الملاح (حي يهودي)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
(بالتحويل من حي الملاح)
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
نجمة داوود على أحد الجدران في حي الملاح في الصويرة.

الملاّح هو اللقب الذي كان يطلق أو بالأحرى ما زال يطلق على الحي اليهودي بالمدن المغربية العتيقة، مثل الرباط و سلا , فاس، مكناس، مراكش، الدار البيضاء، الصويرة... ومايطلق عليه في بلاد الشام، مصر أو العراق حارة اليهود يسمى في المغرب حي الملاح.

تشير بعض الدراسات إلى أن حي الملاح سمي بهذا الاسم نظرا للأن أول حي يهودي تم بناؤه في المغرب كان في مدينة فاس التي كانت عاصمة للمغرب عدة قرون، وقد تم بناؤه في منطقة كان يتم فيها تجميع وتخزين الملح تمهيدا لتصديره عبر القوافل لأوربا ،و أصل تسميته بالملاح يعود إلى عهد المرينيين في الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الميلادي حيث كان موقع عند مدخل مدينة فاس تجمع فيه مادة الملح قبل توزيعها فكان الموقع أول تجمع خاص باليهود ومنذ ذلك الحين تم تعميم مصطلح الملاح ليتم تداوله بين الأوساط المسلمة واليهودية كحي محاط بأسوار عالية له بابان في غالب الأحيان يقطنه اليهود. تم تعميم الكلمة بعد ذلك ليشمل كل تجمع سكاني لليهود في المغرب. حي الملاح لم يكن موجودا في المدن العتيقة فقط، بل كان موجودا حتى في القرى الصغيرة والمدن الجبلية...

مميزات الملاح[عدل]

يهود بحي الملاح بمدينة سلا

يبنى حي الملاح غالبا قرب القصور الملكية ومقر السلطة في المغرب، لهذا فإن أحياء الملاح توجد في وسط وفي أهم منطقة في المدن. كان الملاح وما زال إلى اليوم القلب النابض للمدن التي يتواجد فيها، فقد كانت فيه أهم الأسواق وكان سكانه اليهود يمتهنون أهم الحرف آنذاك، من صائغي الذهب، خياطين، نجارين، إسكافيين... لهذا فقد كان حي الملاح مركزا تجاريا هاما لكل مدينة كان يتواجد فيها.

الملاح هو بالأساس شكل معماري خاص باليهود داخل العواصم التاريخية للمغرب، ولكنه من خلال تجسيده لوضعية أهل الذمة كان يتمتع بالاستقلال النسبي في تسييره وإدارته وقضائه، مما يسمح لليهود بحرية ممارسة شعائرهم داخل الملاح وتنظيم حياتهم الاجتماعية وفقها. فماضي المغرب الغني يشمل فترة طويلة من التسامح بين المسلمين واليهود حيث اشتغلوا معا لازدهار تجارتهم. فعيش اليهود داخل حي منفصل يعني أنهم محميون داخل جدران القصبة وأنهم يؤدون الضرائب إلى الحكومة. ولقد شغل اليهود مناصب مربحة حيث عملوا كممثلي لأبناك، خياطين، وبائعي مجوهرات. أصبح الملاح بالنسبة لليهود بمثابة مدينتهم الصغيرة الخاصة بهم حيث شملت معابد وأسواق في الهواء الطلق، ينابيع وشرفات مطلة على الأزقة الضيقة.

عمد سلاطين المغرب على تجميع اليهود بهذه الأحياء وكان الملاح قريب من قصر السلطان من أجل توفير الأمن والحماية لهذا العنصر نظرا لدوره الفاعل في تنشيط الحياة العامة ولكونه مصدر من مصادر تزويد خزينة الدولة بالمال؛ وقد ساهم الملاح في الحفاظ بشكل كبير على الخصوصية اليهودية لمئات السنين وقد عرفت مدن مغربية أخرى الملاح بعد فاس فكان لمراكش ملاحها الذي بني في أواسط القرن السادس عشر الميلادي وكان لمكناس ملاح مشهور وللصويرة في زمن السلطان محمد بن عبد الله كان لها هي الأخرى ملاح اكتسب شهرة وصيتا نظرا للدور الاقتصادي الذي كان يلعبه آنذاك وكانت ملاحات أخرى لا تقل أهمية بالرباط وسلا وتطوان ووزان... وكان لكل ملاح نواب يمثلون الطائفة وينوبون عنها أمام السلطات ويرعون مصالحها ويعملون على حل مشاكل اليهود فيما بينهم، وداخل أسوار الملاح أو بالقرب منها يتواجد كنيس للعبادة والصلاة ومدرسة لتلقين مبادئ الكتابة والدين بيد أن أسلوب التدريس عرف تغييرا عند نهاية القرن التاسع عشر الميلادي بتحديثه وعصرنته وفق الأسلوب الأوروبي الحديث فأنشئت لهذه الغاية مدارس خاصة بالطائفة اليهودية على الطراز الغربي تلقن فيها إلى جانب اللغة العبرية اللغتين الفرنسية والأسبانية والرياضيات وباقي العلوم والمعارف الأخرى وكان لظهور هذا النوع الحديث من التعليم أن أحدث تخوفا وتحفظا عند الكثير من رجال الدين اليهودي المتشبثين بالطريقة التقليدية في التعليم. وكان الملاح يعج كذلك بالمحلات التجارية المختلفة التي تبيع المواد الغذائية ودكاكين العطارة والملابس ومختلف الحرف الأخرى كما كان الملاح لا يخلوا من محل أو أكثر للجزارة حيث تباع اللحوم وفق الأصول والشريعة اليهودية. وكان جزا من المعاملات التجارية يتم خارج الملاح مع المسلمين واليهود فقد كان الكثير من التجار الكبار والصغار يقصدون الأسواق الموسمية لعقد الصفقات والمتاجرة في الأغنام والأبقار والابل والدجاج والبيض والتمور والحبوب والسكر والشاي والألبسة وغيرها من السلع. وعند انفضاض السوق يعودون للملاح حيث أطفالهم الصغار بانتظارهم وانتظار حلوى السوق. وداخل هذا الفضاء كان اليهود يقيمون أعراسهم وأفراحهم ويحيون مواسمهم وأعيادهم. بيد أن هذا الملاح الذي ظل يشكل ولفترة طويلة جزءا من التراث والذاكرة عرف في أواسط القرن الماضي نزيفا مهولا وتقلصا في ساكنته فلم يعد في يومنا هذا من الملاح غير التسمية والجدران.

ملاح فاس[عدل]

ويعود تاريخ بناء أول ملاح بالمغرب إلى بداية القرن 13 الميلادي، مع وصول المرينيين إلى الحكم، وبناء عاصمتهم في فاس الجديد قرب فاس القديم. فقد تم آنذاك تقسيم فاس الجديد إلى 3 أحياء حول القصر الملكي، حي مسلم يضم قصور أمراء بني مرين، وحي خاص للعائلات المهاجرة من الأندلس، وحي للنخبة اليهودية وقد أطلق عليه اسم الملاح لكون الموقع الذي بني فيه كان سوقا للملح. وذلك خلافا للرواية البشعة التي روج لها الكاتب الفرنسي هنري دو لامارتينيز في بداية التغلغل الاستعماري الفرنسي في المغرب والتي تقول ان اليهود المغاربة كانوا مجبرين على العيش داخل أحياء ضيقة ووسخة محاطة بالأسوار وشبيهة بالسجون والتي يطلق عليها اسم الملاح لكون سكانها كانوا يمارسون فيها مهنة معالجة الرؤوس التي يأمر سلطان المسلمين بقطعها وتحنيطها بالملح قبل تعليقها على أبواب المدينة وأنه لم يكن مسموحا لليهود امتلاك الأراضي أو الممتلكات إلا بعد الاستعمار الفرنسي، وأنه خلال قرون مضت، كان على اليهود المشي حفاة إذا أرادوا المشي خارج الملاح. وعبر تاريخ المغرب، ارتبط بناء ملاح جديد بتشييد عاصمة جديدة.


ملاح سلا[عدل]

قرب باب المريسة بسلا، بني هذا الحي لسكنى يهود سلا بأمر من السلطان مولاي سليمان بن محمد سنة 1808 بعد تنقيلهم من حي الملاح القديم. و كان عددهم يناهز 1800 نسمة.

ضم حي الملاح حين إنشائه 200 منرل، 20 دكان و فرنين و مطحنتين و حمام واحد.

ملاح الصويرة[عدل]

مدخل حي الملاح في المدينة العتيقة، الصويرة
حي الملاح في الصويرة مازال يعتبر القلب النابض للتجارة في المدينة، حيث مازال الحرفيون والباعة المتجولون يتمركزون فيه.
مدخل ملاح الصويرة من جهة البحر.

ملاح الصويرة يرجع بناؤه للسلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي في نهاية القرن 16 الميلادي، والذي استقدم إليه نخبة من التجار اليهود لتنشيط مينائه التجاري، فعرف تاريخيا باسم ملاح تجارالسلطان. وخلال القرن 17 عندما أعاد السلطان العلوي، محمد بن عبد الله (محمد الثالث) بناء مدينة الصويرة على النمط العصري بشوارعها الواسعة خلافا للمدن العتيقة بالمغرب، وبنا فيها ميناء جديدا وقاعدة عسكرية بحرية، استقدم إليها بدوره نخبة من التجار والدبلوماسيين اليهود. وتحولت الصويرة منذ ذلك الحين إلى العاصمة الاقتصادية للمغرب، واستمرت في هذا الدور حتى بداية الحماية الفرنسية التي حولت مركز ثقل الاقتصاد المغربي من الصويرة إلى الدار البيضاء.

ومع الدخول الفرنسي بدأ العصر الذهبي لليهود المغاربة في الأفول حيث عوض المعمرون الجدد النخبة اليهودية في مراكز القرار التجاري والاقتصادي. وتم استبعاد اليهود المغاربة تدريجيا والتضييق عليهم خلال فترة الحماية الفرنسية ليصل الميز ضدهم أقصى درجاته خلال حكومة فيشي الفرنسية والتي أصدرت قرارات تحد من ولوج اليهود للمهن الحرة والإدارة، مما تطلب تدخل ملك المغرب آنذاك محمد الخامس ليطالب فرنسا علنا بالتراجع عن تلك القوانين.

وبدأ رحيل اليهود المغاربة تدريجيا إلى الخارج خلال القرن الماضي، نتيجة أوضاعهم الجديدة خلال فترة الحماية الفرنسية، وارتفعت وتيرة الهجرة بشكل كبير بعد سنتي 1948 و1967. وقام العديد من يهود الصويرة ببيع منازلهم في الملاح للمسلمين. ومع التحولات الاجتماعية للمغرب وارتفاع وتيرة الهجرة القروية تحولت بعض بيوت الملاح إلى فنادق لإيواء العمالة القادمة من القرى المجاورة. واكتظت بيوت تجار السلطان بالعائلات العمالية، وبدأت شيئا فشيئا تفقد تألقها وفسيفساء جدرانها وزخارفها، وبدأت جدرانها وهياكلها تتلاشى بسبب انعدام الصيانة وسوء الاستغلال. وزاد الطين بلة قربها من البحر، حتى تحولت إلى كارثة اجتماعية، تطلب إعادة إسكان جزء مهم من قاطنيها وهدم عدد من أزقتها، قبل أن يعاد اكتشاف الملاح من طرف المستثمرين الذين حولوا بيوته الخربة في أيدي ساكنيها إلى كنوز ذات صبغة تاريخية لا تقدر بثمن.

ملاح مراكش[عدل]

يعرف بقايا ملاح مراكش اليوم بحي السلام. بينما لم يعد الكثير من اليهود يسكن المنطقة، لا زال البعض الآخر يعيش هناك إذ اختارت أسرهم البقاء عوض الذهاب إلى الدار البيضاء، فرنسا، أو حتى إسرائيل. المقابر اليهودية والأضرحة التي لا زالت تزار إلى اليوم. وتوجد هذه المعابد على طوال الطريق هذه قرب حي الملاح، وتسمى أشهرها مقابر العزمة ومقابر الفاسيين نظرا لأن معظم المدفونين فيها من يهود مدينة فاس الذين قدموا بدورهم من الأندلس. كان يوجد بالملاح العديد من المعابد من بينها أيضا معبد الرابي بيناس ومعبد بيقون.

تعتبر المعابد في مراكش وفاس شديدة الروعة، بالرغم من أنها لا تبرز كالمساجد في البلد. يعتبر ملاح مدينة مراكش منطقة مهمة تحكي تاريخ مغرب فتح أبوابه خلال قرون لشعوب من مختلف الخلفيات الدينية، العرقية والثقافية. بينما لم يكن من السهل بالنسبة لليهود العيش تحت مغاربة آخرين بسبب تعرض بعضهم للنهب والسرقة من طرف اللصوص وقاطعي الطرق الذين كانوا يفضلون سرقة اليهود لمعرفتهم المسبقة بأن معظمهم من الطبقة الغنية أو المتوسطة الميسورة الحال، لكنهم تمتعوا بحماية العديد من سلاطين المغرب قبل وأثناء وبعد الاستعمار الأوربي. ساهم اليهود وحي الملاح بشكل عام في ازدهار التجارة في مناطق عديدة من المغرب. إن تاريخ اليهود في المغرب جزء آخر من غنى تاريخ المغرب.

وصلات متعلقة[عدل]