علم اجتماع الثقافة

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

يهتم علم اجتماع الثقافة وعلم الاجتماع الثقافي المتصل به بالتحليل المنهجي للثقافة، والذي يُفهم عادةً على أنه مجموعة الرموز الرمزية المستخدمة من قبل أحد أفراد مجتمع ما، لأنها موجودة وظاهرة في هذا المجتمع. مفهوم الثقافة عند جورج سيميل هو تهذيب الأفراد من خلال فعالية النماذج الخارجية التي اصبحت عامة وموضوعية عبر التاريخ. يجري تحليل الثقافة في التخصص الاجتماعي على أنها طرق التفكير والوصف، والفعل، والأشياء المادية التي تشكل معًا طريقة حياة مجموعة ما من الناس.

غالبًا ما تُقسم مقاربات علماء الاجتماع المعاصرين للثقافة بين علم اجتماع الثقافة أو علم الاجتماع الثقافي؛ إذ تتشابه مصطلحاتهما، ولكنها غير قابلة للاستبدال[1] بمصطلحات من خارج الحقل الذي أنتجها. يعد علم اجتماع الثقافة مفهومًا أقدم، ويصنف بعض الموضوعات والأشياء على أنها ثقافية بشكل أكثر أو أقل من غيرها. وعلى النقيض من ذلك، قدم جيفري تشارلز ألكسندر مصطلح علم الاجتماع الثقافي، وهو مقاربة تعتبر جميع الظواهر الاجتماعية أو معظمها ثقافيًا بطبيعته بشكل ما.[2] فمثلًا، يجادل ألكسندر، وهو مؤيد بارز للبرنامج القوي في علم الاجتماع الثقافي، بأن: «الإيمان في إمكانية علم الاجتماع الثقافي هو أن تعتنق فكرة أن كل فعل -بغض النظر عن غايته، أو إذا كان رد فعل لحدث ما، أو كونه مجبرًا بسبب الظروف الخارجية- هو جزء مترسخ في أفق التأثير والمعنى». غالبًا ما يحاول علم اجتماع الثقافة من ناحية التحليل شرح بعض الظواهر الثقافية المنفصلة كناتج للعمليات الاجتماعية، في حين يرى علم الاجتماع الثقافي الثقافةَ مكونًا يدخل في تفسير الظواهر الاجتماعية.[3] لا يختزل علم الاجتماع الثقافي جميع المسائل الإنسانية في معضلة الترميز والترجمة الثقافية، على عكس مجال الدراسات الثقافية. فنجد مثلًا في مقاربة بيير بورديو لعلم الاجتماع الثقافي «اعترافًا واضحًا بالفئات الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها فئات مرتبطة ببعضها، ولكن لا يمكن اختزالها في الثقافة».[4][5]

التطور[عدل]

ظهر علم الاجتماع الثقافي لأول مرة في فايمار بألمانيا، حيث استخدم بعض علماء الاجتماع مثل ألفريد ويبر مصطلح كولتورسوزيولوجي Kultursoziologie (علم الاجتماع الثقافي). ثم أُعيد اكتشاف علم الاجتماع الثقافي في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية كناتج للتحول الثقافي في ستينيات القرن العشرين، والذي بشر بنهجَي البنيوية وما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية. قد يُنظر إلى هذا النوع من علم الاجتماع الثقافي على أنه نهج يحتوي على التحليل الثقافي والنظرية النقدية. مال علماء الاجتماع إلى استخدام الأساليب النوعية والمناهج التأويلية للبحث في بداية التحول الثقافي، مع التركيز على المعاني والكلمات والأدوات والرموز. أصبحت الثقافة منذ ذلك الحين مفهومًا مهمًا في العديد من فروع علم الاجتماع، متضمنة أيضًا المجالات الفرعية: التاريخية النوعية والقائمة على نموذج، مثل التدرج الاجتماعي وتحليل الشبكات الاجتماعية.

الباحثون الأوائل[عدل]

نضج علم اجتماع الثقافة نتيجة للتقاطع بين علم الاجتماع -كما شكّله المنظرون الأوائل مثل ماركس، ودوركهايم، وفيبر- والأنثروبولوجيا حيث ابتكر الباحثون الاستراتيجيات الإثنوغرافية لوصف وتحليل مجموع الثقافات المتنوعة حول العالم. ما يزال جزء من ميراث التطور المبكر لهذا المجالس محسوسًا في الأساليب (أغلب البحوث الاجتماعية الثقافية نوعية) وفي النظريات (تعد بعض المناهج النقدية المتنوعة لعلم الاجتماع عنصرًا أساسيًا لمجتمعات البحوث الحالية) والتركيز الحقيقي للمجال، فمثلًا، كانت العلاقات بين الثقافة الشعبية والسيطرة السياسية والطبقة الاجتماعية اهتمامات مبكرة ودائمة في هذا المجال.

كارل ماركس[عدل]

جادل ماركس بصفته مساهمًا رئيسيًا في نظرية الصراع بأن الثقافة عملت دائمًا على تبرير عدم المساواة. تنتج الطبقة الحاكمة، أو البرجوازية، ثقافة تعزز مصالحها بينما تقمع مصالح البروليتاريا. جملته الأكثر شهرة في هذا الصدد هي أن «الدين هو أفيون الشعوب». اعتقد ماركس أن محرك التاريخ كان الصراع بين مجموعات من الأشخاص ذوي المصالح الاقتصادية المختلفة، وبالتالي حدد الاقتصاد البنية الهرمية الثقافية للقيم والأيديولوجيات. ولهذا يُعتبر ماركس ماديًا، إذ اعتقد أن الاقتصاد (المادة) ينتج الثقافة (المثالية)، وهذا يُعتبر مقلوب هيجل الذي جادل بأن المثل هي التي أنتجت المادة.[6]

إميل دوركايم[عدل]

اعتقد دوركايم أن الثقافة لها العديد من العلاقات مع المجتمع، وتشمل:

  • المنطقية؛ تنتمي القوة على الأفراد إلى فئات ومعتقدات ثقافية معينة مثل الإله.
  • الوظيفية؛ تخلق بعض الطقوس والأساطير وتبني النظام الاجتماعي من خلال جعل المزيد من الناس يخلقون معتقدات قوية. كلما زاد عدد الأشخاص الذين يؤمنون بشدة بهذه الأساطير، يتعزّز النظام الاجتماعي.
  • التاريخية؛ تعود أصول الثقافة إلى المجتمع، ومن هذه التجارب حدث التطور إلى أشياء مثل أنظمة التصنيف.

ماكس فيبر[عدل]

ابتكر فيبر فكرة الوضع الاجتماعي كنوع معين من الثقافة الفرعية. تعتمد الأوضاع الاجتماعية على أشياء مثل: العرق، أو الإثنية، أو الدين، أو المكان، أو المهنة، أو الجنس، أو التفضيل الجنسي، وما إلى ذلك. تعيش هذه المجموعات نمطًا معينًا من الحياة وفقًا لقيم وقواعد مختلفة. إنها ثقافة داخل الثقافة، ومن هنا جاءت تسمية الثقافة الفرعية. ادعى فيبر فكرة أن الناس مدفوعون بمصالحهم المادية والمثالية، والتي تشمل أشياء مثل الخوف من الذهاب إلى الجحيم. يوضح فيبر أيضًا أن الناس يستخدمون الرموز للتعبير عن روحانيتهم، وأن الرموز تُستخدم للتعبير عن الجانب الروحاني للأحداث الحقيقية، وأن الاهتمامات المثالية مستمدة من الرموز.

جورج سيميل[عدل]

تشير الثقافة عند سيمل إلى «تهذيب الأفراد من خلال فعالية النماذج الخارجية التي جُعلت موضوعية عبر التاريخ».[7] قدم سيميل تحليلاته في سياق «النموذج» و«المحتوى». يمكن الاطلاع على المفهوم الاجتماعي وتحليله.

عناصر الثقافة[عدل]

رغم عدم وجود ثقافتين متشابهتين بشكل كامل، فهناك خصائص مشتركة تجمعها كلها.[8]

تحتوي الثقافة على:

  1. التنظيم الاجتماعي: يحدث من خلال تنظيم أعضائه إلى أعداد أقل لتلبية الاحتياجات المحددة للثقافات. تُصنف الطبقات الاجتماعية حسب الأهمية (الحالة) بناءً على القيم الأساسية للثقافات. على سبيل المثال: المال، الوظيفة، التعليم، الأسرة، إلخ.
  2. العادات والتقاليد: قواعد السلوك التي تطبقها الثقافات حول ماهية الصواب والخطأ، مثل العادات والتقاليد والقواعد أو القوانين المكتوبة.
  3. الرموز: أي شيء يحمل معنى خاصًا يعترف به الأشخاص الذين يتشاركون بنفس الثقافة.
  4. القواعد: القواعد والتوقعات التي يوجه بها المجتمع سلوك أعضائه. هناك نوعان من المعايير هما الأعراف والتقاليد الشعبية. الأعراف هي المعايير التي تُلاحَظ على نطاق واسع ولها أهمية أخلاقية كبيرة. التقاليد الشعبية هي قواعد للتفاعل الروتيني العادي.
  5. الدين: يوفر إجابات على معانيها الأساسية للحياة والقيم.
  6. اللغة: نظام من الرموز يسمح للناس بالتواصل مع بعضهم.
  7. الفنون والأدب: منتجات الخيال الإنساني التي تحولت إلى فن، وموسيقى، وأدب، وحكايات، ورقص.
  8. أشكال الحكم: كيفية توزيع الثقافة للسُلطة. الذين يحافظون على النظام داخل المجتمع، والذين يحمونهم من الخطر والذين يلبون احتياجاتهم. يمكن أن تقع في مصطلحات مثل الديمقراطية أو الجمهورية أو الدكتاتورية.
  9. النظم الاقتصادية: ما يجب إنتاجه، وكيفية إنتاجه، ولمن. كيفية استخدام الناس لمواردهم المحدودة لتلبية احتياجاتهم ورغباتهم. يمكن أن تقع في مصطلحات مثل الاقتصاد التقليدي، واقتصاد السوق، واقتصاد التخطيط المركزي، والاقتصاد المختلط.
  10. الأدوات: كيانات مادية مميزة، مثل الهندسة المعمارية والتقنيات والإبداعات الفنية.
  11. المؤسسات الاجتماعية: أنماط التنظيم والعلاقات بخصوص الحوكمة، والإنتاج، والتنشئة الاجتماعية، والتعليم، وخلق المعرفة، والفنون، والعلاقة مع الثقافات الأخرى.

الأنثروبولوجيا[عدل]

الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي هي مجتمع قائم على القيم والأفكار دون تأثير العالم المادي.[9]

«النظام الثقافي هو القالب المعرفي والرمزي لنظام القيم المركزية». -تالكوت بارسونز

إن الثقافة تشبه قشرة السلطعون، والطبيعة البشرية هي الكائن الحي الذي يعيش داخل تلك القشرة، والقشرة -الثقافة- تميز الكائن الحي -الطبيعة البشرية-. الثقافة هي ما يميز الطبيعة البشرية، وهي تساعد على توجيه حياة الطبيعة البشرية.

يطالب علماء الأنثروبولوجيا بالأخذ بالاستخدامات الحديثة لمفهوم الثقافة كما حددها إدوارد بورنيت تايلور في منتصف القرن التاسع عشر.

برونويس مالينوفسكي[عدل]

جمع مالينوفسكي معلومات من جزر تروبرياند. تطالب المجموعات الأصلية في جميع أنحاء الجزيرة بأجزاء من الأرض، ولدعم هذه المطالبات، فإنها تروي أساطير عن كيفية أن أحد جدودها بدأ عشيرة وكيف تنحدر العشيرة من هذا الجد. تتبعت ملاحظات مالينوفسكي البحث الذي أسسه دوركايم.

ألفريد رادكليف براون[عدل]

وضع رادكليف براون نفسه وسط ثقافة سكان جزر أندمان. أظهر بحثه أن التماسك الجماعي بين سكان الجزر يعتمد على الموسيقى وقرابة النسب، والطقوس التي تنطوي على هذه الأنشطة. عبّر رادكليف براون عن رؤيته في جملة: «الطقوس تحصن المجتمع».

مارسيل موس[عدل]

أجرى مارسيل موس العديد من الدراسات المقارنة حول الدين والسحر والقانون والأخلاق في المجتمعات الغربية وغير الغربية، وطور مفهوم الحقيقة الاجتماعية الشاملة، وجادل بأن المعاملة بالمثل هي المنطق العالمي للتفاعل الثقافي.

كلود ليفي ستروس[عدل]

اعتمد ليفي ستروس في نفس الوقت على الوضعية الاجتماعية والأنثروبولوجية لدوركايم وماوس ومالينوفسكي ورادكليف براون، وعلى الماركسية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى علم النفس الفرويدي والغشتالتي، وعلى اللغويات البنيوية لسوسور وجاكوبسون. أجرى ستروس دراسات رائعة عن مجالات الأساطير، والقرابة، والدين، والطقوس، والرمزية، والسحر، والأيديولوجيا (في كتابه الفكر البري)، والمعرفة، والفن، وعلم الجمال، وطبّق البنيوية المنهجية في أبحاثه تلك. بحث ستروس عن المبادئ الكلية للفكر الإنساني كطريقة لشرح السلوكيات والبنى الاجتماعية.

مجالات البحث الرئيسية[عدل]

بُنى نظرية في نظرية بورديو لعلم اجتماع الثقافة[عدل]

استمد نموذج عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في المجتمع والعلاقات الاجتماعية جذورَه من النظريات الماركسية عن الطبقات والصراع. يصف بورديو العلاقات الاجتماعية في سياق ما يسميه الميدان، والذي يُعرف بأنه نظام تنافسي للعلاقات الاجتماعية يعمل وفقًا لمنطقه أو قواعده الخاصة. هذا الميدان هو موقع الصراع على السلطة بين الطبقات المهيمنة والخاضعة. في هذا المجال، تُمنح الشرعية أو تُسحب، وهي جانب رئيسي يدخل في تحديد الطبقة المهيمنة.

تُعتبر نظرية بورديو عن الممارسة عملية أكثر منها خطابية، ولها بنية تكيفية علاوة على الشق الإدراكي الصمودي منها. إن أحد الاهتمامات الصالحة التي تحدد جدول أعمال نظرية بورديو للممارسة هو كيفية اتباع الفعل أنماطًا إحصائية منتظمة دون أن يكون نتاجًا للامتثال للقواعد والعادات و/أو النية الواعية. يشرح بورديو الخلقة والميدان لتفسير هذا الاهتمام، إذ تفسر الخلقة الحقائق النافذة المتبادلة للذاتية الفردية والموضوعية المجتمعية بعد دور البناء الاجتماعي. وهو يُستخدم لتجاوز الانقسام بين الذاتي والموضوعي.

نظرية الثقافة[عدل]

تعتقد نظرية الثقافة التي طُوّرت في الثمانينيات والتسعينيات أن الجمهور يلعب دورًا نشطًا لا سلبيًا في ما يتعلق بوسائل الإعلام. يركز أحد مجالات البحث على الجمهور وكيفية تفاعله مع وسائل الإعلام؛ بينما يركز الجزء الآخر من البحث على من ينتجون الصحافة، وخاصة الأخبار.

شخصيات رئيسية[عدل]

من الشخصيات الرئيسية في علم الاجتماع الثقافي اليوم: جوليا آدامز، وجيفري تشارلز ألكسندر، وجون كارول، ودايان كرين، وبول دي ماجيو، وهينينغ إيتشبرغ، ورون إيرمان، وسارة غاتسون، وأندريس غلايزر، وويندي غريسوولد، وإيفا إيلوز، وكارين نور ستينا، أنيتا لاريو، وستييبان ميشتروفيتش، وفيليب سميث، ومارغريت سومرز، وياسمين سويسال، ودان سبير، لينيت سبيلمان، وآن سويدلر، وَدَيان فوغان، وفيفيانا زيليزر.

مراجع[عدل]

  1. ^ "the sociology of culture versus cultural sociology | orgtheory.net". orgtheory.wordpress.com. مؤرشف من الأصل في 16 أغسطس 2019. اطلع عليه بتاريخ 01 أكتوبر 2014. 
  2. ^ "Sociology of Culture and Cultural Sociology". blog.lib.umn.edu. مؤرشف من الأصل في 05 مايو 2015. اطلع عليه بتاريخ 01 أكتوبر 2014. 
  3. ^ The Meanings of Social Life: A Cultural Sociology By Jeffrey C. Alexander https://books.google.com/books?id=CIA3AwAAQBAJ&lpg=PT10&ots=csNoAH4xzN&dq=%22cultural%20turn%22&lr&pg=PT18#v=onepage&q&f=false
  4. ^ Griswold, W.؛ Carroll, C. (2012). Cultures and Societies in a Changing World. SAGE Publications. ISBN 9781412990547. مؤرشف من الأصل في 3 يناير 2020. 
  5. ^ Rojek, Chris, and Bryan Turner. "Decorative sociology: towards a critique of the cultural turn." The Sociological Review 48.4 (2000): 629-648.
  6. ^ (PDF) https://web.archive.org/web/20160304111321/http://www.nyu.edu/classes/jackson/calhoun.jackson.theory/papers/A--MarxGeneral.pdf. مؤرشف من الأصل (PDF) في 4 مارس 2016.  مفقود أو فارغ |title= (مساعدة)
  7. ^ Levine, Donald (ed) 'Simmel: On individuality and social forms' Chicago University Press, 1971. pxix.
  8. ^ "The Seven Elements of Culture". مؤرشف من الأصل في 15 يونيو 2017. 
  9. ^ Radcliffe-Brown