أورهان باموق

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
أورهان باموق

أورهان باموق، روائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، عام 2006 ولد في إسطنبول في 7 يونيو عام 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه الي الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت اعماله الي 34 لغة حتي الآن، ويقرأه الناس في أكثر من 100 دولة. في فبراير 2003 صرح باموق لمجلة سويسرية بأن "مليون أرمني و30 ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك".

تمت ملاحقته قضائيا أمام القضاء التركي بسبب "إهانة الهوية التركية"،ولشخصية شبه مقدسة عند الأتراك وهي شخصية (مصطفى كمال أتاتورك) وهما جريمتين يعاقب عليهما القانون بحسب الفقرة 301, وقد عفى من الملاحقة القضائية أخيرا في نهاية 2006. بجانب تصريحاته حول "مذابح" الأرمن والأكراد، كان باموق أول كاتب في العالم الإسلامي يدين الفتوى الإيرانية التي تبيح دم الكاتب سلمان رشدي بسبب كتاباته المسيئة للإسلام. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 2006م.

في فبراير 2007 وبعد مقتل أحد الصحفيين الاتراك من اصل ارمينى لكتاباتة التي تندد بمذابح الارمن تلقى أورخان باموق تهديدات بالقتل واخبرتة السلطات الأمنية ان هذة التهديدات جدية فقام بسحب ما يقارب المليون دولار وسافر هاربا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. اختير كعضو في لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي لعام 2007.

أعماله[عدل]

حياته ورواياته[عدل]

أورهان باموق روائي "خطير". بعضهم يصف كتابته بالفلسفية، وآخرون بالتاريخية، وثمة من يربطها بالفانتازيا البورخيسية الحديثة. لكنها في الواقع خليط من كل ذلك، وأكثر. وخطورته اولاً في لغته الهذيانية، الضبابية عمداً، المهجّنة بين حدّي العقلانية والهلوسة. لغةٌ هي سلسلة من المتاهات والتعرّجات والدورات والمنعطفات والمنحدرات التي لا تؤدي إلى مكان، أو التي تؤدي بالأحرى إلى اللإمكان، حتى اننا نتساءل: هل ثمة غاية سيدركها الكاتب بعد كل هذا الترحال، وما عساها تكون؟ وباموق خطير كذلك لأنه يدفعنا قرّاء إلى الحافة. يعكس المعادلة فيمتحن قدراتنا بدلاً من أن يكون هو الممتَحَن. يدفعنا إلى التكهن والابتكار. "يورطنا" في صناعة القصّة، فنشعر أحياناً كما لو أن روايته تبحث عن معانيها بمعزل عنه، كما لو انها تنكتب للتو أمام أعيننا. وبنا. وهو خطير بخاصة في ذاك الأسلوب المغناطيسي المربك، المتحدّي الذي يحضّ به الإنسان على النظر إلى داخله، على البحث عن هويته وحقيقته، وعلى طرح "الاسئلة الكبرى" حول ثنائيات الشرق والغرب، التشابه والاختلاف، الجماعة والفرد، الواقع والخيال، المعنى والعبث، اليقين والالتباس، وسواها من التناقضات والتشابكات التي تصوغ الكيان والشخصية والخصوصية. لهذه الأسباب وسواها، لا مبالغة في القول ان أورهان باموق، المولود في إسطنبول عام ،1952 هو من أبرز محدثي الرواية التركية وأكثرهم جرأة وأوسعهم انتشاراً واستحقاقاً لانتشاره، أذ ترجمت أعماله (*) إلى ما يزيد على عشرين لغة إلى الآن. وأعلنت بلدية مدينة دبلن قبل نحو اسبوعين منحه جائزة ايمباك Impac الأدبية الدولية لسنة 2003 لروايته الأخيرة "أحمر هو اسمي".

نشأ باموق في مدينة إسطنبول في كنف عائلة بورجوازية، وتابع بدايةً دراسات في الهندسة المعمارية قبل أن ينتقل إلى الصحافة، ومنها إلى الكتابة، وحاز جوائز أدبية عديدة في تركيا وخارجها. وتثير كتبه في الواقع ردود فعل متطرفة، من الإدانة القصوى إلى التكريس المطلق. ففي حين يتهمه المثقفون الإسلاميون مثلاً باستغلال الموضوعات الدينية والتاريخية، التي غالباً ما تشكّل قماشة رواياته، باسم الحداثة الغربية، لا ينفك العلمانيون يلومونه على انتقاده الصريح لايديولوجيا الدولة. ورفض الكاتب أخيراً قرار الحكومة التركية تكريمه عبر منحه لقب "فنان دولة" الذي يعتبر أهم لقب ثقافي في البلاد، مستنكراً انتهاكها بعض حقوق الإنسان وسجنها الكتّاب وتقييدها حرية التعبير. إلا أن تمرّد باموق غير استعراضي عامة، ورغم أن للسياسة حضوراً مضمراً في قلمه، لكنّ الأدب هو بطله الأكبر.

مما لا شك فيه ان للتأثيرات الغربية في الحياة التركية التقليدية، و"الهوس" التركي بالوجه الأوروبي وتنازع البلاد بين هويتين وانتماءين، حضوراً بارزاً وأساسياً في روايات باموق، وهو يستخدم التناقضات والازدواجيات والتضادات من كل نوع لخدمة هذا الحضور. لكنه إذ يرفض نزعة الثقافة التركية إلى "تغريب" نفسها بتجاهلها التقاليد والجذور، انما يفعل ليؤكد ان "مفهومي الشرق والغرب غير موجودين حقاً، بل هما وجهان للحضارة نفسها". اما الهوية فهي الذاكرة في رأيه، أو الماضي الذي يروم الانتصار على النسيان وبناء المستقبل، فيقول في هذا الصدد: "اذا حاولتم قمع الذاكرة، لا مفرّ من أن يعود شيء منها إلى السطح. أنا هو ما يعود". بذلك يتضح لنا ان باموق يبغي في الدرجة الأولى، من خلال مزجه هذا بين الذاكرة والمستقبل، بين الأسرار الصوفية والحكايات الإسلامية التقليدية والأدب الشعبي واللغة التجريبية الما بعد حداثوية، لا أن يروي قصة الصدام بين الشرق والغرب، بل ان يصوّر على الارجح علاقة الشغف التي تربطهما، شغف ملتهب إلى حد يدفعنا إلى التساؤل هل يمكن الثقافات ان تتبادل الهوى مثل الأفراد.

كانت بدايات أورهان باموق في الواقعية الكلاسيكية، لكن تجربته الروائية تطورت في ايقاع سريع ومكثف منذ كتابه الثاني "البيت الصامت" (1983)، لتدخل في لعبة الترميز والمرايا، وهي لعبة مألوفة لدى كتّاب الفانتازيا الكبار من أمثال ايتالو كالفينو ووليم غاس وخورخي لويس بورخيس، فضلاً عن الحضور الواضح لتأثيرات فوكنر في كتابته. هكذا نشهد في جملة طبقات متراصة ومتشابكة من المعاني والأسرار، كما لو ان تحت كل حقيقة تكمن حقيقة أخرى على نحو متراكب يذكّر بالدمى الروسيــة. كتابــة صعبة، مجازية، معقّدة، "مذنبة" بامتياز في ذهنيتها إذ لا شيء من العفوية فيها، بــل يمكــن القول انها جولة مصارعة مع الكلمات، وان بدت للوهلة الأولى "بسيطة" وتلقائية:

"وتسألون كيف أحببته؟ أحببته كما احببت شبح ذاتي العاجزة البائسة حين تراءت لي في الحلم، أحببته بالخزي نفسه الذي يخنق ذلك الشبح وبسخطه وإثمه وحنينه، بالعار الذي يجتاح الروح لدى رؤية حيوان بري يحتضر متألماً، أو بالغيظ الذي توقظه انانية ولد مدلل. وربما أحببته خاصة بالاشمئزاز السخيف والسرور السخيف اللذين تثيرهما فيّ معرفتي لذاتي".

انها لغة تخاطب القارئ وتمنحه كما ذكرنا امتياز "وجهة النظر" وتحمّله وزر هذا التدخل على حد سواء. ولطالما ردّد باموق في حواراته انه يرغب في ابتكار كتابة تعكس نسيج الحياة في مدينة إسطنبول. ويمكن القول انه نجح في ذلك على نحو بارع، لأن كتابته، مثل مدينته، تتأرجح في توازن دقيق بين الشكل والفوضى، بين التخطيط وانعدام التناسق، بين سحر الماضي وغزو الاسمنت، وأيضاً، وخاصة، بين وجهيها الشرقي والغربي.

أما على صعيد رواية "أحمر هو اسمي" الفائزة بجائزة إيمباك، فهي جدارية تاريخية - فلسفية - فنية - دينية - بوليسية تتضافر فيها قصص الاغتيالات والمؤامرات والدسائس بين رسامي المنمنمات الإسلامية في البلاط العثماني في القرن السادس عشر، مع قصص الغيرة والحنين والأحقاد والحب الممنوع. انها حكاية فنان تركي قُتل إذ كان يرسم لوحة بأسلوب غربي، ولذلك فإن اللون الأحمر فيها هو لون الدم والجريمة بقدر ما هو لون الجنة التي تنتظر روح الفنان بعد الموت، انه الأحمر المتوهج "على اجنحة الملائكة وعلى شفاه النساء"، بقدر ما هو ذلك النازف "من جروح القتلى والرؤوس المقطوعة". انما يمكن القول انها في شكل رئيسي رواية حول الفن ودوره في المجتمع والأخلاق والدين، إذ تتضمن شبه دراسة عن المنمنمات الإسلامية وتاريخها والتأثيرات الصينية التي جلبها المغول إليها. رواية حافلة بالمناقشات حول الشكل والأسلوب، وبقصص عن كبار رسامي المنمنمات وعن العالم مرئياً من وجهة نظرهم، فضلاً عن بعدها الفلسفي، كتطرّقها إلى معنى العمى من خلال الرسام الذي يدرك العظمة بعد فقدان بصره لأن الصور والألوان محفورة في ذاكرته. وهي بالتالي رواية ذات نفس شمولي، بلا زمان ولا مكان، وإن كانت تُبرز صورة تركيا القديمة الجديدة، الخالدة العابرة. وجدير بالذكر ان باموق الذي كان يحلم في صغره بأن يكون رساماً، يصف بعض اللوحات بلغة تحاذي الشعر. وتحمل الرواية كذلك بعض تفاصيل طفولته من خلال شخصيــة اورهـــان، أي انها تملك عناصر السيرة الذاتية، وكل ذلك متشابك مثل البازل. ويضم الكتاب أيضاً خريطة وعرضاً لأبرز الأحداث في تاريخ الفن الإسلامي.

يقول أورهان باموق ان كتابة روايته هذه استغرقته ستة أعوام. وهي رواية على غرار "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، يتداخل فيها الخيال الأدبي والأجواء الأسطورية مع الاستطرادات الفلسفية، فتتحاذى فيها المكائد الدنيئة مع الحساسية الفنية الراقية. وهي مكتوبة من زوايا مختلفة وبأصوات متعددة تتناوب على عرض القصة، كصوت الفنان القتيل الذي يخاطبنا من قعر البئر، أو الكلب أو الشجرة أو حتى اللون الأحمر. ومن خلال تعدد الأصوات هذا، يتيح باموق للقارئ ان يتعاطف مع وجهات نظر كل الشخصيات أو ان يفهمها على الأقل، حتى تلك المدانة منها، كوجهة نظر الشيطان مثلاً. وهذا التركيب يخدم حبكة القصة والجدال الثقافي الذي تتضمنه على حد سواء. إلا أن بعض النقاد يلومون باموق على ايقاعه المغالي في البطء وعلى التفاصيل والأحاجي المتعبة التي تضيّع القارئ أحياناً، وتصيبه بشيء من "الإحباط الفكري". أما الكاتب فيتبرأ من هذه التهمة ملقياً تبعيتها على مزاجية شخصياته نفسها، مؤكداً خوفه من اليوم الذي "سيتحالف فيه ابطاله وقرّاؤه ضده".

يقول اورهان باموق على لسان احدى شخصياته في مطلع روايته "حياة جديدة": "ذات يوم قرأت كتاباً، ومذاك تغيّرت حياتي كلها". هذا الدافع تحديداً أو بالأحرى هذه النتيجة هي ما يحضنا اليوم على دعوتكم إلى قراءته، أو إلى اعادة اكتشافه.