إنجيل توما

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إنجيل توما
الصفحة 32 من مخطوطة نجع حمادي رقم 2، والتي دُوّن فيها بداية إنجيل توما.

إنجيل توما هو أحد أناجيل المسيحية الأولى غير المعترف بها كُنسيًّا الذي يعتقد العديد من الباحثين أنه يسلط الضوء على الروايات الإنجيلية المنقولة شفاهةً [الإنجليزية]. اكتشف إنجيل توما بالقرب من نجع حمادي بمصر في ديسمبر 1945م ضمن العديد من المخطوطات التي عُرفت باسم مخطوطات نجع حمادي. يعتقد الباحثون بأن تلك المخطوطات دُفنت بعدما كتب أثناسيوس الأول بابا الإسكندرية رسالة صارمة تعلن فيها صارمة حدّد فيها الكتب المقدسة القانونية وفق المعتقد المسيحي.[1]

يحتوي النص الثاني المكتوب باللغة القبطية والذي هو أحد سبعة نصوص شملها المخطوط الثاني من مخطوطات نجع حمادي على 114 مقولة منسوبة ليسوع.[2] نصف تلك المقولات تقريبًا تشبه تلك الموجودة في الإنجيل، فيما يُعتقد أن باقي الأقوال الأخرى قد أضيفت من المعتقدات الغنوصية.[3] يُعتقد أن هذا المخطوط أصله من سوريا، حيث كانت معتقدات مسيحيو مار توما قوية.[4]

تقول العبارة الإفتتاحية في هذا الإنجيل: «تلك هي الكلمات الخفية التي نطق بها يسوع الحي، وكتبها ديدموس يهوذا توما.»[5] تعني كلمة «ديدموس» في (اليونانية القديمة) وكلمة «توما» في (الآرامية) «التوأم». يُشكّك بعض الباحثين في نسبة هذا الإنجيل إلى توما، ويعتقدون أن كاتبه مجهول.[6]

من المحتمل أن يكون هذا الإنجيل من أعمال المدارس الفكرية في عهد المسيحية الأولى، على الأرجح الغنوصية. وتتشابه بعض آياته مع آيات القرآن.[7] يزعم بعض الباحثين أن وصف إنجيل توما بأنه إنجيل «غنوصي» لا يستند إلى حقائق قوية، على الرغم من العثور عليه ضمن النصوص الغنوصية في نجع حمادي.[8] اشتمل المخطوط أيضًا على سفر آخر منسوب إلى توما عُرف باسم سفر توما المزعوم [الإنجليزية] إضافة إلى أعمال توما [الإنجليزية]. على الرغم من أن إنجيل توما لم يتطرق إلى مسألة ألوهية يسوع بصورة مباشرة، إلا أنه أيضًا لم ينفيها، وبالتالي فهو لا يؤيد ولا يعارض المعتقدات الغنوصية. ففي هذا الإنجيل، عندما يُسأل يسوع عن طبيعته لاهوتية أم ناسوتية، يتجاهل يسوع السؤال عادة، وأبقى الأمر غامضًا، وسأل التلاميذ لماذا لا يرون ما هو صحيح أمامهم، كما في بعض فقرات الأناجيل الكنسية كما في إنجيل يوحنا 12:16 وإنجيل لوقا 18:34.

يختلف إنجيل توما من حيث البنية والأسلوب عن بيقية الأناجيل المنتحلة والأناجيل الكنسية الأربعة. على عكس الأناجيل الكنسيّة، لا يتخذ إنجيل توما أسلوب السرد القصصي لحياة يسوع؛ وبدلًا من ذلك، يتألف من أقوال على لسان يسوع، وأحيانًا أقوال قائمة بذاتها، وأحيانًا أقوال مُضمنة في حوارات أو أمثال قصيرة. كما يحتوي النص على إشارة محتملة إلى موت يسوع في المقولة رقم 65،[9] لكنها لا تشير إلى صلبه أو قيامته أو إلى يوم القيامة؛ بل ولا يذكر حتى التصور المسيحي عن طبيعة يسوع.[10][11] منذ اكتشاف إنجيل توما، اعتبره العديد من العلماء دليلاً يدعم وجود ما يسمى بالوثيقة ق، والتي يُعتقد أن لها بنية مشابهة للغاية لهذا الإنجيل حيث يُعتقد أنها كانت في صورة مجموعة من أقوال يسوع، ولم تهتم بتدوين أفعاله أو حياته أو موته، وهو ما يسمى «بإنجيل المقولات».[12]

قام الأسقف يوسابيوس القيصري بتضمينه ضمن مجموعة الكتب التي اعتقد بأنها ليست مزعجة فحسب، بل من «خيالات المهرطقين». ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت إشارته تلك منسوبة إلى هذا الإنجيل لتوما أم لأحد النصوص الأخرى المنسوبة إلى توما.[13]

الاكتشاف والنشر[عدل]

بداية إنجيل توما في مخطوطة نجع حمادي رقم 2

أُرخت مخطوطة نجع حمادي الثانية المكتوبة باللغة القبطية، والتي عُثر عليها سنة 1945م بأنها ترجع إلى حوالي سنة 340م. نُشرت صور فوتوغرافية للمرة الأولى لتلك المخطوطة سنة 1956م.[14] وبعد ثلاثة أعوام في سنة 1959م، تُرجمت المخطوطة للغة الإنجليزية إلى جانب الأصل القبطي.[15] وفي سنة 1977م، نشر جيمس روبنسون أول ترجمة كاملة للإنجليزية لمخطوطات نجع حمادي.[16] ثم تُرجم إنجيل توما مع الشروحات إلى العديد من اللغات. أما المخطوطة القبطية الأصلية التي عُثر عليها في نجع حمادي، فهي محفوظة الآن في المتحف القبطي في القاهرة في قسم المخطوطات.[17]

بردية أوكسيرينخوس[عدل]

بعد اكتشاف النص الكامل لإنجيل توما في النسخة القبطية سنة 1945م في نجع حمادي، استدرك العلماء أنهم كانوا قد عثروا على ثلاث قطع من بردية مكتوبة باللغة اليونانية القديمة في أوكسيرينخوس (فيما يُعرف ببردية أوكسيرينخوس [الإنجليزية]) أيضًا في مصر كانت أيضًا تحتوي على أجزاء من إنجيل توما.[18][19] يرجع تاريخ تلك القطع الثلاث من إنجيل توما إلى بين سنتي 130م-250م.

قبل اكتشاف مخطوطات نجع حمادي، كانت مقولات يسوع الموجودة في بردية أوكسيرينخوس تُعرف باسم «Logia Iesu»، وكانت القطع الثلاثة من البردية اليونانية التي اشتملت على أجزاء من إنجيل توما هي:

  • القطعة رقم 1 من بردية أوكسيرينخوس، والتي اشتملت على المقولات أرقام 26 إلى 33، مع آخر جملتين من المقولة رقم 77 في النسخة القبطية والموجودين في المقولة رقم 30 في النص اليوناني.
  • القطعة رقم 654 من بردية أوكسيرينخوس، واشتملت على المقولات من رقم 1 إلى رقم7، ومن رقم 24 إلى رقم 36،[20]
  • القطعة رقم 655 من بردية أوكسيرينخوس، واشتملت على المقولات من رقم 36 إلى رقم 39.[21]

تختلف أحيانًا صيغة المخطوطة القبطية بشكل ملحوظ عن النص اليوناني في بردية أوكسيرينخوس، وبالأخص الجزء الأخير من المقولة رقم 30 في النص اليوناني الذي وُجد في نهاية المقولة رقم 77 في النص القبطي. ربما يُدلل ذلك على أن إنجيل توما «ربما يكون قد تم تداوله في أكثر من صورة واحدة، ومرّ عبر عدة مراحل من التنقيح».[22]

وعلى الرغم من أنه يُعتقد أن إنجيل توما كُتب في أول مرة باليونانية، إلا أنه هناك دلائل على أن نص نجع حمادي القبطي مترجم من اللغة السريانية.

الدلائل على وجوده[عدل]

ترجع أقدم الإشارات إلى وجود إنجيل توما في كتابات هيبوليتوس الرومي (222–235م تقريبًا) وكتابات أوريجانوس السكندري (233م تقريبًا).[23] كتب هيبوليتوس في كتابه «دحض كل الهرطقات»:

«يقول [النحشية] ... في الطبيعة الخفية والظاهرة في نفس الوقت والتي يسمونها في مملكة السماء بالفكر والتي هي طبيعة بشرية. وردت مقولة في الإنجيل المنسوب إلى توما، والذي ينص صراحةً: "أن الشخص الذي يبحث عني سيجدني في الأطفال من سبع سنوات فما فوق، هناك، مخفيًا؛ وفي عمر الرابعة عشر ظاهرًا".»

كانت تلك المقولة متوافقة مع المقولة رقم 4 في إنجيل توما، وإن كانت النصوص مختلفة لفظيًا. كما عدّ أوريجانوس إنجيل توما ضمن الأناجيل المهرطقة بالنسبة إليه.

في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، كتب العديد من آباء الكنيسة أن إنجيل توما كان محل تقدير كبير من قِبل ماني. في القرن الرابع الميلادي، ذكر سيريل الأورشليمي [الإنجليزية] إنجيل توما مرتين كتابه «التعاليم»، فقال: «كتب المانويون أيضًا إنجيل توما الذي اصطبغ بعبق العنوان الإنجيلي ليُفسد الأرواح البسيطة»[24]، وقال: «دعونا لا يقرأ إنجيل توما: لأنه ليس بعمل أحد الرسل الاثني عشر، بل عمل أحد تلاميذ ماني الثلاثة الخبثاء».[25] وفي القرن الخامس الميلادي، ضمّن المرسوم الغاليليوسي [الإنجليزية] الإنجيل المنسوب لتوما الذي يستخدمه المانويين ضمن كتب الهراطقة.[26]

تاريخ التأليف[عدل]

كتب ريتشارد فالانتاسيس: «إن مسألة تحديد زمن كتابة إنجيل توما أمر معقد للغاية حيث يصعب تحديد تاريخ معين بدقة. افترض علماء تاريخ كتابته بين سنتي 40م-140م، بعد أخذهم في الاعتبار أن إنجيل توما قد تمت كتابته من المقولات الأصلية، أو أنه عُرف من خلال نص نشره المؤلف، أو من خلال النصوص اليونانية أو القبطية، أو من أوجه التشابه بينه وبين كتابات أخرى.[27]»

زعم فالانتاسيس وغيره من العلماء أن صعوبة تحديد زمن كتابة إنجيل توما ترجع إلى كونه جمع لعدد من المقولات دون إطار قصصي، مما يعطي احتمالية إضافتها تدريجيًا عبر الزمن.[28] يعتقد فالانتاسيس أن إنجيل توما كتب بين سنتي 100م-110م، بل وبعض النص أصوله ترجع لزمن الشريحة الأولى التي عاشت بعد يسوع بين سنتي 30م-60م.[29] أما جي. آر. بورتر فأرخ زمن كتابته بنحو سنة 250م.[30]

المعسكر القديم[عدل]

كتب روبرت إي. فان قورست يقول: «كتب معظم المفسرون كتاباتهم في القرن الثاني الميلادي، مع اعتبار أن معظم الروايات الشفاهية كانت أقدم بكثير.[31]»

ينقسم العلماء عادة بين معسكرين رئيسيين: «المعسكر القديم» يرجّح أن تاريخ النص يرجع إلى الفترة بين سنتي 50م-100م، قبيل أو في الفترة المعاصرة لكتابة الأناجيل القانونية الأربعة، و«المعسكر الحديث» الذي يرجّح كتابته في القرن الثاني الميلادي بعد كتابة الأناجيل القانونية الأربعة.

صيغة إنجيل توما[عدل]

يزعم العالمان ثيسن وميرز أن أسلوب جمع المقولات كان أحد الصيغ القديمة التي كانت تُكتب بها المواد الأدبية التي دارت حول يسوع.[32] بل وجزما بأن النصوص الأخرى التي قامت على أساس جمع المقولات مثل الوثيقة ق والنصوص ذات المقولات المُضمنة مثلما في مرقص 4 [الإنجليزية]، ابتلعتها نصوص سردية أكبر، ولم تعد قائمة كنصوص مستقلة بذاتها، حيث لم تبق نصوص على هذه الشاكلة الآن.[32] كما يجزم العالم مارفن ماير بأن النصوص التي اعتمدت على جمع المقولات، كانت من خصائص نصوص القرن الأول الميلادي،[33] وأن النصوص التي «استخدمت الأمثال دون استعارات مجازية» تسبق الأناجيل القانونية زمنيًا.[33] وقد شكك العالم موريس كيسي بقوة في المزاعم التي تقول بأن: «المنطق يقول بأن الوثيقة ق وإنجيل توما متزامنان، كما أن سفر الأمثال وتعاليم أمينيموبي متزامنين».[34]

المراجع[عدل]

  1. ^ كانت تلك المخطوطات المعروفة بالأسفار مربوطة ببعضها البعض وفق طريقة كانت تعرف بالرباط القبطي، وموضوعة في جرة فخارية. لكنها تضررت على يد مكتشفيها من الفلاحين الذين ألحقوا بالمخطوطات بعض الأضرار بعد أن كسروا الجرة.
  2. ^ هذا التقسيم للمقولات وضعه الباحثون المعاصرون. أما النص الأصلي فلم يكن يحتوي على أي ترقيم.
  3. ^ Lost Scriptures: Books that did not make it into the New Testament by Bart Ehrman, pp. 19-20
  4. ^ Eerdmans Commentary on the Bible by James D. G. Dunn, John William Rogerson, 2003, (ردمك 0-8028-3711-5) page 1574
  5. ^ The Fifth Gospel, Patterson, Robinson, Bethge, 1998
  6. ^ April D. DeConick 2006 The Original Gospel of Thomas in Translation (ردمك 0-567-04382-7) page 2
  7. ^ Layton, Bentley, The Gnostic Scriptures, 1987, p.361.
  8. ^ Davies, Stevan L., The Gospel of Thomas and Christian Wisdom, 1983, pp. 23–24.
  9. ^ DeConick, April D., The Original Gospel of Thomas in Translation, 2006, p.214
  10. ^ Alister E. McGrath, 2006 Christian Theology (ردمك 1-4051-5360-1) page 12
  11. ^ James Dunn, John Rogerson 2003 Eerdmans Commentary on the Bible (ردمك 0-8028-3711-5) page 1573
  12. ^ Udo Schnelle, 2007 Einleitung in das Neue Testament (ردمك 978-3-8252-1830-0) page 230
  13. ^ "CHURCH FATHERS: Church History, Book III (Eusebius)". 
  14. ^ For photocopies of the manuscript see: "Archived copy". تمت أرشفته من الأصل في 8 October 2010. اطلع عليه بتاريخ 04 فبراير 2010. 
  15. ^ A. Guillaumont, Henri-Charles Puech, Gilles Quispel, Walter Till and Yassah `Abd Al Masih, The Gospel According to Thomas (E. J. Brill and Harper & Brothers, 1959).
  16. ^ Robinson, James M., General Editor, The Nag Hammadi Library in English, Revised Edition 1988, E.J. Brill, Leiden, and Harper and Row, San Francisco, (ردمك 90-04-08856-3).
  17. ^ Coptic Gnostic Papyri in the Coptic Museum at Old Cairo, vol. I (Cairo, 1956) plates 80, line 10 – 99, line 28.
  18. ^ Bernard P. Grenfell and Arthur S. Hunt, Sayings of Our Lord from an early Greek Papyrus (Egypt Exploration Fund; 1897)
  19. ^ Robert M. Grant and David Noel Freedman, The Secret Sayings of Jesus according to the Gospel of Thomas (Fontana Books, 1960).
  20. ^ "P.Oxy.IV 0654". 
  21. ^ "P.Oxy.IV 0655". 
  22. ^ John P. Meier, A Marginal Jew (New York, 1990) p. 125.
  23. ^ Koester 1990, pp.77ff
  24. ^ Cyril Catechesis 4.36 نسخة محفوظة 23 أكتوبر 2017 على موقع واي باك مشين.
  25. ^ Cyril Catechesis 6.31 نسخة محفوظة 23 أكتوبر 2017 على موقع واي باك مشين.
  26. ^ Koester 1990 p. 78
  27. ^ Valantasis, p. 12
  28. ^ Patterson, Robinson, and Bethge (1998), p. 40
  29. ^ Valantasis, p. 20
  30. ^ Porter، J. R. (2010). The Lost Bible. New York: Metro Books. صفحة 9. ISBN 978-1-4351-4169-8. 
  31. ^ Van Voorst، Robert (2000). Jesus Outside the New Testament: an introduction to the ancient evidence. Grand Rapids: Eerdmans. صفحة 189. 
  32. أ ب Theissen، Gerd؛ Merz، Annette (1998). The Historical Jesus: A Comprehensive Guide. Minneapolis: Fortress Press. صفحات 38–39. ISBN 0-8006-3122-6. 
  33. أ ب Meyer، Marvin (2001). "Albert Schweitzer and the Image of Jesus in the Gospel of Thomas". In Meyer، Marvin؛ Hughes، Charles. Jesus Then & Now: Images of Jesus in History and Christology. Harrisburg, PA: Trinity Press International. صفحة 73. ISBN 1-56338-344-6. 
  34. ^ Casey، Maurice (2002). An Aramaic Approach to Q: Sources for the Gospels of Matthew and Luke. Society for New Testament Studies Monograph Series. 122. Cambridge University Press. صفحة 33. ISBN 978-0521817233.