مسألة العموميات

مسألة العموميات هي مسألة قديمة من الميتافيزيقا ألهمت عددًا من المواضيع والجدالات الفلسفية: «هل يجب اعتبار أن الخصائص التي يشترك بها شيء ما مع أشياء أخرى، مثل اللون والشكل، موجودة خارج هذه الأشياء؟ حال وُجدت الخصائص بصورة مستقلة عن الأشياء، فما طبيعة وجودها؟».[1]
ترتبط مسألة العموميات بأسئلة عديدة ترتبط بصورة وثيقة بالميتافيزيقا والمنطق والإبستمولوجيا، وتعود حتى أفلاطون وآرسطو، في جهود لتعريف الصلات الذهنية التي يقوم بها البشر لدى فهم خاصية مثل الشكل أو اللون أنها ذاتها في أشياء غير متطابقة.[2]
العموميات هي كيفيات أو علاقات توجد في كينونتين أو أكثر.[3] مثلًا، إن كانت كل قواعد الكؤوس دائرية بطريقة ما، فإن الدائرية قد تعد خاصية عمومية لقواعد الكؤوس. أيضًا، حال اعتبرت ابنتان ذرية نسائية من فرانك، فإن خصائص كون المرء أنثى وذرية فرانك هي خصائص عمومية للابنتين.[4] يمكن للعديد من الخصائص أن تكون عمومية: إنسان أو أحمر أو ذكر أو أنثى أو سائل أو صلب أو كبير أو صغير ونحو ذلك.[5]
يتفق الفلاسفة على أنه يمكن للبشر الحديث والتفكير بالعموميات، لكنهم يختلفون حول إذا ما كانت العموميات توجد في الواقع وخارج مجرد التفكير والكلام.
الفلسفة القديمة
[عدل | عدل المصدر]تعد مسألة العموميات قضية مركزية في الميتافيزيقيا التقليدية ويمكن اقتفاء أثرها إلى فلسفتي أفلاطون وآرسطو، لا سيما في محاولتهما لتفسير طبيعة الأشكال وحالتها. استكشف هذان الفيلسوفان المسألة عبر الإسناد.[6]
أفلاطون
[عدل | عدل المصدر]كان أفلاطون يرى أنه يوجد تمييز حاد بين عالم الأشياء القابلة للإدراك وعالم العموميات أو المثل (الإيديوس): يمكن للمرء أن يمتلك مجرد آراء حول الأول، لكنه يمتلك معرفة حول الثاني. بالنسبة لأفلاطون، لم يكن ممكنًا امتلاك معرفة حول أي شيء يمكن أن يتغير أو كان محددًا، نظرًا إلى أنه كان يجب دائمًا أن تكون المعرفة ثابتة وعامة.[7] لذلك، عالم المثل هو العالم الفعلي، مثل ضوء الشمس، في حين أن العالم العملي لا يكون حقيقًا إلى جزئيًا أو بشكل غير كامل، مثل الظلال. إلا أن الواقعية الأفلاطونية تختلف في إنكارها أن المثل الأبدية هي من صنع ذهن الإنسان بصورة حادة عن المثل الحديثة للمثالية.
أحد أوائل الانتقادات العمومية لواقعية أفلاطون كانت من ديوجانس الكلبي، الذي قال «لقد رأيت كؤوس وطاولات أفلاطون، لكني لم أر دائريته وطاوليته».[8]
أرسطو
[عدل | عدل المصدر]خالف أرسطو تلميذ أفلاطون معلمه. حول آرسطو مُثل أفلاطون إلى «العلل الأربع»، التصميم أو الجوهر للأشياء الفردية. وفي حين مجد أفلاطون الهندسة الرياضية، فقد شدد أرسطو على الطبيعة والعلوم المرتبطة بها، ولذا يتعلق جزء كبير من فكره بكائنات حية وخصائصها. لذلك فإن طبيعة العموميات في الفلسفة الأرسطية تعتمد على نظرته للأنواع الطبيعية. وعوضًا عن تصنيف الكائن وفقًا لبنية فكره، فقد اقترح أن يتوجه التحليل التصنيفي إلى بنية العالم الطبيعي. واستخدم مبدأ الإسناد في كتابه المقولات، الذي ذكر فيه أن المصطلحات العمومية متضمنةً ضمن علاقة إسناد حال صمود بعض الحقائق التي عبرت عنها جمل عادية.[9]
في كتابه عن التفسير، يشرح أرسطو أن ما هو «عمومي» هو الشيء الذي قد يكون مسندًا لعدة عموميات، في حين أن ما هو «مفرد» لا يمكن أن يكون كذلك. مثلًا، الإنسان عمومي، في حين أن كالياس مفرد، كلاهما عموميان (مثلًا جنس مثل «حيوان» و\أو نوع مثل «إنسان»)، والمفردات قد تكون مسندة لإنسان فرد (مثلًا كالياس هو في الآن نفسه إنسان وكالياس). افترض الفيلسوف أن ما هو أكثر عمومية هو أيضًا أكثر حقيقية، لنأخذ، مثلًا، إحدى شجرات السنديان. هذه الشجرة عضو ضمن نوع، وهي تمتلك الكثير مما هو مشترك مع أشجار السنديان الأخرى، في الماضي والحاضر والمستقبل. عموميتها، أي بصفتها سنديان، جزء منها، على هذا فإنه بوسع المرء أن يدرس أشجار السنديان وأن يعرف عن «كونها سنديانًا»، أجمالًا، حول النظام الواضح ضمن العالم المادي. وفقًا لذلك، كان أرسطو أكثر ثقة من أفلاطون حول إمكانية معرفة العالم المادي، وكان تجريبيًا أوليًا ومؤسسًا للاستقراء. كان أرسطو نوعًا جديدًا ومعتدلًا من الواقعيين حول العموميات.[10]
فلسفة العصور الوسطى
[عدل | عدل المصدر]بويثيوس
[عدل | عدل المصدر]دخلت المسألة إلى العالم المادي من طريق بويثيوس (480 – 524 تقريبًا)، من خلال ترجمته إيساغوجي الذي كان فرفوريوس الصوري قد ألفه. يبدأ الكتاب بـ :
«لن أتحدث عن الأصناف والأنواع، وإذا ما كانت موجودة فعليًا (في طبيعة الأشياء) أو مجرد تصورات وحسب، وأيضًا حال وجدت، فإنها أجسام أو أرواح، وإذا ما كانت منفصلة عن الماديات أو فيها، وتوجد حولها، فأطروحة كهذه عميقة بشدة، وتتطلب تحقيقًا آخر أشمل».[11]
يقول بويثيوس، في تعليقاته على الترجمة المذكورة، أن العموميات، حال وجودها، يجب أن تنطبق على العديد من المحددات تمامًا. ويحدد أيضًا أنها تنطبق متزامنةً في الوقت ذاته وليس في تعاقب زمني. ويرى أنها لا يمكن أن تكون مستقلة عن العقل، أي لا يمكن أن يكون لها وجود فعلي، لأنه لا يمكن أن تكون خاصية ما في الوقت نفسه شيئًا ومشتركًا بين العديد من المحددات بطريقة تشكل جزءًا من مادة المحدد، إذ إن ذلك سيكون عندئذ عمومية وخصوصية. إلا أنه يقول أيضًا إن العموميات لا يمكن أن تكون أيضًا من العقل، نظرًا إلى أن البناء الذهني لخاصية ما هو تجريد وفهم لشيء خارج العقل. وتوصل إلى نتيجة: إما أن هذا التمثيل فهم صحيح للخاصية، وهي الحالة التي نعود معها إلى المسألة الأقدم التي واجهها من يؤمنون بأن العموميات حقيقية، وإما -حال لم تكن التجريدات الذهنية فهمًا صحيحًا- أن «ما يفهم بصورة تختلف عن الشيء يكون زائفًا».
حل هذه المسألة هو ذكر أن العقل قادر على الفصل الذهني لما لا يكون بالضرورة قابلًا للفصل في الواقع. ويستشهد –مثلًا- بقدرة العقل البشري على تجريد المحددات الملموسة. ويتجنب ذلك، وفقًا لبويثيوس، إشكالية العموميات الأفلاطونية الموجودة في العالم الفعلي، بل يتجنب أيضًا إشكالية كونها بنى صرفة للعقل إذ إن العموميات هي ببساطة تفكير العقل في المحددات بطريقة عامة مجردة. ويركز افتراضه على مشكلات تخلقها اللغة. أصر بويثيوس أن بناء اللغة يتطابق مع بناء الأشياء وأن اللغة تبني ما يعتبره هدرًا فلسفيًا لروايات متناقضة ومشوشة عن طبيعة الأشياء. ولتوضيح وجهة نظره هذه، فلنفترض أنه رغم أن العقل لا يستطيع التفكير برقم 2 أو رقم 4 عددين فرديين، لأن ذلك سيكون تمثيلًا زائفًا، فهو يستطيع التفكير برقم زوجي لا يكون الرقم 2 ولا الرقم 4.[12]
المواضع
[عدل | عدل المصدر]
وبوجه عام تعد المواقف الرئيسية حول هذه القضية: الواقعية، والاسمية، والمثالية (تسمى أحيانًا «اللاواقعية» بخصوص العموميات).[13]
الواقعية
[عدل | عدل المصدر]تدعي مدرسة الواقعية أن العموميات حقيقية - فتوجد وتتميز عن الخصوصيات التي تمثلها. فهناك أشكال مختلفة من الواقعية. وتعد الواقعية الأفلاطونية (universalia ante res) وواقعية أرسطو (universalia in rebus) الشكلين الرئيسيين من أشكال الواقعية.[14] الواقعية الأفلاطونية هي الرأي بأن العموميات كيانات حقيقية وأنها توجد مستقلة عن الخصوصيات. وعلى الجانب المقابل، ترى واقعية أرسطو، أن العموميات كيانات حقيقية، إلا أن وجودها يعتمد على الخصوصيات التي تعد مثالاً عليها.
يميل الواقعيون إلى القول أن العموميات يجب طرحها ككيانات متميزة حتى تفسر ظواهر متنوعة. فعلى سبيل المثال، فإن البرهان الواقعي الشائع الذي يوجد في نظرية أفلاطون وهو أن العموميات ضرورية لكلمات عامة معينة حتى يكون لها معنى وللجمل التي توجد بها حتى تكون صحيحة أو خاطئة. خذ جملة «جيفان جاسباريان موسيقي». فقد يدعي الواقعي أن هذه الجملة لا تؤدي أي معنى أو تحمل أي حقيقة إلا إذا كان الفرد، جيفان جاسباريان، الذي يتسم بصفة معينة، موسيقي. ولذلك، يفترض أن الصفة عمومية تتميز عن الفرد المعين الذي يحمل هذه الخاصية (ماكلويد وروبنشتاين، عام 2006، 1ب)
الاسمية
[عدل | عدل المصدر]يؤكد أصحاب الاسمية أن الأفراد فقط أو الخصوصيات هي التي توجد وأنكروا أن العموميات حقيقية (أي أنها توجد بوصفها كيانات أو كائنات). يشتق تعبير «الاسمية» من الكلمة اللاتينية nomen («اسم»)، نظرًا لأن الفيلسوف الاسمي يوافق على إسناد نفس الخاصية إلى كيانات متعددة ولكنه يقول أن هذه الكيانات لا تشترك سوى في اسمها وليس الصفة الحقيقية. وهناك أشكال متعددة من الاسمية (والتي يشار إليها في بعض الأحيان بالإنجليزية باسم "terminism")، والأشكال الرئيسية الثلاثة لها هي اسمية التشابهة، والتصورية، والاسمية المجازية. وقد أيد الاسمية ودافع عنها العديدون، بمن فيهم وليام الأوكامي، وبيتر أبيلارد، وويليامز (1953)، وديفيد لويس] (1983)، وكذلك برايس (1953) وكواين (1961).
كثيرًا ما يدافع الاسميون عن منظورهم بادعاء أن الاسمية يمكنها تفسير جميع الظواهر ذات الصلة - باستخدام موس أوكام أو أحد مبادئ البساطة- ولذلك فإن الاسمية هي الأفضل، لأنها تفترض أقل الكيانات. وتعد قضية ما إذا كانت الاسمية يمكنها تفسير جميع الظواهر ذات الصلة محل نقاش كبير.
انظر أيضًا
[عدل | عدل المصدر]- الأشياء المجردة
- نظرية الحزمة
- التصورية
- الاسمية
- شيء (فلسفة)
- فلسفة الرياضيات
- شكل أفلاطوني
- صفة[15]
- واقعية (فلسفة)
- كلي (ما وراء الطبيعة)
- كلي (فلسفة)
ملاحظات
[عدل | عدل المصدر]- ↑ Moreland، J.P. (2001). Universals. McGill-Queen's University Press. ISBN:0773522697.
- ↑ Klima، Gyula (2017). "The Medieval Problem of Universals". في Zalta، Edward N. (المحرر). The Stanford Encyclopedia of Philosophy (ط. Winter 2017). Metaphysics Research Lab, Stanford University. اطلع عليه بتاريخ 2019-02-26.
- ↑ Rodriguez-Pereyra، Gonzalo (2002). Resemblance Nominalism: A Solution to the Problem of Universals. New York: Oxford University Press. ص. 214. ISBN:978-0-19-924377-8.
- ↑ Loux (1998), p. 20; (2001), p. 3
- ↑ Loux (2001), p. 4
- ↑ Stamos، David N. (2003). The Species Problem: Biological Species, Ontology, and the Metaphysics of Biology. Lanham, MD: Lexington Books. ص. 8. ISBN:0-7391-0503-5.
- ↑ MacLeod & Rubenstein (2006), §1b.
- ↑ Davenport، Guy (1979). Herakleitos and Diogenes. Translated by Guy Davenport. Bolinas: Grey Fox Press. ص. 57. ISBN:0-912516-35-6.
- ↑ Cocchiarella، Nino B. (2007). Formal Ontology and Conceptual Realism. Dordrecht: Springer Science & Business Media. ص. 14. ISBN:978-1-4020-6203-2.
- ↑ Berchman، Robert؛ Finamore، John (2013). Studies on Plato, Aristotle and Proclus: The Collected Essays on Ancient Philosophy of John Cleary, Volume 15. Leiden: BRILL. ص. 364. ISBN:978-90-04-23323-2.
- ↑ Porphyry. "Porphyry, Introduction (or Isagoge) to the logical Categories of Aristotle (1853) vol. 2. pp.609-633". www.tertullian.org. مؤرشف من الأصل في 2025-08-11.
- ↑ Sweeney، Eileen (2016). Logic, Theology and Poetry in Boethius, Anselm, Abelard, and Alan of Lille: Words in the Absence of Things. New York: Palgrave Macmillan. ص. 9–10. ISBN:978-1-349-73540-2.
- ↑ MacLeod & Rubenstein (2006), §3.
- ↑ Price (1953), among others, sometimes uses such Latin terms
- ↑ Qualia and the Problem of Universals - PhilSci-Archive نسخة محفوظة 29 أغسطس 2016 على موقع واي باك مشين
مراجع وكتابات أخرى
[عدل | عدل المصدر]- Armstrong, David (1989). Universals, Westview Press.
- Bacon, John (2008). "Tropes", The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward N. Zalta (ed.). (link)
- Cocchiarella, Nino (1975). "Logical Atomism, Nominalism, and Modal Logic", Synthese.
- "Five Texts on the Mediaeval Problem of Universals: Porphyry, Boethius, Abelard, Duns Scotus, Ockham" (1994), Paul Vincent Spade (ed., transl.), Hackett Pub Co Inc.
- Feldman, Fred (2005). "The Open Question Argument: What It Isn't; and What It Is", Philosophical Issues vol. 15. [وصلة مكسورة]
- Klima, Gyula (2008). "The Medieval Problem of Universals", The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward N. Zalta (ed.). (link)
- Lewis, David (1983). "New Work for a Theory of Universals", Australasian Journal of Philosophy.
- Loux, Michael J. (1998). Metaphysics: A Contemporary Introduction, N.Y.: Routledge.
- Loux, Michael J. (2001). "The Problem of Universals" in Metaphysics: Contemporary Readings, Michael J. Loux (ed.), N.Y.: Routledge, pp. 3–13.
- MacLeod, M. & Rubenstein, E. (2006). "Universals", The Internet Encyclopedia of Philosophy, J. Fieser & B. Dowden (eds.). (link)
- Moreland, JP. (2001). "Universals." Montreal: McGill-Queens University Press.
- Price, H. H. (1953). "Universals and Resemblance", Ch. 1 of Thinking and Experience, Hutchinson's University Library.
- Quine, W. V. O. (1961). "On What There is," in From a Logical Point of View, 2nd/ed. N.Y: Harper and Row.
- Rodriguez-Pereyra, Gonzalo (2008). "Nominalism in Metaphysics", The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward N. Zalta (ed.). (link)
- Russell, Bertrand (1912). "The World of Universals," in The Problems of Philosophy, Oxford University Press.
- Swoyer, Chris (2000). "Properties", The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward N. Zalta (ed.). (link)
- Williams, D. C. (1953). "On the Elements of Being", Review of Metaphysics, vol. 17.