصدر الأعظم محمد باشا صوقوللو، لتدعيم نفوذها داخل القصر، إلا أنها اصطدمت هذه المرة بنفوذ امرأة أخرى داخل الحرملك، هذه المرأة هي الكايا «جافيد» خاتون.

جافيد خاتون[عدل]

كانت جافيد خاتون، الساعد الأيمن للسلطانة الأم نوربانو في مخططها للسيطرة على الحرملك، من خلال تقديم الجواري إلى السلطان مراد الثالث، لإلهائه، كانت مهمة إعداد تلك الجواري تقع على كاهل الكخيا جافيد خاتون، فالحرملك كان يخضع لإشراف دقيق بقيادة الباش خزينة دار، التي كانت تحمل ألقاب «باش قالفه»، أي رئيسة الوصيفات، و»سراي أوسطه لق» بمعنى المسؤولة عن القصر، وتتولى إدارة خدم السلطان، وإدارة جناح السلطان وحمل مفاتيح خزائنه الخاصة، وهي رئيسة كل الجواري، وبهذه الصفة تعتبر الرئيسة الإدارية الفعلية لقسم الحريم، ومن ألقابها أيضا «كخيا قادين»، ودرجتها تعادل درجة الوزير في التنظيم المدني ودرجة المشير في التنظيم العسكري، ودرجة أغا البنات، ولها نفس راتب هذه الوظائف، وتعاونها مساعدات تسمى الواحدة منهم «خزينة دار» يتم انتقاؤهن من بين جواري الحريم الأكفاء. وتحمل باش خزينة دار واحدا من أختام السلطان الثلاثة؛ حيث يحمل الصدر الأعظم واحدا، ويحمل رئيس الغرفة الخاصة «خاص أوطة باشي» الخاتم الثاني، وتحمل هي الخاتم الثالث في المراسم الرسمية داخل الحريم، وتعلقه في رقبتها بسلسلة كبيرة من الذهب، ولقبها في البروتوكول العثماني هو صاحبة الدولة صاحبة السعادة «دولتلو سعادتلو»، وهي نفس ألقاب أغا البنات، كما أنها في المراسم الرسمية داخل القصر فقط تعتبر في درجة مساوية لدرجة الصدر الأعظم من حيث البروتوكول داخل الحريم، أما الوسام الذي يمنح لها فيسمى وسام الشفقة من الدرجة الأولى، وتمسك في يدها صولجانا مصنوعا من سن الفيل ومطعم بالماس والزمرد والياقوت، بحجم أكبر مما تمسك به مساعداتها، وترتدي ثوبا ذا ذيل طويل ينسحب فوق الأرض، موشى بخيوط الذهب حول المعصم، ولا ترتدي الفراء لأنه خاص بزوجات ونساء السلطان، وتضع حول الخصر حزاما مزينا بالأحجار الكريمة، وتضع فوق رأسها ما يشبه الطاقية النسائية، مثبت بطرفها شريطان بعرض أصبعين مجدولين في ضفيرتين من الشعر الأصفر يتدليان أسفل الخصر، ويقال إن الضفيرتين كانتا تصنعان من شعر الخيل. وتتحدث الخزينة دار الأولى داخل قسم الحريم باسم السلطان، وبالتالي لا يمكن لامرأة داخل الحريم، حتى زوجات السلطان وبناته، أن يقابلنه دون ترتيب مسبق منها، كما أنها من حقها وحدها دخول حجرة السلطان أثناء نومه وإيقاظه إذا استدعى الأمر. لهذا فلابد من أن تتسم من تشغل هذه الوظيفة بالحكمة والوقار والجدية والاحترام، وهذا كله نتبينه من حديث الأميرة شادية بنت السلطان عبدالحميد الثاني عن الباش خزينة دار في قصر والدها السلطان وهو ما دونته في مذكراتها، تقول: «كانت الخزينة دار أوسطى أكبر موظفة في الحريم، وهي سيدة متقدمة في السن صادقة ونظيفة، وكان والدي السلطان عبدالحميد الثاني يقبل يدها احتراما لها».

ولابد لمن تشغل هذا المنصب أن تكون قد تربت داخل الحريم، وتدرجت في وظائفه، وترقت حتى أصبحت أقدم موظفة في القصر، وبالتالي تكون على علم دقيق بآدابه وتقاليده، وذلك باعتبارها المسؤولة عن جناح السلطان، وتحمل مفاتيح خزائنه.

وللباش خزينة دار جناح خاص بها، ولها أيضا مائدة طعام خاصة، ويعمل في خدمتها شخصيا عدد من الجواري، ولها أن تذبح في عيد الأضحى أضحية خاصة بها، ومن بين مهامها أن تتولى بنفسها معاينة الفتيات اللاتي يأتي بهن آباؤهن لتقديمهن إلى الحريم السلطاني، وتهتم كثيرا بتحري أصولهن، وعراقة عائلاتهن. أما مساعداتها ممن يحملن رتبة «خزينة دار» فلهن أيضا درجات الخزنة دار الثانية والثالثة، ولهن أيضا عدد من الجواري لخدمتهن، ومهام الخزنة دار الثانية تبليغ أوامر السلطان ومراسم الاستقبال في جناحه، وتسكن الخزنة دار في جناح السلطان وليس في جناح مستقل، حيث إن مهمتها هي أداء الخدمة المباشرة للسلطان، والسهر على أدائها بالتناوب في ما بينهن ليل نهار، ويساعدها في ذلك عدد من النائبات، ويمكن للسلطان أن يدع واحدة منهن إلى فراشة، وعندئذ ترقى إلى مرتبة «كوزدة»، وقد تصبح «قادين»، أي زوجة للسلطان ويخصص لها جناحا خاصا. أما الخبيرات فتسمى الواحدة منهن بـ»أوسطى»، ولكل عمل داخل الحريم خبيرة تشرف عليه، فهناك خبيرة مسؤولة عن المطبخ «جاشنكير أوسطى»، وأخرى مسؤولة عن الملابس «جماشير أوسطى»، والمسؤولة عن القهوة، أو حمل الأبريق، أو التموين وهكذا، وهؤلاء أيضا لهن معاونات من درجة نائبة «قالفة»، وترتدي الخبيرة ثوبا فضفاضا طويل الذيل يعرف باسم «العنتري» ويضعن ضفائر الشعر المستعار. أما المسؤولات عن التشريفات فتسمى الواحدة منهن «كاتبة قالفة»، وهي المسؤولة عن المراسم والتشريفات داخل الحريم، وتسمى رئيستهن «باش كاتبة»، وهؤلاء يخترن من بين قدامى موظفات القصر الملمات جيدا بالبروتوكول والنظام داخل القصر، ومهمتهن مراقبة الضبط والربط وإجراء مراسم الاستقبال في الحريم، كما أنهن مسؤولات عن كل ما يدور بداخله، لذا فهن دائمات التجول داخل أروقته، وبرفقتهن النائبات المعاونات لهن، وترتدي الواحدة منهن في المراسم الرسمية قميصا فضفاضا طويل الذيل، وسترة قصيرة وتعلق الشعر، وتمسك في يدها صولجانا من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة يسلمه لها السلطان بنفسه، تعبيرا عن بدء مباشرة مهامها، وكانت النائبات يشكلن في الحرملك القاعدة العريضة، فشاغلة هذا المنصب تعد رئيسة الجواري في كل جناح، ولا تشغل هذا المنصب إلا قدامى النائبات في القصر. النظام الهرمي للحرملك كانت تجلس على قمته جافيد خاتون، التي لم تتنازل عن سلطانه بسهولة، وفضلت أن تدخل لعبة السيطرة على السلطان مراد الثالث المشغول بنزواته، فظلت وفية لذكرى سيدتها نوربانو خاتون، وربما اكتشفت خيوط المؤامرة التي نسجتها صفية خاتون للتخلص من السلطانة الأم، لذلك شهد الحرملك صراعا فريدا بين الجارية المفضلة عند السلطان وأم ولي العهد صفية خاتون، وكبيرة الخدم جافيد خاتون، التي استخدمت نفس سلاح السلطانة الأم نوربانو، فبدأت تدخل الجواري على السلطان مراد، لعل واحدة منهن تنجح في سرقة قلب السلطان من غريمتها صفية خاتون، واستغلت في ذلك شغف السلطان بالفاتنات من الجواري. أكثرت جافيد خاتون من شراء الجواري وإلحاقهن بالحرملك السلطاني بصورة مبالغ فيها حتى أن ذلك أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الجواري في سوق النخاسة، وكانت جافيد خاتون تعمل على تعليم الجواري رقة المشاعر وخفة الدم ورشاقة العود والحيوية والعذوبة، فضلا عن الجمال لإبهار السلطان، فهي وحدها تعلم جيدا ما يرضي السلطان وما يطلبه في الجواري. مؤمرات جافيد خاتون جوبهت بكل حزم من قبل السلطانة صفية التي عملت كل ما في وسعها لتقليص نفوذ جافيد خاتون حتى نجحت في ذلك، بعد حروب نسائية بين الطرفين، وبإقصاء جافيد خاتون التي سيطرت على الحرملك لسنوات، حق لصفية خاتون أن تخرج من جناحها الذي فرض عليها المكوث داخله لسنوات، وأن تدعي السيادة في دنيا الحرملك، لم تبدأ عهدها بالسماح عن منافساتها، بل عملت على الانتقام، فالمعروف عنها القسوة وحب التشفي، جنون السلطة يعميها وشبق القوة يدفعها، تخلصت سريعا من الجواري اللاتي دخلن على السلطان سابقا، أما من أنجبت من السلطان فأمرت بعزلهن في غرف بعيدة في أقصى الحرملك، بعيدا عن نظر السلطان، وضعت نظاما صارما تحكمت من خلاله في دخول الجواري إلى السلطان في جناحه الخاص، باختصار أحكمت صفية خاتون قبضتها على السلطان الضعيف والحرملك معا، وانتقمت من جميع أعدائها في الحرملك، وجاءت اللحظة التي شهدت بروز شمس نفوذ صفية خاتون في الدولة العثمانية، عندما تُوفي زوجها السلطان الضعيف مراد الثالث سنة 1595، وتعيين ابنها الأمير محمد سلطانا جديدا للبلاد، مع تلك اللحظة الفارقة أشرفت صفية خاتون على تنفيذ مذبحة بشعة.

صوقوللو[عدل]

يعد الصدر الأعظم محمد باشا صوقوللو أحد أهم الشخصيات التي ظهرت في التاريخ العثماني كله، إليه ينسب استمرار عظمة الدولة رغم رحيل السلطان سليمان القانوني، وتولى السلطان سليم زمام الأمور رغم ضعف شخصيته وقلة كفاءته، إليه وحده ينسب الفضل في تجنيب إسطنبول الدخول في طور الضعف والاضمحلال مبكراً جداً. ويرجع صوقوللو بأصوله إلى صقلية، وإليها ينسب، وتم خطفه وأخذ ضمن نظام «الدوشيرمة»، وضم إلى فرق الإنكشارية، حيث تلقى تعاليمه الأولية في ما يخص الدين الإسلامي وفنون الإدارة ومهارة الجندي العثماني، وانخرط سريعا في سلك الوظائف العثمانية، مظهراً براعة منقطعة النظير. ونال صوقوللو باشا ثناء السلطان سليمان القانوني الذي عينه ضمن وزراء الديوان (مجلس الوزراء)، وفي أواخر عهد القانوني أصبح الصدر الأعظم، وهو منصب حافظ عليه طوال عهدي السلطان سليم الثاني، والسلطان مراد الثالث، حتى مقتله، وفي منصب الصدر الأعظم نجح صوقوللو في حفر اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الدولة العثمانية، بعد أن نجح في إدارة الدولة العثمانية بمهارة منقطعة النظير. يحسب لصوقوللو حفاظه على هيبة الدولة العثمانية التي تركها السلطان سليمان القانوني في ذروة مجدها، ولم يجعل الضعف يزحف إلى إسطنبول رغم وجود سلطان ضعيف الشخصية كالسلطان سليم على رأس الدولة، واستطاع أن يحجم الأطماع الأوروبية في أملاك العثمانيين ويردع التقدم الإيراني صوب الأناضول، كما نجح في فتح جزيرة قبرص القريبة، والتي اتخذتها مدينة البندقية كمنصة هجوم. وبمقتل صوقوللو نتيجة مؤامرات القصر والديوان، فتحت أبواب الشر على الدولة العثمانية، فتزايد نفوذ «الحرملك»، وبدأت فعليا سلطنة «الحريم»، وكشرت الإنكشارية عن أنيابها، ولم تصادف السلطنة العثمانية شخصية في كفاءة صوقوللو لأكثر من 70 سنة حتى وصول آل كوبريلي إلى منصب الصدر الأعظم منتصف القرن السابع عشر.