هذه المقالة يتيمة. ساعد بإضافة وصلة إليها في مقالة متعلقة بها

هيبوليتوس (مسرحية)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث


هيبوليتوس
تصغير
تصغير

النوع تراجيديا
نص يوربيديس
تاريخ الإنتاج منتصف القرن الخامس قبل الميلاد
البلد المنتج اليونان
موت هيبوليتوس بريشة لورينس تديما

هيبوليتوس هي مسرحية للكاتب الإغريقي " يوربيديس " الذي يعد أحد الثلاث الكبار ، كتاب التراجيديا الأغريقية " إسخيلوس ، سوفوكليس " . يتناول يوربيديس بهذه المسرحية سمات الشخصية المتطرفة بطريقة موضوعية ، و إدراك كاتبها أين يكمن موضع الخطأ فيها ، و أين يوجد الاختلال في التركيبة النفسية لصاحبها . خاصة أن التطرف سمة مذمومة بالحياة اليونانية و العقيدة اليونانية بوجه عام ، و لكن في هذه المسرحية نجد أن التطرف مذموما حتي في السمو ، لأن فضيلة الإنسان هي الاعتدال ، و هي الفضيلة الممكنة بشريا بحك محدودية الإنسان و محدودية قدراته ، و لأن التطرف يتطلب تكوينا مخالفا للتكوين البشري الواقعي ، و قدرات لا يملك الإنسان امتلاكها ، و لو كان التطرف نوعا من التعالي علي الذات أو رغبة في الاندماج مع المطلق ، فهو أمر يبدو حتي الآن محالا بسبب عدم امتلاك الإنسان لقدرات تمكنه من الوصول إلي قمة أو ذروة يسعى للتربع عليها بغير أن يحور مقومات ذلك [1].[2]

شدت الأسطورة انتباه الأدباء و الفنانين علي مدي العصور المتتالية . نظم الشاعر الإغريقي يوربيديس في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تراجيدتين الأولى بعنوان "هيبوليتوس المقنع" و الثانية "هيبوليتوس المتوج" ، كما نظم سوفوكليس تراجيديا ثالثة بعنوان فايدرا ، و لم تصل لنا سوى شذرات قليلة من المسرحية الأولى و الثالثة بينما وصل النص الثاني كامل [2].

الحبكة[عدل المصدر]

تدور أحداث مسرحية هيبوليتوس للكاتب المسرحي " يوربيديس " حول " هيبوليتوس " الشاب الذي يضع الولاء للربة أرتميس في مكان الصدارة من نفسه ، في الوقت الذي لا يلقي فيخ بالا لتعاليم الربة أفروديت ، بل إنه يمضي في تاديه إلي حد الاستهانة بسلطانها و احتقار عبادتها و شعائرها [3].

لقد كان هيبوليتوس يعزف عن جنس النساء برمته ، و يمقته بصورة غير عادية ، لأنه في نظره جنس يتنافى و تقاليد العفة و العذرية التي يقدسها [4].

و كان لزاما علي الربة أفروديت أت تؤكد سلطانها و مقدرتها لهذا المغتر ، فتشعل نار الرغبة و الاشتهاء في قلب زوجة أبيه فايدرا ، و تحس الأخيرة من فورها نحوه بعاطفة جارفة [3].

و لأن فايدرا كانت تعلم أن مثل هذه العاطفة آثمة و محرمة ، فإنها تكبت عاطفتها ، و تئد مشاعرها حتي ذبل عودها ، و أصيبت بالسقم ، و اعتراها المرض . و تعلم مربيتها العجوز -و هي سيدة لا ينقصها الدهاء- بأن سيدتها تخفي عنها سرا خطيرا ، و تحاول ستر أمر جلل ، فتحتال عليها حتي تتمكن من حملها علي أن تبوح لها بسرها الدفين ، خاصة و أنها تعلم أن المحبين هم أضعف الناس ، و أقلهم قدرة علي كتمان أسرارهم [4].

و لأن المربية العجوز كانت تشفق علي سيدتها ، مما جعلها تبذل كل ما بوسعها حتي تبلغ هيبوليتوس أمر هذه العاطفة الجارفة التي أهلكت سيدتها ، عل قلبه يرق و مشاعره تلين و يشعر بالشفقة عليها ، و لكن الشاب المغتر يقابل هذا التصريح من المربية بالنفور و الاستنكار ، و يرفض هذه العاطفة الشائنة رفضا قاطعا [3].

و حينما تعلم فايدرا برد فعله الغاضب يجن جنونها ، و تشعر بالمهانة و المذلة لاحتقار عاطفتها ، فتصمم علي الانتقام ، و تهتدي إلي أن خير طريقة لذلك هي أن تقدم علي الانتحار ، بعد أن تكتب رسالة لزوجها " ثيسيوس " والد هيبوليتوس ، حيث أنه كان غائبا عن القصر أنذاك ، تخبره بها أن إبنه قد أقدم علي الاعتداء عليها فانتحرت صونا لشرفها و كرامتها [5].

و حينما يعود الزوج يفاجأ بموت زوجته الغير متوقع ، و يعلم بما حدث بعد قراءة الخطاب الذي تركته زوجته الراحلة ، فتثور ثائرته علي ابنه ، و لا يصغي لدفاعه عن نفسه . و لا لتوسلاته ، بل يستمطر عليه اللعنات ، و يتهمه بأنه يتستر خلف قناع العفه ليخفي أغراضه الدنيئة [5].

و يبتهل الوالد الحزين علي فقد زوجته ، إلي الإله بوسيدون رب البحر أن ينتقم من ولده العاق ، حيث إن هذاالإله كان قد وعد بتلبية ثلاث أمنيات يطلبها ثيسيوس منه [4].

و يخرج الشاب التعس مغضوبا عليه من الأب ، مطرودا من القصر ، منفيا عن المدينة . و بينما كان يقود عربته بحذاء الشاطئ و هو يفر من المدينة كالمجنون خرج وحش مخيف ساقه الإله بوسيدون من أعماق البحر و فتك بالشاب [4].

و يفد رسول ليعلن للوالد المكلوم أن ابنه الأمير قد تعرض لحادث دام ، ثم يدخل أتباع الملك وهم يحملون هيبوليتوس جسدا مسجى الحياة و الموت [5].

ثم تتجلي الربة أرتميس في صورتها الربانية للملك و ابنه ، و تعلن علي الملأ طهارة هيبوليتوس و براءته مما نسب إليه في خطاب فايدرا زورا و بهتانا ، و تواسي الربة الشاب التعس في مصابه و تنبهه إلي تطرفه في عبادتها ، و هو تطرف أدى به إلي نكرانه سلطان الربة أفروديت و بقية الأرباب ، مما أدي في النهاية إلي دماره .

و ينهار الوالد التعس حينئذ ، و يطلب من ابنه الصفح ، لكن الابن يجود بأنفاسه الأخيرة بين ذراعي الوالد المنهار [4][5]

مفهوم الصراع بالمسرحية[عدل المصدر]

موت هيبوليتوس في منحوتة جان بابتيست ليموان في اللوفر

من الناحية الشكلية يمكن أن يتلخص الصراع بالمسرحية بين ربتين " أفروديت ، أرتميس " أو بمعنى آخر بين الغريزة الجنسية و العفة أو الطهارة ، حيث أن هيبوليتوس يقدس أحداهم و ينكر سلطة الأخري [6].

و لكن يوربيديس جعل هناك مستويات عدة و تأويلات تحملها المسرحية من بينها ، التأمل في المشاعر المتباينة داخل النفس الإنسانية و ذلك بداخل هيبوليتوس نفسه فما بين العفة و الزهد و الغريزة الطبيعية . و نستنتج من شخصية التي أنكبت علي طريق الصواب -من وجهة نظره- دون عقد المصالحة بين الرغبات التي تبدو متعارضه بداخله ، و بدلا من اعتقاده بأن لكل رغبة منهما ضرورتها الحيوية و أهميتها في حياته ، نجده ينقاد بكليته إلي أحداهما و يتمادى في تجاهل الأخرى لدرجة الازدراء ، و من هنا تنبع مأساته التي تنتهى بهلاكه [7].

و من هنا يوضح يوربيديس أن الخطأ البشري يكمن في التطرف الذي يمنع الإنسان من الفهم الصحيح لأي موقف ، فيراه موقف خاطئ و لو كان هدفه الوصول إلي الأمور الخيرة الفاضلة . و منه يوضح أن الإنسان كائن مركب لا يحتوى علي عناصر ذات اتجاه واحد ، و أن عظمته تكمن في سر تلك التركيبة المعقدة التي تضم مختلف الاتجاهات جنبا إلي جنب بغير تعارض حقيقي [8].

عالجت المسرحية سمات الشخصية المتطرفة بطريقة موضوعية ، و أوضح الكاتب أين يكمن الخطأ و الاختلال في التركيبة النفسية للشخصية . سمة التطرف تعد من السمات المنبوذة بالعقيدة اليونانية و الحياة اليونانية بشكل عام ، رغم تصوير هذه السمة بالمسرحية أنها حميدة لصاحبها و لكن يصل بالنهاية لمصير مأساوي و ذلك لأن فضيلة الإنسان هي الاعتدال-كما يريد يوربيديس تصويرها- . و هي الفضيلة الممكنة بشريا بحكم محدودية الإنسان و محدودية قدراته ، و لأن التطرف يتطلب تكوينا مخالفا للتكوين البشري الواقعي ، و قدرات لا يملك الإنسان امتلاكها ، و لو كان التطرف نوعا من التعالى علي الذات أو رغبة في الاندماج مع المطلق ، فهو أمر يبدو حتي الآن محالا بسبب عدم امتلاك الإنسان لقدرات تمكنه من الوصول إلي قمة أو ذروة يسعى للتربع عليها بغير أن يحوز مقومات ذلك [9].

البعد الأسطوري[عدل المصدر]

تشتهر الأسطورة باسم أسطورة فايدرا التي عشقت هيبوليتوس إبن زوجها ، و تمثل أسطورة فايدرا جزءا من مجموعة الأساطير التي تناقلها الإغريق عن ثسيوس أحد الملوك الأسطوريين لأثينا [2].

لم يكن هيبوليتوس مجرد شخصية أسطورية ، لكنه كان موضوعا لعبادات محلية قامت في كل من أثينا و ترويزون . كانت عبادة هيبوليتوس في ترويزون قديمة و هامة يشير يوربيديس إلي هذه العبارة علي لسان الربة أرتميس أبيات " 1423-1429" [10]

تنبع المسرحية من بعد أسطوري و يعود إلي " هيبوليتى " و هي امرأة أمازونية تنتمي لطائفة من النساء تتنكر لجنسها و تتشبه بالرجال ، و مع ذلك فإن هذه الطائفة من "الأمازونيات" و هذه الطائفة تكره إيضا جنس الرجالو تمقته مقتا شديدا رغم تشبهها به . و من أجل هذا الاعتقاد اعتزلت " هيبوليتى " و رفيقاتها الرجال ، و عشن بمجتمع خاص بهن ، و كرسن أنفسهن للحرب و القتال عن طريق تجاهل طبيعتهن الأنثوية ، لدرجة أن كل واحدة منهن تخلصت من أحد ثدييها حتي لا يعوقها عن رمى السهام [11].

حيث بعد تولي ثيسيوس " والد هيبوليتوس " عرش أثينا حقق إنجازات لا حصر لها ، إنجازات سياسية و اقتصادية و عسكرية و من بين إنجازاته العسكرية إخضاع مملكة الأمازونيات ، هذه المملكة التي تعبد الربة أرتميس " ربة العفة و الصيد و العذرية " و يتجاهن عبادة الربة أفروديت ، و كانت ملكة المملكة أنذاك هي هيبوليتي ، بعد غزو ثيسيوس للمملكة وجدت هيبوليتي نفسها وجها لوجه أمام ثيسيوس ، عشقته من أول نظرة و ذلك بعد إلقاء الربة أفروديت بسهام الحب في قلبها نحوه عقابا لها علي تشبثها بعبادة الربة أرتميس ، تزوجا و انجبت هيبوليتي " هيبوليتوس " ثم ماتت . فأصبح ثيسيوس بلا زوجة فتذكر زوجته الأولى " أريادنى " و لكنها تزوجت من الإله ديونيسوس ، فقرر الزواج من أختها فايدرا ، فهي تشبه أختها بكل شئ ، احبت فايدرا ثيسيوس و انجبت له ولدان " أكاداماس ، ديموفون " و رأي ثيسيوس أن ولديه من فايدرا أحق بالحكم من بعده ، فقرر التخلص من ابن الأمازونية هيبوليتي ، فأرسله للعيش في بلاط جده " بيتثيوس " في " ترويزن " و هكذا عاش هيبوليتوس بعيدا عن والده ، و قضي حياته في عبادة الربة أرتميس و سلك مسلك والدته و تجاهل الربة أفروديت ، فغضبت منه الربة أفروديت كما غضبت من والدته و قررت الانتقام منه كما فعلت سابقا [12]

أقام هيبوليتوس في ترويزن و كرس حياته للصيد و ممارة الرياضة و عبادة الربة أرتميس ، و أقام معبدا جديدا لها ، هذا السلوك زاد من غضب الربة أفروديت ، و قررت الانتقام . و ذلك خلال الاحتفالات بأعياد إليويس ظهر هيبوليتوس في ثياب بيضاء ناصعة ، ممشوق القوام و قوى البنية و بهي الطلعة ، يسير هو و مجموعة من الشباب من هواة الصيد و الرياضة ، هذه الاحتفالات التي ذهبت لها فايدرا أيضا و ذلك بتدبير من الربة أفروديت و هناك قذفت الربة أفروديت بسهام العشق بقلب فايدرا ، و احبت فايدرا هيبوليتوس ، في المقبل لم يرها هيبوليتوس و لم يرَ أي امرأة حيث أنه عازف عن النساء جميعا [13]. و بعد انتقال هيبوليتوس للعيش مع والده بأثينا اصبحت اللقاءات بينهم أكثر مما زاد من رغبة فايدرا نحوه ، بهذا الوقت لم يكن ثيسيوس بأثينا بل كان مع صديقه بيريثوس برحلة .[14].

استخدم يوربيديس هذا البعد الأسطوري ليكون خلفيته ليبدأ مسرحيته ، و هذا من خلال نسب هيبوليتوس بطل المسرحية ، و هو ابن هيبوليتى . و من انكار الأم لطبيعتها الأنثوية ، و بسبب ذلك نشأ هيبوليتوس علي التجاهل العكس لطبيعته ، و صار رجلا يمقت الجنس المخالف له و هو جنس النساء . رغم هذا لم يرد يوربيديس لاستخدام هذا النسب فقط كاسقاط لحالة البطل المأساوية ، بل جعله خلل نفسي نابع من شخصيته [11].

الشخصيات[15][عدل المصدر]

الترتيب حسب الظهور بالمسرحية

  1. جوقة (1) و هم الصيادين أى رفاق هيبوليتوس .
  2. جوقة (2) و هن جوقة الترويزينيات " رفيقات فايدرا " .

تحليل الشخصيات[عدل المصدر]

هيبوليتوس[عدل المصدر]

لقد أظهر يوربيديس جانبا أساسيا من شخصية هيبوليتوس ، و هو الجانب الذي يوضح تطرفه في التزام العفة و الطهر ، و هو مسلك دفعه في الواقع إلي تجاهل بقية الجوانب الأخري التي تشكل وجوده ، و منها الجانب العاطفي . و يري الكاتب أن هذا السلوك غير طبيعي . فكما أن لكل رب أو ربة ميدانه الذي ينبغي علي البشر أن يقدسوه من أجله ، و يقروا بسلطانه فيه ، كذلك فإن لكل جانب من جوانب الحياة البشرية ضرورته الحيوية من أجل استمرار الحياة الإنسانية [16].

هذا السلوك من جانب هيبوليتوس قد دفع به دفعا إلي المأساة ، فحتي لو لم تتدخل زوجة أبيه بمثل هذه الصورة في حياته ، فسيصل بطريقه أو بأخري للهلاك . و رغم أن يوربيديس يدين مسلك هيبوليتوس و يبين اختلاله إلا أنه في الوقت نفسه يؤكد سموه و نبله كشخصية تراجيدية في أكثر من موضع ، فعلي سبيل المثال أعطانا المؤلف الإحساس بالسمو في تصرف البطل حينما فوجئ باتهام هو منه برئ ، فجعل دفاعه عن نفسه دون كلمه واحده من شأنها أن تدين زوجة أبيه أو تدنس شرفها رغم أتهامها له بالباطل . و بذلك اكتملت صورة هيبوليتوس التراجيدية بالمسرحية ، حيث أن البطل التراجيدي يتحمل المعاناة بغير أن يتزعزع ، و هو سام في سقطته كما هو سام في نواحي حياته الأخري ، كما أن خطأه لا يتناقض مع سموه ، و لا ينتقص من قدره [16].

إن الغطرسة التي انساق إليها هيبوليتوس تعود إلي شعوره بالتفوق ، و هو شعور تولد لديه من تمسكه بالطهارة و العفة إلي درجة الهوس ، و هو هوس ديني ملك عليه لبه و منعه من رؤية الأمور بشكل سليم . لقد تنكر هيبوليتوسللعاطفة التي وجد عن طريقها في الحياة ، العاطفة التي بها استطاع الإنسان تعمير الكون . إن خطيئة هيبوليتوس ليست مجرد انحراف بالغريزة عن مسارها الطبيعي ، بل هي تجاهل تام لها رغم ضرورتها في حياة البشر [17].

فايدرا[عدل المصدر]

فايدرا هي امرأة تعيسة بكل المقاييس ، لأنها -من ناحية- فريسة لرغبة جامحة عارمة لا يد لها فيها ، حيث إنها مسلطة عليها من قبل الربة أفروديت ، و من ناحية أخري كان عليها أن تقاوم عاطفتها ، حيث إنها عاطفة آثمة تجاه من هو محرم عليها حبه [18].

و لكن فايدرا تشعر بالمهانة و الإذلال حينما تتبين أن الشاب الذي تهيم به حبا متعجرف صلب ، حيث كان بوسعه ردها بلطف و يعينها علي نسيان عاطفتها و أن يقدر ضعفها الأنثوي ، لكنه تعالى عليها و ثار في وجه عاطفتها ، مما جعلها عرضة للافتضاح . إن كرامتها الأنثوية الجريحة تدفع بها رغما عنها إلي الانتقام ، و إلي تدمير خصمها ، لكن دمار هذا الخصم لم يكن له أن يتم دون أن تدمر ذاتها قبل تدميره . و من هنا جائت فكرة الانتحار كخلاص لهمومها ، و شفاء لعاطفتها المدمرة و لحبها الذي صار بلا جدوى ، و كانتقام ممن أهان أنوثتها و احتقر مشاعرها.[19].

وظف يوربيديس موتها بالمسرحية فهو تدليل علي حماقة هيبوليتوس و إن فايدرا ما هي إلا أداة بريئة ارادت الربة أفروديت أن تبرهن من خلالها علي سلطتها . أما بقاء هيبوليتوس علي قيد الحياة بعد موتها فوظفه يوربيديس لتحقيق عملية العقاي بعد سقوط هيبوليتوس في الخطأ التراجيدي و هو التطرف .

حرص يوربيديس علي أن يصور فايدرا امرأة عفيفة سامية الخلق في المقام الأول : فحينما تقع تحت تأثير الربة أفروديت و حينما تحس بالرغبة المحمومة تجاه هيبوليتوس ، تكبت من فورها تلك الرغبة لأنها آثمة و محرمة ، و لأنها بوصفها سيدة فاضلة تعتبر أن مثل هذه العاصفة نزوة و خطيئة لا يليق بها الانحدار إليها ، و لكن هذا الكبت لمشاعرها التي استبدت بها ، و سيطرت عليها ، يدفعها إلي الوقوع فريسة للعذاب و المعاناة و من ثم للمرض الجسدي . و حينما تعلم فايدرا بانكشاف سرها للشاب و رفضه لعاطفتها باحتقار ، شعرت بالغضب فنسيت تعقلها و مقاومتها للعاطفة و سعيت للانتقام [19].

غياب فايدرا من مسرح الأحداث باكرا لا يعد خطأ بل هو للتركيز علي مأساة هيبوليتوس ، ففايدرا ما هي إلا أداة لإنزال الدمار الذي قدرته الربة أفروديت علي البطل . و ما يشكل أهمية هو دمار هيبوليتوس لا دمار فايدرا ، حيث أن الأول يخضع لقانون الإثم الأرسطي في حين لا تخضع له فايدرا [20].

ثيسيوس[عدل المصدر]

هناك شخصية ثالثة تقف بين الشخصيتان الرئيسيتين و هي " ثيسيوس " الوالد و الزوج ، حيث أنه فقد ابنه و زوجته في آن واحد ، فهو الذي وقع فريسة لحب زوجته فصدق خطابها المزعوم ، و جنى علي ولده التعس . أهمية هذه الشخصية نابعة من الصلة التي تجمعها بكلتا الشخصيتان -طرفي الصراع- [21].

كما أن شخصية ثيسيوس قد بنيت بمهارة رغم حضورها القليل ، كان تصرف منطقي سواء عند فجيعته لفقد زوجته ، أو عند صدمته في سلوك ولده،أو عند حسرته و ندمه بعد ما تبينت له براءة هذا الابن ، غير أن يوربيديس يريد من خلال شخصية الأي تجسيد جزءا من معاناة هيبوليتوس ، فالاتهام الظالم الذي وجهه ثيسيوس إلي ابنه ، و العقاب الذي حل بذلك الابن التعس يجعل تعاطفنا يزداد علي البطل بعد إحساسنا بالاستياء من تكبره و بالنفور من صلابه بالبداية [21].

إن قسوة الأب و تحامله علي الابن توضح الجانب الآخر من شخصية هيبوليتوس ، و هو الجانب الذي يتضح به نبله و سموه الخلقي ، الذي جعله يأبى أن يثبت براءته عن طريق تدنيس شرف زوجة أبيه . و ظهر هذا بوضوح عن طريق مسلك الأب المتدرج من إبنه [21].

المربية العجوز[عدل المصدر]

أما المربية فرغم أنها شخصية ثانوية إلا أن يوربيديس جعل لها أهمية ما ، فأحاديثها تحمل قدرا من المرح و الحيوية . و هي امرأة عجوز لا ينقصها الدهاء الذي يصل بها أحيانا إلي حد المكر ، و لكنها مع ذلك أمينة علي سر سيدتها ، إذ حافظت علي كتمانه لفترة طويلة دون أن تنبس ببنت شفة . و لم تبح بسرها للشاب إلا عندما أسقط في يدها و خافت علي سيدتها من الهلاك ، فاضطرت رغما عنها لمصارحة الشاب ، رغبة منها في أن تظفر منه بما يشفي سيدتها من رغبتها المستبدة [22].

تعد الشخصية رغم صغر الدور لكنها ضرورية فهي شخصية وظيفية محركة للحدث من خلال ما كشفته من سر خفى لسيدتها ، كذلك تدفع الأحداث الدرامية قدما إلي الأمام ، و تساهم في بلوغها هدفها المرسوم [22] .

الجوقة[عدل المصدر]

دائما ما ترسم الجوقة لدي يوربيديس بأناشيدها الرائعة لوحة خلابة جميلة ، تصلح كخلفية للأحداث ، لكنها مع جمالها الفني تكون عادة- بعيدة عن ربط الأحداث ببعضها كما يفعل سوفوكليس . يضع يوربيديس جوقتين بالمسرحية لا واحدة ، إحداهما مصاحبة لهيبوليتوس و تتعاطف معه علي الدوام ، و الأخري مرافقة لفايدرا و تشاركها رغباتها و تتفهم موقفها [23].

نجح يوربيديس من خلال هذا الاستخدام المزدوج في أن يكسب أحداث المسرحية صفة التضاد ، و أن يضفي في الوقت نفسه حيوية دافقة علي حالة الشخصيات النفسية . و يري بعض النقاد أن الكثير من أغاني الجوقة لدي يوربيديس كانت هروبية ، و تحمل حلم الشخصية و رغباتها الكامنة في التخلص من واقعها المأساوي و تطلعها إلي واقع آخر تخيلي و تعتقد أنه أفضل لها بطبيعة الحال [23].

الزمان[عدل المصدر]

يعود زمن المسرحية إلي ما قبل التاريخ الإغريقي [24].

المكان[24][عدل المصدر]

قصر الملك ثيسيوس ، في مدينة " ترويزن .

الديكور[عدل المصدر]

تظهر واجهة القصر الفخم الضخم ، في أحد جانبى المسرح تمثال للربة أفروديت ، و الجانب الآخر تمثال للربة أرتميس .

السمات الفنية بالمسرحية[عدل المصدر]

تتضح في هذه المسرحية خصائص يوربيديس الفنية ، خاصة ما يتعلق منها بالمقدمة و دور الجوقة . فالمقدمة قد صيغت بمهارة علي لسان الربة أفروديت ، حيث لخص بها يوربيديس خلفية أحداث المسرحية ، و مهد للفعل الدرامي الذي سيعرض علي المشاهدين بصورة تفصيلية بعد ذلك [25].

تعد أحد سمات يوربيديس الفنية أنه يجعل البرولوج أو المقدمة تلقي علي لسان أحد شخصيات العمل سواء كانت شخصية بشرية أو إلهية . تظهر الربة أفروديت في مقدمة المسرحية و تظهر الربة أرتميس في الختام ، حيث أنهم شخصيات بالمسرحية . يستخدم يوربيديس الشخصيات الإلهية لتكون رموز للقوى الداخلية للإنسان كما أنه يجسدها في الصورة الإلهية و يجعلها شخصيات حتي يحقق للدراما الحيوية ، و من خلالها يتضح للجمهور جزء كبير من المعرفة عن خلفية الأحداث [26].

كذلك يلجأ يوربيديس بالنسبة لأحاديث الرسل و الإسهاب في الوصف ، إلي التأثير البلاغي علي السامعين ، و طريق مميزة يستخدمها ، إذ يعتقد أن التفصيل في الوصف ، و الأسهاب في السرد مع تنوعه -يمنح أحاديث الرسل جاذبية- ، و يضفي عليها حيوية تجعل المشاهد يتقبلها باهتمام ، و لا يعرض عنها ، أو, يمل من متابعتها [26].

تناولات أخري[عدل المصدر]

في فرنسا نظم فيليب كوينو (1635-1688)تراجيديا غنائية في خمسة فصول بعنوان "ثيسيوس" ، حيث وضع موسيقاها الموسيقار لوللي ، و عرضت لأول مرة عام 1675 . ثم كتب جان راسين (1639-1699) تراجيديا بعنوان "فايدرا" و عرضت لأول مرة 1677 . كما كتب في نفس العام بيقولاس برادو (1632-1698)تراجيديا بعنوان "فايدرا و هيبوليتوس" لينافس بها تراجيديا راسين . كما كتب الناقد الروائي و الكاتب المسرحي أندريه جيد (1869-1951)-الذي حصل علي جائزة نوبل في الأدب عام 1947- رواية نثرية بعنوان ثيسيوس و ظهرت عام 1946 [27].

في بريطانيا كتب إيموند سميث في عام 1706 تراجيديا بعنوان فايدرا و هيبوليتوس و هي إعداد لتراجيديافايدرا لراسين . و في عام 1733 وضع جان فيليب رامو (1683-1764) موسيقى أوبرا هيبوليت وأريسى من تأليف القديس بللبجرين . في عام 1873 وضع جول مارسينيه إفتتاحية موسيقية لتراجيديافايدرا لراسين ، و في عام 1900 وضع موسيقى الخمسة أجزاء أخري للتراجيديا[28].

في عام 1926 وضع آرثر هونيجر الموسيقى التصويرية لنص فايدرا لمؤلفها دانونزيو . في عام 1950 وضع جورج أوريك موسيقى لباليهتراجيديا تأليف جان كوكتو (1892-1963) . و في عام 1975 وضع بنيامين بريتين (1913-1976) لحنا لترجمة فايدرا لراسين التي قدمها روبرت لوويل و عرضت في عام 1976 [28].

انظر أيضاً[عدل المصدر]

المصادر[عدل المصدر]

  • أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ، ط 3 ،الناشر : مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة .
  • هيبوليتوس ، يوربيديس ، ترجمة : عبد المعطي شعراوي ، مراجعة : أحمد عتمان ، سلسلة " من المسرح العالمي " ، عدد 182 ، 1984تصدر عن وزارة الإعلام ، الكويت .
  • نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، سلسلة أدبيات ، الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان ، ط 1 ، 1994 ، القاهرة .
  1. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم
  2. ^ أ ب ت أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ،ص223
  3. ^ أ ب ت نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص220
  4. ^ أ ب ت ث ج هيبوليتوس ، يوربيديس ، ترجمة : عبد المعطي شعراوي
  5. ^ أ ب ت ث نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص221
  6. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 222
  7. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص222
  8. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص223
  9. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص224
  10. ^ هيبوليتوس ، يوربيديس ، ترجمة : عبد المعطي شعراوي ، ص:5
  11. ^ أ ب نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 224
  12. ^ أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ،ص 204
  13. ^ أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ،ص 206
  14. ^ أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ،ص 207
  15. ^ مسرحية هيبوليتوس ، يوربيديس ، ترجمة د/ عبد المعطي شعراوي ، ص:21
  16. ^ أ ب نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 225
  17. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 226
  18. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 227
  19. ^ أ ب نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 228
  20. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 229
  21. ^ أ ب ت نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 230
  22. ^ أ ب نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 231
  23. ^ أ ب نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص 232
  24. ^ أ ب هيبوليتوس ، يوربيديس ، ترجمة و تقديم : د/ عبد المعطي شعراوي ، ص:21
  25. ^ نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص231
  26. ^ أ ب نظرية الدراما الإغريقية ، د/ محمد حمدي إبراهيم ، ص232
  27. ^ أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ،ص224
  28. ^ أ ب أساطير إغريقية "أساطير البشر" ،د/ عبد المعطي شعراوي ، ج1 ،ص225