الحي اليهودي في القدس
حارة اليهود أو الحي اليهودي (الإنجليزية: Jewish Quarter) هي إحدى الحارات الأربع التقليدية في البلدة القديمة في القدس، إلى جانب حارة المسلمين وحارة النصارى وحارة الأرمن. تقع في القسم الجنوبي الغربي من المدينة المسورة، وتمتد قرب باب النبي داود وحارة الأرمن، وباتجاه حائط البراق والحرم القدسي الشريف.[1]
تضم الحارة مواقع أثرية ودينية من عصور مختلفة، منها أجزاء من الكاردو الروماني-البيزنطي، ومواقع من فترة الهيكل الثاني، إضافة إلى معابد ومبانٍ أعيد بناؤها أو ترميمها بعد عام 1967.[2][3]
شهدت الحارة تغيرات واسعة في القرن العشرين. فقد سقطت خلال حرب فلسطين 1948 بعد قتال في القدس، وأُجلي سكانها اليهود أو أُسر بعضهم، ثم بقيت تحت الحكم الأردني حتى حرب 1967. وبعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، بدأت السلطات الإسرائيلية مشروعًا لإعادة بناء الحارة وترميمها، شمل مصادرة عقارات وبناء مساكن ومعابد ومواقع أثرية جديدة أو مرممة.[4][5]
التسمية والحدود
[عدل | عدل المصدر]تُعرف الحارة في العربية باسم «حارة اليهود» أو «الحي اليهودي»، ويقابلها في العبرية اسم «הרובע היהודי». ويُستعمل الاسم للإشارة إلى منطقة داخل البلدة القديمة ارتبطت تاريخيًا بسكن جماعات يهودية، ولا سيما في القسم الجنوبي الغربي من المدينة المسورة.
أشار باحثون إلى أن تقسيم البلدة القديمة إلى أربع حارات رئيسية ترسخ في صورته الحديثة خلال القرن التاسع عشر، ولا يعكس بالضرورة تقسيمًا ثابتًا منذ العصور السابقة. ففي العهد العثماني، ضمت القدس حارات أصغر وأكثر تداخلًا من التقسيم الرباعي الشائع اليوم.[6][7]
تقع الحارة اليوم في الجزء الجنوبي الغربي من البلدة القديمة. وتحدها حارة الأرمن من الغرب، وتجاورها من الشرق منطقة حائط البراق والحرم القدسي، وتقع إلى الشمال منها مناطق متصلة بباب السلسلة والأسواق الداخلية. وتذكر بعض المصادر أن مساحتها تقارب 116 ألف متر مربع، مع اختلاف التقديرات بحسب طريقة تحديد حدود الحارة.[1]
التاريخ
[عدل | عدل المصدر]العصور القديمة
[عدل | عدل المصدر]تقع الحارة الحديثة فوق جزء من التل الغربي للقدس القديمة. وفي أواخر فترة الهيكل الثاني عُرفت هذه المنطقة في بعض المصادر باسم «المدينة العليا»، وكانت من المناطق العمرانية المهمة في القدس قبل تدمير المدينة على يد الرومان سنة 70م. ويذكر يوسيفوس فلافيوس المدينة العليا ضمن أقسام القدس البارزة خلال الحرب اليهودية الرومانية الأولى.[8]
كشفت الحفريات التي أُجريت في الحارة بعد عام 1967 عن بقايا تعود إلى عصور متعددة. ومن أبرز مكتشفات العصر الحديدي أجزاء من تحصينات، منها ما يُعرف باسم السور العريض، وهو جدار دفاعي ربطته دراسات أثرية بتوسع القدس في أواخر مملكة يهوذا.[9]
ومن فترة الهيكل الثاني، عُثر في الحارة على بقايا مبانٍ واسعة ولقى مرتبطة بالحياة اليومية في القدس قبل سنة 70م. ومن أشهر هذه المواقع البيت المحترق، الذي يُعرض بوصفه شاهدًا أثريًا على دمار المدينة أثناء الحصار الروماني.[10]
العصران الروماني والبيزنطي
[عدل | عدل المصدر]بعد ثورة بار كوخبا سنة 135م، أعاد الإمبراطور هادريان بناء القدس باسم إيليا كابيتولينا. وتشير الاكتشافات في منطقة الحارة إلى وجود آثار من الفترة الرومانية اللاحقة، ارتبط بعضها بوجود الفيلق الروماني العاشر.[10]
وفي العصر البيزنطي، مر في هذه المنطقة جزء من الشارع الرئيسي المعروف باسم الكاردو، وهو محور عمراني مهم في المدينة البيزنطية. كما وُجدت بقايا كنيسة نيا، التي شُيدت في القرن السادس الميلادي وكانت من أكبر كنائس القدس البيزنطية.[10]
العهد الإسلامي والعثماني
[عدل | عدل المصدر]في العهد العثماني، كانت المنطقة جزءًا من نسيج حضري متداخل داخل البلدة القديمة، ولم تكن الحدود بين الحارات ثابتة بالمعنى الحديث. ويذكر أدار أرنون أن التقسيم المحلي للقدس في تلك الفترة كان أكثر تعددًا من التقسيم الرباعي الحديث، وأن جماعات يهودية سكنت في مناطق جنوبية من البلدة القديمة وقرب حائط البراق.
كان جزء من العقارات التي سكنها اليهود مملوكًا لأوقاف أو لملاك مسلمين واستُخدم بنظام الإيجار. وتشير بعض الدراسات إلى أن الازدحام وصعوبة تملك العقارات داخل الأسوار ساهما في انتقال جماعات يهودية إلى أحياء خارج البلدة القديمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.[6]
كان جزء من العقارات التي سكنها اليهود مملوكًا لأوقاف أو ملاك مسلمين واستُخدم بنظام الإيجار. وتشير بعض الدراسات إلى أن صعوبة تملك العقارات داخل الأسوار، إضافة إلى الازدحام، ساعدت على انتقال جماعات يهودية إلى أحياء خارج أسوار البلدة القديمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.[11]
القرن التاسع عشر وفترة الانتداب
[عدل | عدل المصدر]شهد القرن التاسع عشر نموًا في عدد اليهود في القدس، وظهور مؤسسات سكنية وخيرية وتعليمية داخل الحارة وخارج الأسوار. ومن أبرز مشروعات هذه الفترة مجمع باتي محسه، الذي أنشأته جماعات يهودية أوروبية لتوفير السكن للفقراء.[12]
كما ضمت الحارة معابد بارزة مثل كنيس الخراب وكنيس تيفرت إسرائيل، اللذين أصبحا لاحقًا من أبرز المعالم اليهودية في البلدة القديمة. واحتوت الحارة أيضًا على مساكن وأسواق ومؤسسات تعليمية وعقارات مملوكة أو مؤجرة لأطراف مختلفة.
بعد دخول البريطانيين القدس سنة 1917، أصبحت المدينة جزءًا من الانتداب البريطاني على فلسطين. وخلال فترة الانتداب، استمر وجود مؤسسات سكنية ودينية وتعليمية يهودية داخل الحارة، إلى جانب التداخل الاقتصادي والعمراني مع بقية حارات البلدة القديمة.
حرب 1948 والحكم الأردني
[عدل | عدل المصدر]خلال حرب فلسطين 1948، أصبحت حارة اليهود جزءًا من ساحة القتال في القدس. وبعد انسحاب القوات البريطانية، جرت معارك بين القوات اليهودية المدافعة عن الحارة وقوات عربية، ثم قوات الفيلق العربي الأردني. وفي 28 مايو 1948 استسلمت الحارة، وأُسر عدد من الرجال، بينما أُخرج بقية السكان اليهود من البلدة القديمة.[13]
تذكر مصادر إسرائيلية أن عددًا من المعابد اليهودية دُمر أو تضرر بعد سقوط الحارة. وتذهب دراسات أخرى إلى أن جزءًا من الدمار وقع أثناء المعارك، وأن مباني في المنطقة بقيت مهملة أو استُخدمت لاحقًا لإسكان لاجئين فلسطينيين.[14]
بقيت البلدة القديمة، بما فيها الحارة، تحت الحكم الأردني من 1948 حتى 1967. خلال هذه الفترة سكن لاجئون فلسطينيون في بعض مباني الحارة التي أُخليت أو تضررت، وتكوّن تجمع عُرف باسم «المعسكر». وتشير مصادر إلى أن بعض سكان هذا التجمع نُقلوا لاحقًا إلى مخيم شعفاط في ستينيات القرن العشرين.[15][16]
بعد عام 1967
[عدل | عدل المصدر]احتلت إسرائيل القدس الشرقية في يونيو 1967، وشمل ذلك البلدة القديمة وحارة اليهود. وبعد الحرب، بدأت السلطات الإسرائيلية مشروعًا واسعًا لإعادة إعمار الحارة، شمل بناء مساكن جديدة، وترميم معابد، وإبراز مواقع أثرية، وتحويل أجزاء من المنطقة إلى فضاءات سياحية وتعليمية.[4]
في عام 1968 صدر أمر بمصادرة مساحات داخل الحارة ومحيطها، شمل عقارات فلسطينية وعقارات كانت يهودية قبل 1948. وقد بررت السلطات الإسرائيلية المصادرة بأغراض عامة، بينما تناولت دراسات فلسطينية ودولية هذه الإجراءات ضمن سياسات إسرائيل في القدس الشرقية بعد 1967.[5]
أصبحت الحارة بعد إعادة الإعمار منطقة ذات طابع سكني وديني وسياحي، وتضم معابد ومدارس دينية ومتاحف ومواقع أثرية ومحالًا تجارية صغيرة.
السكان
[عدل | عدل المصدر]تذكر بعض المصادر أن عدد اليهود في الحارة أو في نطاق أوسع حولها بلغ نحو 19,000 نسمة في أوائل القرن العشرين، غير أن هذا الرقم قد لا يطابق حدود الحارة الحالية.
بعد سقوط الحارة سنة 1948، أُجلي سكانها اليهود، وسكن لاجئون فلسطينيون وبعض السكان العرب في عدد من مبانيها خلال فترة الحكم الأردني. وبعد عام 1967، أُعيد إسكان الحارة بسكان يهود ضمن مشروع إعادة الإعمار الإسرائيلي.
| الفترة | الرقم أو الوصف | ملاحظة |
|---|---|---|
| أوائل القرن العشرين | نحو 19,000 | قد يشير إلى نطاق أوسع من حدود الحارة الحالية |
| 1948–1967 | سكان عرب ولاجئون فلسطينيون | بعد إجلاء السكان اليهود سنة 1948 |
| 2004 | 2,348 نسمة | رقم وارد في إحصاءات محلية إسرائيلية |
| 2013 | نحو 3,000 نسمة و1,500 طالب | تقدير صحفي لعدد السكان والطلاب |
الآثار والمعالم
[عدل | عدل المصدر]تعد الحارة من المناطق التي شهدت حفريات أثرية واسعة داخل البلدة القديمة، ولا سيما بعد عام 1967. وكشفت الحفريات عن طبقات عمرانية من عصور متعددة، وأُبقيت بعض المواقع في أماكنها أو عُرضت ضمن متاحف وممرات أثرية مفتوحة للجمهور.[2][10]
من أبرز مكتشفات العصر الحديدي في الحارة السور العريض، وهو جزء من تحصينات تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبًا. ويربط بعض الباحثين هذا السور بتوسع القدس في أواخر مملكة يهوذا.[9]
ومن فترة الهيكل الثاني، أظهرت الحفريات بيوتًا واسعة من العصر الهيرودي، منها ما يُعرض اليوم ضمن الحي الهيرودي، إضافة إلى موقع البيت المحترق. كما كشفت الحفريات عن أجزاء من الكاردو الروماني-البيزنطي، وعن بقايا منشآت بيزنطية كبرى مثل كنيسة نيا.[10]
| الموقع | الفترة أو الدلالة |
|---|---|
| السور العريض | العصر الحديدي |
| البيت المحترق | فترة الهيكل الثاني |
| الحي الهيرودي | بيوت من العصر الهيرودي |
| الكاردو | شارع روماني-بيزنطي |
| بقايا كنيسة نيا | العصر البيزنطي |
المعالم الدينية والتعليمية
[عدل | عدل المصدر]تضم الحارة عددًا من المعالم الدينية اليهودية البارزة، مثل كنيس الخراب والمعابد السفاردية الأربعة وكنيس تيفرت إسرائيل. كما تضم مدارس دينية يهودية ومؤسسات تعليمية مرتبطة بالدراسات الدينية. وقد أُعيد بناء أو ترميم عدد من هذه المؤسسات بعد عام 1967 ضمن مشروع إعادة إعمار الحارة.[4]
وتوجد في الحارة أيضًا معالم إسلامية تاريخية، منها مسجد سيدنا عمر ومسجد الديسي. وتحتاج المعلومات المتعلقة بوضع هذه المباني الدينية بعد عام 1967 إلى توثيق دقيق من مصادر مستقلة بسبب حساسية الموضوع.[17]
معالم مختارة
[عدل | عدل المصدر]إعادة الإعمار
[عدل | عدل المصدر]كان مشروع إعادة إعمار حارة اليهود بعد عام 1967 من أبرز مشاريع التخطيط داخل البلدة القديمة. شمل المشروع بناء مساكن جديدة، وترميم معابد ومبانٍ دينية، وإظهار مواقع أثرية ضمن النسيج العمراني للحارة.[4]
تناولت دراسات أكاديمية هذا المشروع من زوايا مختلفة؛ فبعضها ركز على إعادة البناء والترميم بعد دمار 1948، بينما ركزت دراسات أخرى على المصادرة والتغيرات السكانية والعمرانية في القدس الشرقية بعد 1967.[5][14]
معرض صور
[عدل | عدل المصدر]- ممر في حارة اليهود
- كنيس الخراب ومسجد سيدنا عمر
- رسم للكاردو الروماني
- بيت روتشيلد ضمن مجمع باتي محسه
- منطقة قريبة من حائط البراق
انظر أيضًا
[عدل | عدل المصدر]مراجع
[عدل | عدل المصدر]- 1 2 Kollek, Teddy (1977). "Afterword". In John Phillips (ed.). A Will to Survive – Israel: the Faces of the Terror 1948-the Faces of Hope Today (بالإنجليزية). Dial Press/James Wade.
- 1 2 Avigad, Nahman (1970). "Excavations in the Jewish Quarter of the Old City of Jerusalem, 1970". Israel Exploration Journal (بالإنجليزية): 129–140.
- ↑ Geva, Hillel (2006). "The Settlement on the Southwestern Hill of Jerusalem at the End of the Iron Age". Zeitschrift des Deutschen Palästina-Vereins (بالإنجليزية): 140–150.
- 1 2 3 4 Slae, Bracha; Kark, Ruth; Shoval, Noam (2012). "Post-war reconstruction and conservation of the historic Jewish Quarter in Jerusalem, 1967–1975". Planning Perspectives (بالإنجليزية). 27 (3): 369–392. DOI:10.1080/02665433.2012.681138.
- 1 2 3 Dumper, Michael (1992). "Israeli Settlement in the Old City of Jerusalem". Journal of Palestine Studies (بالإنجليزية). 21 (4): 32–53.
- 1 2 Arnon, Adar (1992). "The Quarters of Jerusalem in the Ottoman Period". Middle Eastern Studies (بالإنجليزية). 28 (1): 1–65. DOI:10.1080/00263209208700889.
- ↑ Teller, Matthew (2022). Nine Quarters of Jerusalem: A New Biography of the Old City (بالإنجليزية). Profile Books. ISBN:978-1-78283-904-0.
- ↑ "Josephus, The Jewish War, Book V". University of Chicago (بالإنجليزية). Retrieved 2026-05-15.
- 1 2 Geva, Hillel (2003). "Western Jerusalem at the End of the First Temple Period in Light of the Excavations in the Jewish Quarter". In Andrew G. Vaughn; Ann E. Killebrew (eds.). Jerusalem in Bible and Archaeology: The First Temple Period (بالإنجليزية). Society of Biblical Literature. pp. 183–208. ISBN:978-1-58983-066-0.
- 1 2 3 4 5 Murphy-O'Connor, Jerome (2008). The Holy Land: An Oxford Archaeological Guide from Earliest Times to 1700 (بالإنجليزية). Oxford University Press. ISBN:978-0-19-923666-4.
- ↑ Scholch, Alexander (1989). "Jerusalem in 19th Century". In K. J. Asali (ed.). Jerusalem in History (بالإنجليزية). Scorpion. p. 234. ISBN:0-905906-70-5.
- ↑ Ben-Arieh, Yehoshua (1984). Jerusalem in the Nineteenth Century: The Old City (بالإنجليزية). Yad Yitzhak Ben-Zvi and St. Martin's Press. p. 14. ISBN:0-312-44187-8.
- ↑ Morris, Benny (2008). 1948: A History of the First Arab-Israeli War (بالإنجليزية). Yale University Press. pp. 218–219. ISBN:978-0-300-14524-3.
- 1 2 Ricca, Simone (2007). Reinventing Jerusalem: Israel's Reconstruction of the Jewish Quarter After 1967 (بالإنجليزية). I.B.Tauris. ISBN:978-1-84511-387-2.
- ↑ Benvenisti, Meron (1976). Jerusalem: The Torn City (بالإنجليزية). Isratypeset. p. 70.
- ↑ Plascov, Avi (1981). The Palestinian Refugees in Jordan 1948–1957 (بالإنجليزية). Frank Cass.
- ↑ "Jordan Reopening Mosque Adjacent to Hurva Synagogue in Heart of Jerusalem's Jewish Quarter". Jewish Press (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-12-18. Retrieved 2022-12-20.
ببليوغرافيا
[عدل | عدل المصدر]- Ben-Arieh, Yehoshua (1984). Jerusalem in the Nineteenth Century: The Old City (بالإنجليزية). Yad Yitzhak Ben-Zvi and St. Martin's Press.
- Benvenisti, Meron (1976). Jerusalem: The Torn City (بالإنجليزية). Isratypeset.
- Murphy-O'Connor, Jerome (2008). The Holy Land: An Oxford Archaeological Guide from Earliest Times to 1700 (بالإنجليزية). Oxford University Press.
- Ricca, Simone (2007). Reinventing Jerusalem: Israel's Reconstruction of the Jewish Quarter After 1967 (بالإنجليزية). I.B.Tauris.
- Teller, Matthew (2022). Nine Quarters of Jerusalem: A New Biography of the Old City (بالإنجليزية). Profile Books.


