ديوكسينات

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

الديوكسينات هي ملوّثات بيئية وهي تتميّز عن غيرها بانتمائها إلى "المجموعة القذرة"- وهي مجموعة من المواد الكيميائية الخطرة تُعرف بالملوّثات العضوية الثابتة. وتثير هذه المواد قلقاً بسبب قدرتها العالية على إحداث التسمّم. وقد بيّنت التجارب أنّ تلك المواد تؤثر في عدد من الأعضاء والأجهزة. وبإمكان الديوكسينات، بعد دخولها جسم الإنسان، من الاستحكام مدة طويلة بسبب استقرارها الكيميائي وسهولة امتصاصها من قبل النسيج الدهني حيث يتم تخزينها. ويتراوح نصف عمرها بين 7 أعوام و11 عاماً. أمّا في البيئة فإنّ الديوكسينات تتراكم في السلسلة الغذائية. والجدير بالذكر أنّ تركيزها يزيد كلّما اعتلينا في سلّم تلك السلسلة.

غالباً ما يُستخدم مصطلح "الديوكسينات" للإشارة إلى مجموعة المواد المتصلة من الناحيتين الهيكلية والكيميائية بمادتي ديبنزو بارا ديوكسين عديد التكلور وديبنزوفوران عديد التكلور. كما تندرج بعض مركبات بيفينيل عديد التكلور، التي تشبه الديوكسينات ولها الخصائص السامة ذاتها، ضمن مصطلح "الديوكسينات". وقد تم تحديد زهاء 419 نوعاً من المركبات ذات الصلة بالديوكسينات، غير أنّ ثمة 30 مركباً منها فقط يملك قدرة كبيرة على إحداث التسمّم، علماً بأنّ 2، 3، 7، 8-رباعي كلوروديبنزو بارا ديوكسين هو أكثرها سميّة.

مصادر التلوّث بالديوكسينات[عدل]

تنجم الديوكسينات، أساساً، عن منتجات العمليات الصناعية، وقد تنجم أيضاً عن العمليات الطبيعية، مثل حالات الثوران البركاني وحرائق الغابات. ويمكن أن تُطلق الديوكسينات من منتجات طائفة واسعة من العمليات الصناعية، بما في ذلك الصهر وتبييض عجينة الورق بالكلور وصناعة بعض مبيدات الأعشاب ومبيدات الهوام. وتمثّل أجهزة حرق النفايات (النفايات الصلبة ونفايات المستشفيات)، في غالب الأحيان، أكبر مسبّبات ذلك الإطلاق نظراً لعدم اكتمال عمليات الحرق فيها.

وعلى الرغم من أنّ تشكّل الديوكسينات يبقى عملية محلية، فإنّ توزيعيه في البيئة بات من الظواهر العالمية. فتلك المركبات موجودة في جميع أنحاء العالم وفي كل الأوساط تقريباً. وتُسجّل أعلى مستوياتها في بعض التربة والرواسب والأغذية، وبخاصة منتجات الألبان واللحوم والأسماك والمحار. أمّا المستويات المنخفضة فتُسجّل في النباتات والماء والهواء.

وهناك، على الصعيد العالمي، عدد كبير من مخازن الزيوت التي تحتوي على مركبات بيفينيل عديد التكلور،علماً بأنّ الكثير من تلك الزيوت يتضمن مستويات عالية من وديبنزوفوران عديد التكلور. والجدير بالذكر أنّ تخزين تلك المركبات أو طرحها بطرق غير سليمة قد يتسبّب في إطلاق الديوكسينات في البيئة وتلوّث الإمدادات الغذائية التي يستخدمها البشر والحيوانات. ولا يمكن التخلّص، بسهولة، من النفايات التي تحتوي على مركبات بيفينيل عديد التكلور دون التسبّب في تلوّث البيئة وإلحاق أضرار بالبشر. وعليه يجب معالجة تلك المواد بالطريقة التي تُعالج بها النفايات الخطرة، وأفضل طريقة للقيام بذلك هي حرقها في درجات حرارية عالية.

حوادث التلوّث بالديوكسينات[عدل]

تعمد بلدان كثيرة إلى رصد الديوكسينات في الإمدادات الغذائية. وقد مكّن ذلك من الكشف عن التلوّث في مراحل مبكّرة وإلى الحيلولة، في كثير من الأحيان، دون انتشار ذلك التلوّث على نطاق واسع. ومن الأمثلة على ذلك تمكّن السلطات المعنية، في هولندا في عام 2004، من عزي ارتفاع مستويات الديوكسينات في الحليب إلى صلصال استُخدم في إنتاج علف الحيوانات. ومن الأمثلة الأخرى الكشف، في هولندا في عام 2006، عن ارتفاع مستويات الديوكسينات في علف الحيوانات والتمكّن من عزي ذلك إلى دهون ملوّثة استُخدمت في إنتاج ذلك العلف.

والجدير بالملاحظة أنّ بعض حوادث التلوّث بالديوكسينات اكتست درجة أكبر من الأهمية وأدّت إلى حدوث آثار أوسع نطاقاً في كثير من البلدان.

ففي تموز/يوليو 2007 أصدرت المفوضية الأوروبية إنذاراً صحياً موجهاً إلى الدول الأعضاء فيها في أعقاب الكشف عن مستويات عالية من الديوكسينات في مضاف غذائي-صمغ الغار- يُستخدم كمثخّن بكميات صغيرة في اللحوم أو منتجات الألبان أو المنتجات الرهيفة. وتم عزي ذلك إلى تلوّث صمغ الغار المستورد من الهند بمركب خماسي الكلوروفينول، وهو أحد مبيدات الحشرات التي تحتوي على الديوكسينات ولم تعد تُستخدم الآن.

وتم، في عام 1999، العثور على مستويات عالية من الديوكسينات في لحوم الدواجن وإمدادات البيض المستوردة من بلجيكا. وتم، عقب ذلك، الكشف عن أغذية حيوانية المصدر ملوّثة بالديوكسينات (لحوم الدواجن والبيض ولحم الخنزير) في عدة بلدان أخرى. وتم عزي ذلك التلوّث إلى علف تعرّض لتلوّث بنفايات الزيوت الصناعية التي تحتوي على مركبات بيفينيل عديد التكلور.

وتم، في آذار/مارس 1998، عزي ارتفاع مستويات الديوكسينات في حليب بيع في ألمانيا إلى مكعبات لبّ الحمضيات المستوردة من البرازيل لأغراض تعليف الحيوانات. وأدّت عملية التحرّي إلى فرض حضر على جميع منتجات لبّ الحمضيات التي يستوردها الاتحاد الأوروبي من البرازيل.

وهناك حادثة أخرى من حوادث تلوّث الأغذية بالديوكسينات وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1997. فقد تعرّض الدجاج والبيض وأسماك السلور للتلوّث بتلك المواد عند استخدام عنصر تالف (صلصال البنتونيت، الذي يُدعى أحياناً "الصلصال الكروي") في صناعة علف الحيوانات. وتم عزي الصلصال الملوّث إلى أحد مناجم البنتونيت. وراهن القائمون على عملية التحرّي، بالنظر إلى عدم وجود أيّة بيّنات تثبت حرق نفايات خطرة في المنجم، على أنّ مصدر الديوكسينات قد يكون طبيعياً وناجماً، ربّما، عن احتراق الغابات في فترة ما قبل التاريخ.

وقد تسبّب حادث خطير وقع في أحد المصانع الكيميائية في سيفيزو بإيطاليا، في عام 1976، في تسرّب كميات كبيرة من الديوكسينات، إذ أدّى ذلك الحادث إلى انبعاث سحابة من المواد الكيميائية السامة، بما في ذلك 2، 3، 7، 8-رباعي كلوروديبنزو بارا ديوكسين، في السماء وإلى تلوّث منطقة تبلغ مساحتها 15 كيلومتراً مربّعاً وتؤوي 000 37 نسمة. ولا تزال الدراسات التي تُجرى في المنطقة المتضرّرة تكشف النقاب عن الآثار البشرية الطويلة الأجل التي تسبّب فيها ذلك الحادث. غير أنّ ما يعرقل تلك التحرّيات نقص العمليات المناسبة لتقييم التعرّض. كما تم الكشف عن ارتفاع طفيف في بعض أنواع السرطان وبعض الآثار على الإنجاب، ويجري الاضطلاع بمزيد من التحرّيات لتحديدها بشكل جيد. كما تتم دراسة الآثار المحتملة التي قد تلحق بأطفال أولئك الذين تعرّضوا للديوكسينات.

وتم إجراء دراسات واسعة لتحديد الآثار الصحية المرتبطة بوجود 2، 3، 7، 8-رباعي كلوروديبنزو بارا ديوكسين في بعض الدفعات من العامل البرتقالي (مبيد أعشاب)، الذي كان يُستخدم كمبيد لأوراق النباتات خلال حرب فييت نام. ولا زال يتم تحرّي الصلة القائمة بين ذلك المبيد وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن الصلة بينه وبين السكري.

وتم، قبل ذلك، الإبلاغ عن حوادث تلوّث الأغذية بالديوكسينات في مناطق أخرى من العالم. وتم الإبلاغ عن معظم حالات التلوّث، على الرغم من احتمال تضرّر جميع البلدان من تلك الظاهرة، في البلدان الصناعية التي تُتاح فيها إمكانيات رصد تلوّث الأغذية وإذكاء الوعي بالمخاطر ذات الصلة وتحسين عمليات التنظيم للكشف عن المشاكل المرتبطة بالديوكسينات.

كما تم الإبلاغ عن بضع حالات من التسميم البشري المتعمّد. وأبرز حادث من هذا النوع هو ذلك الذي تعرّض له الرئيس الأوكراني فيكتور يوتشينكو، في عام 2004، وأدّى إلى تشويه وجهه بالعدّ الكلوري .

آثار الديوكسينات على صحة الإنسان[عدل]

قد يؤدي تعرّض البشر على المدى المتوسط لمستويات عالية من الديوكسينات إلى إصابتهم بآفات جلدية ، مثل العدّ الكلوري أو اسمرار الجلد اللطخي، واختلال وظيفة الكبد. أمّا التعرّض لتلك الديوكسينات على المدى الطويل فيؤدي إلى حدوث اختلال في الجهاز المناعي والجهاز الصماوي وعرقلة تطوّر الجهاز العصبي والوظائف الإنجابية. وقد أدّى تعرّض الحيوانات بصورة مستمرة للديوكسينات إلى إصابتها بأنواع سرطانية مختلفة. وتم تقييم رباعي كلوروديبنزو بارا ديوكسين من قبل الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية في عام 1997. وتم، استناداً إلى البيانات الحيوانية وبيانات الوبائيات البشرية، تصنيف ذلك المركب من قبل الوكالة في خانة "المواد المعروفة التي تسبّب السرطان للبشر". غير أنّه لا يؤثر في المادة الجينية وهناك مستوى من التعرّض تكون مخاطر الإصابة بالسرطان دونه ضئيلة.

والجدير بالذكر أنّ لدى جميع الناس خلفية تعرّض للديوكسينات ومستوى معيّن منها في الجسم وذلك نظراً لانتشارها على نطاق واسع، ممّا يؤدي إلى ما يُسمى عبء الجسم. ومن غير المتوقّع، عموماً، أن يؤدي التعرّض للمستويات الطبيعية الراهنة إلى إلحاق أضرار بصحة البشر. غير أنّ من الضروري، بالنظر إلى ما يتسم به هذا الصنف من المركبات من قدرة عالية على إحداث التسمّم، بذل الجهود اللازمة بغية الحد من نسبة التعرّض الطبيعية الراهنة.

الفئات الفرعية الحسّاسة[عدل]

تُعد الأجنة أكثر الفئات حسّاسية للديوكسينات. وقد يكون المولود الجديد، الذي تشهد أعضاء جسمه نموّاً سريعاً، أكثر استضعافاً إزاء بعض الآثار المعيّنة. كما قد يتعرّض بعض الأفراد أو مجموعات الأفراد لمستويات أعلى من الديوكسينات بسبب نظامهم الغذائي (الأفراد الذين يستهلكون الأسماك بكثرة في بعض مناطق العالم) أو أنشطتهم المهنية (مثل العاملين في صناعة اللّب والورق وفي مصانع الترميد ومواقع النفايات الخطرة وغير ذلك).

الوقاية من التعرّض للديوكسينات والحد منه[عدل]

إنّ حرق المواد الملوّثة بالطرق السليمة هو أفضل وسيلة للوقاية من التعرّض للديوكسينات والحد منه. ويمكّن حرق تلك المواد أيضاً من التخلّص من الزيوت التي تحتوي على مركبات بيفينيل عديد التكلور. وتتطلّب عملية الحرق دراجات حرارية عالية، أي أكثر من 850 درجة سيلزيوس. وللتخلّص من كميات كبيرة من المواد الملوّثة قد تتطلّب تلك العملية درجات أعلى-1000 درجة سيلزيوس أو أكثر.

وأحسن طريقة للوقاية من تعرّض البشر للديوكسينات أو الحد منه هي تلك التي تتم باتخاذ تدابير تتوخى مصدر ذلك التعرّض، أي فرض رقابة صارمة على العمليات الصناعية للحد قدر الإمكان من تشكّل الديوكسينات. وتقع تلك المسؤولية على عاتق الحكومات الوطنية، ولكنّ هيئة الدستور الغذائي قامت، في عام 2001، اعترافاً منها بأهمية هذا النهج، باعتماد مدونة ممارسات لاتخاذ التدابير الرامية إلى الحد من تلوّث الأغذية بالمواد الكيميائية في المصدر (CAC/RCP 49-2001)، كما اعتمدت، في عام 2006، مدونة ممارسات للوقاية من تلوّث الأغذية والأعلاف بالديوكسينات ومركبات يفينيل عديد التكلور المشابهة للديوكسين، والحد منها (CAC/RCP 62-2006).

وتحدث أكثر من 90% من حالات تعرّض البشر للديوكسينات من خلال الإمدادات الغذائية، ومن خلال اللحوم ومنتجات الألبان والأسماك والمحار بالدرجة الأولى. وبناء عليه تصبح حماية تلك الإمدادات من الأمور الحاسمة الأهمية. ويشمل أحد الأساليب المنتهجة لضمان تلك الحماية، كما ذُكر آنفاً، اتخاذ التدابير للحد من إصدار الديوكسينات في المصدر. ولا بد من الحيلولة دون تلوّث الإمدادات الغذائية، مجدداً، على طول السلسلة الغذائية. ولا بد من انتهاج مبادئ المراقبة والممارسات السليمة أثناء عمليات الإنتاج الأوّلية وعمليات المعالجة والتوزيع والبيع لضمان إنتاج أغذية مأمونة.

ويجب وضع نُظم رصد تلوّث الأغذية لضمان عدم تجاوز المستويات التي يمكن تحمّلها. ومن الأدوار المنوطة بالحكومات الوطنية رصد سلامة الإمدادات الغذائية واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الصحة العمومية. وينبغي للبلدان، عند اشتباهها في وقوع حوادث تلوّث من هذا القبيل، امتلاك خطط للطوارئ تمكّن من تحديد الأعلاف والأغذية الملوّثة وحجزها والتخلّص منها. كما ينبغي فحص الفئات السكانية التي تتعرّض لها من حيث درجة التعرّض (مثل قياس الملوّثات في الدم أو الحليب البشري) والآثار المترتبة عليه (مثل الترصد السريري للكشف عن علامات اعتلال الصحة).

اقرأ أيضاً[عدل]

المراجع[عدل]