كليمنس فون مترنيش

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
الأمير فون مترنيش
Prince Von Metternich
البرنس فون مترنيش
ولادة 15 مايو 1773
كوبلينز ألمانيا
وفاة 11 يونيو 1859
فيينا النمسا


الأمير كليمنس فينزل مترنيش (بالألمانية: Klemens Wenzel Nepomuk Lothar von Metternich) (15 مايو 1773 - 11 يونيو 1859) سياسى ورجل دوله نمساوى ومن أهم شخصيات القرن التاسع عشر. ينسب إليه وضع قواعد العمل السياسى التي سارت عليها القوى الكبرى في أوروبا طوال الأربعين عاما التي أعقبت هزيمة نابليون بونابرت. شكلت مبادئ مترنيش، والتي تبلورت خلال مفاوضات مؤتمر فيينا، مجرى الأحداث السياسية الأوروبية الأساسية. يعتبرالبعض مترنيش خير من طبق مبادئ الميكيافيلليه السياسية بصورتها الكلاسيكية.[1]

الواقع أن البرنس مترنيش كان الدعامة الرئيسية للنظام السياسى في أوروبا القرن التاسع عشر والقائم على مبدأى رفض التغيير والمحافظة على توازنات القوى في أوروبا. وعلى الرغم من رسوخ صورة تقليديه للبرنس مترنيش في ذاكرة أجيال عده باعتباره سياسيا رجعيا قد قاوم بشده مبدأ حق الشعب في الحكم ومبدأ الثورة على النظام القائم، هناك رأى آخر يقول أنه كان رافضا لتلك المبادئ الثوريه لتيقنه من أنه لو تراخى في مواجهة الثورات الشعبية لأدى ذلك لتقوية المشاعر الوطنية للقوميات العديدة في أوروبا مما يؤدى في النهاية لتفكك الإمبراطوريات القديمة وشيوع الفوضى والحرب في أنحاء أوروبا.

السنوات الأولى[عدل]

ولد مترنيش بمدينة كوبلينز بوسط غرب ألمانيا في 15 مايو 1773. أبوه هو فرانز جورج كارل والملقب بالكونت فون مترنيش والذي كان يعمل دبلوماسيا في خدمة البلاط النمساوى. أما الأم فكانت الكونتيس ماريا بياتريس ألويسيا. عند ولادة مترنيش وخلال سنوات عمره الأولى عمل والده سفيرا للبلاط النمسوى لدى إحدى الإمارات الألمانيه الوقعه على نهر الراين حيث تأثر مترنيش الصغير بالأفكار السائدة خلال تلك الفترة بين الأرستقراطيات الألمانيه الواقعة تحت النفوذ الفرنسي والتي تمحورت حول ضرورة المحافظة على النظام الأوروبى القديم أو ما عرف ب Ancien Régime

في عام 1787 بدأ مترنيش الدراسة بجامعة ستراسبورج الفرنسية، إلا أن اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789 إضطره لقطع الدراسة ومغادرة فرنسا. وفى عام 1792 عمل مترنيش بحكومة الأراضى المنخفضه النمسوية (بلجيكا الحالية) التي كانت تابعه لأل هابسبرج في ذلك الوقت. بعد أن قضى عامين بإنجلترا انتقل إلى فيينا وفى 27 سبتمبر 1795 تزوج من الكونتيس إليانور فون كونيتز والتي كانت حفيدة لمستشار سابق للامبراطورية النمسوية. فتح هذا الزواج أبواب النخب الأرستقراطيه بفيينا أمام مترنيش الذي عين سفيرا للبلاط النمسوى بدوقية ساكسونيا العليا حيث وطد هناك علاقاته بالعديد من الأسر الأرستقراطيه الألمانيه والروسية البولنديه. وفى نوفمبر 1803 تم تعيينه سفيرا لدى برلين وهناك أيضا وطد علاقاته بالسفير الفرنسي لدرجة أن نابليون بونابرت طلب أن ينتقل مترنيش إلى باريس وفعلا انتقل إليها كسفيرا للنمسا في أغسطس 1806. خلال إقامته في باريس تشعبت علاقات مترنيش بالحكومة والمجتمع الفرنسي عموما وبدأ نفوذه على مجريات السياسة الأوربيه في الظهور. إلا أنه وعند اندلاع الحرب بين النمسا وفرنسا في عام 1809 قبض على مترنيش وأودع السجن انتقاما من النمسا التي كانت قد قبضت على إثنين من موظفى البلاط الفرنسي بهنجاريا. بقى مترنيش سجينا في فرنسا حتى سقطت فيينا بيد نابليون الذي أمر بترحيله إلى فيينا حيث إستبدله بالأسيرين الفرنسيين. في نفس السنة عين الامبراطور مترنيش وزيرا للخارجيه في الثامن من أكتوبر عام 1809 إلا أنه لم يحضر المفاوضات التي جرت بين فرنسا والنمسا بعد هزيمة النمسا في الحرب والتي فرضت فيها فرنسا عقوبات قاسيه على النمسا حسب ما جاء في اتفاقية شونبرون والتي وقعت بفيينا في 14 أكتوبر 1809.[2]

مترنيش وزيرا للخارجية[عدل]

عمل مترنيش وزيرا لخارجية الامبراطورية النمسوية في الفترة من عام 1809 وحتى العام 1848. وعلى مدى الأربعين عاما التي قضاها في هذا المنصب كان مدركا تماما للمخاطر التي واجهتها النمسا خصوصا بعد أن تغير وضعها وفقدت مركزها كقوة أوروبية عظمى في أعقاب الهزيمه من نابليون وتوقيع اتفاقية شونبرون. توصل مترنيش إلى قناعة مفاداها أن أمن الامبراطورية النمسوية (أو بالأحرى ما تبقى منها) يعتمد بالدرجة الأولى على منع حدوث تقارب بين روسيا وفرنسا. وعلى الرغم من تعامله مع الدولتين كعدوتين محتملتين للنمسا إلا أنه كان معجبا بفرنسا بصورة خاصه، لذلك فقد رحب بطلب نابليون ليد الأرشيدوقه مارى لويز ابنة الامبراطور فرانز الأول وسافر معها في موكب الزفاف الامبراطورى إلى باريس في 13 مارس 1810. وعلى الرغم من أن المكاسب التي تحققت للنمسا من وراء هذا الزواج كانت متواضعه ألا أن مترنيش حقق مكسبا مهما من نابليون الذي سمح للنمسا بحرية الحركة سياسيا على الساحة الأوروبية. عاد مترنيش بعد ذلك إلى فيينا في الوقت المناسب لكى يحول دون عقد تحالف بين النمسا وروسيا كان أنصار روسيا في البلاط النمسوى يعملون على إقناع الامبراطور به. كان مترنيش مؤمنا أنه إذا ما حافظ على مسافة متساويه من كلا من روسيا وفرنسا فإن ذلك سوف يمنحه قدرا كافيا من حرية الحركة والمناورة للحفاظ على المصالح النمسوية.

مع تصاعد العداء بين فرنسا وروسيا خلال الشهور التي سبقت غزو نابليون لروسيا في 1812، باتت سياسة مترنيش المعتمده على المحافظة على نوعا من الحياد بالنسبة للقوتين المتصارعتين شبه مستحيله إلا أنه ومع ذلك حاول الاستمرار في نفس السياسة حتى وقت اندلاع الحرب. فعلى الرغم من عقده لاتفاق تحالف مع نابليون وعده فيه بالمساعدة في 14 مارس 1812، فأنه سرعان ما أرسل تطمينات سرية لروسيا بأن القوات الامبراطورية النمسويه ستبقى محايده خلال الحرب وستدافع فقط عن أراضى الامبراطورية. لمح مترنيش لروسيا أيضا بإمكانية عقد تحالف معها في المستقبل.

بعد ما أصبحت هزيمة نابليون مؤكده إثر النتائج الكارثية لحملته على روسيا، تشجع مترنيش وأعلن نقض اتفاقه مع فرنسا والتزام النمسا بالحياد الذي كان يأمل من وراءه أن يؤهل النمسا للعب دور الحكم بين فرنسا وروسيا عقب انتهاء القتال. أثارت هذه السياسات غضب نابليون الذي أنهى لقاء له مع مترنيش في يونيو 1812 قائلا "سوف نتقابل في فيينا". كان هذا بمثابة إعلان للحرب على النمسا التي باتت، مثل روسيا، عدوا لفرنسا. بعدها سارع مترنيش في الانضمام إلى ما عرف بالتحالف السادس والذي ضم كل من بريطانيا وروسيا والسويد وبروسيا والبرتغال بالإضافة للنمسا وتمكن هذا التحالف في النهاية من هزيمة نابليون وإنهاء حقبة الحروب النابليونيه. خلال السنوات التي أعقبت الحرب تركزت جهود مترنيش حول المحافظة على توازن القوى في أوروبا بحيث لا يميل إلى مصلحة أى من دول التحالف خصوصا روسيا وبروسيا. ترسخ هذا المبدأ كركيزة أساسية للنظام السياسي الأوروبى طوال القرن التاسع عشر.

مؤتمر فيينا[عدل]

مؤتمر فيينا للفنان جان بابتيست إزابى, 1819.

لمع اسم مترنيش، الذي كان لايزال شابا، في الفترة التي أعقبت هزيمة نابليون. في أكتوبر من العام 1813 أنعم عليه بلقب أمير ثم تبعه لقب كونت. عند توقيعه لمعاهدة باريس في 1814 أتبع مترنيش توقيعه بلقب "وزير خارجية النمسا". عاد بعد ذلك لفيينا ليشرف على التحضير لمؤتمر فيينا الذي بدأ انعقاده في أكتوبر 1814 واستمر منعقدا لمدة عام.

كان الهدف المعلن للمؤتمر هو التوصل إلى اتفاق للسلام مع فرنسا وما يتبعه من إحلال السلام في أوروبا لكن كان الهدف الحقيقى للاجتماع هو إعادة رسم الخريطه السياسية لأوروبا لإرجاعها للوضع القائم قبيل اندلاع الثورة الفرنسية بما يضمن إرضاء قوى التحالف المقدس المنتصره في الحرب وبما يضمن كذلك حماية تلك الامبراطوريات والممالك من انتشار أفكار الحرية والديمقراطية التي روجت لها الثورة الفرنسية.

كان المؤتمر فرصة فريدة للأمير مترنيش لكى يؤثر أكبر تأثير على مجريات السياسة الأوروبية بما يؤمن مصالح النمسا، وقد أحسن هو استغلال تلك الفرصة. وبفضل تميزه في الخطابه وكذلك أسلوبه المنمق وذكائه الشديد في معالجة كافة المشاكل المطروحة على المؤتمرين، حاز مترنيش على إعجاب جميع الحاضرين بما في ذلك ممثل فرنسا تاليراند. نجح المؤتمر في تحقيق أهدافه أو بالأحرى أهداف مترنيش الذي تمكن من التوصل لتسويات للمشاكل المتعلقة بكل من بروسيا وبولندا وإيطاليا والأراضى المنخفضه النمسويه (بلجيكا الحالية) وهولندا. إلا أن أعظم اهدافه التي تحققت كان نجاحه في تحقيق توازن دقيق بين القوى الأوروبية الرئيسية روسيا وبروسيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا. خرج مترنيش من المؤتمر مقتنعا بأنه وقد وضع أساسا راسخا لقيام سلام دائم في أوروبا.[3]

عهد مترنيش[عدل]

تربع مترنيش على قمة السياسة الأوروبية طوال الثلاثين عاما التي تلت انعقاد مؤتمر فيينا حتى أن المؤرخين قد أطلقوا على الفترة من 1815 وحتى 1848 اسم "عهد مترنيش" والذي قضى هذه الفترة منهمكا في تدعيم النظام القائم الذي كان هو المصمم الرئيس لدعائمه. كان الهدف الأساسي لسياساته هو استغلال النظام المتفق عليه في مؤتمر فيينا والذي اقتضى تعاون الدول الموقعة عليه في مواجهة أى ثورات قد تقوم بإحدى دول الاتفاق. نجح نظام مترنيش في قمع العديد من الثورات التي إندلعت بألمانيا وإيطاليا وهولندا والمجر والامبراطورية النمسوية خلال العشرينيات والثلاثينات من القرن التاسع عشر. مثلت تلك الفترة قمة عصر الاستبداد وقمع الحريات في عهد مترنيش. على الرغم من ذلك حاول مترنيش أن يقترح بعض الإصلاحات داخل الامبراطورية النمسوية بما في ذلك إنشاء برلمان تكون كل عرقيات الامبراطورية ممثلة فيه. قوبلت هذه الأفكار بالرفض من جانب الامبراطور فرانز الثاني الذي يراه بعض المؤرخين الراعى الحقيقي للسياسات الرجعية التي إتبعتها الامبراطورية النمسوية في تلك الفترة والتي ساهمت إلى حد كبير في قيام ثورة 1848.[4]

نهاية عهد مترنيش[عدل]

أدى اندلاع ثورة 1848 في كل أنحاء أوروبا تقريبا إلى العديد من التغيرات في الملكيات القديمة والتي وإن احتفظت بعروشها إضطرت إلى تقديم تنازلات لشعوبها لتحجيم خطر الثورة. وفى فيينا احتشد ألاف المتظاهرين أمام مقر الحكومة الامبراطورية مطالبين بعزل الإمبراطور وعزل المستشار مترنيش. وفعلا تنازل الإمبراطور فرديناند الأول عن عرشه وإضطر مترنيش عندها إلى الهرب من فيينا متخفيا حرصا على سلامته.[5] وفى 13 مارس 1848 أعلن الامبراطور الجديد فرانز جوزيف قبول استقالة المستشار مترنيش الذي اختار بريطانيا كمنفى إختيارى له وانتقل إليها مع عائلته حيث عاش بين بريستول ولندن معتزلا الحياة السياسية حتى أكتوبر 1849. انتقل بعد ذلك إلى بلجيكا وعاش بها حتى خريف عام 1851 حين عاد في سبتمبرإلى فيينا بعد غياب دام أكثر من ثلاث سنوات. ظل مترنيش بفيينا حتى وفاته يوم 11 يونيو عام 1859.

المصادر[عدل]

  1. ^ مترنيش الموسوعة المعرفية الشاملة
  2. ^ Edward M Burns, Western Civilizations, Eighth Edition, W. W. Norton & Company, New York, 1973
  3. ^ A. J. May, The Age of Metternich, Holt, Rinehart & Winston, New York, 1933
  4. ^ A. J. P. Taylor, The Habsburg Monarchy 1809-1918, Hamish Hamilton، London, 1948
  5. ^ Edmond Taylor, The Fall of The Dynasties, Doubleday & Company, New York, 1963