جعفر الخليلي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
Arwikify.svg يرجى إعادة صياغة هذه المقالة باستخدام التنسيق العام لويكيبيديا، مثل إضافة الوصلات والتقسيم إلى الفقرات وأقسام بعناوين. (يناير_2012)

ولد جعفر بن الشيخ أسد بن الملا علي الخليلي في النجف في العام 1322هـ-1904م، وهو سليل أسرة علمية معروفة، تولت الزعامة الدينية والعلمية في النجف، كما أن لها إلماماً كبيراً بفنون الطب اليوناني والشعبي القديم، وكان جعفر أصغر اخوته، يكبره ثلاث أخوات وأخوه عباس الذي كان مقرباً هو وجعفر من والدهما الذي شجعها على رفع الكلفة بينه وبينهما مما لم يكن عرفاً مألوفاً بين الآباء والأبناء في مجتمع النجف عندئذ، وكان عباس يناقش أباه بحرية، بل كان يذهب إلى تصحيح بعض الأخطاء اللغوية متى وقع عليها في شعر أبيه، وكان جعفر يعزو إلى والده وأخيه الأكبر عباس وضع الأساس الجوهري لسلامة لغته، وحين كان في الرابعة من عمره، درس في الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالمدرسة العلوية الأهلية التي هي مدرسة وسطى بين الابتدائية والثانوية؛ وقد فتحت هذه المدرسة في العام 1908م في السنة نفسها التي فتحت فيها المدرسة الجعفرية في بغداد، وكانت هذه المدرسة في بغداد أول مدرسة تدخل الأنظمة الحديثة واللغات الأجنبية بل التدريب العسكري للبنين، وصارت المدرسة الجديدة في النجف كمثيلتها في بغداد مركزاً ثقافياً مهماً للموضوعات الحديثة؛ وكان الطلاب في أعياد ومواسم معينة يرتدون الزي الأوربي الحديث ناسجين في ذلك على منوال طلاب الجعفرية في بغداد، كما كانت أقرب ما تكون إلى المنتدى السياسي، لذا نجد بعض خريجي المدرسة العلوية في النجف أصبحوا من زعماء الثورة العراقية الكبرى في عام 1920م. وهكذا أتيح للخليلي أن يدرس اللغات الأجنبية كالإنكليزية والفرنسية فضلا عن التركية والفارسية، وكان أحد أساتذته خريجاً في جامعة السوربون، ولكنه لم يحفظ إلا بعض العبارات الأجنبية من دون أن يتقن هاتين اللغتين.

جرّب كتابة الشعر، وهو ما زال في الثامنة من عمره تلميذاً في الابتدائية وحدث أن زميلا له في الصف نفسه وشى به قائلا للمعلم: (إن جعفراً يكتب في دفترة ما ليس من صميم الدرس) ولكن المعلم أثنى على جعفر وشجعه على المضي في الكشف عن موهبته التي كانت نتيجة طبيعية للبيت الذي نشأ فيه. وازداد شغفه بالقراءة والأدب، إذ إن في داره مكتبة عامرة بكتب الأدب وفنونه والتاريخ، ويذكر أن من أوائل الكتب التي قرأها كتاب (زهر الربيع) للسيد نعمة الله الجزائري وكتاب (أنوار الربيع في أنواع البديع) للسيد علي خان المدني الحسيني. ولم تقتصر قراءاته على العربية وحدها، إذ إنه قرأ بالفارسية دواوين سعدي وحافظ، ووقع على قصص (الديكاميرون) لبوكاشيو الإيطالي الذي اختار منها قصصاً وأدرجها في مجموعته القصصية (مجمع المتناقضات). ويرجع شغف الخليلي بالقصص إلى ما في القرآن الكريم وكتب التاريخ والعقائد من قصص تروى عن الأنبياء والأئمة والصالحين، ومن أوائل المجلات التي قرأها كانت (المقتطف) و(الهلال) و(العرفان) التي كان أخوه عباس يقدمها إليه. كتب جعفر الخليلي أول قصة له في سن السابعة عشرة وعنوانها (التعساء) ونشرها في العام 1921م وهي قصة مطولة. وفي العام 1923م نقل من المدرسة الابتدائية التي درّس فيها مدة قصيرة في النجف إلى مدرسة ابتدائية في الحلة، وهنا بدأت خبرته الصحفية أول مرة، إذ أصدر مع بضعة أصدقاء جريدة أدبية، ومن ثم أصبح مدرساً في المدارس المتوسطة والإعدادية في النجف بمادتي التاريخ والجغرافية، وعمل مراسلا صحفياً في جريدتين بغداديتين هما (العراق) لرزوق داود غنام، و(الاستقلال) لعبد الغفور البدري اللتان ظهرتا في النصف الثاني من العام 1920م.

وفي العام 1926م ساعد الخليلي الشيخ عبد المولى الطريحي في تحرير جريدة (الحيرة) النجفية التي ظهرت في الشهر الأول من عام 1927م، وبعد تمرسه في الصحافة واكتسابه الخبرات التي تؤهله، أصدر في العام 1929-1930م صحيفته الأولى واسمها (الفجر الصادق) التي كانت تصدر في ثماني صفحات كل أسبوع وعاشت ثلاثين أسبوعاً. وفي العام 1934م أصدر جريدته الأسبوعية الثانية (الراعي) التي توسعت إلى اثنتي عشرة صفحة وكان شعارها المعلن (لسان حال اليقظة الفكرية في النجف وما حواليها)، ولكن الحكومة سحبت رخصة الجريدة بعد سنة واحدة بتهمة اتصال الخليلي بسياسيين غير مرغوب فيهم، وهم أشخاص قال عنهم الخليلي: (إنه لم يقابلهم إلا بعد هذا الحادث بسنوات طويلة). وبعد هذا الحادث، طلّق الخليلي السياسة متجهاً إلى الأدب مصدراً مجلة (الهاتف) في العام 1935م. وكانت هذه المجلة منبراً حراً لأفكار الشباب النجفي، وإلى الآن هناك شارع في النجف يطلق عليه اسم (شارع الهاتف) نسبة إلى هذه المجلة.

وفي النصف الأخير من الثلاثينيات وفي الأربعينيات كلها، انهمك في الصحافة وكتابة القصة وأنجز قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها عدداً من المجموعات القصصية، وعانى كثيراً من أجل الاستمرار في نشر مجلته (الهاتف) بسبب الحرب العالمية وما رافقها من أزمات مادية وعقبات كثيرة. في العام 1948م انتقل الخليلي إلى بغداد ناقلاً معه مطبعته، وواصل فيها نشر مجموعاته القصصية ودراساته العديدة.

وبعد إغلاق (الهاتف) في العام 1954م بقي الخليلي عامين لم ينشر شيئاً، غير أنه أصدر في العام 1956م ثلاثة كتب هي: (هؤلاء الناس)، و(كنت معهم في السجن)، و(التمور العراقية قديماً وحديثاً). وكان كتابه (هؤلاء الناس) آخر مجموعة قصصية له. ولكنه منذ أواخر الخمسينيات اختفى تقريباً من مجال الحياة العامة والأدب حتى أوائل الستينيات التي بقي بعدها الخليلي يواصل الكتابة والنشر والتحرير والتقديم للكتب وحضور الندوات والمهرجانات الأدبية في القطر وخارجه حتى وافاه الأجل في دبي يوم الأحد 12 جمادى الأولى 1405هـ المصادف 3/2/1985م ودفن هناك، بعد أن ترك لنا مؤلفات ثرة بين قصص ودراسات ومذكرات ومقدمات لكتب وترجمات، وكان محرراً في موسوعة العتبات المقدسة التي بذل فيها جهداً كبيراً جداً.

ب- عن فنه القصصي:

يعد الخليلي من رواد الفن القصصي في العراق، إذ ينتمي إلى الرعيل الأول من القصاصين العراقيين الذين ثبّتوا أركان هذا الفن بعرقهم وجهدهم. إذ إن أول قصة مطولة نشرها الخليلي كانت في بدايات عشرينيات القرن. ويعد الباحثون في القصة من مؤرخين ونقاد الخليلي نسيجاً في القصة العراقية وحده، فاتجاهه يميزه من بين القصاصين ولا يقربه من كتاب القصة في العراق في شيء.

يتجلى تأثير الأدب العربي القديم والقصص الشعبي، وهذا التأثير غير ظاهر الملامح، وإنما يطل علينا في هذا الروح العام الذي يسود قصصه، فيحس القارئ أجواء القصص الشعبي وأسلوبه. فالقاص يقدم ضرباً من الحكايات الشعبية المنتشرة بين الناس عارضاً فيها معتقدات العامة، تلك المعتقدات التي رسخت في الأذهان نتيجة تغرير الدجالين، أو لسوء فهم شرائع الدين، وللجهل المسيطر على العقول من عهد قريب (العهد العثماني). فغدا الإيمان بالسحر، وظهور الجن بين الناس عقيدة ملازمة، خلّفت أسوأ الآثار في حياة الناس، أو يقدم الخليلي مزيجاً من الخواطر الانتقادية والصور والذكريات. يسوقها بأسلوب طليّ يشد القارئ، ويخضع فنه لخصائص الأسلوب الصحفي الذي يتصف به.

فمجاميعه القصصية مملوءة بالمواقف الحياتية الواقعية التي يصورها تصويراً فنياً دقيقاً، فيها كثير من الصور الساخرة الحيّة التي يغلب عليها روح الفكاهة والتسلية، ولا تخلو من نقدات لاذعة قد تخلص إلى العبرة والنصيحة. ويعنى الخليلي في قصصه كثيراً بتفاصيل الصورة التي يرسمها، أو الفكرة التي يريد عرضها، وكثيراً ما ينهيها بمفاجأة تحس لها طعماً لاذعاً، فقصّته تمتاز بسهولة وبساطة في الحبك، وانسياق مع الطبع، وأبطال مجموعاته في الغالب من الطبقة الفقيرة، أو من طلاب العلم في المدارس الدينية، وطريقته في تقديم الأبطال أنه يصفهم وصفاً دقيقاً يمهد فيه لفهم تصرفاتهم ونزعاتهم.

لقد ترك الخليلي أثره في عدد ليس قليلا من كتاب القصة الذين وجدوا في مجلته (الهاتف) ترحيباً لنشر نتاجهم في أواخر الثلاثينيات حتى الخمسينيات، منهم: ضياء سعيد، وجعفر صادق الخليلي، وحسن الجواهري، ومهدي الموسوي، حتى ألّفوا ما أطلق عليه الدكتور عبد الإله أحمد في كتابه (الفن القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية): (الاتجاه النجفي في القصة).

وأخيراً فالخليلي يختط طريقاً خاصاً في الكتابة الشعبية التي تمزج النقد الاجتماعي بالفكاهة القائمة على حسن بالمفارقة الحياتية والعادات والتقاليد من دون أن تخلو كتاباته من نقد مبطن لأجهزة الحكم آنذاك، والمتنفذين اجتماعياً والمستفيدين من سيادة بعض الأعراف. إذ تميز بالسرد القصصي الذي يقرب من الأدب المحكي من دون ترتيب سابق أو حذر فني، ومن دون إفادة واضحة من أصول السرد الحديث، لكنه كان صياد مفارقات اجتماعية بارعاً، وصاحب حكايات عن شرائح حياتية لا يمكن تجاوزها مطلقاً في تاريخ الأدب العراقي المعاصر.

ج- عن المرأة

صوّر الخليلي في قصصه المرأة، أماً وبنتاً وأختاً وحبيبةً وزوجاً، لكننا لا نستطيع أن نبلور رأياً خاصاً عن المرأة في أدبه القصصي؛ لكنه ـ كما مرّ سابقاً ـ قصاص يهتم بالواقع وبشرائحه الاجتماعية إذ إنه يتميز بالتقاط غير المألوف، والنماذج الشعبية التي تتخذ من التقاليد والعلاقات الاجتماعية نظاماً لحياتها، ومنهجاً في فكرها وممارستها. لكن قولنا السابق أن القصة العراقية منذ نشأتها زامنت الدعوة إلى التطور، واليقظة الفكرية ينطبق على القصاص الخليلي، وإحدى هذه الدعوات التي اهتمت بها القصة هي الدعوة إلى تغيير وضع المرأة الاجتماعي نحو الأفضل فالأفضل، حيث كانت حرية المرأة موضوعاً لأولى القصص العراقية في العشرينيات، ومن ضمنها قصص الخليلي، وإن كانت لم تحفل بهذا الموضوع بشكل يوازي اهتمام القصاصين العراقيين الآخرين كذي النون أيوب، وعبد الحق فاضل، والسبب في ذلك يعود إلى بيئة النجف الخاصة.

ففي روايته القصيرة (الضائع) نراه ناقداً لقسوة الأب على أسرته، واستعماله لسلطته الأبوية بشكل متعسف إن كان على زوجه أو أطفاله، مما يضطر ابنه إلى الهرب من داره وتطوافه بأنحاء العراق، ومن ثم مرافقته أحد الدراويش والسفر إلى الشرق، ونجده في قصته (جناية الطمع) باحثاً عن الأسباب التي تجعل من المرأة سلعة تباع وتشترى من دون أن يحمل رأيها على محمل الجد، فهو يصوّر في هذه القصة الطبقة المفرطة في فقرها، وهي طبقة العمال المهاجرين الذين لا يجدون عملا إلا عند الحصاد، فراويه القصة ينتمي إلى هذه الطبقة التي تقضي حياتها بالدّين وبالفقر المدقع، وبإيفاء الدين المترتب عليهم، بل إن الفقر أملى عليه أسلوب الزواج، فقضى عليه بأن يتزوج ابنة عمه في حين تزوج ابن عمه من شقيقته، وبهذه الكيفية اقتسمت الأسرتان الدار الصغيرة التي ورثتاها، وبقيت بذلك سليمة، بيد أن الديون المتراكمة حملت ابن عمه على بيع حصته من الدار فقوبل ذلك بمعارضة عنيدة، ونكاية به عمد ابن عمه إلى تطليق زوجته (أي شقيقة الراوي) فيقول: (جاءتني أختي، ومعها أطفالها، وكانت شديدة المرارة تبكي بكاء متصلا.

وقالت: إن زوجها مجرد حيوان متوحش، ولم تكن ناقمة على زوجها وحده، بل كانت ناقمة عليّ أيضاً بسبب طمعي الشديد، وامتناعي عن الموافقة على السماح لزوجها ببيع حصته في المنزل! لقد كان ذلك قمة القسوة، ولكن ماذا ينبغي لي أن أفعل؟ أتظن ولو لحظة واحدة إنني بلا شعور أو انفعال؟… فلم يكن أمامي إلا أن أواجه خصمي بنفس الأسلوب الذي واجهني به، فأعدت زوجتي إلى بيت أخيها، وسلمتها وثيقة الطلاق، ودقّة بدقّة!.

نلاحظ هنا وفي قصص أخرى، أن القصاص الخليلي ينظر إلى قضية المرأة ووضعها الاجتماعي من زاويتي نظر: الأولى خارجية تخص المجتمع برمته، وهي تحسين الوضع الاقتصادي ومن ثم الاجتماعي للإنسان بوساطة توفير فرص العمل المتساوية وبحسب الكفاءة، وكذلك النظر إلى المرأة بخاصة، إذ يؤكد كثيراً تعليمها وإخراجها من حالة الجهل لكي تعي ذاتها، وتسهم في بناء مجتمعها وترقيه.

ونصادف في قصته (من الجرائم الشائعة) وهي القصة السابعة عشرة في مجموعته القصصية (اعترافات) كثيراً من متاعب الزواج والطلاق ومرارتهما، فبعد كثير من البحث يهتدي أب وأم إلى الفتاة المناسبة لتكون شريكة حياة ابنهما في الزواج، ويقتضي الأمر إقناع أسرة الفتاة، وحملها على الموافقة على هذا الزواج قبل اتخاذ القرار النهائي في شأنه، ولم يكد الشاب يعقد قرانه حتى ملّ زوجته، وتزوج سراً من أخرى، حتى إذا شاع خبر زواجه الثاني، عنّفه والداه أشد تعنيف، فقرر بإلحاح والديه طلاق زوجه الثانية، واسترداد زوجه الأولى من دون أن تعرف السعادة الحقيقية طريقاً إلى أيهما. وهنا نرى القاص معنياً عناية خاصة بالوسط والبيئة الذين لم يسمحا بإعطاء المرأة رأيها في اختيار شريك حياتها الذي تبقى راضخة لظلمه ومزاجه المتقلب من دون أن تحرك ساكناً في ذلك.

وهكذا نجد الخليلي ناقداً لاذعاً للعلاقات الاجتماعية المتخلفة التي لا تخلق الجو المناسب أمام ذوي الشأن، فعوضاً عن أن يتمتع الشباب بحرية اتخاذ قرارهم، نراهم مضطرين إلى الإذعان لحكم من يكبرونهم، وهو موقف كثير الشيوع.

إن أسلوب الخليلي الصحفي التصويري جعل قصصه تتميز بصفات عارضة عابرة، بدلا من أن تتميز بالاستبصار والتحليل، لذا لم تمنحنا قصصه ـ للأسف ـ الفرصة الكافية لاستخلاص رأيه الكامل في قضية المرأة، لكنه مع ذلك، تبقى لقصصه تلك الفتنة الخاصة التي تشعّ منها فتنة الواقع، والصدق في تصويره، وفتنة الموقف الإنساني الصادق بما فيه من فرح وحزن، وادعاء وتواضع، وهزل وأسى؛ ليتجلى على مسرح صغير لعالم منطو على ذاته، استطاع الخليلي أن يتغلغل بحرية ومغزى إلى أسباب الصراع التي تحكم هذه البيئة، واستطاع بتصويره الصادق أن يصل إلى مستوى بعيد العلو في الوضوح والرؤية.