يرجى مراجعة هذه المقالة وإزالة وسم المقالات غير المراجعة، ووسمها بوسوم الصيانة المناسبة.

بهيج عثمان

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
بهيج عثمان
معلومات شخصية
تاريخ الوفاة أغسطس 15, 1985
N write.svg
هذه مقالة غير مراجعة. ينبغي أن يزال هذا القالب بعد أن يراجعها محرر ما عدا الذي أنشأها؛ إذا لزم الأمر فيجب أن توسم المقالة بقوالب الصيانة المناسبة. (يونيو 2007)

عميد النشر العربي الحديث

Emblem-scales.svg
هذه المقالة بها ألفاظ تفخيم تمدح بموضوع المقالة، مما يتعارض مع أسلوب الكتابة الموسوعية. يرجى حذف ألفاظ لتفخيم والاكتفاء بالحقائق لإبراز الأهمية. (أكتوبر 2015)

، من مواليد "شباط" فبراير 1921 في مدينة بيروت، والده: سليم عثمان، والدته: بدرية المصري، زوجته: صدوف كمال، أبناؤه: طارف وسيما. تلقى علومه الابتدائية في مدارس المقاصد ثم التحق عام 1936 بالكلية الشرعية التي أنشأها مفتي الجمهورية اللبنانية آنذاك الشيخ محمد توفيق خالد، وتخرج منها عام 1939. تلقى علومه الجامعية في كلية الآداب بجامعة القاهرة حيث نال ليسانس الآداب بامتياز في عام 1942.

بعد عودته من مصر عمل مذيعاً في الإذاعة اللبنانية وكان اسمها حينذاك راديو الشرق، ولكنه استقال منها عندما اعتقل الفرنسيون أعضاء الحكومة اللبنانية عام 1943. عمل في الصحافة الأدبية كسكرتير تحرير مجلة الأديب التي أنشأها ألبير أديب. في عام 1945 أنشأ مع فريق من إخوانه داراً للنشر باسم دار العلم للملايين ومجلة أدبية باسم "الآداب". وفي خلال ذلك كان يتولى تدريس الأدب العربي في الكلية الشرعية في بيروت، وفي الكلية الداودبة في عبيه، وفي كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.

في عام 1952 اختارته الحكومة اللبنانية رئيساً لمصلحة الشؤون الثقافية في وزارة التربية الوطنية ولكنه اعتذر عن تولي المنصب مفضلاً ممارسة عمله الحر في تدريس الأدب والنشر. ساهم في انطلاقة مجلة العربي الكويتية التي خدمت الثقافة العربية يلقب ب"رائد النشر الحديث"

. توفي في 15 أغسطس 1985.

ما كتب عنه[عدل]

بدأ بهيج عثمان علومه الأولى في مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت وبقي في هذه المدارس حتى بلغ فيها الصف الثالث الابتدائي. وهنا نترك الكلام للدكتور عمر فروخ ليحدثنا عن المنعطف الرئيسي لانتقال بهيج عثمان من مدرسة الحرج التابعة لجمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة إلى الكليّة الشرعيّة، المدرسة الدينيّة الإسلاميّة الأولى من نوعها في بيروت. يقول الدكتور عمر فروخ تحت عنوان (حياة رجل): في العام الدراسي 1932- 1933 جاء إليّ الشيخ محمد توفيق خالد مفتي الجمهورية اللبنانيّة في ثانوية الحرج وقال لي إنه يريد إنشاء مدرسة للعلوم الدينيّة تعد الطلاب لدراسة الفقه، لأن المسلمين في لبنان في حاجة إلى نفر من المشايخ الفقهاء. في ذلك الحين اتفق أنه كان في الصف الثالث الابتدائي من ثانوية الحرج من نفر التلاميذ النجباء.... وقفت قليلاً أتساءل: أي الخيارين أكثر نفعاً للأمة: إخلاء هذا الصف من تلاميذه النجباء في سبيل إعدادهم ليكونوا مشايخ فقهاء، أو الإبقاء عليهم حيث هم! لقد وجدت أن الشيوخ الفقهاء أكثر نفعاً. فقلت للشيخ محمد توفيق خالد: قارب التلاميذ الموجودين في الصف الثالث الابتدائي. وكان بهيج عثمان في جملة التلاميذ النجباء الذين وقع عليهم الاختيار ليكونوا طليعة المشايخ الفقهاء، شكّل هؤلاء التلاميذ الرعيل الأول من طلاب الكلية الشرعيّة، التي تحولت فيما بعد إلى كلية فاروق الأول الشرعيّة ثم إلى ما يسمى الآن أزهر لبنان.

في هذه الكليّة، وفي سنة 1934م بالضبط بدأت رحلة بهيج عثمان مع الدراسة الدينيّة وعلى رأسه العمامة وعلى عاتقه الجبة الزي الديني التقليدي. وكان أستاتذته في هذه المرحلة أعيان العلماء الذين انتقلوا جميعهم إلى رحمة ربهم وهم: 1.الشيخ محمد توفيق خالد: رئيس الكليّة 2.الأستاذ محم عمر منيمنة: أستاذ التفسير 3.الشيخ عبد الرحمن سلام: أستاذ التوحيد 4.الشيخ أحمد عمر المحمصاني : أستاذ الشيرة النبويّة 5.الشيخان حسن المكي وتوفيق البابا: للقرآن الكريم، تلاوة وحفظاً 6.الشيخ رائد عليوان: أستاذ قواعد اللغة العربيّة 7.الأستاذ منير غندور: أستاذ اللغة الفرنسيًة 8.الشيخ رائف الفاخوري: أستاذ الأدب العربي 9.الشيخ صلاح الدين الزعيم: الناظر والمربًي

وجميع هؤلاء الأساتذة من بيروت ما عدا الشيخ صلاح الدين الزعيم فهو من دمشق. وكانت غاية الكلية كما حددها الشيخ رائف الفاخوري:

أن تنشئ النمط الأوسط من رجال الدين المسلمين الذين يجمعون بين علوم الدين وعلوم الدنيا، بالإضافة إلى تخريج نفر من المشايخ الفقهاء كما كانت غاية مؤسسها الشيخ محمد توفيق خالد. السنوات الأربع التي أمضاها بهيج عثمان في الكليّة الشرعيّة وهو يتعثر بثوبه الديني الفضفاض أصبحت في ذمة الماضي عندما انتقل إلى مصر حيث اختار متابعة الدراسة في كلية الآداب في قسم اللغة العربيّة، في جامعة فؤاد الأول التي أصبح اسمها بعد ثورة 23 يوليو الناصريّة سنة 1952 م جامعة القاهرة.

بدلاً من تخرّجه من الجامع الأزهر كما كان مفروضاً فإنه تخرّج من جامعة فؤاد الأول حاملاً إجازة كلية الآداب بامتياز من هذه الجامعة عام 1942م، عاد إلى بيروت لينخرط في جوها الأدبي مبتدئاً رحلته في عالم الوظيفة الحكوميّة مذيعاً في الإذاعة اللبنانيّة وكان اسمها في ذلك الحين راديو الشرق، ترك العمل في هذه الإذاعة بعد حوالي سنة من دخولها في آب 1943م لأن السلطة الفرنسيّة التي كانت تشرف عليها اعتقلت أعضاء الحكومة اللبنانيّة وعلى رأسهم الزعيم رياض بك الصلح ورئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري. وانسجاماً مع تطلعاته الأدبيّة عمل في الصحافة الأدبيّة سكرتيراً لتحرير مجلة الأديب التي أنشأها الأستاذ ألبير أديب. وفي سنة 1945م آثر الاستقلال في ميدان النشاط الأدبي فأنشأ مع فريق من إخوانه دار للنشر باسم (دار العلم للملايين) ومجلة أدبيّة باسم (الآداب).

خلال تمرسه بالعمل في دار النشر وفي المجلة لبى رغبة مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ محمد توفيق خالد بالتدريس في الكليّة الشرعيّة بالإضافة إلى الكليًة الداوديّة في منطقة عبيه، وفي كلية الآداب بالجامعة اللبنانيّة حيث كان يدرس في هذه المعاهد المذكورة مادة الأدب العربي. في سنة 1952م أصدرت الحكومة اللبنانيّة مرسوماً بتعيين بهيج عثمان رئيساً لمصلحة الدوائر الإداريّة بوزارة التربية الوطنيّة إلا أنه اعتذر عن قبول هذا المنصب الحكومي مؤثراً الاستمرار في ممارسة عمله الحرّ في التدريس والاهتمام بمجلة الآداب إلى جانب عمله مع زميله ورفيق دربه الأستاذ منير البعلبكي في مؤسسة دار العلم للملايين.

عندما قرأ في الصحف نبأ تعيينه رئيساً لمصلحة الدوائر الإداريّة في وزارة التربية الوطنيّة بادر على الفور إلى إعلان رفضه لهذه الوظيفة بالبيان التالي: (قرأت في التشكيلات الحكوميّة الجديدة نبأ تعييني رئيساً لمصلحة الدوائر الإداريّة في وزارة التربية الوطنيّة وإني إذ أشكر صديقي الدكتور سليم حيدر وزير التربيّة الوطنيّة، والدكتور نجيب صدقة، مدير الوزارة، على حسن ظنهما فيّ، أعتذر عن قبول أي منصب من المناصب الحكوميّة التي أراني زاهداً فيها كل الزهد. وخاصة إذا كان هذا المنصب يختلف عن نوع اختصاصي وطبيعة عملي. وعلى كل حال إذ أواصل العمل في دار العلم للملايين أؤدي رسالة لعلها لا تقل خطراً وأثراً عن وزارة التربية الوطنيّة فيما تنشر الدار من كتب ومجلات. وما يلتقي على صفحاتها من قراء ينهلون أطيب ألوان المعرفة وأنضجها ثمراً وأصدقها توجيهاً). وقد لبت الحكومة رغبته وصرفت النظر عن تكليفه بالوظيفة التي اعتذر عن قبولها.

لقد رأى فيما بعد أن يتخلى نهائيّاً عن ممارسة التدريس سواء في الكليّة الشرعيّة في بيروت أو المدرسة الداوديّة في عبيه أو كليّة الأداب في الجامعة اللبنانيّة لينصرف كلياً إلى إدارة دار العلم للملايين والتعاون مع بعض نظرائه من العلماء والأدباء في إصدار بعض المؤلفات المدرسيّة، وقد كان له عدة مؤلفات في هذا الميدان أصدرها بالاشتراك مع الأستاذ منير البعلبكي والأستاذ شفيق جحا، ومن أهم هذه المؤلفات كتاب (المصور في التاريخ) في أحد عشر جزءاً. وهذا الكتاب إعتمدته وزارة التربيّة الوطنيّة ليدّرس بصورة رسميّة في المدارس الحكوميّة. لقد كان لبهيج عثمان التفاتة ملحّة نحو العمل الاجتماعي من خلال نزعته الإنسانيًة النابعة من ضميره الديني. وكانت مؤسسات الرعايا الاجتماعيًة التي أسسًها ورأسها رجل البر والخير الدكتور محمد خالد الميدان الذي اطمأن إلى العمل فيه ولم يترك هذا الميدان إلى أن ترك الحياة الدنيا. وإن من يقلب نظره في سجل الأعمال الإنسانيّة والخيريّة لهذه المؤسسة فهو يجد فيها البصمات الدالة على جهود بهيج عثمان في مسيرتها وهي تؤدي رسالتها البارّة في خدمة الذين هم في حاجة إلى هذه الخدمة.

في ذلك يقول زميله ورفيق دربه منير البعلبكي وهو يبكيه بعد وفاته (...وفي مجال الخدمة العامة، سلخت نحواً من أربعين عاماً في خدمة الإنسان في لبنان، فكفكفت دموع اليتامى وبلسمت جراح المنكوبين، وخففت آلام المعذبين في الأرض. وإن في كل ركن من أركان مؤسسة الخدمات الاجتماعيّة، وكل زاوية من زواياها أثراً يدل عليك وانطباعة تذكّرك بك). أما الكتاب، فإن بهيج عثمان كان من أفضل المبتكرين لسدانته ورعايته في ميدان طبعه ونشره وتسويقه. وعلى الرغم من أن هذا الميدان كان يكتظ باللاهين وراء الثراء المادي الذين وجدوا فيه ما يحرض له لعاب طمعهم إلى المال بصرف النظر عن القواسم المشتركة بين موضوع الكتاب نفسه وبين رسالة هذا الموضوع وفائدته للصالح العام، خلافاً لبهيج عثمان الذي كان عمله في مؤسسة دار العلم للملايين تجسيداً صادقاً لإيمانه الوطيد بأن هذه المؤسسة ليست دكاناً تجارية تهدف إلى إنماء ثروة أصحابها وإنما هي وسيلة شريفة لخدمة مثلثة الجوانح والجوانب، خدمة المؤلف ة خدمة القارئ الذي ترتفع به ثقافته إلى مستوى المعرفة المحصنة بالأخلاق الفاضلة والفكر الناضج.

هذا هو البزرخ الذي عاشه بهيج عثمان منذ أن أسس مع رفيق عمره ودربه الأستاذ منير البعلبكي دار العلم للملايين سنة 1945م حيث سلخ أربعين عاماً في خدمة الكتاب العربي، فوفق بجهده الذي لا يتعب إلى أن يجعل من هذه الدار صرحاً شامخاً من صروح المعرفة والثقافة، وحقق ما كان يحلم به من صيرورة الكتاب العربي عالمي السمّات مشعّاً كمثل ضياء الشمس، في كل صقع من أصقاع الدنيا. وهنا لا بد للحق والإنصاف من قولة نسجلها لمؤسسة دار العلم للملايين في أنها غدت من معالم بيروت في الوثبة العصريّة لهذه المدينة الدهريّة، ذلك أن هذه المؤسسة بمستوى التأليف الذي بلغت إليه كتبها وبالانتشار الذي لقيته تلك الكتب في العالم العربي، باتت من أكبر دور النشر العربيّة وفي طليعتها أثراً، وإن هذه المكانة التي ارتفعت إليها دار العلم للملايين كانت راجعة أولاً بالذات، إلى الاحترام المتبادل بين صاحبيها بهيج عثمان ومنير البعلبكي وبين الأدباء والعلماء الذي يعهدون إلى مؤسستهما بما يؤلفونه من كتب وهم مطمئنون إلى حسن الرعاية لها وأمانة التعاون معهم. كان بهيج عثمان في مؤسسة دار العلم للملايين ناقداً للكتاب أكثر مما كان متاجراً به، ولذلك كان يتلهف لنشر الكتاب الجيد، ويحنق على الرقيب الحكومي الذي يحرم منه القارئ، هكذا وصفه زميله في الدراسة ورفيقه في دروب الفكر والعلم والأدب الدكتور حسن صعب.

إن الشعلة الوضاءة بالعطاء الخيّر والجهد الدؤوب من أجل الحفاظ على مستوى الكتاب في لبنان والبلاد العربيّة انطفأت على حين فجأة نتيجة نوبة قلبيّة حادة أصابت بهيج عثمان وهو في جزيرة قبرص حيث ادركه رب المنون في 15 آب سنة 1985م وتم دفنه في تراب البلد الذي بادله الحب والوفاء بيروت مشيعّاً في مأتم مهيب شارك فيه جمهور كبير من أهل العلم والأدب والهيئتات الاجتماعيّة الذين افتقدوا فيه واحداً من أبرز رموز النهضة الثقافيّة في هذا البلد.

محاضرة ألقاها د. روحي بعلبكي في كلية الدراسات الإسلامية، بيــروت 7 شباط 2008 بدعوة من المعهد العالي للدراسات الإسلامية بجامعة المقاصد في بيروت[عدل]

رجل كالبرق: يخطف الأبصار تلألؤا بجوهر ساطع، ويشيع الرهبة في نفوس السامعين بصراحة القول الجامع، ويتغلغل في البواطن بثاقبيته حتى ليصل إلى بعدها الرابع، ويوحي بتدفق الخيرات وانهمار البشائر مدرارة، وينسحب مسرعا قبل أن ينقلب الهمس ثرثرة والبتّ تكرارا.

قوة منطبعة في سلوك، عرَّفَته كيف يمحو الأنا الفارغة: ثقة في القول، واخلاص في العمل، ووضوح في الهدف- تحديدًا له، وتصويبًا عليه، وبلوغًا اياه: }ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين{ (النحل:125).

بهيج عثمان رمز للمسلم القوي الواضح، العازم الثبت، المطمئن السمح، الكيّس الودود، يجاريك ما دمت في حكمه على صواب، ويميل عنك إن حدت إلى خطأ، لا يُسخط الله في رضى الناس بل يُرضيه تعالى في سخطهم. من إذا جادلته أفحمك، وإذا عاملته أكرمك. إن قويت عليه طلع، وان قوي عليك اتّضع. أبيّ الشكيمة، مستحكم العزيمة، على نجدة ونخوة. شديد الغيرة، ثوار الحمية، على شهامة تنزو إلى سَوْرة همة.

إنه اليقيني الجاهد، الإكسيري النافح، بلا تردد، المنجمر العود من طينة الجود، المنتصر على المآسي كصانع للظروف أكثر مما هو مصنوع منها، المنعش للمحيط حينما يؤج الحرج، آويًا إلى ركن شديد باستقامة مطلقة المروءة، وجرأة لا تنتهك الحرمات، وعفّة رضوانية إشراقية تجافي مصيدة الدنيا، وتمجّ الاعوجاج، وتسامي مسيرتها بسلامة القلب، وبإنجازات واقعية راسخة، وبالتزام بمحامد القيم وآلاء الخير.

عرفته منذ أن عرفت الحياة، شريكًا لوالدي منير وصديقا لآل البعـلـبكي. وأسرني وأنا ابن سنوات معدودة أتدرج ممسكًا يد والدي، إلى دار العلم للملايين، لأمضي فيها أطول الساعات منكبّا على قراءة كل حرف من كل كتاب صادر عنها أو موزع من خلالها. ولازمته مراهقا ويافعا أهتم بالكتاب فأؤلف وأترجم وأنشر. ولا أنسى ذات يوم كان على أهبة السفر إذ قال لي: "أرجوك أن تجلس مكاني خلف طاولتي وتدير المؤسسة في غيابي، فأنت أهل لذلك!".

تابعته وتأسّيت به، وهو يُسرّ لي من لواعجه الكثير، ويُسَرَّ بوجودي جنبه وجنب والدي سرورًا سمّاه سرور استقبال الدم الجديد الواعد، حتى صرت أرى فيه مرآة نفسي وصدى خواطري، وحتى غدا الأب الصديق، بل الأخ القريب، والناصح الشارح لكل ما تختزنه الصناعة الثقافية من أغوار، فوجدتني ازاءه في وضع ظاهري التناقض بمفارقته، كلّي التساوق بموافقته، إذ كنت في الوقت نفسه الموجَّه والمستشار، والمفوّض ومخبأ الأسرار.

بهيج عثمان نخلة باسقة نشرت الكلمة الطيبة، أصلها ثابت في عمق بيروت، وفرعها في سماء الثقافة العربية عبر الآلاف من عناوين الكتب المنشورة علمًا للملايين. كان الأستاذ بهيج عثمان عنوانًا للنجاح في كل مضمار ولجه: الصحافة الأدبية، تدريس الأدب العربي، النشر، رئاسة نقابة الناشرين، نيابة رئاسة شركة النشر التربوي، تأليف الكتب وبخاصة المدرسية منها كالمصور في تاريخ لبنان، عضوية جمعية أصدقاء الكتاب، إدارة جمعية خدمة القرآن الكريم، ورئاسة مؤسسات د. محمد خالد الخيرية الاجتماعية، وسواها من منتديات الرعاية والعمل الاجتماعي التطوعي.

غير أن غرسته المتنامية هي دار العلم للملايين، زرعها وتعهدها بيديه ويدي رفيق عمره وشريك كدحه والدي الأستاذ منير البعلـبـكي، رحمهما الله، منذ عام 1945، فشكّلا أروع ثنائي نشري عربي مثـقف يضرب بهما المثل في الأمانة العملية، والتعاطي العادل، والاحترام المخلص للقارئ والمؤلف والعاملين في المهنة، وتعميم المعرفة وتعزيز النهضة الثقافية العربية، يوم لم يكن النشر معروفًا، ولم تكن كلمة "دار" بمعنى "ناشر" مألوفة. وقتذاك أكبّ الأستاذان المكافحان على العمل، يكتبان، يطبعان، يصحّحان، يوزّعان، يبيعان باليد، ويقبضان باليد.. ثم موظف، فاثنان، فعشرة، فمئة.. وإذا بالشركة تصبح مؤسسة كبرى تمتلك مؤسسات تابعة من مطابع، ودور متخصصة، وشركات، ومكاتب، ومراكز.. والتواضع على ازدياد، والشغف على اندفاع، والبذل لا ينضب.

أجيال نشأت على كتبها، وطلاب تخرجوا بمعارفها، ولا يزالون، وهي ما برحت تتطور وتزدهر بإدارة ثنائي متناغم لعل تآلفه يتفوق على التآلف الأول لأنه نابع من تحويل الصدفة إلى فعل تلاق متطابق، دونما قرار إرادي باختيار سابق. وقد فازت دار العلم منذ شهرين بجائزة أفضل دار نشر عربية وتُوّجت في حفل كبير أقامه حاكم الشارقة الشيخ د. سلطان القاسمي، تقديرًا لدورها الأساسي في نهضة كل بيت عربي وتكوين الشخصية المعرفية لكل من يقرأ العربية برصانة نشرية تتسم بالتفوق، والريادة، والاتقان، والصدق، والموضوعية، على أعلى المستويات.

نجح المؤسسان أبو روحي وأبو طارف، وهم صاحبا الفضل الأول، بإرساء منارة وتأصيلها بديناميكيّة الرواد، فإذا بدار العلم للملايين قلعة طليعية كلما خطت خطوة باتت قاعدة، وكلما أقدمت على عمل ترك بصمة، وكلما أصدرت إنتاجًا أضحى معلَما يهتدى به سواء بعمومية التداول أم باستباحته من المزورين قرصنة ونسخا وتقليدا. وككل منارة قدوة، ينتظر منها الباقون حركة لتصبح لديهم توجها، حتى لكأنّ كل أبناء المهنة يرصدون كل إشارة تنبئ باتجاه لديها لكي ينحوا نحوها في السياسة والنهج والأسلوب. لكن التميز والأصالة يتعذر تقليدهما. والفذ بهيج عثمان كان رائدهما. فهو بحق صاحب مدرسة في النشر والإدارة، تُوائم حسن الاشراف ببراعة التطوير، والمثابرة الجادة بنزاهة الصنعة، وشمولية البرمجة بنبل التعامل.

لازمته الطرافة في كل أموره، بعد أن اختارها صنوًا، حتى في تسمية طارف وسيما (للمرة الأولى في ابتكار الأسماء)، ومازجها بمزاح لماح نابع من روح نكتة، وطلاوة حديث، ودماثة خلق، فكان في كل مجلس الساحر الساخر، اللاذع الباهر، النادر الثائر، السالب للعقول، المحرك للمشاعر. وإلى دعابته، كان اسم بهيج عثمان مرادفًا للجد والهيبة والرصانة، والمثابرة الدؤوب بلا لغوب، أَحر به شاق طريق، ككشاف أو محارب، بل كمخترع في مختبره، يبرع في اكتشاف تلو الآخر، يجترحه على ضوء منهجية متطورة، منصّتها الإتقان وموثوبتها الحداثة، مبّرزا في كل مآثره، خلاّقا ابداعيا يصوغ الابتكار بروح الانقلاب حتى على الابتكار، ويطور الافكار بنفسية المتمرد على الافكار. فكان بتجديده المكرّس لمعيار، لا يضارع في عنقدة الجوهر وشق الغمار.

انظر إليه: مبادر سبّاق، كلمته عهد ووقفته مصداق، يشرقط الخاطرة فتخترق الآفاق، ويطارد الزمن فيكسب السباق، لرأيت إذ رنيت عالما يجمع العملانية إلى برور الميثاق، برشاقة الجائز إلى مستقبل خفاق، يحركه من داخل مفاعل وقّاد ذو نشاط ألاق، ينمّ عن قديد محنّك مارد عملاق. عُرف بأنه صاحب رأي ثاقب، وقرار حاسم، وموقف جريء، بالارتكاز إلى تقنية مشيقة، لحكها صوابية، ولفرجارها شفافية. فقبل الرمي يراش السهم. إداري مميز، عدّته انضباط مقونن في كل مسلك، وقسطاس صدقية يعطي كل ذي حق حقه، ومتابعة تفصيلية في اطار تنظيم مبرمج وتخطيط ممنهج.

حلاّل مشاكل بتجرد وحصافة، ومفكك أزمات بحرفية ورهافة، ومقنع بمنطق ذاتي الحجة والبيان. عملي إلى أقصى الحدود مع التزام بالمبدأ، ومقدام جسور دون اخلال بالاستقامة. رضي الأخلاق، سَبْط الحواشي، مسارع إلى غض الطرف، عفوّ عند المقدرة. ولا أنسى حين شكا لي موقفا مستغربًا وتصرفا سيئا من أحد المقربين، خلال اتصالنا الهاتفي اليومي قبيل وفاته في قبرص، إذ ما إن محضته الرأي ولو إلماعًا بالقيام بالرد المناسب حتى بادرني قائلا: "الآن..يا دكتور..ومع أحد أقرب الناس.. لم أفعلها في حياتي.. واليوم، وبعد هذا العمر، ما عادت تحرز!".

مكللاً كان بحس عال بالمسؤولية النابعة من وجدان، فلا يجبن ولا ينزوي، حتى إذا ما استعرت المعارك واحتدم التقاصف المدفعي وانقطعت شرايين التواصل، عمد إلى إيصال راتب كل موظف إليه بيده نقدًا في أي منطقة كان شهرًا بعد شهر. وهل هذا بمستغرب من الذي لم يردّ طلبا لسائل، ولم يخيب صاحب حاجة ملهوف، باستثناء بعض السطحيين من "المؤلفين" السمجين الذين يتوهمون أن مخطوطتهم البلهاء ستمزق الحجب وتلهب الشهب؟!. هكذا بلور نصاعة الأداء، انطلاقًا من خشية الله، وعدم العمل إلا بما يرضيه تعالى عند كل خطوة. ولذا، كان يتحاشى التذمر والمتذمرين، والنقّ والنقاّقين، حتى كانت عبارته الشهيرة: " إذا زاد التشدد فقدت البركة".

وتنفيذًا لها، وتقديرًا لنعم الله حق قدرها، داوم على الحمد والشكر قولاً وعملاً، فسارع إلى مشاركة الغير بالإكثار من الهدايا والتوزيعات بين مكافأة وهبة وزكاة ونحر وخدمة، مُتَوخيًا تعميق روح الجماعة وتحفيز الهمم. أينما ثـقفته، ألفيته شمولي المكرمات، نبيل المبرات، رافضًا أن يغذي كبرياء الإنسان فيه بنهم السلطة والاستحواذ، مع أنه كان الأول والأشد فاعلية في محيطه، والموجّه لكل من حوله، والقيادي المؤثر غير مُدَافَع.

الأستاذ بهيج نجم متقد الوهيج، محاط بهالةٍ عَلَم من زكانة الفطن. أينما دخل بهر، وكيفما تحرك غمر. حضوره حضور الحرية، وحماسته حماسة التطبيق. جملته مختصرة مكثفة، يقيسها بالحرف، وينفذها بالحرف. حريص على احقاق الحق ولو على حسابه. كثيرون حاولوا تقمص شخصيته ومحاكاة تصرفاته، منهم عاملون معه ومنهم زملاء ناشرون وأصدقاء، لكن معظمهم ظهر مزيفا وبخاصة من ظن صلابته قساوة ومن توهم استقامته جمودا.

كره المقلدين من غير ابتداع، والمُتحذلقين المدّعين تذوق الأدب، والمواربين الممثلين دور المخلصين. ونفر من المملّين، ولا سيما الثـقيلي الدم الذين يعتبرون أنفسهم خفيفي الظل. وكان يغضبه الكذب والدجل، والمماطلة والنفاق. وقد عانى من الخونة الطاعنين في الظهر، ومن ممذوقي الود أصحاب الوجهين واللسانين، ومن المتسلّقين عنوةً على خبرته وإشفافه وتذرّيه، ومن الوصوليين النفعيين الذين أساؤوا إليه بعد أن كانوا يتسكعون على بابه ويتمسحون بأعتابه. إلا أن ألد أعدائه هم رقباء المطبوعات ومزوّرو الابداعات.

هذا العصامي الذي عايش الفقر في مطلع فتوته من غير خيار، حقّق الغنى بالحلال من عرق الكد وجنى الثمار، فانخرط فورًا في مشاريع البر والاعمار، وغادر الدنيا يوم شرست حرب وطنه وعم الدمار. مات كما تمنى خفيفًا حسن الختام، بعد أن سلخ العمر في سباق دائم مع الزمن، يقتطع الساعات ويواثب الأيام. كان غيابه الصاعق شديد الوطأة، حتى أن والدي تمنى لو كان سبقه. لكنه رحل مطمئنًّا إلى ما بعده في المؤسسة والعائلة. وأذكر أني لم أره في يوم أسعد منه يوم الاحتفال بزفاف ابنه الحبيب طارف حيث بكى وبكيت معه غبطة وتأثرًا، لكننا أخفينا دموعنا عن الحاضرين.

تعلّمت منه الكثير، لعل أهمه:

  • إعلاء السقوف وخفض الأبواب.
  • دفق العطاء بدون انتظار الجواب.
  • صدق الوفاء يضمنه وضوح حاسم في الرأي بدلاً من تقلقل يفضي إلى تقلب أو انقلاب.
  • ثقة مشروطة خير من تردد يتلوه ارتياب.
  • انسحاب لائق يغني عن حسرة وعتاب.
  • اقتضاب مفيد يسحر الألباب خير من إطالة وإطناب.
  • فرادة تكيفية مع تجدد توليدي كفالتان ضد تقلبات الدهر والاستلاب.
  • قولة الحق في وجه المؤاخذ خير من مداورة يعقبها اغتياب.
  • البطر وجحود النعمة أدنى إلى الكفر منهما إلى أي ارتكاب.
  • ارفع رأسك ترفعا لا كبرياء، واخفضه تحببا وتقربا مهما كانت الظروف والأسباب.
  • أعظم تحد وانجاز للإنسان أن يعيش سماويا في نطاق التراب.
  • أقرب الأعمال إلى الله بر دائم، وحسن خلق، ونشر كتاب.