نظرية التعلم الاجتماعي

| علم الإجرام وعلم العقاب |
|---|
نظرية التعلم الاجتماعي (الإنجليزية: Social Learning Theory) هي نظرية تقول بأن الناس يتعلمون سلوكيات جديدة عن طريق التعزيز أو العقاب الصريحين، أو عن طريق التعلم بملاحظة المجتمع من حولهم.[1][2] فحين يرى الناس نتائج إيجابية ومرغوبة للسلوك الذي يلاحظونه (من قبل غيرهم)، تزداد احتمالية تقليدهم، ومحاكاتهم، وتبنيهم لهذا السلوك.[3]
ويرتبط مفهوم نظرية التعلم الاجتماعي بصورة خاصة بعالم النفس الكندي الأمريكي ألبرت باندورا، الذي طور تصورًا للتعلم يتجاوز التفسير السلوكي التقليدي الذي يركز بصورة أساسية على التعزيز والعقاب. وقد أتاح هذا التصور إدخال عمليات معرفية مثل الانتباه والاحتفاظ والتوقع والدافعية في تفسير اكتساب السلوك وأدائه. وتطورت أفكار باندورا لاحقًا إلى ما يعرف بـالنظرية المعرفية الاجتماعية، التي تقدم تصورًا أوسع للتفاعل بين العوامل الشخصية والسلوك والبيئة، وتولي أهمية خاصة لمفاهيم مثل الكفاءة الذاتية والتنظيم الذاتي والحتمية التبادلية.[4]
النشأة والتطور التاريخي
[عدل | عدل المصدر]لم تظهر نظرية التعلم الاجتماعي في صورتها الحديثة بصورة مفاجئة، وإنما جاءت نتيجة تطور طويل في دراسة التعلم والسلوك الاجتماعي والتقليد. وقد ساهم عدد من الباحثين في تشكيل الأفكار التي أصبحت لاحقًا جزءًا من هذا الاتجاه النظري.
جابريل تارد
[عدل | عدل المصدر]يعد عالم الاجتماع الفرنسي جابريل تارد (1843–1904) من المفكرين الأوائل الذين أعطوا التقليد مكانة مركزية في تفسير الظواهر الاجتماعية. ففي كتابه قوانين التقليد (Les Lois de l'imitation)، الصادر سنة 1890، تناول تارد انتشار الأفكار والعادات والممارسات داخل المجتمع، ورأى أن التقليد يمثل إحدى الآليات المهمة في انتقال الظواهر الاجتماعية واستمرارها.[5]
ولا تمثل أفكار تارد نظرية التعلم الاجتماعي بالمعنى النفسي الحديث، إذ كان اهتمامه منصبًا بصورة أساسية على تفسير الظواهر الاجتماعية وآليات انتشارها. غير أن تركيزه على التقليد أسهم في تشكيل السياق الفكري الذي أصبحت فيه عملية محاكاة سلوك الآخرين موضوعًا مهمًا للبحث العلمي.
جوليان روتر
[عدل | عدل المصدر]أسهم عالم النفس الأمريكي جوليان روتر (1916–2014) في تطوير تصور للتعلم يقوم على العلاقة بين السلوك وتوقعات الفرد والنتائج التي يعتقد أنه سيحصل عليها. وقد عرض روتر هذا التصور بصورة متكاملة في كتابه Social Learning and Clinical Psychology الصادر سنة 1954.[6] وأكد روتر أهمية الطريقة التي يدرك بها الفرد الموقف، بدل الاقتصار على خصائص الموقف الخارجية. ومن هذا المنظور، يمكن أن يستجيب شخصان بصورة مختلفة للموقف نفسه نتيجة اختلاف خبراتهما وتوقعاتهما والقيمة التي يمنحانها للنتائج المحتملة. ومن المفاهيم المرتبطة بنظرية روتر التوقع، وقيمة التعزيز، والإمكان السلوكي، والموقف النفسي. وقد أسهم هذا التصور في الانتقال من تفسير السلوك اعتمادًا على المثيرات الخارجية وحدها إلى تفسير يضع توقعات الفرد وإدراكه للموقف ضمن العوامل المؤثرة في السلوك.
ألبرت باندورا
[عدل | عدل المصدر]يمثل ألبرت باندورا مرحلة أساسية في تطور نظرية التعلم الاجتماعي. فقد اهتم باندورا بكيفية اكتساب الأفراد للسلوك من خلال ملاحظة الآخرين، وأكد أن الإنسان يستطيع تعلم سلوك جديد دون أن يمر مباشرة بالتجربة التي أدت إلى اكتساب ذلك السلوك.
وفي سنة 1961، نشر باندورا بالاشتراك مع دوروثيا روس وشِيلا روس دراسة تجريبية أصبحت من أشهر الدراسات في تاريخ علم النفس، تناولت انتقال السلوك العدواني من خلال ملاحظة النماذج السلوكية.[7]
وفي كتابه Social Learning Theory الصادر سنة 1977، طور باندورا تصورًا متكاملًا للتعلم بالملاحظة، موضحًا أن اكتساب السلوك يتضمن عمليات معرفية وسلوكية ودافعية، وأن الملاحظة لا تؤدي بصورة آلية إلى تقليد السلوك، بل تتوسطها مجموعة من العمليات النفسية.
التعلم بالملاحظة
[عدل | عدل المصدر]التعلم بالملاحظة هو أحد المفاهيم المركزية في نظرية التعلم الاجتماعي، ويشير إلى اكتساب الفرد معلومات أو مهارات أو أنماطًا سلوكية من خلال ملاحظة سلوك شخص آخر أو نموذج معين. ويختلف التعلم بالملاحظة عن التعلم الناتج عن الخبرة المباشرة؛ إذ يمكن للفرد أن يكتسب معلومات حول السلوك ونتائجه دون أن يؤدي السلوك بنفسه أو يتعرض مباشرة للنتيجة المترتبة عليه. وتشمل مصادر النماذج السلوكية الأسرة والمدرسة وجماعة الأقران وبيئة العمل ووسائل الإعلام والكتب والقصص والوسائط الرقمية. ولذلك يمكن أن يحدث التعلم بالملاحظة في مجموعة واسعة من السياقات الاجتماعية. ولا تعني الملاحظة بالضرورة التقليد المباشر؛ فقد يلاحظ الفرد سلوكًا ويكتسب معرفة بكيفية أدائه، لكنه لا يقوم به إلا في وقت لاحق، عندما تتوافر القدرة والدافعية والظروف المناسبة.
النظرية
[عدل | عدل المصدر]أول من تحدث عن نظرية التعلم الاجتماعي هو جابريل تارد (1843-1904). رأى تارد أن التعلم الاجتماعي يحصل على أربعة مراحل:
- الاحتكاك الشديد
- تقليد المشرفين
- فهم المبادئ
- سلوك المثل الأسمى
كما يتكون التعلم الاجتماعي من ثلاثة أجزاء: الملاحظة، والتقليد، والتعزيز.
اقترح جوليان روتر، فقد في كتابه التعلم الاجتماعي وعلم النفس السريري (1954) أن تأثير السلوك يلعب دورا في دفع المرء إلى اتخاذ إجراء تجاه هذا السلوك، فالناس تنفر من النتائج السلبية، بينما ترغب الإيجابية.
فإن توقع المرء أن يعود سلوك معين بنتائج إيجابية، أو رأى احتمالية كبيرة في ذلك، تزداد قابلية مشاركتهم الآخرين في هذا السلوك. إن تعزيز السلوك بالنتائج الإيجابية يقود المرء إلى تكرار انتهاجه. ولذلك ترى نظرية التعلم الاجتماعي أن التأثير على السلوك لا ينحصر فقط بالعوامل النفسية، وإنما تلعب المحفزات والعوامل البيئية دورا في ذلك.
توسع ألبرت بندورا (1977) في فكرة روتر وأفكار من سبقوه، فنظريته تشمل التعلم السلوكي والإدراكي. يفترض التعلم السلوكي أن بيئة الشخص المحيطة تدفعه للتصرف بطريقة معينة. أما نظرية التعلم الإدراكي فتقول بأن العوامل النفسية مهمة في التأثير على سلوك المرء. أما نظرية التعلم الاجتماعي فتجمع بين العوامل البيئة والعوامل النفسية. يتطلب تعلم وتقليد سلوك معين ثلاثة أمور: التذكر (تذكر ما لاحظه الشخص)، الإنتاج (القدرة على القيام بسلوك معين)، والدافع (السبب الكافي الذي يرغبك في تبني سلوك معين).
مكونات النظرية
[عدل | عدل المصدر]- القوة السلوكية
- التوقع
- قيمة التعزيز
- الحالة النفسية
القوة السلوكية
[عدل | عدل المصدر]وتعرف على أنها احتمالية المشاركة في سلوك معين في ظرف معين. أي ما هي احتمالية أن يتصرف الإنسان بطريقة معينة في ظرف من الظروف؟ يتوفر للإنسان عدة خيارات سلوكية عندما يوضع تحت ظرف من الظروف. لكل خيار من هذه السلوكيات طاقة كامنة تجعل الإنسان يخلص إلى تلك التي تحوى أكبر طاقة منها.
التوقع
[عدل | عدل المصدر]هي ما يتوقعه الإنسان من نتائج يحتمل أن يعود بها سلوك معين. السؤال المطروح هنا هو: ما هي احتمالية أن ينتج عن هذا السلوك نتائج إيجابية تعتمد ثقة الإنسان في انتهاج سلوك معين على مقدار احتمالية ظهور نتائج إيجابية عنه، فإن كان هذا الاحتمال عاليا، زادت التوقعات بحصول التعزيز بناء على هذا السلوك. أما عن مصدر التنبؤ بحصول التعزيز، فهو خبرات الإنسان السابقة، ولهذا نراه يختلف من شخص لآخر لدرجة يفتقر بها أحيانا إلى المنطق.
قيمة التعزيز
[عدل | عدل المصدر]التعزيز هو الناتج الذي يعود به سلوك معين. أما قيمة التعزيز فتشير إلى مقدار رغبة الإنسان في هذه النتائج. فالأشياء التي نحبها، ونرغب فيها تحظى بقيمة تعزيز عالية،
الحالة النفسية
[عدل | عدل المصدر]يعتقد روتر أن الموقف ذاته قد يعني أشياء مختلفة لكل شخص، فالحالة النفسية أيضا تختلف من شخص لآخر، فتؤثر على سلوكهم.
النمذجة
[عدل | عدل المصدر]النمذجة (Modeling) هي عملية اكتساب السلوك أو المعرفة من خلال ملاحظة نموذج يؤدي سلوكًا معينًا. وقد يكون النموذج شخصًا حقيقيًا، أو شخصية تظهر في وسيلة إعلامية، أو نموذجًا رمزيًا يقدم السلوك من خلال اللغة والصور والقصص.
وقد تكون النمذجة مباشرة عندما يلاحظ الفرد شخصًا يؤدي السلوك أمامه، أو رمزية عندما يقدم السلوك من خلال قصة أو صورة أو وسيلة إعلامية، كما يمكن أن تتم بصورة لفظية من خلال وصف خطوات أداء السلوك.
وفي المجال التربوي، يمكن للمعلم استخدام النمذجة لتوضيح المهارات والإجراءات، مثل حل المسائل الرياضية، وإجراء التجارب العلمية، وقراءة النصوص، واستخدام الأدوات، وتنظيم خطوات حل المشكلات. ويستطيع المتعلم بعد مشاهدة النموذج أن يحاول إعادة إنتاج السلوك، ثم يستفيد من الممارسة والتغذية الراجعة من أجل تحسين أدائه.
عمليات التعلم بالملاحظة
[عدل | عدل المصدر]حدد باندورا أربع عمليات أساسية ترتبط بالتعلم بالملاحظة، وهي الانتباه، والاحتفاظ، والإنتاج السلوكي، والدافعية.
الانتباه
[عدل | عدل المصدر]يمثل الانتباه الشرط الأول للتعلم بالملاحظة؛ إذ لا يمكن للفرد أن يكتسب بصورة دقيقة سلوكًا لم ينتبه إلى عناصره الأساسية. ويتأثر الانتباه بخصائص النموذج وبخصائص الملاحظ وبطبيعة السلوك. وقد يكون النموذج أكثر قدرة على جذب الانتباه إذا كان يتمتع بالخبرة أو المكانة أو الجاذبية أو الأهمية بالنسبة إلى الملاحظ. وفي البيئة التعليمية، يمكن للمعلم زيادة انتباه المتعلمين من خلال وضوح الشرح وتنظيم خطوات العمل واستخدام الأمثلة وربط المحتوى بخبراتهم السابقة.
الاحتفاظ
[عدل | عدل المصدر]يشير الاحتفاظ إلى قدرة الفرد على حفظ المعلومات المتعلقة بالسلوك الملاحظ في الذاكرة واستدعائها في وقت لاحق. وتؤدي العمليات المعرفية دورًا مهمًا في هذه المرحلة، إذ يمكن للفرد أن يحول ما شاهده إلى تمثيلات لفظية أو صورية تساعده على تذكر خطوات السلوك عند الحاجة.
الإنتاج السلوكي
[عدل | عدل المصدر]يشير الإنتاج السلوكي إلى قدرة الفرد على تحويل ما تعلمه من خلال الملاحظة إلى أداء فعلي. وقد يعرف الفرد الخطوات الصحيحة لأداء مهمة معينة، لكنه لا يستطيع تنفيذها بصورة كاملة بسبب نقص الخبرة أو التدريب أو القدرات اللازمة. ولذلك فإن التعلم بالملاحظة قد يحتاج إلى ممارسة متكررة وتغذية راجعة من أجل الوصول إلى مستوى مناسب من الأداء.
الدافعية
[عدل | عدل المصدر]تشير الدافعية إلى استعداد الفرد لأداء السلوك الذي تعلمه. فقد يكتسب الشخص سلوكًا معينًا ويحتفظ به دون أن يؤديه إذا لم تكن لديه أسباب كافية تدفعه إلى ذلك. وتتأثر الدافعية بالنتائج المتوقعة، وقيمة السلوك، والخبرات السابقة، وملاحظة نتائج سلوك الآخرين، وبمدى اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح.
التعزيز والعقاب
[عدل | عدل المصدر]تولي نظرية التعلم الاجتماعي أهمية للتعزيز والعقاب، لكنها لا تعتبرهما الوسيلتين الوحيدتين للتعلم. فالفرد يمكن أن يكتسب سلوكًا جديدًا من خلال ملاحظة الآخرين حتى دون الحصول على تعزيز مباشر. ويؤثر التعزيز في احتمال أداء السلوك واستمراره، في حين قد يؤدي العقاب أو ملاحظة النتائج السلبية إلى انخفاض احتمال أداء بعض السلوكيات. وتؤكد النظرية بذلك أن التعزيز لا يرتبط فقط بالخبرة الشخصية، بل يمكن أن يحدث من خلال ملاحظة نتائج سلوك الآخرين.
التعزيز بالوكالة
[عدل | عدل المصدر]التعزيز بالوكالة (Vicarious reinforcement) هو تأثير النتائج التي يلاحظ الفرد ترتبها على سلوك شخص آخر في احتمالية قيامه بالسلوك نفسه. فإذا شاهد المتعلم أحد زملائه يحصل على تقدير نتيجة مشاركته في النشاط، فقد يتولد لديه توقع بأن المشاركة قد تؤدي إلى نتيجة إيجابية، مما يمكن أن يزيد دافعيته للمشاركة. وعلى العكس من ذلك، قد تؤدي ملاحظة النتائج السلبية المترتبة على سلوك معين إلى انخفاض احتمال تقليده. ويكشف هذا المفهوم عن أهمية البيئة الاجتماعية في تشكيل التوقعات السلوكية؛ إذ لا يحتاج الفرد دائمًا إلى تجربة النتائج بنفسه حتى يتأثر بها.
الحتمية التبادلية
[عدل | عدل المصدر]طور باندورا مفهوم الحتمية التبادلية (Reciprocal determinism)، الذي أصبح من المفاهيم الأساسية في النظرية المعرفية الاجتماعية. ويشير إلى وجود تأثير متبادل بين ثلاثة عناصر رئيسية هي العوامل الشخصية والسلوك والبيئة. وتشمل العوامل الشخصية العمليات المعرفية والانفعالية والاعتقادات والتوقعات والخصائص الفردية. أما السلوك فيشير إلى الأفعال والاستجابات التي يقوم بها الفرد. وتشمل البيئة الظروف الاجتماعية والمادية والنماذج والفرص والنتائج المحيطة بالفرد. ولا تعني الحتمية التبادلية أن العوامل الثلاثة تؤثر دائمًا بالقوة نفسها أو في الوقت نفسه، وإنما تشير إلى أن السلوك الإنساني ينتج عن تفاعل ديناميكي بين الفرد وسلوكه وبيئته. وبذلك يختلف هذا التصور عن التفسيرات التي تجعل البيئة وحدها سببًا مباشرًا للسلوك، إذ يمنح الفرد دورًا فاعلًا في تفسير بيئته والتأثير فيها.
الكفاءة الذاتية
[عدل | عدل المصدر]الكفاءة الذاتية (Self-efficacy) هي اعتقاد الفرد بقدرته على تنظيم أفعاله وتنفيذ السلوكيات اللازمة لتحقيق أداء معين. وقد أصبحت من أهم المفاهيم في أعمال باندورا اللاحقة.[4] وترتبط الكفاءة الذاتية باعتقادات الفرد بشأن قدرته على التعامل مع المهام والصعوبات. ويمكن أن تؤثر هذه الاعتقادات في اختيار الفرد للمهام، ومستوى الجهد الذي يبذله، ودرجة استمراره عند مواجهة العقبات. وأشار باندورا إلى أربعة مصادر رئيسية للكفاءة الذاتية، هي الخبرات المباشرة والنجاحات السابقة، والخبرات البديلة الناتجة عن ملاحظة الآخرين، والإقناع اللفظي، والحالات الانفعالية والفسيولوجية التي يمر بها الفرد أثناء أداء المهمة. وفي المجال التعليمي، يمكن أن تسهم الخبرات الناجحة والنماذج المناسبة والتغذية الراجعة الواقعية في دعم اعتقاد المتعلم بقدرته على إنجاز المهام.
التنظيم الذاتي
[عدل | عدل المصدر]يشير التنظيم الذاتي إلى قدرة الفرد على مراقبة سلوكه وتقييمه وتعديله بما يتوافق مع أهداف أو معايير معينة. ويحتل التنظيم الذاتي مكانة مهمة في النظرية المعرفية الاجتماعية. ويتضمن التنظيم الذاتي عمليات مثل تحديد الأهداف، ومراقبة الأداء، ومقارنة النتائج بالمعايير، وتقييم التقدم، وتعديل الاستراتيجيات. وفي مجال التعليم، يمكن أن يظهر التنظيم الذاتي في قدرة المتعلم على وضع خطة للمراجعة، ومتابعة إنجازه، واكتشاف مواطن الضعف، وتغيير طريقة الدراسة عندما لا تحقق النتائج المطلوبة.
الموقف النفسي عند روتر
[عدل | عدل المصدر]كان الموقف النفسي من المفاهيم المهمة في تصور جوليان روتر. ويرى روتر أن الموقف الواحد قد لا يحمل المعنى نفسه بالنسبة إلى جميع الأفراد، لأن الاستجابة تتأثر بطريقة إدراك الفرد للموقف وبخبراته وتوقعاته وقيمه. ومن المفاهيم الأساسية في نظرية روتر التوقع، الذي يشير إلى اعتقاد الفرد باحتمال أن يؤدي سلوك معين إلى نتيجة محددة، وقيمة التعزيز التي تشير إلى قيمة النتيجة بالنسبة إلى الفرد، والإمكان السلوكي الذي يشير إلى احتمال اختيار سلوك معين في موقف محدد مقارنة بالسلوكيات البديلة. وبذلك يفسر تصور روتر جانبًا من الاختلاف في السلوك بين الأفراد، حتى عندما يواجهون ظروفًا خارجية متشابهة.
تجربة دمية بوبو
[عدل | عدل المصدر]تعد تجربة دمية بوبو من أشهر الدراسات المرتبطة بالتعلم بالملاحظة. ففي دراسة نشرت سنة 1961، درس باندورا وروس وروس أثر مشاهدة الأطفال لنماذج بالغة تؤدي سلوكًا عدوانيًا. أظهرت النتائج أن الأطفال الذين تعرضوا لنماذج سلوكية عدوانية أظهروا سلوكيات عدوانية مماثلة في ظروف الاختبار، وهو ما قدم دعمًا تجريبيًا لفكرة إمكانية اكتساب بعض أنماط السلوك من خلال الملاحظة. وأصبحت هذه الدراسة من الدراسات المرجعية في علم النفس الاجتماعي ودراسة العدوان والتعلم بالملاحظة. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال نظرية التعلم الاجتماعي في هذه التجربة وحدها، كما لا يمكن اعتبار نتائجها تفسيرًا حتميًا للسلوك العدواني لدى جميع الأفراد.
دور البيئة الاجتماعية
[عدل | عدل المصدر]تولي نظرية التعلم الاجتماعي أهمية كبيرة للبيئة الاجتماعية، لأنها توفر النماذج والفرص والتعزيزات والمعلومات التي يمكن أن تؤثر في سلوك الفرد. وتشمل هذه البيئة الأسرة والمدرسة وجماعة الأقران ومكان العمل ووسائل الإعلام والمجتمع والمؤسسات الثقافية والبيئات الرقمية. ويتعرض الفرد خلال حياته لنماذج سلوكية متعددة، بعضها إيجابي وبعضها سلبي، ويعتمد تأثير هذه النماذج على مجموعة من العوامل، منها خصائص النموذج ونتائج السلوك ودرجة انتباه الفرد وقدرته على الاحتفاظ بما لاحظه ودافعيته لتطبيقه.
التطبيقات التربوية
[عدل | عدل المصدر]تعد نظرية التعلم الاجتماعي من النظريات ذات التطبيقات الواسعة في التربية. فهي تساعد على تفسير كيفية اكتساب المتعلمين للمهارات والسلوكيات من خلال مشاهدة المعلمين والزملاء وغيرهم من النماذج.
المعلم بوصفه نموذجًا
[عدل | عدل المصدر]يمكن للمعلم أن يمثل نموذجًا سلوكيًا للمتعلمين، إذ لا يقتصر تعلمهم على المعلومات التي يقدمها، وإنما يتأثرون أيضًا بطريقة تعامله مع الآخرين، وإدارته للمواقف، وتنظيمه للعمل، واستجابته للأخطاء. ولهذا يمكن للسلوك المهني للمعلم أن يؤدي دورًا في تشكيل بعض الاتجاهات والسلوكيات الاجتماعية لدى المتعلمين.
النمذجة في التدريس
[عدل | عدل المصدر]يمكن استخدام النمذجة في تعليم المهارات المختلفة، وذلك من خلال أداء المعلم للمهمة أمام المتعلمين، وشرح الخطوات التي يعتمدها، ثم إتاحة الفرصة للمتعلمين لتطبيقها بأنفسهم. ويمكن أن تكون هذه الطريقة مفيدة في تعليم القراءة والكتابة والحساب والتجارب العلمية وحل المشكلات والمهارات العملية.
التعلم التعاوني
[عدل | عدل المصدر]يمكن أن يوفر التعلم التعاوني بيئة تسمح للمتعلمين بملاحظة طرق زملائهم في التفكير والعمل وحل المشكلات. وقد يكتسب المتعلم استراتيجيات جديدة من خلال مشاهدة زميل أكثر خبرة أو أكثر نجاحًا في أداء المهمة.
التغذية الراجعة
[عدل | عدل المصدر]تساعد التغذية الراجعة المتعلم على مقارنة أدائه بالمستوى المطلوب، واكتشاف الأخطاء وتعديل الاستراتيجيات المستخدمة. وتكتسب التغذية الراجعة أهمية خاصة عندما تكون واضحة ومحددة ومرتبطة بالأداء الفعلي، لأنها يمكن أن تساعد المتعلم على تحسين أدائه ودعم ثقته بقدرته على النجاح.
التعلم الاجتماعي ووسائل الإعلام
[عدل | عدل المصدر]تعد وسائل الإعلام من البيئات التي تتيح للفرد ملاحظة عدد كبير من النماذج السلوكية. وقد تكون هذه النماذج شخصيات حقيقية أو خيالية تقدم من خلال الأفلام والبرامج والكتب والإعلانات وغيرها من الوسائط. ومن منظور نظرية التعلم الاجتماعي، لا يعتمد تأثير النموذج الإعلامي على مجرد ظهوره، بل يتأثر بطريقة تقديم السلوك والنتائج التي تترتب عليه وخصائص النموذج ودرجة اهتمام المتلقي به. وقد اهتم باندورا وغيره من الباحثين بالعلاقة بين ملاحظة النماذج الإعلامية واكتساب بعض أنماط السلوك، ولا سيما في سياق دراسة السلوك العدواني.
التعلم الاجتماعي والبيئات الرقمية
[عدل | عدل المصدر]أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والبيئات الرقمية الحديثة مجالًا واسعًا للملاحظة والتفاعل الاجتماعي. ويتعرض المستخدمون فيها بصورة مستمرة لنماذج من السلوك وأنماط التفكير والتواصل والاستهلاك والعمل. ويمكن أن تساعد مبادئ التعلم الاجتماعي في تفسير بعض أشكال انتشار السلوكيات داخل هذه البيئات، ولا سيما عندما يلاحظ المستخدمون أن سلوكًا معينًا يحظى بالتقدير أو الاهتمام أو التفاعل. غير أن تفسير السلوك في البيئات الرقمية يحتاج إلى مراعاة عوامل إضافية، منها طبيعة المنصة الرقمية، وخوارزميات عرض المحتوى، واختيارات المستخدم، وشبكات التفاعل الاجتماعي، والفروق الفردية بين المستخدمين.
العلاقة مع السلوكية
[عدل | عدل المصدر]تتقاطع نظرية التعلم الاجتماعي مع السلوكية في اهتمامها بالسلوك والنتائج والتعزيز، لكنها تختلف عنها في توسيع مجال التفسير ليشمل الملاحظة والعمليات المعرفية. ففي التفسيرات السلوكية التقليدية، يحتل التعزيز والعقاب والخبرة المباشرة موقعًا مركزيًا في تفسير اكتساب السلوك والمحافظة عليه. أما نظرية التعلم الاجتماعي فتؤكد إمكانية التعلم من خلال ملاحظة الآخرين، كما تمنح العمليات المعرفية مثل الانتباه والاحتفاظ والتوقع والدافعية أهمية واضحة. ومن جهة أخرى، لا تنظر النظرية إلى الفرد باعتباره مستجيبًا سلبيًا للبيئة، بل تعتبره قادرًا على ملاحظة المعلومات وتفسيرها وتكوين التوقعات وتنظيم سلوكه والتأثير في البيئة.
الانتقال إلى النظرية المعرفية الاجتماعية
[عدل | عدل المصدر]انتقل باندورا تدريجيًا من صياغة نظرية التعلم الاجتماعي إلى إطار أوسع عرف باسم النظرية المعرفية الاجتماعية (Social Cognitive Theory). وظهر هذا التحول بصورة واضحة في كتابه Social Foundations of Thought and Action الصادر سنة 1986. وأصبحت النظرية المعرفية الاجتماعية تركز بصورة أكبر على العمليات المعرفية، والوكالة الإنسانية، والكفاءة الذاتية، والتنظيم الذاتي، والحتمية التبادلية بين الفرد والسلوك والبيئة. وبذلك لم تعد النظرية تقتصر على تفسير اكتساب السلوك من خلال الملاحظة، وإنما أصبحت إطارًا عامًا لدراسة التعلم والدافعية وتنظيم السلوك والتغير السلوكي.
مزايا النظرية
[عدل | عدل المصدر]من أبرز مزايا نظرية التعلم الاجتماعي أنها تجمع بين العوامل السلوكية والمعرفية والاجتماعية في تفسير التعلم، وتفسر إمكانية اكتساب السلوك من خلال الملاحظة، وتبرز أهمية النماذج الاجتماعية، وتفسر دور التعزيز بالوكالة والتوقعات والدافعية. كما أسهمت في تطوير مفاهيم مؤثرة في علم النفس، ولا سيما مفهوم الكفاءة الذاتية، الذي أصبح من المفاهيم المهمة في دراسة الدافعية والتعلم وتغيير السلوك. وقد ساعدت النظرية كذلك في بناء جسور بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التربوي ودراسة السلوك الصحي ومجالات أخرى تهتم باكتساب السلوك وتغييره.
الانتقادات والحدود
[عدل | عدل المصدر]رغم التأثير الواسع لنظرية التعلم الاجتماعي، فإن تفسير السلوك الإنساني لا يمكن اختزاله في الملاحظة والنمذجة وحدهما؛ إذ تتداخل في السلوك عوامل بيولوجية ونمائية وثقافية واجتماعية ومؤسساتية. كما أن ملاحظة سلوك معين لا تؤدي بالضرورة إلى تقليده، لأن الأفراد يختلفون في قدراتهم وخبراتهم وتوقعاتهم ودوافعهم والقيم التي يحملونها. وقد أثيرت كذلك مناقشات حول مدى إمكانية تعميم بعض نتائج الدراسات التجريبية على السلوك الطبيعي خارج المختبر، ولا سيما الدراسات التي تناولت السلوك العدواني. ولهذا تستخدم نظرية التعلم الاجتماعي بصورة أكثر دقة عندما ينظر إليها باعتبارها أحد الأطر التفسيرية للسلوك الإنساني، وليس تفسيرًا وحيدًا لجميع أشكال التعلم والسلوك.
انظر أيضًا
[عدل | عدل المصدر]مراجع
[عدل | عدل المصدر]- ↑ "معلومات عن نظرية التعلم الاجتماعي على موقع britannica.com". britannica.com. مؤرشف من الأصل في 2017-11-26.
- ↑ "معلومات عن نظرية التعلم الاجتماعي على موقع jstor.org". jstor.org. مؤرشف من الأصل في 2020-01-27.
- ↑ .Bandura, Albert (1977). Social Learning Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
- 1 2 Bandura, Albert (1986). Social Foundations of Thought and Action: A Social Cognitive Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
- ↑ Tarde, Gabriel (1890). Les Lois de l'imitation. Paris: Félix Alcan.
- ↑ Rotter, Julian B. (1954). Social Learning and Clinical Psychology. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
- ↑ Bandura, Albert; Ross, Dorothea; Ross, Sheila A. (1961). "Transmission of aggression through imitation of aggressive models". Journal of Abnormal and Social Psychology. 63 (3): 575–582. doi:10.1037/h0045925.