بحث ميداني
| جزء من سلسلة مقالات حول |
| البحث العلمي |
|---|
| بوابة فلسفة |

البحث الميداني أو الدراسات الميدانية أو العمل الميداني هو جمع البيانات الخام خارج المختبر أو المكتبة أو بيئة العمل. تختلف المقاربات والطرائق المستخدمة في البحث الميداني بين التخصصات المختلفة. فعلى سبيل المثال، قد يكتفي علماء الأحياء الذين يجرون أبحاثًا ميدانية بمراقبة الحيوانات وهي تتفاعل مع بيئاتها، في حين قد يقوم علماء الاجتماع الذين يجرون بحوثًا ميدانية بإجراء مقابلات أو ملاحظات للأشخاص في بيئاتهم الطبيعية للتعرف على لغاتهم وتراثهم الشعبي وهياكلهم الاجتماعية.
يشمل البحث الميداني مجموعة من الأساليب المحددة جيدًا، وإن كانت متغيرة، مثل: المقابلات غير الرسمية والملاحظة المباشرة والمشاركة في حياة المجموعة والمناقشات الجماعية وتحليل الوثائق الشخصية المنتجة داخل المجموعة والتحليل الذاتي والنتائج المستخلصة من الأنشطة المنفذة عبر الإنترنت أو خارجه والسير الحياتية. مع أن هذه الطريقة تُصنف عمومًا أنها بحث نوعي، فإنها غالبًا ما تتضمن أبعادًا كمية أيضًا.
تاريخه
[عدل | عدل المصدر]للبحث الميداني تاريخ طويل. استخدم علماء الإنسان الثقافيون البحث الميداني منذ زمن لدراسة الثقافات الأخرى. مع أن هذه الثقافات قد لا تكون مختلفة بالضرورة، فإنها كانت مختلفة غالبًا في الماضي عند دراسة ما يُعرف بالثقافات البدائية، وحتى في علم الاجتماع، كانت الفروق الثقافية تتعلق غالبًا بالفروق الطبقية. يُجرى هذا العمل في «حقول، أي في مجالات دراسة محددة كانت موضوعًا للبحث الاجتماعي».[1] قد تشمل هذه الحقول مجالات مثل التعليم أو البيئات الصناعية أو غابات الأمازون المطيرة. قد يُجري البحث الميداني علماء السلوك الحيواني مثل جين جودل. يُعد ألفريد رادكليف براون (1910) وبرونيسواف مالينوفسكي (1922) من أوائل علماء الإنسان الذين وضعوا النماذج التي استُرشد بها في الأعمال اللاحقة.[2]
إجراء البحث الميداني
[عدل | عدل المصدر]تعتمد جودة النتائج المستخلصة من البحث الميداني على نوعية البيانات المُجمعة في الميدان. تخضع هذه البيانات بدورها لعوامل تتعلق بالباحث الميداني نفسه ومستوى انخراطه وقدرته على رؤية وتصور الأشياء التي قد يعجز الآخرون ممن يزورون منطقة الدراسة عن ملاحظتها. كلما كان الباحثون أكثر انفتاحًا على الأفكار والمفاهيم والأشياء الجديدة التي قد لا تكون مألوفة في ثقافتهم الخاصة، كانت قدرتهم على استيعاب تلك الأفكار أفضل. يؤدي فهم هذا النوع من المواد فهمًا أعمق إلى فهم أفضل للقوى الثقافية الفاعلة في المنطقة، والطرق التي تؤثر بها في حياة الأشخاص موضوع الدراسة. تعلم علماء الاجتماع -مثل علماء الإنسان وعلماء النفس الاجتماعي وغيرهم- دائمًا أن يكونوا أحرارًا من الاستعراقية -أي الاعتقاد بتفوق الجماعة العرقية التي ينتمي إليها الفرد- عند إجراء أي نوع من أنواع البحث الميداني. إضافةً إلى ذلك، فإن الأساس الثقافي للباحث يساعد في عملية جمع البيانات.[3]
عندما يكون البشر أنفسهم موضوع الدراسة، يجب وضع بروتوكولات لتقليل أخطار تحيز المراقب ولتفادي التفسيرات النظرية أو المثالية المفرطة لطبيعة عمل الثقافة. من أمثلة طرائق البحث الميداني: ملاحظة المشارك وجمع البيانات والبحوث الاستقصائية، وذلك على النقيض مما يُعرف غالبًا بالبحث التجريبي أو البحث المختبري.
الملاحظات الميدانية
[عدل | عدل المصدر]عند إجراء البحث الميداني، يُعد الحفاظ على سجلات وصف الشعوب جزءًا أساسيًا من العملية. تشكل الملاحظات الميدانية عنصرًا رئيسيًا في سجلات وصف الشعوب. تبدأ عملية تدوين الملاحظات الميدانية عندما يشارك الباحث في المشاهد والأنشطة المحلية ليتمكن من إجراء الملاحظات التي سيدونها لاحقًا. يحاول الباحث الميداني في البداية الاحتفاظ بملاحظات ذهنية حول تفاصيل معينة ليكتبها لاحقًا.
إجراء المقابلات
[عدل | عدل المصدر]يُعد إجراء المقابلات طريقة أخرى لجمع البيانات، خصوصًا في إطار البحوث النوعية. يمكن إجراء المقابلات بصيغ مختلفة، ويعتمد ذلك على تفضيلات الباحث الفردية والغرض من البحث والسؤال البحثي المطروح.
تحليل البيانات
[عدل | عدل المصدر]في البحث النوعي، توجد الكثير من الطرق لتحليل البيانات التي جُمعت ميدانيًا. من أكثر أساليب تحليل البيانات شيوعًا طريقتان: التحليل الموضوعي والتحليل السردي. وكما ذكر سابقًا، يعتمد نوع التحليل الذي يختاره الباحث على السؤال البحثي المطروح ومجال تخصص الباحث والطريقة التي يفضلها شخصيًا.
البحث الميداني عبر التخصصات المختلفة
[عدل | عدل المصدر]علم الإنسان
[عدل | عدل المصدر]في علم الإنسان، يُنظم البحث الميداني لينتج عنه نوع من الكتابة يُعرف باسم وصف الشعوب. قد يشير وصف الشعوب إلى كل من المنهجية وناتج البحث، أي إلى الأفرودة أو الكتاب. يعد وصف الشعوب منهجًا استقرائيًا يعتمد على ملاحظة المشارك أساسًا. ملاحظة المشارك نوع من الاستراتيجيات البحثية المنظمة. تعد منهجية واسعة الاستخدام في الكثير من التخصصات، لا سيما علم الإنسان الثقافي، وكذلك في علم الاجتماع ودراسات الاتصال وعلم النفس الاجتماعي. تهدف هذه المنهجية إلى تحقيق معرفة قوية وحميمة بمجموعة معينة من الأفراد -مثل مجموعة دينية أو مهنية أو ثقافية فرعية أو مجتمع محدد- وبممارساتهم من خلال التفاعل المكثف معهم في بيئتهم الطبيعية، عادةً على مدى فترة زمنية طويلة.
نشأت هذه الطريقة من العمل الميداني لعلماء الإنسان الاجتماعيون، ولا سيما طلاب فرانز بواس في الولايات المتحدة، ومن أبحاث البيئات الحضرية في مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع. أشار ماكس غلوكمان إلى أن برونيسواف مالينوفسكي طور فكرة العمل الميداني بشكل كبير، لكنها بدأت مع ألفريد كورت هادون في إنجلترا وفرانز بواس في الولايات المتحدة. خلص روبرت جي بورغس إلى أنه «يُنسب الفضل عادةً إلى مالينوفسكي في كونه مؤسس البحث الميداني المكثف في علم الإنسان». [4]
يستخدم العمل الميداني في علم الإنسان مجموعة واسعة من الطرائق والمقاربات التي تشمل -لكن لا تقتصر على- ملاحظة المشارك والمقابلات المنظمة وغير المنظمة والبحث الأرشيفي وجمع المعلومات الديموغرافية من المجتمع الذي يدرسه عالم الإنسان وتحليل البيانات. تُجرى ملاحظة المشارك التقليدية عادةً على مدى فترة طويلة من الزمن، تتراوح من عدة أشهر إلى سنوات كثيرة، وتمتد أحيانًا عبر الأجيال. تسمح فترة البحث الطويلة للباحث الحصول على معلومات أكثر تفصيلًا ودقة حول الأفراد والمجتمع أو السكان قيد الدراسة. تمكن ملاحظة التفاصيل القابلة للملاحظة -مثل تخصيص الوقت اليومي- والتفاصيل الأكثر خفاء -مثل السلوكيات المحرمة- وتفسيرها بسهولة أكبر بمرور الوقت. من مزايا الملاحظة والتفاعل على مدى فترات طويلة أن الباحثين يستطيعون اكتشاف التناقضات بين ما يقول المشاركون إنه ينبغي أن يحدث (النظام الرسمي)، وهو غالبًا ما يعتقدونه، وما يحدث فعليًا، أو بين الجوانب المختلفة للنظام الرسمي ذاته. في المقابل، فإن الدراسات الاستقصائية لإجابات الناس عن مجموعة من الأسئلة التي تُجرى مرةً واحدة قد تكون متسقة للغاية، لكنها أقل احتمالًا في إظهار التباينات بين الجوانب المختلفة للنظام الاجتماعي أو بين التصورات الواعية والسلوك الفعلي.
علم الآثار
[عدل | عدل المصدر]يقع البحث الميداني في صميم البحث الأثري. قد يشمل تنفيذ مسوحات واسعة النطاق -تشمل المسوحات الجوية- أو مسوحات ميدانية أكثر محلية -مثل المسوحات التصويرية والمرسومة والجيوفيزيائية، والأنشطة مثل المشي الميداني- إضافةً إلى عمليات التنقيب.
مراجع
[عدل | عدل المصدر]- ↑ Burgess, Robert G., In the Field: An Introduction to Field Research (Hemel Hempstead, U.K.: George Allen & Unwin, 1984) at 1.
- ↑ Burgess, Robert, ibid. at 12-13.
- ↑ Yadav، Amit؛ Pattanaik، Debashis (17 سبتمبر 2025). "Institutionalised Cultural Capital in Practice: A Fieldwork Perspective". Doing Sociology. مؤرشف من الأصل في 2025-11-14. اطلع عليه بتاريخ 2025-09-30.
- ↑ A variant of participant observation is observing participation, described by Kaminski, who explored prison subculture as a political prisoner in communist Poland in 1985.