انتواع

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

الانتواع (بالإنكليزية: Speciation) هو عملية تطورية تظهر بواسطتها أنواع جديدة من المخلوقات الحية. كان الأحيائيّ أوراتور فولر كوك (en)‏ هو أول من ابتكر مصطلح "speciation" (الانتواع) للدلالة على تشعب السلالات أو "التفرع الحيوي (en)‏"، بخلاف المصطلح "النشوء المتجدد‏" أو "التطور السلالي" الذي يحدث ضمن السلالات.[1][2] ويُعد تحديد ما إذا كان الانحراف الوراثي عاملًا قويًا أو ضعيفًا في تحريك الانتواع موضوعًا يحيطه الكثير من النقاش المتواصل.

وُضعت أربعة نماذج جغرافية للانتواع في الطبيعة، وهي مبنية على مدى انعزال التجمعات المنتوعة عن بعضها البعض، ألا وهي: الانتواع التبايني والانتواع الخارجي والانتواع المحاذي والانتواع التماثلي. يُمكن أيضًا أن يتحقق الانتواع اصطناعيًا، وذلك من خلال تربية الحيوان، الزراعة، أو التجارب المخبرية. وقد تم تناول أمثلة مُلاحظة على كل نوع من أنواع الانتواع المذكورة آنفًا.[3]

الانتواع الطبيعي[عدل]

لقد حدثت كل آليات الانتواع الطبيعي خلال مسار التطور. لكن يبقى الجدال حول مدى أهمية كل من الآليات في تحريك التنوع الحيوي.[4]

إنَّ واحدًا من الأمثلة على الانتواع الطبيعي هو شائك الظهر ذو الشوكات الثلاث‏، وهو سمك بحري مرَّ بالانتواع بعد العصر الجليدي الآخير وأصبح سمك مياه عذبة يعيش في نهيرات وبحيرات معزولة. وخلال ما يقدر بنحو عشرة آلاف جيل، كانت تُظهر شائكات الظهر اختلافات هيكلية تفوق الإختلافات الملاحظة بين أجناس الأسماك المختلفة. وتتضمن هذه الإختلافات: التنوعات في الزعانف، تغير عدد أو لون الصفائح العظمية (en)‏، مبانى الفك المختلفة، وتباين الألوان.[5]

معدل الانتواع[عدل]

هناك جدال حول المعدل الذي تحدث به الانتواعات على مر الزمن الجيولوجي (en)‏. فبينما يدعي بعض الأحيائيون التطوريون أنَّ أحداث الانتواع تبقى نسبيًا ثابتة على مر الزمن، هناك علماء إحاثيون، مثل نايلز إلدردج وستيفن جاي غولد، زعموا أنَّ الأنواع عادةً تبقى دون أن تتغير لفترات مديدة من الزمن، وإنَّ الانتواع يحدث فقط لفترات قصيرة نسبيًا. وجهة النظر هذه يطلق عليها التوازن المنقطع (en)‏.

الانتواع التبايني[عدل]

في الانتواع التبايني (أو الألوباتري، بحيث في الإغريقية "ألو" تدل على الاختلاف، و"باتري" على الوطن) (بالإنكليزية: allopatric speciation) ينقسم التجمع لتجمعين منعزلين جغرافيًا (وقد يحدث ذلك، على سبيل المثال، بفعل تجزؤ الموطن بسبب التغيرات الجغرافية كنشوء الجبال). ومن ثم يتباعد هذان التجمعان المنعزلان من حيث النمط الجيني و/أو الظاهري، وذلك يحدث من خلال: (أ) تعرضهما لضغوط اصطفائية مختلفة. (ب) مرورهما بالانحراف الجيني بشكل مستقل عن بعضهما البعض. (ت) حدوث طفرات مختلفة في كل من التجمعين. وعندما يتواصل التجمعان مجددًا فيما بعد، فإنهما يكونان منعزلين تكاثريا بسبب تطورهما وليس بمقدورهما تبادل الجينات بعد الآن.

أمثلة لوحظت[عدل]

عندما يكون حجم التجمع صغيرًا (en)‏ كما في الوراثيات الجزيرية، تميل تجميعات الجينات الصغيرة المنعزلة لأن تنتج سمات جديدة، وقد لوحظ حدوث ذلك في ظروف كثيرة، بما فيها القزامة الجزيرية (en)‏ والتغيرات الجذرية التي تحدث في سلسلات جزر عديدة، مثل جزيرة كومودو. وجزر غالاباغوس هي مشهورة بالذات لتأثيرها الكبير على تشارلز داروين.فأثناء مكوثه خمسة أسابيع هناك في الرحلة الثانية لبيغل (en)‏، سمع بأنه يمكن التعرف على سلاحف غالاباغوس‏ المختلفة حسب الجزيرة التي تعيش فيها، وقد لاحظ أنَّ الشرشوريات تتباين من جزيرة لأخرى. لكنه لم يفكر بأنَّ هذه الحقائق تُظهر أن الأنواع قابلة للتغير إلا بعد تسعة أشهر. وعندما عاد لإنجلترا، تعمقت نظريته عن التطور بعد أن أبلغه خبراء بأنَّ هذه كانت أنواع منفصلة، وليست مجرد أشكال مختلفة، وأنَّ طيور غالاباغوس المختلفة كانت أنواعًا متعددة من الشرشوريات. وفد أظهرت أبحاث حديثة أكثر أنَّ هذه الطيور، التي تعرف الآن بشراشير داروين (en)‏، تعد مثالا كلاسيكيًا على التشعب التطوري التكيفي.[6][7]

الانتواع الخارجي[عدل]

الانتواع الخارجي أو البيريباتري (بالإنكليزية: peripatric speciation) ("بيري" تدل على الخارج أو المحيط)، هو نوع من الانتواع التبايني. فيه تنشأ أنواع جديدة في تجمعات صغيرة خارجية ومنعزلة لدرجة تمنع أو تعيق تبادل الجينات مع التجمع الرئيسي الذي انعزلت عنه خارجًا. فتكون نطاقات هذه التجمعات قريبة لكنها لا تتداخل، والتجمع المنعزل يكون أصغر من التجمع الرئيسي. هذا الانتواع يمت بصلة مع مفهوم تأثير المؤسس، إذ غالبًا ما تكون التجمعات الصغيرة معرضة لظاهرة عنق الزجاجة. وكثيرًا ما يُقترح أن الإنحراف الجيني يلعب دورًا هاما في الانتواع الخارجي.

أمثلة لوحظت[عدل]

الانتواع المحاذي[عدل]

الانتواع المحاذي أو الباراباتري (بالإنكليزية: parapatric speciation) ("بَرا" تعني بالإغريقية بجانب أو بقرب)، فيه يكون الإنعزال الجغرافي بين مناطق التجمعين المتباعدين جزئيا فقط. فهذه المناطق لا تتداخل بشكل كبير لكنها تكون متحاذية (قد تكون هناك منطقة اشتباك ضيقة). فبإمكان الأفراد من كل من التجمعين التلاقي من حين لآخر، ولكن الاصطفاء الطبيعي يحابي السلوكيات أو الآليات التي تمنع التزاوج بينها بسبب تضاؤل صلاحية التماثل الزيجوتي‏. بعبارة أخرى: العازل بين التجمعين هو تكاثري أكثر مما هو جغرافي. فالانتواع المحاذي يقوم على التغيرات المتواصلة التي تحدث في بيئة متواصلة يمثل مصدرا للضغط الإصطفائي ولا يقوم على تأثيرات إنعزال المواطن الناتجة في الانتواعين التبايني والخارجي.

يشير علماء البيئة إلى الانتواع الخارجي والانتواع المحاذي من حيث المواقع البيئية. فالموقع البيئي يُعد ضرورة كي يكون النوع الجديد ناجحًا.

أمثلة لوحظت[عدل]

الانتواع التماثلي[عدل]

الانتواع التماثلي أو السمبتري (بالإنكليزية: Sympatric speciation) ("سِم" تعني نفس، أو مثل) يشير إلى تشكل نوعين سليلين أو أكثر من نوع سلفي واحد دون وجود حواجز جغرافية بينهم، أي أنهم يحتلون نفس المكان الجغرافي. فالنطاقات تتداخل أو تكون متطابقة.

في هذا الانتواع، تتشعب الأنواع بينما تعيش في نفس المكان. من الأمثلة التي غالبًا ما يستشهد بها على ذلك هي عندما تتخذ الحشرات أنواعًا مختلفة من النباتات المضيفة بنفس المنطقة. فعندها الحشرات المتباينة من حيث المضيف الذي تعتمد عليه تصبح متخصصة أكثر وتتباعد أثناء محاولاتها للتغلب على الآليات الدفاعية للنباتات.[9][10][11] إلا أنَّ حقيقة وجود الانتواع التماثلي كآلية للانتواع ما زالت تشهد جدالًا شديدًا.[12] العملية هي ممكنة نظريًا، لكن مدى انتشارها في الطبيعة ما زال غير معروف.[13] فهناك علماء زعموا أنَّ الأدلة على الانتواع السمبتري هي في الحقيقة أمثلة لانتواع تبايني على نطاق أصغر أو لنوع آخر من الانتواع يسمى الانتواع المغاير (en)‏.[14]

الانتواع التماثلي الذي تحركه العوامل البيئية قد يفسر التنوع الهائل الموجود لدى القشريات التي تعيش في أعماق بحيرة بايكال.

الانتواع الصناعي[عدل]

لقد تم إنتاج أنواع جديدة من المخلوقات الحية من خلال تربية الحيوانات الداجنة، لكن طرق إنشاء مثل هذه الأنواع وتواريخها لا تزال غير واضحة. فمثلًا تم انتواع الخراف الداجنة عن طريق التهجين، والآن لم تعد قادرة على إنتاج نسل خصب وقادر على النجاة عند تزاوجها مع الأروية، وهو أحد الأنواع التي انحدرت منها.[15] ولكن من جهة أخرى يمكن أن تُعدّ الماشية الداجنة أنها تابعة لنفس الأنواع التي تنتمي إليها الأشكال المختلفة من الثيران (en)‏، الغاور (en)‏، والقطاس، بما أنها تنتج نسلًا خصبًا عند التزاوج معهم.[16]

أكثر الانتواعات الصناعية المخبرية الموثقة جرت في أواخر الثمانينيات. لقد قام وليام رايس وجورج سولت بتربية عددٍ من ذبابات الفاكهة، مستعملين متاهة بها ثلاثة مواطن مختلفة، وهي تتباين في أمور مثل الرطوبة والجفاف، والظلام والضوء. وكل جيل جديد كان يُوضع في هذه المتاهة. وبعد خروج مجموعات الذباب من المخارج الثمانية للمتاهة، كانا يضعان كل مجموعتين من الذباب معًا بمعزل عن البقية حتى تتزاوجا معًا. وبعد 35 جيل، انعزلت كل مجموعتان من بين المجموعات الستة عن البقية بسبب تفضيلهما لظروف مسكن مُحددة: فقد تزاوجوا فقط ضمن الأماكن التي يُفضلونها، ولذا فلم يَتزاوجوا مع الذباب الذي يُفضل أماكنًا أخرى.[17] وتم وصف التواريخ لمثل هذه المحاولات في رايس وهوسترت (Rice and Hostert 1993) [18]

وتمكن ديان دود أيضًا من إظهار كيف يمكن أن يتطور انعزال تكاثري من جراء التفضيلات التزاوجية لذباب الفاكهة، وذلك بعد ثمانية أجيال فقط من فصل مجموعتين من حيث نوع الغذاء: النشا والملتوز.[19]


كان من السهل على الآخرين تكرار تجربة دود وتطبيقها باستعمال أنواع مختلفة من الطعام وأنواع مختلفة من ذباب الفاكهة.[20] وقد أظهر بحث عام 2005 أنَّ تطور الانعزال التكاثري السريع هذا قد يكون في الحقيقة أحد آثار الالتهاب الناجم عن البكتيريا الولبخية (en)‏.[21]

وراثيات[عدل]

انتواع تهجيني[عدل]

لمزيد من المعلومات، طالع انتواع تهجيني.

تهجين أفراد تابعين لنوعين مختلفين عادةً ينتج عنه أنماط ظاهرية جديدة ومتمايزة. وقد تكون هذه الأنماط الظاهرية ذات صلاحية أكبر من تلك لدى السلالة الأبوية، وبالتالي قد يحابي الاصطفاء الطبيعي هؤلاء الأفراد الهجناء. وفي نهاية المطاف، بحال تطور انعزال تكاثري، قد يؤدي الأمر لنشوء أنواع جديدة. إلا أنَّه يصعب تحقيق الانعزال التكاثري بين الهجناء ووالديهم، ولذلك يعد الانتواع التهجيني حدثًا نادرًا جدًا. البطة البرية المريانية (en)‏ تعرف بأنها نشأت عن الانتواع التهجيني.

انتواع الإنسان[عدل]

هنالك تشابهات جينية بين الإنسان والشمبانزي وبين الإنسان والبونوبو، الأقارب الأقربين إلى الإنسان،[22] الأمر الذي يشير إلى تشارك بالأسلاف. وتحليلات للإنحراف الجيني والتأشيب الجيني باستعمال نموذج ماركوف تدل على أنَّ الإنسان والشمبانزي قد انتوعا متباعدين قبل 4.1 مليون سنة.[23]

أنظر أيضا[عدل]

المراجع[عدل]

  1. ^ Cook, O. F. 1906. Factors of species-formation. Science 23:506-507.
  2. ^ Cook, O. F. 1908. Evolution without isolation. American Naturalist 42:727-731.
  3. ^ Observed Instances of Speciation by Joseph Boxhorn. Retrieved 8 June 2009.
  4. ^ J.M. Baker (2005). "Adaptive speciation: The role of natural selection in mechanisms of geographic and non-geographic speciation". Studies in History and Philosophy of Biological and Biomedical Sciences 36 (2): 303–326. doi:10.1016/j.shpsc.2005.03.005. PMID 19260194. 
  5. ^ Kingsley, D.M. (January 2009) "From Atoms to Traits," Scientific American, p. 57
  6. ^ Frank J. Sulloway (1982). "The Beagle collections of Darwin's finches (Geospizinae)". Bulletin of the British Museum (Natural History) Zoology Series 43 (2): 49–58.  available online
  7. ^ Grant, P. R., and Grant, B. R. (2009), "The secondary contact phase of allopatric speciation in Darwin's finches", Proceedings of the National Academy of Sciences (Proceedings of the National Academy of Sciences) 106 
  8. ^ Mayr، Ernst (1992). "Speciational Evolution or Puntuated Equilibrium" (PDF). Stephen jay Gould Archive. 
  9. ^ Feder JL, Xie X, Rull J, Velez S, Forbes A, Leung B, Dambroski H, Filchak KE, Aluja M (3 May 2005). "Mayr, Dobzhansky, and Bush and the complexities of sympatric speciation in Rhagoletis". Proc Natl Acad Sci U S A 102 (Suppl 1): 6573–6580. doi:10.1073/pnas.0502099102. PMID 15851672. 
  10. ^ Berlocher SH, Feder JL (2002). "Sympatric speciation in phytophagous insects: moving beyond controversy?". Annu Rev Entomol. 47: 773–815. doi:10.1146/annurev.ento.47.091201.145312. PMID 11729091. 
  11. ^ Begon, Townsend, Harper: Ecology - From individuals to ecosystems, 4th ed., p.10
  12. ^ Elmer KR, Meyer A. Sympatric speciation without borders?, Mol Ecol. 2010 May;19(10):1991-3.
  13. ^ Linnen CR, Farrell BD. (2010). "A test of the sympatric host race formation hypothesis in Neodiprion (Hymenoptera: Diprionidae)". Proc Biol Sci. 277 (1697). doi:10.1098/rspb.2010.0577. PMID 20504811. 
  14. ^ Wolinsky H. The puzzle of sympatry. Recent evidence supports the notion of sympatric speciation--the rise of new species in the same location--but the reasons for this phenomenon remain elusive., EMBO Rep. 2010 Nov;11(11):830-3.
  15. ^ Hiendleder، S.؛ Kaupe، B.؛ Wassmuth، R.؛ Janke، A. (2002). "et al. (2002) "Molecular analysis of wild and domestic sheep questions current nomenclature and provides evidence for domestication from two different subspecies". Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences 269: 893–904. doi:10.1098/rspb.2002.1975. 
  16. ^ Nowak, R. (1999) Walker's Mammals of the World 6th ed. (Baltimore: Johns Hopkins University Press)
  17. ^ Rice, W.R. and G.W. Salt (1988). "Speciation via disruptive selection on habitat preference: experimental evidence". The American Naturalist 131: 911–917. doi:10.1086/284831. 
  18. ^ W.R. Rice and E.E. Hostert (1993). "Laboratory experiments on speciation: What have we learned in forty years?". Evolution 47 (6): 1637–1653. doi:10.2307/2410209. 
  19. ^ Dodd، D.M.B. (1989). "Reproductive isolation as a consequence of adaptive divergence in Drosophila pseudoobscura". Evolution 43 (6): 1308–1311. doi:10.2307/2409365. 
  20. ^ Kirkpatrick, M. and V. Ravigné (2002) "Speciation by Natural and Sexual Selection: Models and Experiments" The American Naturalist 159:S22–S35 DOI
  21. ^ Koukou K, Pavlikaki H, Kilias G, Werren JH, Bourtzis K, Alahiotis SN (January 2006). "Influence of antibiotic treatment and Wolbachia curing on sexual isolation among Drosophila melanogaster cage populations". Evolution 60 (1): 87–96. PMID 16568634. 
  22. ^ "The bonobo genome compared with the chimpanzee and human genomes.". Nature 486 (7404). 2012.  Text "pages:527-31" ignored (help)
  23. ^ Hobolth A, Christensen OF, Mailund T, Schierup MH (2007). "Genomic Relationships and Speciation Times of Human, Chimpanzee, and Gorilla Inferred from a Coalescent Hidden Markov Model". PLoS Genet 3 (2): e7. doi:10.1371/journal.pgen.0030007.