انتقل إلى المحتوى

تاريخ الطباعة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
آلة طباعة ترجع لعام 1811 تم تصويرها في ميونخ، ألمانيا.

تاريخ الطباعة هو دراسة تطور تقنيات الطباعة منذ أقدم أشكالها وحتى العصر الحديث، مع التركيز على الطرق والأساليب التي مكنت الإنسان من إنتاج النصوص والصور بشكل متكرر ودقيق. تبدأ هذه الدراسة بالطباعة بالحفر على الخشب في الصين خلال القرن السابع الميلادي، ثم الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة في كوريا في القرن الثالث عشر، وصولًا إلى اختراع يوهانس جوتنبرغ للطباعة بالحروف المعدنية في أوروبا خلال القرن الخامس عشر، وما ترتب على ذلك من انتشار واسع للكتب والمخطوطات. كما يتناول تاريخ الطباعة تأثير هذه التقنية على نقل المعرفة والثقافة والعلوم، ودورها في تعزيز التعليم، وتسهيل تبادل المعلومات، وتأثيرها في مجالات الاقتصاد والمجتمع عبر العصور.[1]

أقدم نص مطبوع في كوريا، حوالي 704–751

السياق التاريخي للكتابة قبل الطباعة

[عدل]

بدأت الكتابة مع الحضارات القديمة كوسيلة لتسجيل المعرفة والأحداث اليومية، إذ لعبت دورًا محوريًا في توثيق المعاملات الاقتصادية والممارسات الدينية والاجتماعية. ففي سومر حوالي عام 3200 ق.م، ظهرت الكتابة المسمارية، وهي أول نظام كتابة متطور استخدم في تسجيل المعاملات والأحداث الإدارية. وفي مصر القديمة، نشأت الهيروغليفية التي نقش بها النصوص الدينية والإدارية على المعابد والبرديات، مسجلة بذلك التاريخ والأديان والممارسات اليومية للمجتمع المصري.[2]

ختم طيني للملك شار-كالي-شاري من المتحف الوطني العراقي
أقدم نص مطبوع في اليابان، حوالي 770
قطعة من لوح خشبي للطباعة يعود لعهد Western Xia (1038–1277) لنص بوذي مكتوب بالخط التانغوتي، اكتشفت عام 1990 في بمقاطعة هيلان، نينغشيا

مع مرور الزمن تطورت الأبجديات القديمة، مثل الأوغاريتية والفينيقية والعبريّة القديمة، التي شكلت أساسًا للعديد من الأبجديات الحديثة، وسهلت نقل الأفكار والأحداث عبر الأجيال والمناطق المختلفة. وفي شبه الجزيرة العربية، ظهرت الكتابة السبئية التي استخدمها سبأيون اليمن لتوثيق النصوص الدينية والتجارية، بالإضافة إلى الكتابة الصفائية التي استخدمت في جنوب الجزيرة العربية لتسجيل النصوص الرسمية والتاريخية، مع تأثير واضح على الأبجديات اللاحقة.[3]

وفي مناطق أخرى من العالم، ظهرت نظم الكتابة في الصين على الخشب والحرير قبل الطباعة، وفي حضارات الأمريكتين مثل الإنكا والأزتك، واستخدام كتابة تيفيناغ في شمال إفريقيا لتسجيل المعاملات الثقافية والمحلية. اعتمد البشر كذلك على وسائل متنوعة لنقل المعرفة قبل ظهور الطباعة، من المرويات الشفوية والمخطوطات اليدوية إلى ورق البردي والرق والخشب المحفور، ما أتاح توثيق المعلومات وتداولها بين الناس. وقد مثلت هذه التطورات التاريخية الأساس الذي مهد لتقنيات الطباعة، التي ظهرت لاحقًا في الصين خلال القرن السابع الميلادي باستخدام الطباعة بالحفر على الخشب، لتبدأ مرحلة جديدة في نشر المعرفة بسرعة أكبر وبشكل أوسع.[4]

مراحل تطور الطباعة

[عدل]

1. الطباعة في الصين: ظهرت أولى تقنيات الطباعة في الصين باستخدام طرق بدائية مثل الأختام الحجرية والطباعة على القماش، لكنها لم تكن عملية لنسخ الكتب، حتى جاء عهد أسرة تانغ في القرن السابع الميلادي فتطورت تقنية الطباعة الخشبية التي تقوم على نقش النصوص والرسومات على ألواح خشبية كاملة ثم غمرها بالحبر والضغط بها على الورق، من أقدم النماذج الباقية كتاب سوترا الماس (868م)، والذي يُعد أقدم كتاب مطبوع كامل باقٍ حتى اليوم، وقد ساهمت الطباعة الخشبية في نشر النصوص البوذية بشكل واسع وانتشرت الأدعية والرسومات بين عامة الناس ثم امتدت إلى الأدب والموسوعات وكتب الإدارة، وفي القرن الحادي عشر ابتكر المخترع الصيني بي شنغ أول نظام للحروف المتحركة حوالي سنة 1040م مستخدمًا قطعًا مصنوعة من الطين المحروق يمكن ترتيبها وإعادة استخدامها، لكنها لم تنتشر على نطاق واسع بسبب التعقيد الناتج عن عدد الرموز الكبير في اللغة الصينية، مقارنة بالطباعة الخشبية المتكاملة.[5][6][7]

2. الطباعة في كوريا واليابان: تُشير بعض الدراسات إلى أنّ تقنيات الطباعة انتقلت من الصين إلى كوريا واليابان عبر التبادل الثقافي والتجاري، حيث طوّر الكوريون لاحقًا الحروف المتحركة المعدنية في القرن الثالث عشر، وطُبع بها كتاب "جيكجي" سنة 1377م، الذي يُعتبر أقدم كتاب مطبوع باستخدام الحروف المتحركة المعدنية. ومع ذلك، لم تنتشر هذه التقنية على نطاق واسع في كوريا، إذ استمرت الطباعة الخشبية التقليدية في الازدهار حتى نهاية فترة جوسون.[8][9][10]

أما في اليابان، فقد وصلت إليها الطباعة الخشبية في القرن الثامن، لكنها استُخدمت على نطاق محدود في البداية، مع تركيزها على النصوص الدينية والبوذية بشكل رئيسي. ومع توسع التجارة والاتصال الثقافي مع الصين واليابان، ازدهرت الطباعة الخشبية بشكل ملحوظ خلال فترة إيدو (1603–1868م)، ما ساهم في نشر المعرفة بين طبقات المجتمع المختلفة. وفي القرن السادس عشر، أُدخلت المطبعة الغربية إلى اليابان، لكنها واجهت قيودًا سياسية ودينية بعد حظر المسيحية عام 1614م، مما حدّ من انتشارها، وبقيت الطباعة الخشبية هي التقنية المهيمنة حتى أواخر القرن التاسع عشر.[11][12]

3. الطباعة في أوروبا: دخلت الطباعة إلى أوروبا في القرن الخامس عشر عبر مطبعة يوهانس غوتنبرغ في ماينتس، ألمانيا، حيث استخدمت الحروف المعدنية الأبجدية، وهو ابتكار مكن من نسخ النصوص بسرعة ودقة أكبر مقارنة بالنسخ اليدوي. يؤكد بعض الباحثين أن غوتنبرغ قد تأثر بشكل غير مباشر بالابتكارات الصينية في الطباعة، التي وصلت إلى أوروبا عبر طرق التجارة مثل طريق الحرير.[13][14]

أدى انتشار الطباعة في أوروبا إلى تغييرات هائلة في المجتمع، إذ ساهم في نشر المعرفة بسرعة بين طبقات واسعة من السكان، ودعم الحركة العلمية والثقافية التي أدت إلى النهضة الأوروبية. كما أتاحت الطباعة تكاثر الكتب القانونية والدينية والأدبية، وتوحيد اللغات المكتوبة.[15][16]

وبالمقارنة مع الشرق الآسيوي، تبقى الصين رائدة في ابتكار الطباعة الخشبية والحروف المتحركة الطينية، لكن الأثر العالمي الأوسع ارتبط بالطباعة الأوروبية بالحروف المعدنية الأبجدية، نظرًا لتناسبها مع اللغات الأبجدية وقدرتها على تحقيق نشر واسع وسريع للمعرفة.[17]

4. الطباعة في العالم الإسلامي والعربي: ظل العالم الإسلامي والعربي لقرون طويلة يعتمد على الكتابة اليدوية في نسخ الكتب والمخطوطات، حيث برع الخطاطون في فنون الخط العربي، مما جعل المخطوطات الإسلامية تتميز بجماليات فنية عالية. على الرغم من ذلك، تأخرت الطباعة في العالم الإسلامي مقارنةً بأوروبا.

وكانت أولى المحاولات لإدخال الطباعة الى العالم الاسلامي والعربي في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث أُنشئت أول مطبعة رسمية بالحروف العربية في إسطنبول عام 1727م على يد إبراهيم متفرقة. إلا أنها لفيت مقاومة قوية من بعض العلماء والكتّاب الذين رأوا في الطباعة تهديدًا لمكانة النسّاخ والخطاطين.

في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا عام 1798م، حملت الحملة الفرنسية على مصر أولى محاولات إدخال الطباعة إلى العالم الإسلامي. حيث أمر نابليون بونابرت بإنشاء مطبعة في الإسكندرية، عُرفت بالمطبعة الشرقية، وكانت تهدف أساسًا إلى نشر الدعاية السياسية وتعزيز الوجود الفرنسي في مصر. وكانت أول مطبعة تطبع بالخط العربي في مصر. بعد مغادرة نابليون، استمرت المطبعة في العمل تحت إشراف الفرنسيين، وطُبعت بها منشورات باللغة العربية تستهدف النخبة والمجتمع المصري.

في عام 1820م، أسس محمد علي باشا مطبعة بولاق في القاهرة، والتي كانت أول مطبعة حديثة في مصر. ساهمت بشكل كبير في نشر المعرفة، وفتحت آفاقًا جديدة أمام الباحثين والمحققين ليقوموا بـ تحقيق المخطوطات النادرة المحفوظة في مكتبات حواضر العالم الإسلامي، وإخراجها في صورة مطبوعة حديثة. وقد مكّن هذا الجهد من إعادة بعث آلاف الكتب المخطوطة التي كانت مهددة بالضياع.

انتشار الطباعة عالميًا

انظر أيضاً

[عدل]

مراجع

[عدل]
  1. ^ Eisenstein, Elizabeth L. (2005). The Printing Revolution in Early Modern Europe. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-60774-2.
  2. ^ Robson, Eleanor (2008). *Mesopotamian Writing*. Oxford: Oxford University Press. pp. 12–35.
  3. ^ Healey, John F. (1990). *The Phoenician Alphabet*. London: British Museum Press. pp. 45–62.
  4. ^ Urton, Gary (2003). *The Inca World: The Development of Quipu*. Austin: University of Texas Press. pp. 101–125.
  5. ^ Tsien, Tsuen-Hsuin. Written on Bamboo and Silk: The Beginnings of Chinese Books and Inscriptions. University of Chicago Press, 1985, pp. 8, 146.
  6. ^ Wilkinson, Endymion. Chinese History: A Manual. Harvard University Asia Center, 2012, p. 911.
  7. ^ Needham, Joseph. The Shorter Science and Civilisation in China, Volume 4. Cambridge University Press.
  8. ^ Beckwith, Christopher I. Empires of the Silk Road: A History of Central Eurasia from the Bronze Age to the Present. Princeton University Press.
  9. ^ Eisenstein, Elizabeth L. The Printing Revolution in Early Modern Europe. Cambridge University Press, 1983
  10. ^ 潘吉星 (Pan Jixing). 中國金屬活字印刷技術史 [History of Metal Movable Type Printing in China]. 辽宁科学技术出版社 (Liaoning Science and Technology Press), 2001, pp. 1–212.
  11. ^ Smith, Daniel. A Short History of the World in 50 Books. Michael O'Mara Books, 2022-07-21.
  12. ^ Febvre, Lucien, and Martin, Henri-Jean. The Coming of the Book: The Impact of Printing 1450–1800. Verso, 1976.
  13. ^ Newman, M. Sophia. So, Gutenberg Didn't Actually Invent the Printing Press. Literary Hub, June 19, 2019, pp. 1–12.
  14. ^ Febvre, Lucien, and Martin, Henri-Jean. The Coming of the Book: The Impact of Printing 1450–1800. Verso, 1976, pp. 22–110.
  15. ^ Eisenstein, Elizabeth L. The Printing Revolution in Early Modern Europe. Cambridge University Press, 1983, pp. 45–120.
  16. ^ Smith, Daniel. A Short History of the World in 50 Books. Michael O'Mara Books, 2022, pp. 87–95.
  17. ^ Howard, Audrey. China and the Art of Movable Type Printing. Cincinnati Type & Print Museum Blog, August 1, 2023, pp. 1–8.