هذه المقالة يتيمة. ساعد بإضافة وصلة إليها في مقالة متعلقة بها

السخرية في أدب الجاحظ

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

عمرو بن بحر بن محجوب الكناني (159 هـ - 255 هـ)، و لقبه الجاحظ و الحدقي لبروز عينه؛ و كنيته أبو عثمان[1]، وُلِد بالبصرة بالعراق في العِقد السادس من القرن الثاني من الهجرة[2]. و قد تتلمذ الجاحظ على يد أساتذة الدولة العباسية، منهم الأصمعي الذي كان يحفظ ثلث اللغة؛ و أبو عبيدة؛ و أبو يزيد الأنصارى الذي قيل عنه إنه من أئمة الناس في اللغة، و الشعر، و علوم العرب؛ و كذلك الأخفش؛ و صالح بن جناح اللخمي؛ و إبراهيم بن سيار البلخي[3]. و لقد انعقدت صلة بين الجاحظ و بين إبراهيم بن سيار إمام المعتزلة حتى صار الجاحظ زعيمًا لطائفة الجاحظية التي نُسبت إليه، و سُميت باسمه[4]. و من أسباب شهرة الجاحظ اتساع علمه، و تبحره فيه[5] لأنه تأدب بآداب الفُرس، و حكمة الهند، و فلسفة اليونان، فغزر علمه، و وضح بيانه[6] و الجدير بالذكر أن الجاحظ ألف عديدًا من الكتب التي تجاوزت السبعين بعد المائة بحسب إحصاء ابن النديم لآثار الجاحظ[7]. و من أشهر كتبه: كتاب البخلاء، و كتاب الحيوان، و كتاب البيان و التبين، و رسالة التربيع و التدوير. و هي كانت في أغلبها سخرية من العادات و التقاليد التي تفشت في عصره بصورة كبيرة، فكان يتخذ أسلوب الفكاهة و المرح في التعليق عليها و دحضها.

فن السخرية قبل الجاحظ[عدل]

كانت السخرية قبل عصر الجاحظ تأتي عفوية تارة، أو مقصودة لغرض من الأغراض السياسية تارة أخرى دون أن تقوم بالتحليل، و التصوير، و التشخيص لإبراز خصائص المجتمع. كذلك لم يُؤلِّف في السخرية - قبل الجاحظ - كتاب يرد نوادر المجتمع ليظهر سماته باستثناء المدائني في كتابه الأكلة الذي كان إخبارياً في نوادره، و أبي عبيدة في كتابه لصوص العرب. و من هنا كان الجاحظ أول مؤلِّف في تاريخ الأدب يخص كتبًا كاملة في السخرية تحليلاً و دراسة لمجتمعه، كما فعل في كتابه البخلاء، و رسالته التربيع و التدوير[8].

عوامل نبوغ الجاحظ في فن السخرية[عدل]

تعددت العوامل التي جعلت من الجاحظ أديبًا ساخرًا، يجعل من السخرية فناً و أدباً له أشكاله و ضروبه،.[9] و منها:

1- الوراثة[عدل]

كان جد الجاحظ أسود يقال له فزارة. و كان هذا الجد فكهاً مرحاً؛ و كذلك كانت ام الجاحظ فيها ميل واضح إلى السخرية فقد روُيَ أن الجاحظ في حداثته مشتغلاً بالعلم، فطلب من أمه الطعام يومًا، فجائته بطبق فيه كراريس، فقال لها: ما هذا؟ قالت: هذا الذي تجئ به. فالميل إلى المرح و الفكاهة و السخرية لدى الجاحظ يرجع في الجانب منه إلى الوراثة.[10]

2- المجتمع و البيئة[عدل]

أ- بيئته العامة[عدل]

نشأ الجاحظ يبيع الخبز و السمك بسيحان، و كان يتردد على كتاب القرية، يتلقى مبادئ العلوم مع أمثاله من الصبيان. فهذان المجتمعان يحفلان بالنوادر و الطرائف. و في مجتمعه، أيضاً، ظهرت طبقات - أو طوائف - البخلاء، و الحمقى، و المتعلمين، فسرت فيه روح الخفة و التهكم. و قد كان هذا المجتمع حافلاً بالمتناقضات، مليئاً بالمخالفات، و كان على الجاحظ أن يقاوم - أثناء مكثه في بغداد - تياراً عاماً من الجد و الكآبة و الصرامة، و هذا ما يعلل إشاراته العديدة إلى فوائد الضحك.[11]

ب- بيئته الفكرية[عدل]

كان لبيئته الفكرية أثرها الكبير في نمو السخرية عنده، و براعته فيها. فقد نشأ في الكُتاب حتى كبر سنه، ثم قصد شيوخ البصرة، و ائمتها في العلم و الأدب، و لزمهم.[11] و من شيوخ البصرة الذين لا يضيعون فرصة للسخرية أبو عبيدة بن معمر المثني، و إبراهيم بن سيار النظام؛ الذي كان مشهوراً بالدعابة و السخرية، و قد لازمه الجاحظ ملازمة شديدة، ظهرت آثارها في كتباته. و منهم - أيضاً - ثمامة الأشرس، و قد نقل عنه تلميذه الجاحظ كثيراً من أدبه، كما كان أستاذاً له في المجون و الفكاهة و النادرة اللاذعة[12]. و في بلاط المتوكل، اتصل الجاحظ برجال تخصصوا في الهزل و الفكاهة و السخرية، منهم أبا العنبر الهاشمي، و أبا العنبس، و الجماز.[13] فصار الجاحظ واسع الأطلاع، موفور الثقافة،فقال عنه أبو هفان: “لم ار قط، و لا سمعت، من أحب الكتب و العلوم، أكثر من الجاحظ. و كان علمه لم يقف عند حد،”[13]

أسباب سخرية الجاحظ[عدل]

إن سخر الجاحظ متصل بطبيعته المرحة، و فنه، و بموقفه من الحياة و هو موقف التوجيه و النقد، فلم تقم سخريته على عاطفة شخصية، و لم تقم على الهجاء أو الشتم[14]. فعاش الجاحظ في مجتمعه بعين الخبير الناقد فكان يعالج المشكلات بالضحك و السخرية و خاصة في مواجهة خصومه[15]. فسخر من كل تصرف أو قول غريب يخالف قواعد مجتمعه طمعاً في رد صاحبه إلى نصابه، أو رغبة في التسلية و المرح، فيُلاحظ أن تيار السخرية يسري في كل كتاباته التي تتناول شتى الموضوعات، و التي كانت تمتلئ بالأدلة و البراهين و خاصة الدينية كتفسير آية، و شرح حديث.[16]

منهجه[عدل]

اعتبر المنهج الذي اتبعه الجاحظ في رسائله وكتبه منهجاً علمياً دقيقاً في البحث. حيث بدأ أسلوبه بالشك ثم النقد حتى يصل بواسطة الشمول والتعميم إلي الاستقراء. وتظهر شخصية الجاحظ وحقيقة اهتمامه باستخدام العقل في البحث العلمي وذلك من خلال تجربته ونقده وعيانه وتعليله وسماعه وشكه. ومع ذلك نجد في شعره بعض المعاني الأدبية ويظهر فيها الجمال الفني الذي يجذب الناس للاستمتاع بشعره وهذا ما يفتقده كثير من الشعراء والأدباء.[17]

موضوعات السخرية في أدب الجاحظ[عدل]

1- العيوب الجسمية و المظهرية[عدل]

إن العيوب الجسمية و المظهرية من أهم موضوعات السخر و أكثرها رواجاً لدى الكُتّاب و الشعراء. و من هذه الأنماط نماذج عديدة ملأت عصر الجاحظ فكتب عنها، و قال عن نفسه ذات مرة: ”إنه وصف للخليفة المتوكل، أحد أولاده، فلما رأى الخليفة صورته استبشعها، فصرفه.” [18]

2- غرابة الطباع و الأخلاق[عدل]

اشتهر العصر العباسي بغرابة الطباع و الأخلاق، فجاء الجاحظ بنقده و سخره ليبرزها محاولة لأصلاحها. و كان من أشهر تلك الطباع، و أبرز تلك الأخلاق التي تهكم بها:

أ- البخل[عدل]

كثر البخلاء في عصر الجاحظ، و امتلكوا الثروات و تحكموا بأموالهم[19] في المجتمع حيث أن التاجر الرابح يضن و يبخل على غيره. و لقد أفرد الجاحظ للبخيل كتاباً خاصاً، و هو كتاب البخلاء، فيه يصور حرص مجتمعه و شحهم، و جعل الدرهم عند البخيل يساوى دية مسلم، فيقول: ”الدرهم عشر العشرة، و أن العشرة عشر المائة، و أن المائة عشر الألف، و أن الألف عشر العشرة آلاف، أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية المسلم؟“ [20]

ب- النفاق[عدل]

كان المرائي محلاً للسخر و التندر عند الجاحظ، فقال عن قاسم التمار، حين: ”أقبل على أصحاب له و هم يشربون النبيذ، و ذلك بعد العصر بساعة، فقال بعضهم: قم صل فاتتك الصلاة! ثم أمسك عنه بساعة، ثم قال لأخر: قم، صل، ويلك، فقد ذهب الوقت. فلم أكثر عليهم في ذلك و هو جالس لا يقوم يصلي، قال له واحد منهم: أنت! لم لا تصلي؟ فأقبل عليه، فقال: ليس، و الله، تعرفون أصلي في هذا قلت: و أى شيء أصلك؟ قال: لا نصلي، لأن هذه المغرب قد جاءت.“ [21]

ج- الجحود و نكران الجميل[عدل]

سخر الجاحظ من الذين يحبون أن يأخذوا دون أن يعطوا، و يتنكرون لمن يسدي لهم الجميل.[21]

د- البلادة و الأهمال[عدل]

قال الجاحظ، ساخراً من المهملين الذين لا يتثبتون من كلامهم و يلقونه دون فحص أو تمحيص: ”إن بعض أصحاب التفسير يزعم إن الله عاقب الحية، حين أدخلت إبليس في جوفها، حتى كلم آدم - على لسانها - بعشر خصال، منها شق اللسان، قالوا: فلذلك ترى الحية أبداً إذا ضربت لتقتل، كيف تخرج لسانها، لتري الظالم عقوبة الله لها، كأنها تسترحم، و صاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلا لحية كانت عنه تتكلم.“ [22]

ه- القصور العقلي[عدل]

سخر الجاحظ من القصور العقلي و ما يندرج تحته من الحمق، و الجهل، و الغفلة، و التناقض، و كذلك سخر من الذين يظهرون بمظهر العقلاء و الحكماء فقال الجاحظ: ”قال أبو الحسن: جاء رجل إلى رجل من وجوه القوم، فقال: أنا جارك، و قد مات أخي. فمر لي بكفن. فقال: لا والله، ما عندي اليوم شيء، و لكن تعهدنا، و تعود بعد أيام، فسيكون ما تحب. قال أصلحك الله! فنؤجله، إلى أن يتيسر عندكم شيء؟!“[23] و من ألوان السخف و القصور العقلي التي حفل بها أدب الجاحظ و نالت قسطاً وفيراً من عبثه و سخره، الجهل و الغفلة، [24] و الخرافات و التحايل و الخداع، [25] و اللعب بعقول الناس، و التلاعب بالألفاظ.[26]

من أشهر أعماله[عدل]

  1. البيان و التبين
  2. كتاب البخلاء
  3. كتاب الحيوان
  4. رسالة التربيع و التدوير
  5. الأضداد و المتشابهات
  6. المحاسن و الاضداد
  7. رسائل الجاحظ
  8. كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان
  9. الحنين إلى الأوطان
  10. التاج في اخلاق الملوك
  11. رسائل الجاحظ الأدبية والسياسية والكلامية
  12. القول في البغال
  13. تهذيب الأخلاق
  14. رسالة جديدة للجاحظ في مناقب خلفاء بني العباس : دراسة وتحقيق
  15. نظم القرآن

البخلاء[عدل]

كتاب البخلاء للجاحظ أحد أشهر كتب الأدب الساخر

إن الكتابة عن البخلاء، قبل الجاحظ، تتسم بالكتابة الإخبارية عن الماضي، فليس فيها إبداع، و لا تحليل، و لا تشخيص، فهي كتابة خالية من النزعة الفنية في رسم الشخصيات و تصويرها، و تصوير المجتمع، و لكنها غلب عليها الطابع السياسي، و المعرفة المجردة.[27] أما كتاب البخلاء الذي وضعه الجاحظ، فكان مظهراً من مظاهر النزعة الأدبية لأنه أخذ هذا الموضوع فجعله موضوعاً فنياً خالصاً. إن الطريقة الأدبية التي صاغ بها الجاحظ كتابه، و المقدرة الفنية التي ظهرت في موضوعاته جعلته متفرداً في هذا الميدان.[28] فكان هذا الكتاب مثلاً لهذه المقدرة على التصوير الساخر.[14] و لقد جاء الكتاب صورة مُركزة لما كان يسود في مجتمعه، فقد تحدث عن طوائف المتحولين، و المشعوذين، و الشطار، الصيادين و البحارة، و كذبة المحدثين، و طوائف المغنيين، و مروجي بضاعة القيان، و سخر من الأشرار و الحمقى لإظهار نقائصهم و عيوبهم بأسلوبه التأليفي المميز لكتابه الذي وصفه في رسائل الجاحظ بأنه:”نوادر البخلاء، و احتجاج الأشحاء، و ما يجوز في ذلك في باب الهزل و ما يجوز في باب الجد“. كما تحدث عن الطوائف العليا في بنية المجتمع البغدادي و البصري آنذاك كاشفاً الضعف البشري في كل مظاهره.[29] لقد كان الجاحظ في كتابه دقيقاً في تصويره، ساخراً مع شخصياته، داعياً إلى الضحك و المزاح. قال في مقدمة كتابه: ”و لك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبين حجة طريفة، أو تعرف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة، و أنت في ضحك منه إذا شئت، و في لهو إذا قللت الجهد.“ و قد دافع الجاحظ عن الضحك، و بين آثاره و فوائده و قرر أنه غريزة ذلت قيمة للنفس و الجسم.[8]

مقتطفات من كتاب البخلاء[عدل]

سخر الجاحظ من أهل المرو لما عُرف عنهم بالبخل الشديد، فيقول: ”ويروى انه قيل لثمامة : أي الناس أبخل ؟ فقال : لم أر الديكة في بلدة قط إلا و هو لاقط، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو،فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبوب. قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد، و في جواهر الماء، فمن ثم، عم جميع حيواناتهم“[30]

و من القصص التي تصور البخل الشديد، قصة: معاذة العنبرية، فيقول: ”اجتمع ناس من المسجديين ممن ينتحلون الإقتصاد في النفقة، و التنمية للمال، من أصحاب الجمع و المنع، و كانوا إذا التقوا في حلقتهم تذاكروا البخل، و تصارحوه، و تدارسوه، فقال شيخ منهم: لم أر في وضع الأمور مواضعها، و في توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية. قالوا: و ما شأن معاذة هذه؟ قال: أهدى إليها، في هذا العام، ابن عم لها أضحية. فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة مطرقة. فقلت لها: مالك يا معاذة قالت: أنا امرأة أرملة وليس لي قيم. ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه. وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة. ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئاً لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة. ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير. أما القرن فالوجه فيه معروف وهو أن يجعل كالخطاف ويسمر في جذع من جذوع السقف فيعلق عليه الزبل والكيران وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل والسنانير وبنات وردان والحيات وغير ذلك. وأما المصران فإنه لأوتار المندفة. وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة. وأما قحف الرأس واللحيان وسائر العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ثم يطبخ. فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك. ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها. فلم يرى الناس وقوداً قط أصفى ولا أحسن لهباً منها. وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر لقلة ما يخالطها من الدخان. وأما الإهاب فالجلد نفسه حراب. وللصوف وجوه لا تدفع. وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب. ثم قالت: بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله عز وجل لم يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها. وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به صار كية في قلبي وقدي في عيني وهما لا يزال يعاودني. فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت. فقلت: ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم. قالت: أجل ذكرت أن عندي قدوراً شامية جدداً. وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم الحار الدسم. وقد استرحت الآن إذ وقع كل شيء موقعه! قال: ثم لقيتها بعد ستة أشهر فقلت لها: كيف كان قديد تلك الشاة قالت: بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد! لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك معاش! ولكل شيء إبان! فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى ثم ضرب بها الأرض. ثم قال: لا تعلم أنك من المسرفين حتى تسمع بأخبار الصالحين.“[31]

و يحكي الجاحظ ما حدث له مع صاحبه محفوظ النقاش فيقول: ”صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلاً. فلما صرت قرب منزله - وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي - سألني أن أبيت عنده. وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد ومنزلي منزلك وأنت في ظلمة وليس معك نار وعندي لباً لم ير الناس مثله وتمر ناهيك به جودة لا تصلح إلا له! فملت معه فأبطأ ساعة. ثم جاءني بجام لبإ وطبق تمر. فلما مددت قال: يا أبا عثمان إنه لبإ وغلظه! وهو الليل وركوده! ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في السن. ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً. وما زال الغليل يسرع إليك. وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء! فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ كنت لا آكلاً ولا تاركاً وحرشت طباعك. ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك. وإن بالغت بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك ولم نعد لك نبيذاً ولا عسلاً. وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غداً: كان وكان! والله وقد وقعت بين نابي أسد! لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك قلت: بخل به وبدا له فيه. وإن جئت به ولم أحذرك منه ولم أذكرك كل ما عليك فيه قلت: لم يشفق علي ولم ينصح. فقد برئت إليك من الأمرين جميعاً. وإن شئت فأكلة وموتة! وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة! فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعاً فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به لأتى على الضحك أو لقضى علي. ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب.“[32]

و في موضع أخر يقول الجاحظ: ”وحديث سمعناه على وجه الدهر: زعموا أن رجلاً قد بلغ في البخل غايته وصار إماماً وأنه كان إذا صار في يده الدرهم خاطبه وناجاه وفداه واستنبطه. وكان مما يقول له: كم من أرض قد قطعت! وكم من كيس قد فارقت! وكم من خامل رفعت! ومن رفيع قد أخملت! لك عندي ألا تعرى ولا تضحي! - ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج منه! - وأنه لم يدخل فيه درهماً قط فأخرجه وأن أهله ألحوا عليه في شهوة وأكثروا عليه في إنفاق درهم فدافعهم ما أمكن ذلك. ثم حمل درهماً فقط. فبينا هو ذاهب إذ رأى حواء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه. فقال في نفسه: أتلف شيئاً تبذل فيه النفس بأكلة أو شربة والله ما هذا إلا موعظة لي من الله! فرجع إلى أهله ورد الدرهم إلى كيسه - فكان أهله منه في بلاء. وكانوا يتمون موته والخلاص بالموت أو الحياة. فلما مات وظنوا أنهم قد استراحوا منه قدم ابنه فاستولى على ماله وداره. ثم قال: ما كان أدم أبى فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام. قالوا: كان يأتدم بجبنة عنده. قال: أرونيها. فإذا فيها حز كالجدول من أثر مسح اللقمة! قال: ما هذه الحفرة قالوا: كان لا يقطع الجبن وإنما كان يمسح على ظهره فيحفر كما ترى! قال: فبهذا أهلكني وبهذا أقعدني هذا المقعد! لو علمت ذلك ما صليت عليه! قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة!“ [33]

أثر السخرية الجاحظية في الأدب العربي[عدل]

لقد كان تأثير الجاحظ في غيره من الكتاب عظيماً، لأنه خلق فناً جديداً لم يسبق إليه، فتطلع إليه طلاب الأدب في عصره،[34] و امتدت آثار الجاحظ، مع الزمن، في ميدان الأدب الساخر، حتى وصلت إلى العصر الذي نعيش فيه.[35] و تبينت أثر السخرية الجاحظية واضحاً في كثير من الكُتاب، منذ عصر الجاحظ، و منهم:[36]

1- ابن قتبية[عدل]

تأثر ابن قتيبة بالجاحظ في سخره، و احتجاجه لذكر طرفه، و مزحه، و فكاهته، و سوق الهزل في موضع الجد. يقول في مقدمة كتابه عيون الأخبار: ”.. و سينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح و الفكاهة، و ما روُيَ عن الأشراف و الأئمة فيهما. فإذا مر بك - أيها المتزمت - حديث تستخفه أو تستحسنه، أو تعجب منه أو تضحك له، فاعرف المذهب فيه و ما أردنا به،“ [36] و يكاد يتفق حجاج ابن قتيبة مع احتجاج الجاحظ في خلط الجد بالهزل، و الدفاع عن الفكاهة و الضحك، يقول الجاحظ في كتاب الحيوان: ”و إن كنا قد أمللناك بالجد، و الاحتجاجات الصحيحة و المروحة، فسأنشطك ببعض البطالات..“ [37] و قد اتفق ابن قتيبة مع الجاحظ في ذكر السوءات، و تأثر به في تصوير الحقيقة كما هي.[37]

2- أبو حيان التوحيدي[عدل]

ممن وضح تأثره بالجاحظ، أبو حيان التوحيدي، الذي احتذى مذهب الجاحظ في كل شيء[38]،و احيا تراثه، لأنه تلقاه بالمتابعة، لتأثره به، و إقباله عليه، فاختص بوصف آراء المفكرين و النظار. و تأثر - أيضاً - بأستاذه في الدعوة إلى السخر و الهزل، فقال: ”إن النفس تمل، كما أن البدن يكل، و كما إن البدن -إذا كلَّ - طلب الراحة، كذلك النفس - إذا كلَّت - طلبت الروح، كما لا بد للبدن أن يستعد و يستفيد بالجمام، كذلك لا بد للنفس أن تطلب الروح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج.“[39] و لقد تمرس أبو حيان، بأساليب الجاحظ، و تأسى به، فناً و سخراً، و فلسفة، و إلماماً بالمعارف، و تشخيصاً لأمراض مجتمعه، حتى صار امتداداً لفنه.[40]

3- من أدباء العصر الحديث[عدل]

لقد تأثر الكثير من أعلام الكتابة، من الأدباء، في العصر الحديث، بأسلوب الجاحظ، مثل: العقاد، و الرافعي، و أحمد حسن الزيات، و المازني، و أيضاً، أساتذة الجامعات العربية و غيرها[41]، و من أشهر ممن تأثروا بالجاحظ:

أ- طه حسين[عدل]

بحسب ما وُرد في كتاب الأسلوب لأحمد الشايب، تأثر طه حسين بالجاحظ في أسلوبه فهو لا يهجم برأيه، إنما يذكره فقط كما يذكره لصديق، ثم يتطرق إلى المقدمات، محللاً، و ناقداً، يُشرك القارئ في البحث حتى يصل إلى الرأي الصحيح، ثم: ”يتركك و يقف غير بعيد متحدياً لك أو ضاحكاً منك و ذلك في عبارات رقيقة عذبة، أو قوية جزلة، فيها ترديد الجاحظ و تقسيمه...“[42]

ب- أحمد أمين[عدل]

تأثر أحمد أمين بالجاحظ على نحو ظاهر في دعوته للضحك، فيقول: ”إن الطبيعة عودتنا أن نجعل لكل باب مفتاحاً، و لكل كرب خلاصاً، و لكل عقدة حلاً، و لكل شدة فرجاً، فلما رأت الإنسان يُكثِّر من الهموم، و يخلق لنفسه المشاكل و المتاعب، أوجدت لكل ذلك علاجاً، فكان الضحك..“ و في موضع أخر يقول: ”و الطبيعة ليست مُسرفة في المنح فلما لم تجد للحيوانات كلها هموماً، لم تضحكها، و لما وجدت الإنسان وحده هو المهموم المفحوم، جعلته وحده هو الحيوان الضاحك.“[43]

وصلات خارجية[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 31
  2. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 32
  3. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 33
  4. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 34
  5. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 39
  6. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 40
  7. ^ - السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 43
  8. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 93
  9. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 131
  10. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 132
  11. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 133
  12. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 134
  13. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 135
  14. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 99
  15. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 6
  16. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 62
  17. ^ http://kobaar.com/index.php/ar/writers-small/al-jahiz/his-scientific-method
  18. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 144
  19. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 147
  20. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 148
  21. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 154
  22. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 160
  23. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 170
  24. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 172
  25. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 180
  26. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 181
  27. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة98
  28. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 98
  29. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 100
  30. ^ كتاب البخلاء للجاحظ ج1، ط دار الكتب المصرية صفحة 46
  31. ^ كتاب البخلاء للجاحظ ج1، صفحة 68
  32. ^ الجاحظ: البخلاء تحقيق طه الحاجري، صفحة 123 - 124
  33. ^ الجاحظ: البخلاء، تحقيق طه الحاجري، صفحة 131 - 132
  34. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 127
  35. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 101
  36. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 102
  37. أ ب السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 103
  38. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 111
  39. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 112
  40. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 113
  41. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 128
  42. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 128
  43. ^ السخرية في أدب الجاحظ. السيد عبد الحليم محمد حسين. صفحة 129