انتقل إلى المحتوى

مسجد ومدرسة صرغتمش الناصري

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
مسجد ومدرسة صرغتمش الناصري
صورة علوية لمدرسة ومسجد صرغتمش وتظهر المئذنة والقبة.
إحداثيات 30°01′49″N 31°15′05″E / 30.030385°N 31.251284°E / 30.030385; 31.251284   تعديل قيمة خاصية (P625) في ويكي بيانات
معلومات عامة
الموقع القاهرة  تعديل قيمة خاصية (P131) في ويكي بيانات
القرية أو المدينة يقع المبنى في شارع الصليبة (حي السيدة زينب) ملاصقاً للجهة الشمالية الشرقية لجامع أحمد بن طولون, القاهرة
الدولة  مصر،  الدولة المملوكية
تاريخ بدء البناء 757 هـ / 1356 م
المواصفات
عدد المآذن 1
ارتفاع المئذنة 40 متر
التفاصيل التقنية
المواد المستخدمة الحجر
النمط المعماري مملوكي وفارسي
معلومات أخرى
ويكيميديا كومنز commons:Madrasah of Sarghatmish مسجد ومدرسة صرغتمش الناصري
خريطة

مدرسة ومسجد صرغتمش أو المدرسة الصرغتمشية هي منشأة معمارية شيدها الأمير سيف الدين صرغتمش الناصري لتكون مدرسة مخصصة لفقهاء المذهب الحنفي ومجمعاً يضم مسجداً وضريحاً لعائلته.[1] أُقيمت المنشأة عام 757 هـ / 1356 م في عهد السلطان الناصر بدر الدين حسن، وتقع في شارع الصليبة بالقاهرة، بملاصقة الجهة الشمالية الشرقية لجامع أحمد بن طولون؛ تتبع المنشأة في تصميمها نظام الصحن المكشوف المحاط بأربعة أواوين، وهو ما يعرف بالتخطيط المتعامد. خُصصت المدرسة عند تأسيسها لتدريس الفقه الحنفي وإيواء طلبة العلم، خاصة الوافدين من بلاد فارس والأقاليم المشرقية. تضم العناصر المعمارية للمجمع مئذنة مبنية بأسلوب الأبلق وقبة تقع فوق إيوان القبلة، ويُصنف المبنى تاريخياً كأحد النماذج المعمارية التي تعكس الأساليب الفنية للعصر المملوكي البحري وتأثرها بالأنماط المعمارية المشرقية.[2][3]

تاريخ الأمير صرغتمش

[عدل]

في عام 1356م (757هـ)، أمر الأمير سيف الدين صرغتمش الناصري، "رأس نوبة الأمراء"، بتشييد هذه المدرسة. بدأ صرغتمش مسيرته كأحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وتدرج في المناصب حتى وصل إلى قمة نفوذه في عهد السلطان الناصر حسن. وصفه المؤرخ المصري المقريزي بأنه كان رجلاً متديناً، يواظب على تلاوة القرآن يومياً، ويشارك بفاعلية في المناقشات الفقهية بين علماء المذهب الحنفي.[4][5]

سعى صرغتمش من خلال بناء هذه المدرسة إلى رعاية ودعم تدريس المذهب الحنفي؛ حيث أصبحت ملاذاً لطلاب العلم الحنفيين، لا سيما القادمين من بلاد فارس وما وراء النهر. وقد ذكر المقريزي أن صرغتمش كان يولي الطلاب الوافدين رعاية فائقة، حيث كان يشرف شخصياً على تعليمهم قواعد اللغة العربية ويعمل على ترقيتهم داخل المجتمع العلمي. بلغ نفوذ صرغتمش السياسي ذروته خلال الفترة الثانية من حكم السلطان الناصر حسن. وبعد عودته من دمشق مع القوات المملوكية، أشرف على عزل الوزير "علم الدين عبد الله بن زنبور" والاستيلاء على ثروته. تزايدت قوته حتى أصبح الحاكم الفعلي للبلاد نيابة عن السلطان، إلا أن هذا النفوذ انتهى عام 1358م (759هـ) حين غضب عليه السلطان الناصر حسن، فأمر بسجنه في الإسكندرية، حيث توفي داخل محبسه.[6][7]

العمارة

[عدل]

تُعد مدرسة صرغتمش نموذجاً لابتكارات العمارة المملوكية؛ حيث يتبع تخطيط المبنى نظام الأواوين الأربعة الذي يتخذ شكل "المخطط المتعامد". تطل واجهة المبنى على الشارع من الناحية الشمالية الغربية، بينما يبرز الضريح ذو القبة من الطرف الجنوبي للواجهة باتجاه الشارع عبر مساحة مستطيلة مغطاة بقبو متقاطع. يعكس تصميم هذه المدرسة اتجاه العمارة المملوكية نحو إعطاء الأولوية لتوجيه واجهة المبنى لتوافق استقامة الشارع القائم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على توجيه الجزء الداخلي للمسجد نحو القبلة. وفي هذه الحالة، نجد أن الواجهة تتكون من المدرسة والضريح، بينما يقع المسجد خلف الواجهة في أبعد نقطة عن الشارع. ويُرجح أن اختيار جعل الجوانب الدنيوية للمبنى مثل المدرسة والضريح هي الأكثر بروزاً للجمهور يعكس ميل المماليك لإبراز النفوذ والمكانة الاجتماعية. كما صُمم الضريح بهذا الأسلوب ليكون مطلاً على الطريق العام، وذلك سعياً لاستيقاف المارة وحثهم على تلاوة الفاتحة أو الدعاء للمتوفى، وهو تقليد جنائزي شاع في العمارة المملوكية لضمان استمرارية صلة الحي بالميت.[1][5]

التصميم الخارجي

[عدل]

يظهر من الخارج في الزاوية الشرقية للواجهة مئذنة المدرسة ذات التصميم المثمن، والتي تم تشييدها بدقة فنية مع استخدام نظام "الأبلق" أو الحجر الملون في زخارفها. يبلغ ارتفاع الواجهة الرئيسية 15.5 متراً، وتضم المدخل الرئيسي للمبنى الذي يتميز ببروزه عن الشكل العام للواجهة فيما يُعرف بأسم "البيشتاق" ويعني المدخل البارز. كما تظهر المثلثات الكروية أسفل نصف قبة المدخل لتضفي لمسة جمالية هندسية.[8][6]

تزدان الجدران العلوية للواجهة بصفوف من النوافذ المستطيلة الصغيرة التابعة للوحدات السكنية، وتتكرر هذه النوافذ أيضاً في الواجهة الخلفية حيث تقع غرف إقامة الطلاب. ومن الخارج، تبدو قبة الضريح معلماً بارزاً وواضحاً؛ وهي قبة ذات غلاف مزدوج مشيدة من الآجر "الطوب المحروق"، وتتميز برقبة مرتفعة بشكل غير معتاد، مما يمنحها مظهراً شاهقاً وضخم. خلق هذا النوع من "الرقبة" المرتفعة مظهراً دائرياً للقبة غير مألوف في العمارة المصرية المحلية؛ بل يبدو متأثراً بالعمارة الفارسية، وهو ما قد يعكس تقدير الأمير صرغتمش لطلابه الوافدين الذين قدم الكثير منهم من بلاد فارس. وبالإضافة إلى ذلك، تظهر "المقرنصات"ووهي وحدات زخرفية ثلاثية الأبعاد تميز العمارة الإسلامية والفارسية منحوتة في هذه المنطقة فوق الشريط الكتابي الذي يحيط برقبة القبة.[8][9]

التصميم الداخلي

[عدل]

يقع المسجد في الجزء الداخلي من مدرسة صرغتمش، ويعد جدار القبلة من أكثر النقاط استنطاقاً للقيمة الفنية داخل المبنى. يتوسط هذا الجدار المحراب، وقد زُين قديماً بألواح من الرخام الأبيض تتوسطها زخارف محفورة. تضمنت هذه الحفر الرخامية أشكالاً فنية متنوعة تشمل الأرابيسك ومشكات، بالإضافة إلى صور لطيور وزوج من الأيدي تمسك بفرع نباتي. وتُعد هذه الأشكال الحية استثناءً نادراً في الفن والعمارة المملوكية؛ حيث غلب على الفن المملوكي طابع الزخارف الهندسية المعقدة والأنماط التجريدية التي تكاد تخلو من الكائنات الحية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الألواح الرخامية قد نُقلت لاحقاً وهي محفوظة حالياً في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.[9]

يتوسط مدرسة صرغتمش صحن مكشوف، تتوسطه فسقية أو ميضأة للوضوء ذات تصميم مثمن. تأخذ الفسقية شكل مظلة ترتكز على أعمدة رخامية تحمل قبة خشبية، وهو الطراز الذي يُعد علامة مميزة للقباب المملوكية في. ومن داخل الصحن، يمكن بوضوح رؤية سكن الطلاب؛ حيث ترتفع غرف الإقامة لثلاثة طوابق، موزعة في الزوايا الموجودة بين الأواوين الأربعة. وتطل بعض هذه الغرف على الصحن الداخلي، بينما تطل الغرف الأخرى على الشارع الخارجي لتوفير التهوية والإضاءة.[8][9]

تأريخ المقريزي

[عدل]

يُعد تقي الدين المقريزي من أبرز مؤرخي القاهرة، وكتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المعروف بالخطط المقريزية هو المرجع الأساسي لوصف تاريخ القاهرة وطبوغرافيتها؛ حيث تناول فيه تاريخ وعمارة معظم مباني المدينة. وقد ركز المقريزي في حديثه عن المدرسة الصرغتمشية على أصل المنشئ سيف الدين صرغتمش، ثم انتقل لوصف التفاصيل المعمارية وأثر المبنى في المجتمع المحيط به.[6] ووصف المقريزي عظمة البناء قائلاً:

«فجاءت هذه المدرسة من أجلّ المباني وأحسنها شكلاً، وأبهجها منظراً من داخلها.»

ويبدو أن دقة وبراعة بناء المدرسة قد تركت أثراً كبيراً في نفوس أهل القاهرة، لدرجة أن الشعراء تباروا في وصفها. وقد استشهد المقريزي ببيتين من الشعر قيلت في مدح البناء، منهما:

«يا صرغتمشُ لا عَدِمْتَ لِمَا بَنَيْتَ ثوابَ باني

فلقد أَرَيْتَ الناسَ من هـذا البنا حُسْنَ المـباني

والرخامُ الذي به كـالزهرِ في الحُسْنِ المجاني»

لم يكتفِ المقريزي بوصف براعة البناء، بل استعرض الحياة العلمية بداخلها؛ حيث أشار إلى أن الأمير صرغتمش استقطب لها نخب الفقهاء والمحدثين بمرتبات مجزية، كما وصف بدقة عناصرها الداخلية مثل الفسقية الرخامية والقباب الخشبية، مؤكداً أنها كانت تُفرش بأفخر أنواع السجاد العجمي وتُضاء بمصابيح نحاسية ضخمة، مما جعلها مركزاً علمياً بارزاً في القاهرة المملوكية آنذاك.[4][6][8]

الترميم والحالة الراهنة

[عدل]

خضع مسجد ومدرسة الأمير صرغتمش لسلسلة من التدخلات الترميمية بهدف الحفاظ على مهظره المعمارية وقيمته التاريخية، وذلك ضمن المخطط الشامل لمشروع ترميم القاهرة التاريخية. ويُعد مشروع الترميم الذي بدأ في 2001م واكتمل في 2005 أبرز تلك التدخلات في العصر الحديث، حيث افتتحه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني؛ وشملت الأعمال حينها معالجة الواجهات الحجرية، وترميم العناصر الزخرفية الدقيقة، وإعادة ضبط الأرضيات الرخامية بالصحن، وذلك تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار.[10]

أما على صعيد الحالة الإنشائية الحالية، مر المسجد بخطر المياه الجوفية التي تحيط ثم تعرضت مئذنة المسجد لضررٍ بالغ نتيجة صاعقة رعدية أدت إلى حدوث شروخ ببعض أجزائها الحجرية العلوية. واستجابةً لذلك، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً عاجلاً لترميم المئذنة في نوفمبر 2021، تضمن معالجة الشروخ الإنشائية والحد من مخاطر المياه الجوفية المحيطة بالأثر، لضمان استقرار هذا العنصر المعماري وحمايته من مخاطر الانهيار.[11][12] يُعد المسجد من المعالم الأثرية اللافتة في شارع الصليبة؛ حيث لا يزال مفتوحاً للجمهور وتقام فيه الشعائر والصلوات الخمس بانتظام تحت إشراف وزارة الأوقاف، في حين يخضع المبنى لرقابة وزارة السياحة والآثار، مع استمرار استقباله للزوار والباحثين كوجهة ثقافية وسياحية ضمن نطاق القاهرة التاريخية. أيضا يُعد المسجد أثراً مسجلاً يقع ضمن نطاق القاهرة التاريخية برقم 218 ضمن الآثار الإسلامية، كذلك المنطقة التي يقع فيها المسجد مُدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1979 بصفتها من أقدم المدن الإسلامية في العالم، وهو ما يضفي على المبنى حمايةً دوليةً والتزاماً بمعايير الحفظ المعتمدة عالمياً.[13]

معرض صور

[عدل]

وصلات خارجية

[عدل]

مراجع

[عدل]
  1. ^ ا ب "Amir Sarghitmish Funerary Complex". web.archive.org. 29 يونيو 2011. مؤرشف من الأصل في 2014-01-13. اطلع عليه بتاريخ 2024-08-15.
  2. ^ Behrens-Abouseif, Doris. Cairo of the Mamluks. London: I. B. Tauris, 2007. Print. Pp. 197-199
  3. ^ "Mosque of Emir Sarghitmish, Cairo". web.archive.org. 14 يوليو 2011. مؤرشف من الأصل في 2011-08-20. اطلع عليه بتاريخ 2024-08-15.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: BOT: original URL status unknown (link)
  4. ^ ا ب al-Maqrizi (n.d.). "Mosque of Emir Sarghitmish, Cairo". Magrizi.com. مؤرشف من الأصل في 2011-07-14. اطلع عليه بتاريخ 2011-03-06.
  5. ^ ا ب عبد الرازق بن همام الصنعاني/ تحقيق: محمود محمد عبده (1999). تفسير عبد الرازق. دار الكتب العلمية. ج. 1. ص. 235–237. ISBN:9782745126764.
  6. ^ ا ب ج د المقريزي (1417م). الخطط المقريزية: المسماة بالمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. القاهرة: مطبعة النيل عام 1906. ج. 4. ص. 256–259.
  7. ^ "Madrasa Sarghatmish". Archnet. Aga Khan Documentation Center.
  8. ^ ا ب ج د حسن عبد الوهاب حسن (1994). تاريخ المساجد الأثرية. القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب. ص. 160–163.
  9. ^ ا ب ج محمد حمزة إسماعيل (1998). موسوعة العمارة الإسلامية في مصر: من الفتح العثماني إلى نهاية عهد محمد علي. دار زهراء الشرق. ج. 1. ص. 172–203.
  10. ^ "السيرة الذاتية و أعمال فاروق حسني". قطاع الفنون التشكيلية. مؤرشف من الأصل في 2016-12-07. اطلع عليه بتاريخ 2026-05-07.
  11. ^ الرحمن، محمد عبد (30 مايو 2018). "س وج.. كل ما تريد معرفته عن مسجد صرغتمش بعد سقوط أعمدته الخشبية؟". اليوم السابع. مؤرشف من الأصل في 2024-11-17. اطلع عليه بتاريخ 2026-05-07.
  12. ^ "الآثار تتدخل لحل مشكلة تسرب المياه حول مسجد صرغتمش". القاهرة 24 (بar-eg). 13 Jul 2024. Retrieved 2026-05-07.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: لغة غير مدعومة (link)
  13. ^ Centre، UNESCO World Heritage. "القاهرة التاريخية". اليونسكو- مركز التراث العالمي. مؤرشف من الأصل في 2026-04-24. اطلع عليه بتاريخ 2026-05-07.