انتقل إلى المحتوى

خوارزم

مفحوصة
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة


تُعد خوارزم، أو ما يُعرف أيضًا بخوارزميا، واحدة من أكبر الواحات في دلتا نهر جيحون (آمو داريا) في غرب آسيا الوسطى. تمتد هذه المنطقة الخصبة بين عدد من المعالم الطبيعية البارزة؛ إذ تحدها من الشمال بقايا بحر آرال، ومن الشرق صحراء قيزيل قوم، ومن الجنوب صحراء قره قوم، في حين تفصلها عن الغرب هضبة أوستيورت.[1] شكلت خوارزم مركزًا للحضارة الخوارزمية ذات الجذور الإيرانية حتى القرن التاسع الميلادي، قبل أن تستقر فيها القبائل التركية التي تولت حكمها لاحقًا. وتعاقبت على المنطقة عدة ممالك وسلالات حاكمة، من أبرزها سلالة الأفريغيين وسلالة أنوشتكين، واتخذت هذه الدول عواصم مختلفة عبر التاريخ، مثل كاث وجرجانية -التي تُعرف اليوم باسم كُنيه أورغنج- ثم خيوة التي أصبحت العاصمة منذ القرن السادس عشر. أما اليوم، فتقع خوارزم ضمن حدود دولتين معاصرتين، إذ تتوزع أراضيها بين أوزبكستان وتركمانستان، مع احتفاظها بمكانتها التاريخية إحدى أهم مراكز الحضارة في آسيا الوسطى.[1]

الأسماء وأصل التسمية

[عدل | عدل المصدر]

الأسماء

[عدل | عدل المصدر]

عُرفت خوارزم عبر التاريخ بعدد كبير من الأسماء والصيغ المختلفة من بينها: خورازم، خورزم، خوارزميا، خوارزم، خُرَزم، خُرَاسَم، خُورِزم، حَرِزم، هُورِزم، تشورزم، تشوراسْميا.[2]

جاء الاسم في اللغة الأوستية بصيغة Xvairizem، في حين ظهر في الفارسية القديمة بصيغتين مكتوبتين بالخط المسماري، وهو ما يُقرأ تقريبًا بصيغة هُوَارَزْمِي. أما في الفارسية الحديثة فيُكتب الاسم: خوارزم (Xārazm). وورد اللفظ في العربية بصيغة خَوارِزْم، في حين سجلته المصادر الصينية القديمة بصيغة صوتية تُقارب qʰaljɯʔmriɡ، وفي الصينية الحديثة (花剌子模). ويظهر الاسم في لغات آسيا الوسطى المعاصرة بصيغ متعددة. فمثلًا في الطاجيكية: Хоразм / Xorazm / خوارَزم. في الكازاخية: Хорезм / حورەزم. في الأوزبكية: Xorazm / Хоразм / خورەزم. في التركمانية: Horezm / Хорезм / خوْرِزم.  في الأذربيجانية: Xarəzm / Харәзм. في التركية: Harezm. أما في اليونانية القديمة، فقد أشار هيرودوت إلى المنطقة بصيغتي Χορασμία (Chorasmía) وΧορασίμα (Chorasíma).

أصل التسمية

[عدل | عدل المصدر]

كتب الجغرافي العربي ياقوت الحموي في معجم البلدان، أن الاسم عبارة عن مركب فارسي، يتألف من: «خوار» و«رزم»، في إشارة إلى كثرة السمك المطبوخ الذي كان يشكل الغذاء الرئيس لسكان هذه المنطقة.[1]

يعتقد المستشرق كليفورد إدموند بوسورث، أن الاسم الفارسي يتكون من «خور» بمعنى «الشمس» و«زم» بمعنى «الأرض أو البلاد»، أي «الأرض التي تشرق منها الشمس». وتُذكر اشتقاقات مشابهة لاسم خراسان أيضًا. وتذهب رؤية أخرى إلى أن التركيب الإيراني يعني «الأراضي المنخفضة» من «خوار/خور» بمعنى «منخفض» و«زم» بمعنى «أرض». بالفعل تُعد خوارزم أخفض منطقة في آسيا الوسطى -باستثناء بحر قزوين في أقصى الغرب- إذ تقع عند دلتا نهر جيحون على السواحل الجنوبية لبحر آرال. وتُستخدم كذلك صيغ متعددة من «خوار/خار/خور/هور» في منطقة الخليج الفارسي للدلالة على السهول الطينية والمستنقعات والخلجان الضحلة، مثل: «خور موسى، خور عبد الله، هور العظيم، هور الحمار» وغيرها.

يظهر الاسم أيضًا في النقوش الأخمينية باسم هوفارازميش التي أُعلن عنها جزءًا من الإمبراطورية الفارسية.

يعتقد بعض العلماء الأوائل أن خوارزم هي ما تشير إليه النصوص الأفستية القديمة باسم إيريَنَم فَيجه (Airyanem Vaejah؛ ولاحقًا في الفارسية الوسطى: Ērān-wēz).[1] وتذكر هذه المصادر أن أورغنج القديمة التي كانت عاصمة خوارزم لسنوات طويلة، هي في الحقيقة أوروا، الأرض الثامنة من أراضي أهورا مزدا المذكورة في نص وندیداد البهلوي. لكن الباحث في تاريخ الشعوب الهندو-أوروبية المبكر، مايكل فيتزل، يرى أن Airyanem Vaejah كانت في منطقة تقع ضمن حدود أفغانستان الحالية، وهي مناطق شمالية كانت جزءًا من خوارزم القديمة وخراسان الكبرى. لكن آخرين يخالفونه الرأي؛ فالمؤرخ إلتون ل. دانيال من جامعة هاواي، يعد خوارزم «الموقع الأكثر احتمالًا» ليكون الموطن الأصلي للشعب الأفستائي، ويصف اللغوي والشاعر علي أكبر دهخدا، خوارزم بأنها «مهد القوم الآري».[1]

الأسطورة

[عدل | عدل المصدر]

يذكر العالم الخوارزمي أبو الريحان البيروني (1048–973) أن الأرض التي كانت تعود للملك الأسطوري أفراسياب قد استعمرها لأول مرة، الإسكندر الأكبر لمدة 980 عامًا (نحو 1292 ق.م، أي قبل العصر السلوقي بمدة طويلة)، وذلك حين قدم بطل الملحمة الإيرانية سياوَش إلى خوارزم. وقد اعتلى ابنه كيخسرو العرش بعد ذلك 92 عامًا، أي في سنة 1200 ق.م. ويبدأ البيروني بذكر الأسماء التاريخية فقط مع سلالة الآفريغيين من ملوك خوارزم (خوارزمشاهات)، إذ وضع بداية حكمهم في السنة 616 من العصر السلوقي، أي ما يوافق 305 م.[3][1][4]

الشعوب الأوائل

[عدل | عدل المصدر]

مثل بلاد السُغد، كانت خوارزم امتدادًا لثقافة باكتريا–مارجيانا خلال العصر البرونزي، وهي الثقافة التي اندمجت لاحقًا مع الشعوب الهندو–إيرانية في أثناء هجرتهم نحو العام 1000 ق.م. وقد نشأت دول العصر الحديدي المبكر نتيجة هذا التفاعل الثقافي. قائمة الثقافات المتعاقبة في منطقة خوارزم بين 500–3000 ق.م:[1]

  • ثقافة كِلتِمينار نحو 3000 ق.م.
  • ثقافة سويرغانوفو نحو 2000 ق.م.
  • ثقافة تازاباغياب نحو 1500 ق.م.
  • ثقافة أميرآباد نحو 1000 ق.م.
  • السَكَا نحو 500 ق.م.

خلال المرحلة الأخيرة من وجود السَكَا، كان في خوارزم نحو 400 مستوطنة.[1] وتحت حكم السلالة الآفريغية المحلية، دخلت خوارزم في هذه الفترة إلى السجل التاريخي مع توسع الإمبراطورية الأخمينية.

لغة الخوارزميين وثقافتهم

[عدل | عدل المصدر]

كانت اللغة الخوارزمية لغة إيرانية شرقية يُتحدَث بها في خوارزم ذاتها (أي في منطقة السهل الأدنى لنهر جيحون) حتى فترة قصيرة بعد الغزو المغولي، واستُبدلت بعدها باللغات التركية. وكانت الخوارزمية على صلة وثيقة بلغة السُغد. إضافةً إلى المصطلحات الفلكية التي استخدمها العالم الخوارزمي البيروني، فإن مصادرنا الأخرى عن اللغة الخوارزمية تشتمل على معجم الزمخشري العربي–الفارسي–الخوارزمي، وعددًا من النصوص القانونية التي استخدمت ألفاظًا خوارزمية لشرح بعض المفاهيم الفقهية.[1][1]

طوال معظم تاريخها، وحتى الغزو المغولي، كان سكان خوارزم من الأصل الإيراني، وكانوا يتحدثون لغة إيرانية شرقية تُسمى الخوارزمية. وقد أكد العالم الخوارزمي أبو الريحان البيروني، وهو من أبناء المنطقة، في كتابه الآثار الباقية، الأصل الإيراني للخوارزميين حين كتب (بالعربية):

«وأما أهل خوارزم فإنهم من جملة العجم، ولغتهم من لغات الفرس».[1]

كانت منطقة خوارزم تحت حكم الآفريغيين ثم السامانيين حتى القرن العاشر، قبل أن تُفتح على يد الغزنويين. وقد تعرضت اللغة والثقافة الخوارزمية الإيرانية لضغط متزايد نتيجة التوغل التركي من شمال خوارزم نحو الجنوب، ما أدى إلى زوال الطابع الإيراني الأصلي للمقاطعة وتحولها بالكامل إلى الطابع التركي في العصر الحاضر. ويُرجَح أن اللغة الخوارزمية استمرت في خوارزم العليا، أي في المنطقة المحيطة بهزاراسْب، حتى نهاية القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي.[4]

استمرت اللغة الخوارزمية لعدة قرون بعد دخول الإسلام، إلى أن حدث تتريك للمنطقة. ويبدو أن جانبًا من ثقافة خوارزم القديمة وتراثها قد بقي حيًا خلال تلك الفترة، إذ يصعب تخيل ظهور شخصية علمية كبرى مثل البيروني الذي كان مستودعًا لقدر هائل من المعرفة في فراغ ثقافي تام

  1. 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 https://Habib Borjian, "KĀṮ", www.iranicaonline.org/articles/kat-city
  2. "خوارزم". الموسوعة الإيرانية (بالإنجليزية).
  3. "ĀL-E AFRĪḠ". Encyclopaedia Iranica. مؤرشف من الأصل في 2025-12-28.
  4. 1 2 Bosworth, C.E. "Ḵh̲ W Ārazm." Encyclopaedia of Islam. Edited by: P. Bearman, Th. Bianquis, C.E. Bosworth, E. van Donzel and W.P. Heinrichs. Brill, 2007. Brill Online. Accessed at 10 November 2007 <http://www.brillonline.nl/subscriber/entry?entry=islam_SIM-4205[وصلة مكسورة]>