المحتوى هنا ينقصه الاستشهاد بمصادر، أي معلومات غير موثقة يمكن التشكيك بها وإزالتها.
هذه المقالة يتيمة. ساعد بإضافة وصلة إليها في مقالة متعلقة بها
يرجى مراجعة هذه المقالة وإزالة وسم المقالات غير المراجعة، ووسمها بوسوم الصيانة المناسبة.

عدنان الداعوق

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
عدنان الداعوق
معلومات شخصية
تاريخ الميلاد سنة 1932  تعديل قيمة خاصية تاريخ الميلاد (P569) في ويكي بيانات
تاريخ الوفاة 1986
N write.svg
هذه مقالة غير مراجعة. ينبغي أن يزال هذا القالب بعد أن يراجعها محرر ما عدا الذي أنشأها؛ إذا لزم الأمر فيجب أن توسم المقالة بقوالب الصيانة المناسبة. (فبراير 2009)
Question book-new.svg
المحتوى هنا ينقصه الاستشهاد بمصادر. يرجى إيراد مصادر موثوق بها. أي معلومات غير موثقة يمكن التشكيك بها وإزالتها. (مارس 2016)

عدنان الداعوق (1932 - 1986)Adnan Daouk ينتمي بجذوره إلى عائلة الداعوق إحدى أعرق العائلات البيروتية المعروفة، والده كامل أفندي إبراهيم الداعوق، كان من أوائل الخريجين العرب من كلية الحقوق بجامعة استامبول أو ما كان يعرف بجامعة الاستانة مكتب الحقوق الشاهاني عمل في سلك القضاء واتسم بالعدل ورفعة الخلق والاستقامة وتنقل بين مدن سوريا واقضيتها المختلفة، ولد عدنان في مدينة حلب وكان الأصغر بين اخوته، ذاق مرارة اليتم وهو في سن الرابعة عشرة من عمره، بدأ عدنان بالرسم منذ الطفولة، ولكنه بدا بالكتابة ولم يزل على مقاعد الدراسة يشجعه على المضي في ذلك الدرب أساتذته في ثانوية إبراهيم هنانو أمثال العمالقة خليل الهنداوي، وزكي الارسوزي، وصدقي إسماعيل، نشر العديد من القصص والمقالات في الدوريات المحلية والعربية وخاصة في القاهرة وبيروت، شارك في المؤتمر الأول التأسيسي للادباء العرب الذي عقد في القاهرة عام 1958 وكان أصغر اعضاء المؤتمر سنا (28 سنة)، ثم شارك في المؤتمر الثاني عام 1959، وفي هذا الخضم المفعم بالادب وبحرفية خاصة تدعمها موهبته الفذة بنى عدنان الداعوق جسورا من العلاقات مع شوامخ الادب العربي المعاصر أمثال يوسف السباعي، محمد عبد الحليم عبد الله، عباس محمود العقاد، إبراهيم ناجي، وغيرهم، وكان من المؤسسين الأوائل لاتحاد الكتاب العرب في سوريا إلى جانب عبد السلام العجيلي، قمر كيلاني، حسيب كيالي، اسكندر لوقا، شكيب الجابري، ياسين رفاعية، زكي المحاسني، نصر الدين البحرة، حسام الخطيب، فاضل السباعي، فرح مهاة الخوري، شاكر مصطفى، وغيرهم كثيرون.

انتقل بعد وفاة والده إلى حمص وهو في سن التاسعة عشرة، عاش فيها واحبها وكان في ريعان شبابه.. تحسـس آلام هذه المدينة وتنسم آمالها وسطر أمجادها وبطولاتها فعاشت في كيانه فكراً وأدباً وتاريخاً وعطاء..يصورها أجمل تصوير في قصص يصوغها بأسلوبه العذب، رعى الشوق الذي تكنه مدينة ابن الوليد لأبنائها المغتربين والحنين الذي يجيش في نفوس أولئك المغتربين نحو موطنهم فساهم في تأسيس رابطة أصدقاء المغتربين فكانت له صلات وشيجة معهم فكان صديقاً للشاعر جورج صيدح وكان بينهما مراسلات لم تنقطع حتى فرقت المنون بينهما. كما كانت بينه وبين المرحوم الأديب المهجري نظير زيتون صلات ودٍ ومحبة وقد بادله زيتون الإكبار والتقدير فقدم له كتابه (ذات الخال) القاهرة 1959. كان وحدوياً ووطنياً إلى أبعد الحدود يتحسـس آلام أمته وما زال أبناء حمص يذكرون له مأثرة مساهمته في دعم الهلال الأحمر ونشاطه في جمع التبرعات بالدم لجرحى حرب لبنان. تعرض للسجن مرات عدة بعد انفصال الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961 وبقيت الملاحقات الأمنية تقض مضجعه حتى فر إلى المملكة العربية السعودية عام 1977 وتوفي في الرياض عام 1986

تزوج في العام 1960 من المربية الفاضلة السيدة أميمة هاشم الجندي وله منها ثلاثة أبناء خالد جاهد وزياد

بدأ كاتباً قصصياً في أواخر خمسينيات القرن العشرين مع إصدار مجموعته الأولى "ذات الخال" (1959) التي حفلت بخصائص القصة القصيرة، واعتنت بعناصرها الفنية، ولا سيما الحديث عن نماذج بشرية في حال معاناتها وقلقها من ضغوط الحياة ضمن أسلوبية تحليلية للواقع والنفس في آن واحد، ثم تتعمق القصة في رؤية المواقف في خضم المشكلات النفسية والاجتماعية.‏

اهتم عدنان الداعوق بوضع الدراسات والبحوث التاريخية والنقدية عام 1968، فوضع كتابه «أبطال وأمجاد ـ سجل في تاريخ حمص الثوري عام 1925»(15) وهو تاريخ الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وأهدى الكتاب إلى أبنائه «خالد وجاهد وزياد وإلى أبناء هذا الجيل كافة الذي يلتمس خيوط النور ليصنع بها غده المشرق الوضاء» (ص5).‏

ونقل في الكتاب قصة الأبطال كما أملاها الأحياء منهم «بصدق وأمانة، وبندب وجروح غائرة وكسور قد جبرت في غير انتظام، لأنه لم يكن لديهم الوقت الكافي للراحة، وحتى تجبر الكسور.. وبالرصاص الذي اخترق أجسادهم في أكثر من موضع» (ص17).

وقدم لكتابه بلمحة تاريخية، وحوى عدة فصول عن بداية الثورة ومعركة المزرعة ومعارك المسيفرة والغوطة والثورة في حماه وضرب دمشق وثورة النبك، ثم خصص القسم الثاني الأكبر للثورة في حمص: بدايتها والتخطيط لها ـ ثوار حمص في النبك ـ ثوار حمص في الهرمل ـ أول معركة في المدينة ـ مجزرة خربة غازي ـ نظير النشواتي حياً ـ الأسطورة الخالدة ـ من هو خيرو الشهلا؟ ـ تحول وجه الثورة ـ ثوار حمص في معركة كفر بطحا ـ أشهر معارك المدينة ـ العودة إلى حمص ـ اعتقال نساء الثوار ـ واقعة السيباط ـ واقعة الفاخورة ـ مصرع الحاج دلال ـ انتقام الثوار ـ الثورة تحل مشاكل العمال ـ موقف رجال الدين من الثورة ـ اختطاف حسن إدريس ـ اختطاف ريف الحسيني ـ اختطاف عبد المجيد آغا سويدان ـ اختطاف صفا حاكمي ـ دور المدينة المشرف في حماية الثورة ـ آخر المواقع ونهاية الثورة.‏

اعتنى عدنان الداعوق أيما عناية بشكل القصة الإتباعي الذي يهتم بعناصر البناء التقليدي من التقديم إلى العرض فالذروة فالخاتمة ضمن فضاء مفتوح على الاحتمالات في رؤية المشكلات الواقعية والوجودية التي تتمازج مع أمشاج اللامعقول أحياناً، وهو المناخ الأدبي السائد آنذاك لدى شيوع الفلسفة الوجودية وفلسفة العبث والتحليل النفسي.‏

وأشار الروائي نظير زيتون في مقدمته لمجموعة الداعوق الأولى «ذات الخال»(16) إلى الخلجات الإنسانية والقبسات الوجدانية والرهرهات الاجتماعية منسابة على الأوراق وساجية الأحداق وهفافة الأشواق ووردية المذاق ورخيمة الأبواق في قصصه المنسابة انسياب الجدول الرقراق فوق اللآلئ الرِّقاق، بما يفيد شعرية القصة وإيمائيتها وبراعتها في الحب ولباقتها في السرد وطلاوتها في الأسلوب وتساميها في الغاية.‏

وأيد القاص والروائي المعروف محمد عبد الحليم عبد الله في تصديره للمجموعة إياها رأي زيتون على أن القصة عند الداعوق(17) صورة شاعرية بحتة ليس فيها إلا حدود الصورة، ويكتمل مبناها الدلالي الثّر بسحر عنوانها، فقد توافر على سبيل المثال لقصة «أعمى» عناصر كثيرة للقص الرفيع، «فحلاوة السرد وتناسقه وتوافق تموجاته واطراد البناء ووفرة عنصر التشويق، كلّها قائمة في هذه الأقصوصة» (ص17).‏

اهتم الداعوق بالتحليل النفسي لنماذجه البشرية تحت وطأة معاناتها من قلق الوجود واختلاط المشاعر والكرب الذاتي المقيم على نحو شديد التبسيط غالباً، فتتحدث قصة «التمثال» عن اندفاعة شاب في الخمرة إثر اليأس من الحبّ، ويتأسى الحبيب من خيبته عندما يخطف المرض محبوبته في قصة «القلوب عند بعضها»، وختم قصته بجذوة تحليله: «ولكنه رغم البعد وطول المسافة بينهما كان يردد في نفسه دائماً: إن من أحبّ أحداً لابدّ أن يكنّ له صاحبه نفس الحب، ولو لم يفصح له أو يقابله.. أو حتى لو فصلت بينهما رحاب الأرض الواسعة، فالقلوب عند بعضها دائماً» (ص40).‏

ويستغرق الداعوق في تأمل مشاعر الحبّ في حالاته المتأججة الصاخبة أو الهادئة، ففي قصة «عندما يخطئ الحب» تنغمر نفس الزوجة باعترافاتها عن نأي زوجها ومكنونها لشاب جذاب علقته ذات مرة في مصيف، وما زالت تتهجى لغة الحبّ المعذبة:‏

«وعند المساء.. وكل مساء، عندما كنت أطل من نافذتي إلى الصخرة العالية، كنت أجد شبحاً يجثو هناك، عند أعلى الصخرة.. وكأنه عابد يكّفر عن ذنوبه وخطاياه في هيكل العبادة والتقوى.. فأهمس مع الليل همسة مؤلمة، وأقول:‏

- ويل للمرء عندما يخطئ الحبّ معه» (ص122).‏

واستفاد الداعوق في مجموعاته القصصية اللاحقة من تيار الوعي والتداعيات الحرة وتشظية الزمن من خلال تثمير تقانات الاسترجاع في الإحاطة بالتجربة البشرية موضوع القص كما هو الحال مع قصتي «في الطريق» و«الساعة الخامسة» من مجموعته «السمكة والبحار الزرق» (1962)، وتهتم الأولى برصد أحزان زيارة قبر الأم، وتقوم الثانية على التداعي وفيض الذكريات لامرأة تأمل اللقاء المعسول بالحبيب.‏

وأشاد القاص والروائي الكبير عبد السلام العجيلي بقصص الداعوق التي تحمل كثيراً من سمات القصة الجديدة في تقديمه لمجموعة «السمكة والبحار الزرق»، فالقصة التقليدية تقدم للقارئ الحادثة، «في حين تقدم القصة الجديدة جوّاً، وهذا هو أهم الفروق التي تفصل بين مدرستي القصة في نظري» (ص10).‏

وتعالج قصة «السمكة والبحار الزرق» جو الضياع والتشرد والشذوذ عند فنان مقهور بالجنس ومغامر وإباحي وشاذ، هجر محبوبته التي حملت منه سفاحاً بطفلة اسمها «يولا»، ما لبثت أن ماتت في ميتم، غير أن المحبوبة المهجورة ظلت وفية لحبّه. ويتخلل المبنى القصصي الجديد التداعي والتعابث الزمني والتركيز على فضاء دلالات العلاقة الخاطئة به ومغامراته الشاذة الكثيرة في بلاده وفي الغرب، ويتمازج السرد مع حكاية ترميزية عن احتراق السمكة بالصاعقة عند ملاحقتها حبيبها الذي قضى بالصاعقة عند شاطئ مهجور أيضاً، ومحاولة البطل الفنان الانتحار لدى عودته إلى بلده ولقاؤه بمحبوبته والمضي بها إلى منزله ليرسم من جديد يولا جديدة.‏

وجدد الداعوق تقاناته القصصية في مجموعته الأخيرة «آدم والجزار» (1979) مثل الأخيولة (الفنطزة) والمجاز والسرد الطويل والسخرية كما في القصة التي تحمل اسم المجموعة، إذ يصير المبنى القصصي إلى تركيب مجازي وأخيولي مثير لمعان كثيرة من منطلق بحث آدم المستمر عن لقمة العيش، ويلاحظ هذا التركيب في الاسم «آدم» وسعي المرء إلى مناهضة ذوي السلطان الجزارين ونضال دون كيشوت برأيه بوصفه بائع لحم شريف، وتباين نظرته إلى أعمدة الحكمة السبعة من حاجات الإنسان الرئيسة «الماء والهواء والطعام والكساء وحفظ النسب وإتقاء الخطر وحسن المعاملة» إلى «اللحم» مكررة سبع مرات بلسان الجزار. ثم تناذر مفهوم الإنسان عند الجزار إلى تماهيات الوجه مع الأقنعة، حين «قال في ارتباك:‏

- أنت الإنسان.. وأنت المالك لآلاف الأقنعة على مرّ التاريخ» (ص101).‏

وختم القصة بالمجاز اللفظي الساخر لمفهوم الخروج عن القانون بأن قرر مجلس الإدارة تسريحه الفوري دون أي التزام أو رجوع عن القرار، مع تغريمه بالمصاريف وفرض العقوبات المنصوص عليها في القوانين المرعية ومصادرة أفكاره المنقولة وغير المنقولة.‏

وتتجاذب هذه القصة في استخدام تقاناتها مع قصة «الوجه والأقنعة»، فقد تحدث مع البائع عن عهده بأنه لن يتراجع عن كلمته، «وشرف الرجل من شرف الكلمة» (ص67)، ثم فكر في رحلة طويلة عبر الماضي، وتذكر قصة طريفة من طفولته عن تردد صديقه لأمه تسعى لتبديل صورتها الدميمة، وتتكاثر حالات الوجه والقناع والمظاهر والجوهر، فاللصوص سرقوا كل الأقنعة، وضحك الرجل طويلاً، ومشى وهو يقول:‏

- وسرقوا أيضاً وجهك الحقيقي دون أن تدري» (ص71).‏

وتشير قصة «سرّ على الدانوب» إلى استغراق الإنسان في بحر أسراره بالنسبة إليه وبالنسبة إلى الآخرين، فقد التقى الراوي رجلاً في مصعد في بودابست أثناء زيارته للمجر، وأخبره أنه عربي مولود هنا، لأن والده هاجر إلى المجر وتزوج وأقام فيها، فتشوق الراوي إلى معرفة قصة حياته وحياة أبيه الرّحالة الجوال. وجلس في الكازينو، وكانت إلى جانبه فتاة وهي التي حيّته، أما هو فقد انتقد أمثالها وسلوكهن، واعتذر منها، لأنه على موعد مع صديق، وأخبرته أن الصديق هو الذي أرسلها إليه خوفاً من أن يضيق ذرعاً بالوحدة والانتظار.‏

ومضى معها وجلس، وعرف أن اسمه هانتوس، ورقصا على أنغام أغنية. ثم أشارت إلى صديقتها ايلينا، وتحدثا عن هانتوس وسرّه، فهو بولوني، وطلبت روزا أن تنام عنده، ورفض عرضها، ونصحه الساقي بالابتعاد عنها، ليصرح له أنها ابنته، وفوجيء أن عامل المصعد مقتول، وقرأ في اليوم التالي في الطائرة أن الشاب انريكو إسباني، وثمة حدث غامض في سبيله للكشف. فكانت النتيجة بتأملها العميق والفسيح:‏

«أغمضت عيني، بعد أن ودّعت من نافذة الطائرة صور العاصمة الجميلة ذات الثمانية جسور، وذانوبها الغارق في بحر من الأسرار» (ص27).‏

تتسع قصص الداعوق للإيحاءات والرموز ونبرات اللامعقول والأحلام وأحلام اليقظة والكوابيس في تقصي مشكلات نماذجه البشرية الذين يخوضون في الإباحة والشذوذ والجرأة وقد تراءت لهم أطياف الفضيلة في وسط حمأة الرذيلة.‏

أصدر 17 مجموعة قصصية وروايتين منها :

1- 15 قصة سورية. القاهرة 1957.‏

2- ذات الخال. قصص. القاهرة 1959.‏

3- وحدة الحب. رواية. بيروت 1959.‏

4- ستشرق الشمس زرقاء. قصص. القاهرة 1961.‏

5- 15 قصة من حلب. بيروت 1962.‏

6- السمكة والبحار الزرق. قصص. بيروت 1964.‏

7- مدينة العبيد. قصة مطولة. مدريد 1967.‏

8- من روائع القصص العربي الحديث. مدريد 1968.‏

9- أبطال وأمجاد. سجل في تاريخ الثورة السورية. حمص 1968.‏

10- نظير زيتون الإنسان. دراسة في حياته وأدبه (تحرير وجمع). دمشق 1968.‏

11- أزهار البرتقال. قصص. دمشق 1969.‏

12- قارب الرحيل. قصص. تونس 1975.‏

13- آدم والجزار. قصص. دمشق 1979.

14- الغد والأحلام. قصص الرياض 1984.

(15) - عدنان الداعوق: أبطال وأمجاد ـ سجل في تاريخ حمص الثوري عام 1925. مطبعة الأندلس ـ حمص 1968.‏
(16) أنظر أعماله القصصية:‏

- ذات الخال. قصص من الإقليم الشمالي ـ دار مصر للطباعة ـ القاهرة 1959.‏

- السمكة والبحار الزرق. مجموعة قصص ـ دار مكتبة الحياة ـ بيروت 1964.‏

- آدم والجزار. قصص. منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1979.‏

الرحلة الأخيرة...

كان هناك ما هو أقوى من الصمت بكثير يلف وجوده ووحدته وأرقه.‏

الفراش اللين يطرده، والهدوء الساكن يخاله صخباً وعنفاً مرعباً.‏

والجو. كل الجو المحيط به يظنه يريد أن يبتلعه ولا يبقي له أي أثر. ويسمع من بعيد عجلات القطار تتحرك.‏

ويمتد أمام المارد الأسود قضيبان، يبتعدان ويبتعدان إلى أن يصلا إلى منطقة لم تطأ أرضها قدم إنسان.‏

وتبدأ الرحلة...‏

‏ القطار يسير ببطء.. والعجلات تطوي طريقاً مظلمة.. ثم تأخذ السرعة كل شيء، فتلف الوجود كله بصمت. هو صمت السرعة يأكل كل شيء ولا يترك أخيراً صورة واحدة مهزوزة مطموسة المعالم.‏

كانت تجلس مبتسمة على أريكة طويلة في إحدى المقصورات.. وكان زوجها يجلس إلى جانبها وفي رأسه ألف فكرة.‏

ويظل القطار في عناق ملح للقضيبين النهمين أبداً للمسير.‏

ثم يأتي، في منتصف الرحلة، السؤال الأزلي منطلقاً من أعماق الزوجة المبتسمة:‏

-ماذا في الأمر.. أهناك ما يشغلك عني.؟‏

وود الزوج لو استطاع أن يقول كلمة. أية كلمة..‏

وماست الأحرف على شفتيه، وكادت الكلمة أن تقال، ولكنه توقف.‏

ثم عاد ونظر إليها طويلاً.‏

كان شتاء قاسياً مراً. وكانت الأمطار محبوسة في عين السماء.. والأفق البعيد لا يني يبعث بين آن وآخر دفقة جديدة من البرق والرعد تنذر بشيء كان في عالم المجهول.‏

ودخلت على الزوج أخته الكبرى، وعلى شفتيها أكبر ابتسامة في أجمل لحظة، وقالت له بغبطة مشرقة:‏

-أبشر.. فقد جاءك طفل.‏

وهكذا كانت ولادته.‏

وتوقف القطار عن المسير. وهطلت الأمطار المحبوسة في عين السماء. وانكشف عالم المجهول أمام عينيه.‏

وفجأة، وجد نفسه إنساناً شاباً يعانق الوجود وجهاً لوجه، ويحاول، وهو القزم الصغير، أن يتحدى البرق والرعد ولا يعترف بهما.‏

إلا أنه في كل لحظة كان يتحداه شيء أكبر من ذلك.. أكبر من وجوده. شيء اسمه النقص. فهو في نظر أقرب الناس إليه، قزم صغير يحتاج إلى عناية.‏

‏ ارتدى ثيابه، وقد ضاقت به الدنيا، وخرج إلى الشارع.‏

لم تكن لديه وجهة معينة، ولا مكان مقصود.. بل كل ما أراده هو أن يتمشى قليلاً عله يجد بين زحمة الناس ما ينسيه بعض القلق والخوف.‏

في الطريق. شاب أسمر الوجه، يحيط خصر حسنائه بوله مجنون، يخاف أن يفلت الخصر من بين ذراعيه، فتطير إلى عالمها البعيد.‏

والحسناء تبتسم. تبتسم لكل من يصادفها في الطريق.‏

ومر هو بجانبهما.‏

وابتسمت الحسناء.. وظن أنها تبتسم له، ولم يدر أنها كانت دائمة الابتسام تعانق عيناها كل مخلوق في الطريق، وتود لو تنطلق، فهي سجينة قفص ذهبي ثمين.‏

وتركهما خلفه.

وظل يعد الخطوات الباقية حتى يصل.‏

وفجأة سمع بوق سيارة معربدة.. وأصوات عجلاتها تتسمر فوق الإسفلت الأسود، والتفت.‏

كان الجمع غفيراً.. وثرثرات الناس تتضارب مع بعضها لا تفسر شيئاً من الموقف.‏

وهرع إلى حيث تجمع الناس...‏

الشاب الأسمر يقف كالتمثال فوق جثة حسنائه التي حطمتها السيارة المعربدة، وأصوات الجمع تردد:‏

-كانا يحاولان عبور الشارع...‏

ترك الجمع الصاخب وراءه، واستأنف المسير.‏

وقبل أن يجد في المسير، أطلق عبارته:‏

-لقد انطلق الطير الحبيس من القفص الذهبي الثمين وطار..‏

ابتدأت بعض الغشاوات تطمس معالم طريقه. وصارت صور الناس تتحرك أمامه كالدمى الخشبية تحركها يد عبقرية ماهرة.. والألوان لم يعد يستطيع تحديدها لسرعة تسابقها.‏

وصار يسمع من بعيد صوتاً مخنوقاً، والصدى يرجع إليه حاملاً بين أجوائه صراخاً وعويلاً مرعباً.‏

‏ الجميع في البيت يبكي‏

ماتت أمه.‏

وما زال أبوه شاباً ينشد مستقبلاً مشرقاً بين يديها.‏

انطلقت هي الأخرى من قفصها الذهبي تبحث عن عالمها البعيد.. عن خلودها.‏

ولم يستطع هو أن يبكي أمه بعدما رأى أباه صامتاً، وكأنه قد تحجر من أثر الصدمة الهائلة.‏

وفي العمارة امرأة تصرخ وتبكي وتملأ الحي ضجيجاً.. وأخيراً تضع وليدها. ويبصر الحياة ومع إطلالته الأولى على الحياة.. تتبدل الدموع. دموع الألم إلى دموع الفرحة.. فقد جاء ولي العهد..‏

وتدور صحون الحلوى، وترتفع الزغاريد..‏

أما والد الطفل الوليد، فإنه يذهب في الحال إلى مختار الحارة، ويستحصل من عنده على ورقة، تلصق فوقها الطوابع.. وفي الغد سيزيد راتبه تعويضاً جديداً لهذا الإنسان المبارك.‏

وتبتعد الأيام...‏

‏ والقطار المارد الجبار يسير في رحلة الحياة.‏

وفجأة يقف القطار، وتهمد حركته. فقد أشرف القضيبان النهمان على النهاية. نهاية كل شيء.‏

‏ ..ومات أبوه أيضاً في إحدى الغارات الجوية.‏

وحين أفاق –بعد مدة- ووعي الصدمة العنيفة.. ظن أن العالم كله قد انتهى.. إلا أن نواقيس الكنائس كانت ترن باستمرار.. وقد شرعت الصلبان اللامعة تتحدى الموت وتنشد السلام.‏

وانغرست أقدامه في تربة الأرض السخية، ووجد نفسه أنه لن يستطيع مغادرة الحياة بسهولة هكذا. فقطاره الصغير ما تزال أمامه الطريق طويلة طويلة.‏

‏ -مساء الخير يا حلو..‏

أيقظته التحية الخرساء من ثباته اليقظ.. وابتدأت الألوان تتوضح في ناظريه، وأخذت الخيوط الآدمية ترسم معالم جديدة من عالمه ذاك.‏

وكانت "رندة" تبتسم.‏

-مساء النور يا رندة.‏

قالها بلا وعي منه، وأحس بجفاف في حلقه.‏

والتفت وواجهها تماماً.‏

كانت ما تزال تبتسم، ولا يدري لماذا تذكر الفتاة التي تحطمت تحت عجلات السيارة قبل قليل.. تلك كانت تبتسم أيضاً.‏

وأيقظته "رندة" من ذهوله الجديد، وقالت له:‏

-أعائد أنت إلى المنزل..؟ تعال لنرجع معاً.. فقد كنت في السوق أشتري...‏

ولم يسمع بقية حديثها، فقد تذكر فجأة كل شيء...‏

‏ القضيبان النهمان وقد انقطعا فجأة أمام المارد الأسود..‏

وأخذ القطار يتدحرج في الطريق، ويلفظ الجثث من نوافذه.‏

‏ ومد يده، وناولها المفتاح:‏

-اسبقيني أنت إلى المنزل، وسألحق بك بعد لحظات.‏

وغنجت أمامه صارخة الأنوثة، وهي تهمس:‏

-ولكن لا تتأخر...‏

ونامت "رندة" فوق زنده وحلمت طويلاً.‏

وطافت بها خيالاتها نحو آمالها المسرعة اللاهثة.‏

-عناقك العنيد يؤذيني يا رندة.. خففي قليلاً من حدتك.‏

وضجت بالضحك، وقفزت من جانبه.. وتعرت قليلاً. ثم عادت واستلقت فوق زنده مرة أخرى، وقالت:‏

-ثق أن حواء كانت في منتهى نعومتها وهي عارية.. أما حين لبست ثوبها الأنثوي، صارت متوحشة.. ضارية...‏

ألست تريدني هكذا...؟‏

وانغلق باب الجنة.‏

وأزهر التفاح. ولكن الشيطان هذه المرة كان ثملاً من شدة النشوة، ومرتاحاً من كل شيء.‏

ساعة المدينة النائمة تدق دقة واحدة بعد أن انتصف الليل.‏

وتململ في سريره، وكانت "رندة" نائمة في هدوء، أنفاسها تعانق أنفاسه وابتسامتها المرسومة بدقة إلهية فوق شفتيها ما زالت تذكره بالفتاة التي شاهدها وهي تموت تحت عجلات السيارة.‏

وابتدأت من جديد تزول من حوله كل معالم الأشكال والألوان.‏

وأحس أن كل شيء قد أخذ يتحلل في صورة هيولية سابحة، حتى "رندة" تمددت معالمها الصارخة بجانبه، ولم يعد يرى فيها سوى ابتسامة تتعلق كظل ابتسامة العذراء فوق أحد جدران معبد عتيق متهدم.‏

لحظات عنيفة تمر.‏

وساعة المدينة تدق دقاً متواصلاً متلاحقاً، كأنها تسابق الزمن وتستعجل الحياة. وابتدأ يجد نفسه رويداً، وقد أخذ يعي كل شيء حوله.‏

‏ القطار يسير بسرعة خاطفة.. قبل أن يتدحرج..‏

والقضيبان النهمان امتدا طويلاً وبعيداً في أرض بوار لم تطأها قدم إنسان.‏

وأمه تجلس فوق أريكة عريضة مبتسمة، في إحدى المقصورات.‏

وأبوه في صمته المطبق، ينظر إليها بوله مجنون.‏

وتقتحم الأم صمت زوجها، وتسأله:‏

-وماذا عن ابننا الوحيد..؟‏

ويبتسم الأب بعنفوان هذه المرة، ويقول لها بكثير من الاعتزاز:‏

-لا تقلقي عليه. فلا بد أن يجد له مكاناً مريحاً في القطار اللاحق.. وسترافقه حسناؤه.. إنها هي الأخرى تعرف كيف تبتسم.‏

وترتاح الأم لكلام زوجها.‏

وتسند رأسها على كتفه وتغفو..‏

‏ وبخطوات مجنونة يقترب من سرير "رندة"، ويهزها هزاً عنيفاً.‏

وحين تفتح عينيها، يقول لها بوله عجيب:‏

-انهضي يا حبيبتي... انهضي، وهيا بنا قبل أن يغادرنا القطار.