مستخدم:Hasanisawi/حوار فيدروس

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

"هذا الموقع الفوق سماوي لم يتغنى به شعراء هذا العالم السفلي، ولن يتغنوا به ابدأ بجدارة. ولكن هذا هو الطريق , لأنه يجب أن يكون هناك شجاعة لقول الحقيقة، وخصوصا عندما يكون الموضوع متعلق بالحقيقة نفسها. هذا الموقع يسكنه جوهر بلا لون، ولا شكل، وبغير ملمس، يمكن تصوره فقط من خلال العقل الذي هو طيار الروح، هذا الجوهر هو منبع العلم الحقيقي." أفلاطون [1]

تمثال أفلاطون في متحف التس(Altes Museum) في برلين

الحوار فيدروس كتبه أفلاطون بعد الجمهورية، لأنه أشار إليها في هذا العمل، ويرتبط ارتباطا وثيقا مع مواضيع حوار الندوة (Symposium). فيدروس مصنف من ضمن حوارات المرحلة الأخيرة. ومن شخصيات الحوار من الممكن تصور ان الحوار حدث بين عام 420 و 410 قبل الميلاد. [2]

فيدروس تعتبر من اهم المحاورات التي أظهرت لأفلاطون نظرية إيجابية في الفن وفلسفة الجمال التي كانت غامضة في المحاورات الأخرى.

من العناصر الهامة في هذا الحوار هو تمجيد الحماس في الحياة الروحية, ونقد لعملية تعلم الكتابة. [بحاجة لمصدر]

في هذا الحوار نرى ان الفيلسوف افلاطون يظهر نقد لهوميروس [3] وعداوة للشعر. وهذا ليس بالامر الغريب على فيلسوف اثار مشكلة الفن على نطاق واسع. واقصى أحكامه على الفن انه محاكاة غايتها اثارة اللذة وتمويه الحقيقة, وكذلك الخطابة باعتبارها نوع من السفسطة والزينة. اي تلك الأفعال التي لا تعود على الإنسان بالخير بل تكسبه مظهر الصحة والسلامة فقط. ربما كل هذا ناتج عن الفلسفة السقراطية التي كانت تتمسك بالعقلانية والتشدد الأخلاقي والقضاء على كل ما هو اندفاع وجداني او حماسي. كما فسرها الفيلسوف الالماني نيتشه.[4]. [5]

في الفترة الافلاطونية الاخيرة (365-368 ق م) يمكن تتبع ثلاثة حوارات: فيدروس (Phaedrus)، وبارمنيدس (Parmenides) والثئيتتس (Theaetetus). بهذه الحوارات أفلاطون يبدأ بتناول القضايا التي ستكون مركزية في حوارات الشيخوخة (المسمية ايضا "الجدلية").

هيكل ومواضيع الحوار[عدل]

افلاطون يتحدث عن ثلاثة مواضيع: الخطابة والحب والنفس, بشكل متداخل وتقريبا متزامن. الحديث الرئيسي يدور حول انواع الخطابة في عصره وكيف يجب ان تكون لتؤثر على النفس بطريقة إيجابيه. وهتا تبدو واضحة العلاقة الوثيقة التي تربط هذه الموضوعات الثلاثة.

قيمة الخطاب بالنسبة للفلسفة والتعليم تبقى متعلقة بالأفكار وبالطريقة الصحيحة للوصول إلى المعرفة الحقيقة وبثها.

في مقدمة الحوار يلتقي سقراط بفيدروس -شاب أثيني من محبي فن الخطاب - ويبدأ الحديث عن الخطابة، وهما في طريقهما إلى خارج أثينا، إلى وادي الليسو شرق المدينة. هذا الموقع أعطي لأفلاطون الفرصة لإنتاج أجمل الأوصاف البيئية في الأدب اليوناني. في هذا المشهد من الهدوء والجمال، فيدروس، يقول لسقراط أن لديه نسخة عن مقال ألفه الخطيب ليسياس (Lysias) عن الحب. الذي يتلخص في ان المحب يندم على ما قدمه من خير في اليوم الذي تنتهي فيه رغبته. وأن الغير محبين لا يظهرون اي نوع من الندم, لانهم يتصرفون بحرية وبدون اي ضغط معين. ويضيف بأن المحب سرعان ما يأخذ في الحسبان كل ما قدمه من وقت وجهد ومال ليبرر كل ما يدين للمحبوب من عرفان. وأما الغير محبين فلا يحاسبون محبوبهم على اي شيء بذلوه, وبالتالي فهم يبادروا في اداء ما يطيب لمحبيهم. ويقول ايضا ان المحبين يسيئون لاي شخص يعترض طريقهم بما في ذلك محبوبيهم السابقين من اجل ارضاء محبوبيهم الجدد. وعندما يشبعون رغبتهم تراهم يقروون بانهم فقدوا عقولهم واذا ما عملوه كان صحيحا.
سقراط يستمع الى الخطاب الذي يقرأه فيدروس ويرى انه مهم بما يتعلق بتقنية الخطابة، ولكنها خاطئة المنهجية التي اتبعها. وبالتالي فالتقنية تفقد قيمتها ان لم تكن مدعومة بحكمة الفكر.

لقد سبق لافلاطون تناول موضوع الخب في حوار المأدبة (Symposium ), حيث قال ان للحب روح خلاقة تجمع بين الاضداد, مثل الفقير والغني. وتهدف في النهاية الى الجمال المطلق. في محاورة فيدروس الحب هو هوس إلهي يساعد النفس على تذكر حياتها الماضية.

سقراط، ورأسه مغطى يلقى كلمة حول الإيروس[6] . من وجهة نظر ليسياس، من الأفضل الإذعان لمن لا يحب، ولكن انطلاقا من قاعدة فلسفية، لا يملكها ليسياس، كامنة في التمييز الأولي بين الخير والمتعة. أنواع العلاقات المعتبرة هنا هي تلك التي تنشأ بين شاب ورجل من المجتمع الراقي، الذي هو بمثابة معلم يقوده إلى الحياة الاجتماعية. الأمر يتعلق بعلاقات مقبولة وبشكل شائع في ذلك الوقت، تحت رموز ضمنية من اللواط (Pederasty or sodomy).

وانتقد سقراط مفهوم الحب في خطاب ليسياس الذي يتناول جانب واحد فقط من جوانب الإيروس، وهو هوس الإنسان نحو المتعة. وعارض هذا الخطاب أيضا من الناحية التقنية لإظهار كيف يمكن تطوير شكل افضل من البلاغة الصحيحة, بتقليل المبادئ وبتكثيف المعاني.
ولكن هذا النوع من الايروس لا يهم من يسعى الى المعرفة. لذلك تكريما للايروس من الضروري إقرار الخطأ والبحث عن جوهره الحقيقي.
الحوار هنا يقدم خطاب ثالث، وهو الجوهر الفلسفي لهذا العمل، ويدخل في الميتافيزيقيا التي كان يضمنها أفلاطون في أعماله وخاصة في محاضراته في الأكاديمية.

فسر افلاطون النفس وعلاقتها بالنفس الإلهية وبعالم المعقولات. وفي محارورة الجمهورية قسم النفس الى ثلاثة قوى: العقل والحماسة والشهوة. ولكنه بسبب اتصال النفس بالبدن , فقد استخدم في محاورة فيدروس اسطورة العربة المجنحة. حيث صنف انواع النفوس الى نوعين: الهية ذات حركة منتظمة؛ وإنسانية بسبب جموح احد جوادي العربة. وفقط الفيلسوف يمكنه التغلب على هذا الجموح.
ويروي افلاطون الطريقة التي كانت تعيش فيها هذه النفوس, ومكانها الذي كان فوق السماء. حيث كانت تحلق باجنحتها لتتأمل مُثل الخير والجمال والحق.
مسار هذه النفوس يختلف باختلاف طبيعتها وقدرتها على التذكر. فاذا ما اضطربت سقطت في جسد انسان. ووفقا لطبيعتها فإنها يمكن ان تسقط في جسد فيلسوف في احسن الحالات او في جسد طاغية كأسوأ مرتبة من المراتب التسعة التي ذكرتها شخصية سقراط.
يعرف افلاطون النفس الخالدة بتلك النفس التي تحرك ذاتها بذاتها. في حين ان النفس التي تتحرك وفقا لحركة غيرها فهي فانية.
وهنا دور الفلسفة يكون مهم في التأثير على النفوس للارتفاع بها الى عالم المعقولات الخالدة حيث كانت تعيش قبل وقوعها في الجسد.
وبقدر اتصالها بهذا العالم يكون نصيبها من السعادة اكبر. ودور الحب يمثل العامل الرئيسي في عملية المعرفة الفلسفية. وبما ان النفس كما وضعها افلاطون تقع بين عالمي المحسوس والمعقول, فهي بحاجة الى هوس الحب لاجتياز هذه الحالة الوسطية والوصول الى عالم المعقولات. هذا الهوس يأتيها من الجمال المحسوس ليذكرها بالجمال المثالي المطلق الذي كانت تشاهده في حياتها العلوية الماضية. فحين ترى الجمال الحسي تقدسه تقديس الأله. فالغاية هنا ليست شهوانية, بل الوصول إلى فضيلة العالم المثالي وللحصول على السعادة حتى بعد الموت.

يجب على الخطيب ان يسعى من خلال الحب الفلسفي الى معرفة عالم المثل. ولكن هذا الحب لا يكفي لانه يجب ان يكون لديه منهج الجدل لتنظيم ومناقشة افكاره. وللانتقال من فن القول الى فن التفكير بواسطة الجدل. هذا المنهج يشمل القسمة المنطقية وعملية الصعود الجدلي. فربط مفهوم الهوس مثلا مع مفهوم الحب ومن ثم تقسيمه الى هوس إنساني وهوس الهي يعني ربطهما بالحب. وهذا ما يسمى عملية الصعود الجدلي. أما عملية القسمة فقد طبقها افلاطون في المشكلات الاخلاقية. وبما انه يحاول تجميع الكثرة المحسوسة تحت فكرة واحدة معقولة, فيحدث ان هذه الفكرة العامة تشمل عناصر غير متأفة بينها. وبالتالي هناك الحاجة الى عملية تقسيم الفكرة الى انواعها الطبيعية, حتى الوصول الى النوع الذي لا ينقسم. وبعده توجد الامثلة الفردية فقط.

وكل هذا يعني ان على الفيلسوف اعداد نفسه بواسطة الفلسفة للحصول على نظرة شاملة تجعله يعرف عن ماذا يتكلم وما هي الغاية المرجوة من كلامه. لأن الخطيب الفيلسوف لا يسعى لارضاء الناس ولا للمكاسب العملية, بل ادراك عالم المعقولات وتأمله يحقق بث القيم الاخلاقية المثالية.

نقد أفلاطون لفنون عصرة وتعريفه للفن المثالي[عدل]

عرف افلاطون ان الفن المثالي يعبر عن الوحدة الثلاثية: الخير والجمال والحق. ويقول ان المحاكاة الصادقة هي التي تعبر عن الاصل, وفي هذا ينقده الفن المستحدث الباحث عن اللذة والتذوق للواقع الحسي الذي زاد في عصرة.
شكوك السفسطاني بروتاغوراس في الدين والمعرفة وان الإنسان هو مقياس كل شيء: أي ان الأشياء تختلف باختلاف النظر إليها وان مفاهيم الجمال والعدالة والخير ليست ثابتة ولا مطلقة ولا ترجع إلى اي مصدر الاهي. تلك الشكوك ساعدت ايضا في تحرير الفنون من القواعد والتقاليد المتوارثة التي كانت تقدوها إلى خدمة المبادئ الدينية والأخلاقية.

لذلك كان من الضروري ان عرف افلاطون شروط الفن المثالي الذي يحقق وحدة قيم الخير والحق والجمال العقلي التي هي من اعلي قيم المعرفة. الفن المثالي يحتاج إلى جهد وتصوف للخلاص من الأحاسيس المادية والوصول إلى عملية تذكر للجمال الروحاني الكامن في النفس قبل أن تسكن في الجسد.

كان افلاطون دائم النقد لتغييرات اخرى في الموسيقى والنحت الخ, التي تهدف فقط الى الحصول على التذوق الحسي للجمال. وكما روى أكسينوفون سقراط كان يذهب إلى التوحيد بين الجميل وبين الخير والمفيد.
أكد افلاطون تكرارا ان الفنان محاك لا يعرف ما يحاكيه او هو مدفوع من قوة لاعقلانية لا يعي معها ما يفعل او يقول وبالتالي يثير في نفوس الناس اضطرابا لا يستقيم مع الحكمة والاتزان اللذان تنشدهما الفلسفة.

  • نقد افلاطون الخطابة التي تخدع وتوهم الجمهور. وحدد ذلك النوع من الخطابة التي تعبر عن الحقيقة وتوجه للخير.

مثلا فن الخطابة السائد في عصره والمتمثل في ليسياس لم يرق إلى مستوى الفن الجيد. ففي خطاب اليسياس عن الحب كان هناك نقص ليس فقط في المضمون بل أيضا في الشكل. فالحب عند ليسياس هو نشاط غريزي مضر بالنفس ومفسد للجسد سواء للمحب او للمحبوب. أما عند افلاطون فالحب هي نعمة الإلهية ترفع المحبين إلى السعادة والخير والمعرفة الحقة.
أما من ناحية الشكل فنقد أفلاطون كان يرتكز على عدم الترتيب في خطاب اليسياس حيث بدأ من حيث يجب ان ينتهي وانتهى من حيث يجب أن يبدأ. الخطابة يجب أن تدرس النفوس وما يؤثر بها إيجابيا من أقوال, كمثل الطب الذي يدّرس الأجساد وما يؤثر بها من عقاقير. الخطابة هي فن قيادة النفوس وتوجيهها بالأقوال. وكما يقول ليون روبان () في مقدمة ترجمته لحوار فيدروس لا يوجد خطابة تؤثر في النفس او طب يؤثر في الجسد ان لم تعرف العلاقة التي تربط النفس بالجسد.

  • ونقد افلاطون أيضا الرسامون الذين اعتمدوا استخدام تقنية ترمبلوي البصري مثل براسيوس (parrasius) وزيكوسيس (zeuixis).
  • أما في في التصوير والنحت فقد عارض استخدام المنظور باعتباره من أساليب الخداع.

مرحلتين من النقد الأفلاطوني للفن[عدل]

ولكن وفقا لدراسات مثل تلك ل لويس كامبل و لوتسلافسكي فقد مرت فلسفة افلاطون بمراحل مختلفة ترتب عليها ظهور أراء اخرى حول الفن لا تقيدها العقلية السقراطية المرتبطة بالإصلاح الأخلاقي فحسب, بل اتسعت لتساير نظريته في الوجود والمعرفة وتزايد اتجاهه نحو الإيمان والميتافيزيقيا.

في الحوارات المبكرة, حيث افلاطون كان يتبع تعاليم أستاذة سقراط في ذم الفن باعتباره صادر عن قوة لا عقلانية. على العكس من ذلك في الحوارات المتأخرة كان يقدر الفن لنفس الأسباب السابقة, ولكنة يقول بان الفن الملهم كالفلسفة, يعبر من خلال الرؤية الحدسية للحقيقة عن جمال الخير. فنقده لم يعد قائما على أسس الهوس الفني كما كان في المحاورات المبكرة’ بل عن مدى تعبير هذا الفن عن القيم الأخلاقية والدينية ومدى إفصاحه عن المثل العليا.

ومن الأسباب التي ربما جعلت افلاطون يغير في طريقة نقده للفنون, هي توترات الفترة التي شهدتها أثينا في القرن الرابع ق.م. التي تميزت من حروب ومحن سياسية وحرب أهلية. ولذلك كان من الضروري ان يؤكد افلاطون على نظريته في المثل لإعطاء بصيص من الأمل وبوابة للخروج من هذه الفترة المليئة بالتشاؤم والألم. حاول افلاطون اجتياز فلسفة سقراط الإصلاحية - للوصول إلى عالم مثالي تسود فيه روحانية النفس الأصيلة ولا تشوبه تأثيرات وتغيرات العالم المحسوس. وهذا لا ينفي أن افلاطون تابع في تطوير واستكمال الجدل السقراطي لتوضيح العلاقة بين العالم المحسوس والعالم المعقول.

هوس الحب[عدل]

يقول افلاطون بان الحب هو هوس إلهي يساعد النفس على تذكر حياتها الماضية. وان الفيلسوف المهووس بالحب شأنه شأن الشاعر الذي تلهمه ربات الشعر. وان المحب المثالي ينأى عن كل رذيلة غايتها الشهوة الجنسية بل يرى في الحب وسيلة اتصال بالعالم العقلي وتحقيق الخير والفضيلة في نفوس المحبين.
واهم ما يتصف به الحب عند افلاطون هو حب الحكمة. ذلك الحب الذي يبدأ بالتعلق بالأجسام الجميلة ومن ثم يرتقي إلى جمال النفوس والمعرفة, لينتهي في عملية الارتقاء من المحسوس إلى المعقول. ويقول ان الحب يشارك الطبيعة في خلق الجمال, وان قدرته تصل إلى الحد الذي يعطي فيه قدرته لغيره. ألم يكن الحب وراء نبوغ من وصل الى القمة في أي نوع من الفنون.
الفن الجيد هو المرتبط بالمعرفة الفلسفية التي ليست في متناول العامة وبحاجة إلى جهد وتصوف وتذكر للكشف عن الحقيقة الغير مشوبة بالحس والمادة. وعند إذن يحدث هوس الحب الذي تجاهله ليسياس في خطابه , في حين افلاطون اعتبره خير أنواع الهوس الإلهية الأربعة:

  • هوس الحب Erotike
  • هوس الشعر Poetike
  • هوس النبوءة Mantike
  • هوس الصوفية Telestike

وبما يتعلق بالشعر فان هناك فرق بين الشعراء المهوسين بالحب وبين المهرة في الصنعة الهادفة للكسب. وشتان بين الفيلسوف الذي يحصر تفكيره في دائرة مغلقة وبين الفيلسوف الذي يجتاز المرحلة الاستدلالية (Dianoia) ليرتفع إلى مرحلة الكشف (Noein). لأن المعرفة تنبثق في النفس كما ينبثق النور فجأة في الظلام. ويقول انه لا يمكن ان يكون هناك فن بدون فلسفة او فلسفة بدون فن.

الإيروس والهوس الإلهي. أسطورة العربة المجنحة[عدل]

وإلى جانب الحب كهوس إنساني، يسعى للمتعة في حد ذاتها، هناك الحب كهوس إلهي، الذي عليه تُركز أيضا الكاهنة مانتيناو، (Diotima في حوار الندوة).

لنفهم تماما طبيعة هذا الشكل من الإيروس، من الضروري التعرف على طبيعة الحياة خارج الوجود الأرضي.

نفس الإنسان مقسمة الى ثلاثة أجزاء: العقلاني، والعاطفي, والإرادي: ويمكن أن تكون ممثلة بعربة ذو أجنحة، يقودها حصانين ، واحد أسود متمرد لا يمكن السيطرة عليه ، الذي يمثل الروح الشهوانية، أي الرغبة للجنس أو الأكل. والحصان الاخر أبيض يمثل الروح الغاضبة والإرادة والشجاعة. ويمثل العدوانية الإيجابية أو "الحماس" , وهذا الحصان أكثر طاعة للعقل. يبدو أن هذه التجزئة الثلاثية للنفس استؤنفت في حوار الجمهورية، ولكن هناك اختلاف جوهري: في الجمهورية يشير إلى الروح فانية، بينما في فيدروس يتحدث عن روح خالدة.

يبدو أن أفضل تفسير يعتبر العربة ماهية (hypostatization) الروح، وكأن فكرة الروح هنا ليست الا نسخة.

العربات المجنحة مكونة من صفوف مختلفة تقودها نفس الاهية . جميع الصفوف لا تتوقف أبدا عن التحرك ومحاولة الارتفاع فوق المستوى الذين هم فيه. ليكونوا قادرين على إلقاء نظرة أبعد إلى ما هو موجود خارج السماء، حيث تقع الأفكار التي تمتد على سهل من الحقيقة.التي تُمنح فقط للآلهة وللصالحين القادرين على الارتفاع فوق ظروف الرجل العادي.

عبرة أسطورة العربة المجنحة لها شقين: من ناحية العواطف والمشاعر يجب أن يقودها العقل. العربة هي التي تقرر إلى أين الذهاب وليس الخيول. والمشاعر من ناحية اخرى لا يمكن مسحها (بدون الخيول تتوقف العربة). وهذا ضد مواقف بعض السقراطيين، التي تنص على أن المشاعر تنشأ من الأخطاء في التقدير، وبالتالي الرجل الحكيم يجب أن يقضي عليها ويقلعها من جذروها.

كل نفس تخضع لدورة التناسخ (Reincarnation) كل عشرة ألاف سنة. وكل ألف سنة منها تعيش النفس قرن على الارض وتسعة قرون في الآخرة. وفقط نفوس الفلاسفة قادرة على تقصير هذه الدورة عن طريق الاستفادة من المعرفة الحقيقية. أما النفوس الأخرى فلا تملك إلا انطباع عابر من هذه الحقيقة .
مع ذلك حتى هذه البرهة الوجيزة من المعرفة هي أمر بالغ الأهمية لأن تترك في الروح ذكرى أفكار وأثر للحقيقة التي يمكن استردادها بالكامل من خلال عملية حث مستمر للتذكر، وخصوصا إذا الإنسان كان قد وجه علمه نحو الكينونة.

الوسيط بين الأفكار والواحد هو الايروس. الهوس الإلهي يحرك الروح إلى ما هو جميل، لأن الجمال مرتبط بشكل أساسي مع الواحد. الانجذاب نحو هيئة جميلة يساعد على استرداد ما هو موجود في أعماق الروح، من ذاكرة لفكرة الجمال. عندما الايروس يكون حرا في لقاء حبيبين، قوته تسود جسد وروح من يحب، وتجعل حية ومشرقة صورة الجمال التي تولد بدورها ذاكرة قصيرة ولكن كثيفة للأفكار الثابتة والأبدية للحقيقة.

الفيلسوف هو الذي يعرف المعنى الحقيقي والوظيفة الحقيقية للإيروس، لأنه يدرك صلته بالخير والجمال والحقيقة.

قيمة الخطاب الصحيح: التجزئة (dihairesis) والخلاصة (synopsis) - تقسيم وجمع[عدل]

مسلح بهذه المعرفة، الفيلسوف يعرف أن الفن الحقيقي للخطاب تقوم ابتدأ من معرفة الحقيقة: أشكال أخرى من التعبير، مثل تلك الموجودة في خطاب ليسياس، ليست سوى تشويه للمعرفة، ومناسبة فقط لمتعة مؤقتة وفارغة. [7]

ولكن أفلاطون يقول أكثر من ذلك بكثير: ليس فقط بتحديد ما ينبغي أن يكون المضمون الحقيقي للخطاب، بل بتعريف أيضا التقنية الوحيدة والصحيحة للخطاب، الذي يكمن في التوحيد والتشريح التدريجي، حتى استرداد الوحدة الأصلية للمفهوم. تماما كما بدأت مناقشة سقراط من خلال تحديد الأسباب في مصطلح الايروس ومن ثم تقسيمها الى هوس بشري وإلهي، قبل الانتقال إلى تجزئة آخرى، حتى إعادة بناء رؤية شاملة. وبالتالي فإن الخطاب الحقيقي هو ما يمضي بعملية الفصل (dihairesis)، وبعملية الخلاصة (synopsis)، أي الرؤية الموحدة، بفصل كل عنصر إلى الأجزاء المكونة له، من خلال تحديد وتحليل، ما هي الأفكار المرتبطة بالمسألة، وفي النهاية مذكرا بالعلاقات بين الأفكار حتى تصور هيكلي موحد.

أفلاطون يعلن ما ينبغي أن يكون الخطاب الصحيح، معارضا إيزوقراطيس (Isocrates)، الذي تحدث عنه في الحوار فيدروس ذلك الشاب الذي لم يحافظ على الوعود الرائعة، وفي مدرسته، يعلم ان أساس الخطابة هي معرفة جيدة بالتاريخ: تكوينة الخطاب لا تعني شيء إن لم تكن مدعومة من قبل الديالكتيك، التي بالانتقال من التجزئة الى التكوين، تصل إلى عالم الأفكار. لأن الخطاب الصحيح هو ذلك الفن الذي يُفسر في سياق المعرفة الفلسفية.

اختتام العمل: سيادة الشفوية[عدل]

ولكن أفلاطون ذهب أبعد من ذلك بكثير، في وصوله لنفي صلاحية أي خطاب مكتوب, لانه ينشأ بشكل مصطنع. ويرد ان تحوت (إله الفنون والحرف) ذو الذكاء الرائع (المرادف لهيرميس اليوناني) قابل الفرعون ثاموس، وشاد بفائدة اختراعه الأخير: الكتابة، القادرة على جعل المعرفة الإنسانية خالدة، ومع ذلك فثاموس رفض الهدية، قائلا ان الكتابة هي في الواقع عدو المعرفة الحقيقية، لأن الخطاب الصحيح هو الذي يبلغ شفهيا، القادر على نقش روح المستمع، في حين أن الكلمة المكتوبة تبقى ثابتة في سكون وصمت دائم.

خارج القصة، يؤكد أفلاطون، من خلال سقراط, أنه الاتصال المباشر فقط بين المعلم وتلميذه قادر على رفع نفس الطالب إلى المعرفة الحقيقية ودعم قيمة الكلمة المنطوقة كوسيلة وحيدة قادرة على اختراق روح المستمع، وبالمقابل نفى صحة جميع الكتابات, حتى تلك الخاصة به. وكما القول أن كل ما قُدم لنا من كل هذه الحوارات ليست الا نسخة باهتة من جوهر الفكر الفلسفي، والتي فقط طلاب الأكاديمية كان بإمكانهم الوصول إليه.

بعد الاحتفال بالشفوية، التي يتبناها الرجل الحكيم كوسيلة لبث علمه، يختتم الحوار بالصلاة على آلهة المكان الموجود فيه مع فيدروس , ليبقى الجمال دائما فيه وليجعلها تتصرف وفقا لجوهرها.

متفرقات[عدل]

امتازت فلسفة أفلاطون بالنسبة لفلسفة المعلّم سقراط، في فصل الكلي عن المحسوس: أي انه فصل المعاني العامة للمحسوسات وسماها المثل. أما بالنسبة لأرسطو المعاني العامّة تبقى ثابتة كموضوع للعلم اذا انتزع منها حركة المحسوس الأبدية.[8]

مصادر وحواشي[عدل]

  1. ^ Genevieve Droz. I miti platonici. traduzione di Paolo Bollini. gennaio 1994
  2. ^ http://archifia.blogspot.com/p/ar-en.html فيدروس -ترجمة من ويكي الايطالية-
  3. ^ هوميروس شاعرٌ ملحمي إغريقي أسطوري يُعتقد أنه مؤلف الملحمتين الإغريقيتين الإلياذة والأوديسة
  4. ^ اسم الكتاب: "محاوره فايدروس لافلاطون". ترجمة وتقديم / د. أميرة حلمى مطر. كلية الآداب - جامعة القاهرة. تاريخ النشر 2000
  5. ^ Nietzshe: le naissance de la philosphie a l'epoque de la tragedie grecque, traduit par G. bianquis. gallimard. 1938
  6. ^ الايروس, التي هي عند أفلاطون قوة عظمى تحرك النفس إلى الخير، وهى وسط بين الحكمة والجهل. والإنسان الذى لا يحس أنه ناقص لن يكون قادرا على حب الحكمة
  7. ^ ديايريسس (diairesis)، من اليونانية: أو علامة تشكيل، هو مصطلح تقني يستخدم في الفلسفة الرواقية والأفلاطونية. هذا هو الاسلوب الذي يستخدم في بعض الحوارات الافلاطونية، مثل فيدروس، السفسطائي، فيلبوس (Philebus)، والسياسي. التجزئة هي وسيلة للتوصل إلى تعريف مفهوم بدءا من مفهوم أوسع ومن خلال المتابعة عن طريق سلسلة من الانقسامات (ديارسس تنازلي) كل منها قائم على شرح خصائص مختلفة: في هذه الطريقة من خلال سلسلة تنازلية من التصنيفات الصغرى نحصل في النهاية على التعريف المطلوب، الذي يتميز بالخاصية التي تناسب الموضوع المعني.
  8. ^ المذهب الأفلاطونيّ في الصّور والأعداد كما كان قد بسطه أرسطو(LEON ROBIN, LA THEORIE PLATONICIENNE DES IDEES ET DES NOMBRES D’APRÈS ARISTOTE, LIVRE PREMIER)؛ ليون روبان؛ تعريب لطفي خيرالله

طالع أيضا[عدل]

وصلات خارجية[عدل]