الأشعث بن قيس
الأشعث بن قيس واسمه معد يكرب (23 ق.هـ/601 م - 40 هـ/ 661 م) ملك كندة خلال حياة النبي وأحد صحابته. أول راكب في الإسلام مشت معه الرجال يحملون الأعمدة بين يديه ومن خلفه.
محتويات |
[عدل] نسبه وكنيته
هو معد يكرب بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب ابن زيد بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. غلب عليه لقب "الأشعث" لشعوثة رأسه حتى نسي اسمه. ويكنى أبا محمد.
[عدل] حاله في الجاهلية
كان في الجاهلية رئيسًا مطاعًا في كندة ومن ملوكها. شريفًا مطاعًا جوادًا شجاعًا من ذوي الرأي والإقدام موصوفًا بالهيبة. كان ثريا إذ أن في موقعة بين كندة ومراد, قتل أباه فيها. فخرج يطلب ثأره فأسر. ففداه قومه بثلاث آلاف بعير في سابقة لم يعرف بها عربي غيره.
[عدل] إسلامه
قدم على رسول الله في ستين راكبًا من كندة، فدخلوا على رسول الله مسجده، وقد رجلوا جممهم، وتكحلوا، عليهم جبب الحبرة؛ قد كففوها بالحرير؛ فلما دخلوا على رسول الله، قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشقوه منها فألقوه، ثم قال الأشعث: يا رسول الله؛ نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، فتبسم رسول الله، ثم قال: ناسبوا بهذا النسب العباس ابن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. وكان ربيعة والعباس تاجرين؛ فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئل من هما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار؛ يتعززان بذلك؛ وذلك أن كندة كانت ملوكًا. فقال رسول الله : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا. فقال الأشعث بن قيس: هل عرفتم يا معشر كندة! والله لا أسمع رجلًا قالها بعد اليوم إلا ضربته ثمانين.
[عدل] ردة كندة
جاء في الطبري أن من أسباب إرتداد كندة عن الإسلام محاباتهم لـالأسود العنسي من مذحج عن القاسم بن محمد؛ قال:" كان سبب ردة كندة إحابتهم الأسود العنسى حتى لعن رسول الله الملوك الأربعة". كان زياد بن لبيد والي رسول الله وأبابكر على كندة, فأخذ يجمع الصدقات والزكاة حتى رأى ناقة اسمها "شذرة" فوسمها موسم الصدقة. وكانت الناقة لفتى من كندة اسمه العداء بن حجر. فقال العداء:" هذه شذرة باسمها". فقال أخوه :" صدق أخي؛ فإني لم أعطوكموها إلا وأنا أراها غيرها؛ فأطلق شذرة وخذ غيرها، فإنها غير متروكة". فرأى زياد أن ذلك خروجا عليه وكفرا ومباعدة. فقال زياد:" لا ولا تنعم؛ ولا هي لك؛ لقد وقع عليها ميسم الصدقة وصارت في حق الله، ولا سبيل إلى ردها، فلا تكونن شذرة عليكم كالبسوس".
فنادى العداء:" يا آل عمرو، بالرياض أضام وأضهد! إن الذليل من أكل في داره". فأقبل أبو السميط حارثة بن سراقة بن معد يكرب الكندي؛ فقصد لزياد بن لبيد وهو واقف، فقال: أطلق لهذا الفتى بكرته، وخذ بعيرًا مكانها، فإنها بعير مكان بعير" فقال زياد:"ماكان إلى ذلك سبيل". فرد أبا السميط:"ذاك إن كنت يهوديا" وعاج إليها، فأطلق عقالها، ثم ضرب على جنبها؛ فبعشا وقام دونها، وهو يقول: يمنعها شيخ بخديه الشيب ** ملمع كما يلمع الثوب
فأمر به زياد شبابًا من حضرموت والسكون (إحدى بطون كندة التي لم ترتد)، وتوطئوه، وكتفوه وكتفوا أصحابه، وارتهنوهم، وأخذوا البكرة فعقلوها كما كانت؛ وقال زياد ابن لبيد في ذلك: لم يمنع الشذرة أركوب ** والشيخ قد يثنيه أرجوب.
غضب بطن معاوية الأكرمين الذي ينتمي إليه الأشعث لما حدث لإبنهم أبا السميط وانقسمت كندة إلى معسكرين, معسكر المرتدين من بني معاوية الأكرمين بقيادة الأشعث ومعسكر السكون الذي ناصر زياد بن لبيد. وقال أحد شعراء السكون: لعمري وما عمري بعرضة جانب ** ليجتلبن منها المرار بنو عمرو كذبتم وبيت الله لا تمنعونها ** زيادًا، وقد جئنا زيادًا على قدر
أجمعت بني معاوية على منع الصدقة والردة إلا رجلا منهم يقال له:" شرحبيل بن السمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إن هذا لقبيح بأقوام أحرار التنقل؛ إن الكرام ليكونون على الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا منها إلى أوضح منها مخافة العار؛ فكيف بالرجوع عن الجميل وعن الحق إلى الباطل والقبيح! اللهم إنا لا نمالئ قومنا على هذا، وإنا لنادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا". فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجودوهم حول نيرانهم جلوسًا، فعرفوا من يريدون، فأكبوا على بني عمرو بن معاوية؛ وهم عدد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، ووهنت بنو عمرو بن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسبى والأموال، وأخذوا طريقًا يفضي بهم إلى عسكر الأشعث وبني معاوية؛ فلما مروا بهم فيه استغاث نسوة بني معاوية ببني وناديته: يا أشعث، يا أشعث! خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقذهم وقال الأشعث: منعت بني عمرو وقد جاء جمعهم ** بأمعز من يوم البضيض وأصبرا
طلب زياد العون من المهاجر بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وتحصن الأشعث وبنو معاوية في حصن يقال له النجير. وبلغ كندة وهم في الحصار ما لقى سائر قومهم، فقالوا: الموت خير مما أنتم فيه؛ جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم فأنعم عليكم فبؤتم بنعمة؛ لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة. فجزوا نواصيهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعذض، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم: صباح سوء لبني قتيره ** وللأمير من بني المغيره وجعل راجز المسلمين زياد بن دينار يريد عليهم: لا تواعدونا واصبرواحصيرة ** نحن خيول ولد المغيره
قال أبو جعفر: "ولما رأى أهل النجير المواد لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا أنهم غير منصرفين عنهم، خشعت أنفسهم، ثم خافوا القتل وخاف الرؤساء على أنفسهم؛ ولو صبروا حتى يجئ المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصلح على الجلاء نجاة. فعجل الأشعث، فخرج إلى عكرمة بأمان، وكان لا يأمن غيره؛ وذلك أنه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجون، خطبها وهو يومئذ بالجند ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادوا، فأبلغه عكرمة المهاجر، واستأمنه له على نفسه، ونفر معه تسعة؛ على أن يؤمنهم وأهليهم وأن يفتحوا لهم الباب؛ فأجابه إلى ذلك، وقال:" انطلق فاستوثق لنفسك، ثم هلم كتابك أختمه"".
قال أبو إسحاق: فلما فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلًا إلا قتلوه؛ ضربوا أعناقهم صبرًا، وأحصى ألف امرأة ممن في النجير والخندق؛ ووضع على السبي والفئ الأحراس، وشاركهم كثير.
فقدم القوم على أبي بكر رحمه الله بالفتح والسبايا والأسرى. فدعا بالأشعث، فقال: "استزلك بنو وليعة (يقصد قوم الفتى المدعو العداء صاحب الناقة)، ولم تكن لتستنزل لهم - ولا يرونك لذلك أهلًا - وهلكوا وأهلكوك! أما تخشى أن تكون دعوة رسول الله قد وصل إليك منها طرف! ما تراني صانعًا بك؟ قال الأشعث : إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك. قال: فإني أرى قتلك. قال: فإني أنا الذي راوضت القوم في عشرة، فما يحل دمي، قال: أفوضوا إليك؟ قال نعم، قال: ثم أتيتهم بما فوضوا إليم فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من في الصحيفة، وإنما كنت قبل ذلك مراوضًا. فلما خشى أن يقع به قال: أو تحتسب في خيرًا فتطلق إساري وتقيلني عثرني، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد على زوجتي - (وقد كان خطب أم فروة بنت أبى قحافة مقدمة على رسول الله فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول وفعل الأشعث ما فعل، فخشى ألا ترد عليه) تجدني خير أهل بلاد لدين الله! فتجافى له عن دمه، وقبل منه، ورد عليه أهله، وقال أبوبكر الصديق:" انطلق فليبلغني عنك خير". وخلى عن أسرى قوم الأشعث. خرج بعدها الأشعث إلى سوق الإبل ومارأى ناقة إلانحرها حتى ظن الناس أنه إرتد من جديد, ولكنه نحر النوق لإطعام الناس ودفع لملاكها الثمن.
[عدل] أدواره لصالح الخلافة
ولاه عثمان بن عفان ولاية أذربيجان وكان ممن شارك في يوم اليرموك وأصيبت عينه فيها. شارك في القادسية وأصفهان مع النعمان بن مقرن والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختط بالكوفة دارًا في كندة ونزلها. وشهد تحكيم الحكمين، وكان آخر شهود الكتاب. وكان كبير أمراء جيش علي بن أبي طالب في معركة صفين.
[عدل] وفاته
توفي سنة ٤٠ للهجرة وقال بعضهم بعد علي ابن أبي طالب بأربعين ليلة. أمر الحسن بن علي أن يغسل بالكافور وأن يوضؤوه. كانت ابنة الأشعث جعدة وقيل جعيدة زوجة للحسن بن علي وصلى عليه الحسن رضي الله عنه. خلف الأشعث إبنا اسمه محمد كان من كبار الأمراء وأشرافهم وهو والد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث المعروف ابن الأشعث.
| هذه مقالة عن أحد الشخصيات من كتاب سير أعلام النبلاء لمصنفه الذهبي. ساهم في إثرائها بالمشاركة في تحريرها. |
