وثنية صقلبية

يدل مصطلح الوثنية الصقلبية أو الدين الصقلبي على المعتقدات والأساطير والشعائر الدينية للصقالبة قبل عملية تنصير نخبتهم الحاكمة. حدثت عملية التنصير هذه على مراحل متعددة بين القرنين الثامن والثالث عشر: كان الصقالبة الحنوبيون القاطنون في شبه جزيرة البلقان في أوروبا الجنوبية الشرقية، المحاذية للإمبراطورية البيزنطية في الجنوب، في جو تأثير المسيحية الشرقية الأرثوذكسية، بدءًا من اختراع الأبجدية الصقلبية (الغلاغوليتسية أولًا، ثم السيريلية) في 855 بواسطة الأخوين القديسين سيريل وميثوديوس وتبنّي المسيحية في بلغاريا في عام 863 للميلاد. ثم تابع الصقالبة الشرقيون مع تبني فلايديمير عظيم روس الكييفية الرسمي للمسيحية في عام 988.[1][2]
وقع الصقالبة الغربيون تحت تأثير الكنيسة الكاثوليكية الرومانية منذ القرن الثاني عشر، ومضى التنصير يدًا بيد -جزئيًا أو كليًا- مع الجرمنة.[3]
ولكن تنصير الشعب الصقلبي، على أي حال، كان ظاهرة بطيئة وظاهرية -في كثير من الأحوال-، لا سيما في ما أصبح اليوم روسيا. كان التنصير نشطًا في الأجزاء الغربية والوسطى ممّا أصبح اليوم أوكرانيا، إذ كانت أقرب إلى العاصمة كييف، ولكن حتى في تلك الأماكن، تكررت بين كل فترة وفترة لعدة قرون حركات مقاومة شعبية قادها الفولفات ورجال الدين الوثني والشامان.
قاوم الصقالبة الغربيون المسيحية بشدة، حتى فرضتها الحملات الصليبية الشمالية بالقوة عليهم. حدثت بين البولنديين والصقالبة الشرقيين حركات تمرد في القرن الحادي عشر. وكتب المؤرخون المسيحيون أن الصقالبة كانوا يعودون مرة بعد مرة إلى دينهم الأصلي.[4]
أُدخلت عناصر كثيرة من الدين الصقلبي الأهلي رسميًا في المسيحية الصقلبية، وإلى جانب هذا، استمرت عبادة الأسلاف في الدين الشعبي غير الرسمي حتى العصور الحديثة. قادت مقاومة الصقالبة للمسيحية إلى «توليفة غريبة» سُمّيت بكلمات الكنيسة الصقلبية القديمة دفويفري، أي «الدين المزدوج». منذ أوائل القرن العشرين، مضى الدين الشعبي الصقلبي في عملية إعادة خلق وإدماج منظمة في حركة الدين المحلي الصقلبي (رودنوفيري).
نظرة عامة وخصائص مشتركة
[عدل | عدل المصدر]من الباحثين في القرن العشرين الذين سعوا في دراسة الدين الصقلبي القديم: فياخسلاف إيفانوف، وفلاديمير توبوروف، وماريجا غيمبوتاس، وبوريس ريباكوف، ورومان جاكوبسن وآخرون. يلاحَظ ريباكوف لجهده في في إعادة فحص نصوص الكنيسة القروسطية، وتوليف نتائجه مع المعطيات الآثارية وعلم الأساطير المقارن والإثنوغرافيا وشعائر القرن التاسع عشر الشعبية، ولإعطائه واحدة من أشد الصور اتساقًا للدين الصقلبي القديم في كتابه وثنية الصقالبة القدماء وأعمال أخرى. من الباحثين الأقدم الذين عاشوا في القرن التاسع عشر، برنهارد سيفرين إغنمان، وهو معروف في دراسته أصول الأساطير الصقلبية والوندية.[5][6]
من الوثائق التاريخية عن الدين الصقلبي التاريخ الأساسي المكتوب في كييف عام 1111، وتاريخ نوفغورود الأول المكتوب في جمهورية نوفغورود. تحتوي هاتان الوثيقتان تقارير مفصلة عن إبادة الدين الصقلبي الرسمي في كييف ونوفغورود، ونتيجته «الدين المزدوج». يحوي التاريخ الأساسي أيضًا نصوصًا أصلية للرسائل الروسية الإغريقية (المؤرخة في 945 و971) مع عهود محلية سابقة للمسيحية. منذ القرن الحادي عشر وصاعدًا، أُنتجت كتابات روسية كثيرة ضد بقاء الدين الصقلبي، وأُقحمت الآلهة الصقلبية بين ترجمات الأعمال الأدبية الأجنبية مثل تاريخ مالالاس والقصيدة الإسكندرية (قصيدة لاتينية ملحمية).
قاوم الصقالبة الغربيون القاطنون بين فيستولا وإلب بعناد الحملات الصليبية الشمالية، وكُتب تاريخ مقاومتهم في التواريخ اللاتينية لرجال الدين الجرمانيين الثلاث: ثيتمار المرسبرغي وآدم البرمني في القرن الحادي عشر، وهلمولد في الثاني عشر، وفي سِير أوتو البمبرغي في القرن الثاني عشر وفي كتاب غستا دانورم: أعمال الدنمارك لساكسو غراماتيسيوس في القرن الثالث عشر. تقدم هذه الوثائق وبعض الوثائق الجرمانية وملحمة كنيتلنغا الآيسلندية وصفًا دقيقًا للدين الشمالي الغربي الصقلبي.
أما أديان الشعوب الصقلبية الأخرى فهي أقل توثيقًا، لأن الكتابات عن هذا الموضوع كانت متأخرة في الزمان بعد عملية التنصير، مثل التاريخ البولندي في القرن الخامس عشر، وفيها كثير من الاختلاقات. في الأزمنة قبل التنصير، وثق بعض المؤرخين الإغريق والرومان، مثل بروكوبيوس وجوردانز في القرن السادس، بعض المفاهيم والممارسات الصقلبية على نحو خفيف. استمرت الوثنية الصقلبية بأشكال أقل أو أكثر نقاء بين الصقالبة على طول نهر سوكا حتى ثلاثينيات القرن الرابع عشر.[7]
الأصول الهندية الأوروبية وتأثيرات أخرى
[عدل | عدل المصدر]تشهد الوحدة اللغوية والاختلافات اللغوية الضئيلة بين الصقالبة حتى نهاية الألفية الميلادية الأولى، والانتظام في اللغة الدينية، انتظامًا في الدين الصقلبي القديم. وقيل إن جوهر الصقلبية القديمة كان إثنيًا دينيًا لا إثنيًا وطنيًا، أي أن الانتماء إلى الصقالبة كان يتحدد أساسًا بالموافقة على مجموعة من العقائد والشعائر لا بالانحدار من سلف عرقي معين أو الولادة في مكان مخصوص.[7] عرف إيفانوف وتوبوروف الدين الصقلبي بأنه نمو للدين الهندي الأوروبي البدائي، إذ إنه يشابه في أشياء كثيرة نظم الاعتقاد الهندية الأوروبية كنظم البلطيقيين والتراقيين والفريجيين والهنديين الإيرانيين. يُعتبر الدين والأساطير الصقلبية (والبلطيقية) أشد محافظة وأقرب للدين الهندي الأوروبي البدائي -ومن ثم مهمًا لفهم هذا الأخير- من التقاليد الهندية الأوروبية الأخرى، وهذا ناتج عن حقيقة أنه في خلال تاريخ الصقالبة بقي هذا الدين شائعًا بدلًا عن إعادة صياغته تعقيده من قبل النخبة المثقفة كما حصل في الحضارات الدينية الهندية الأوروبية الأخرى.[8][9]
يظهر التقارب مع الدين الهندي الأوروبي البدائي في التطورات المشتركة، منها إنهاء استعمال الكلمة الدالة على إله السماء ديوس، واستخدام الكلمة الدالة على السماء (نيبو في الصقلبية) بدلًا عنها، وتحوّل واصف الآلهة السماوية الهندي الأوروبي (ديفا في الأفستية، و ديف في الصقلبية القديمة، وديوُس في الهندية الأوروبية البدائية، وتعني «سماوي» وهي تشبه ديوس) إلى اسم للكائنات الشريرة، أما اسم الآلهة فكان الاسم الذي يعني «الثروة» و«واهبها» (باغا في الأفستية وبوغ في الصقلبية). تشترك اللغة الصقلبية الدينية في كثير من الكلمات مع الإيرانية، من هذه الكلمات: فيرا (تترجم إلى «الدين»، وهي تعني «إشعاع المعرفة») وسفِت («النور») ومير («السلام»، أو «اتفاق الأجزاء»، وتعني أيضًا «العالم») وراي («الفردوس»).[10][11]
وفقًا لأدريان إيفانكوف، فإن العنصر الهندي الأوروبي في الدين الصقلبي ربما تضمّن ما درسه جورج دوميزيلو وسماه «فرضية ثلاثية الوظيفة»، وهو يعني المفهوم الثلاثي للنظام الاجتماعي، وتمثله الطبقات الاجتماعية الثلاث: الكهنة والمحاربون والمزارعون. وفقًا لغيمبوتاس، فإن الدين الصقلبي مثّل تداخلًا واضحًا بين الأفكار الأبوية الهندية الأوروبية والأفكار الأمومية السابقة للهندية الأوروبية -أو ما يسمى الأوروبية القديمة-. يصعب إنزال هذه الأخيرة في الدين الصقلبي، وتمثلها العبادة الشائعة لـ«مات سيرا زمليا»، «الأرض الأم الرطبة». قال ريبانكوف إن الاستمرارية والتعقّد التدريجي في الدين الصقلبي، الذي بدأ بعبادة القوى الواهبة للحياة والأسلاف والإله المطلق رود (ويعني «الخلق» نفسه) وتطور إلى أساطير عالية للدين الرسمي لروسيا الكييفية المبكرة.[12]
الإله والأرواح
[عدل | عدل المصدر]كما شهد هلمولد (نحو 1120 – 1177) في عمله كرونيكا سلافورم، فإن الصقالبة آمنوا بإله سماوي واحد خلق كل الأرواح الصغرى التي تحكم الطبيعة، وكانوا يعبدونه بوسيلتها. وفقًا لهلمولد، فإن «الآلهة كانت تطيع الوظائف المخصوصة لها، وقد نبعت من دم الإله الأعلى واستمتعت بالتميز لقربها من رب الأرباب (إله الآلهة)». وفقًا لدراسات ريباكوف، فإن رموز العجلات مثل «علامات الرعد» (غروموفي زناك) و«الوردة ذات الست بتلات داخل دائرة» وهي شائعة في الصناعات اليدوية الصقلبية وما زالت تُنحَت على أطراف الأسقف وأواسطها في شمال روسيا في القرن التاسع عشر، لم تكن إلا رموزًا للإله واهب الحياة رود. قبل أن يسمّى هذا الإله الأعلى رود، كان يسمى ديفيوس (قريب من السنسكريتية ديفا، واللاتينية ديوس، والجرمانية العالية القديمة زيو واللتوانية دييفاس). آمن الصقالبة أنه قد نشأ عن هذا الإله زوجية كونية، يمثلها بيلوبوغ («الإله الأبيض») وتشيرنوبوغ («الإله الأسود»، ويسمى تيارنوغلوفي «العقل/الرأس الأسود»)، تمثل أصل كل الآلهة المذكرة السماوية والمؤنثة الأرضية، أو أنوار القمر المتزايدة (بين المولود والبدر) والمتناقصة، على الترتيب. في كلا الفئتين، قد تكون الآلهة رازي «ناصحة» أو زيرنيترا «ساحرة».
كان الصقالبة يرون أن الكون تحييه مجموعة من الأرواح، ويمثّلون هذه الأرواح في أشخاص ويعبدونها. ومن بينها، أرواح المياه (مافكا وروسالكا)، والغابات (ليزوفيك)، والحقول (بوليوفيك)، والبيوت (دوموفيك)، والأمراض، والحظوظ، والأسلاف.[13] ليشي مثلًا هو روح غابة مهم، كانوا يؤمنون أنه يقسم الأكل ويعطي الفرائس للصيادين، ثم صار إله القطعان وما زال معبودًا في هذه الوظيفة حتى أوائل القرن العشرين في روسيا.[10] كان يُنظر إلى العديد من الآلهة على أنهم أقرباء أو أسلاف، وفكرة الأسلافية هذه كانت مهمة جدًا في الدين الصقلبي، وربما كانت تمثل عبادة للأسلاف مع أن الصقالبة لم يحفظوا تسجيلات نَسَبية. عبد الصقالبة أيضًا آلهة النجوم، ومنها القمر (بالروسية: ميسياتس) والشمس (سولنتس)؛ كان الأول يعدّ ذكرًا والأخيرة أنثى. كان إله القمر خصوصًا مهمًا، إذ يعتبر قاسم الأرزاق ومعطي الصحة، وكانوا يعبدونه في رقصات دائرية، وعُدّ في بعض التقاليد رأس سلالة الإنسان. بقي الإيمان بإله القمر حيًا إلى حد كبير في القرن التاسع عشر، وكان مزارعو جبال الكاربات الأوكرانية يقولون علانية إن القمر هو إلههم.[14][13][15][16]
وُجدت استمرارية ظاهرة بين معتقدات الصقالبة الشرقيين والغربيين والجنوبيين. فقد اشتركوا بالآلهة التقليدية نفسها، كما نرى في عبادة زواراسيز بين الصقالبة الغربيين، وهو يكافئ سفاروزيك بين الصقالبة الشرقيين. كانت الآلهة المذكرة اللامعة كلها تعتبر أقانيم أو أشكال السنة ومراحلها، وكانت القوة الإلهية المذكرة تشخَّص في بيرون («الرعد»). يشتق اسمه من الجذر الهندي الأوروبي بير أو بيركو (ويعني «هجوم» أو «شق») وكان الرعد المنشق والشجرة المنشقة (لا سيما السنديان، واسمها اللاتيني كيركوس مشتق من الجذر نفسه) كلاهما يمثلان سطوعًا أو إشعاعًا للقوة. ينشأ عن هذا الجذر أيضًا الكلمة الفيدية بارجانيا والبلطيقية بيركوناس والألبانية بيريندي (تدل الآن على «إله» أو «سماء») والألمانية فيورغن والإغريقية كيراونوس («الصاعقة»، وهو تشكيل إيقاعي من الاسم بيراونوس يُستخدَم كلقب للإله زيوس). أُعيد تشكيل الإله بريغيني في الفلوكلور الشعبي الروسي الحديث باسم بريغينيا أو بيريغينيا (من بريغ وبيريغ، وتعني «الشاطئ») ثم أُعيد تشكيله مرة أخرى على أنه أرواح مائية مؤنثة كانت من قبل أرواح الأشجار والأنهار المتعلقة ببيرون، كما تظهر التواريخ والجذر بير. حافظت التقاليد الصقلبية على عناصر هندية أوروبية قديمة جدًا، واختلطت مع العناصر الموجودة في الشعوب الهندية الأوروبية المجاورة. من الحالات الشارحة شعائر المطر الصقلبية الجنوبية التي ما زالت حية إلى اليوم، وهي شعائر الزوج بيرون-بيربيرونا، سيد الرعد وسيدته، وهي موجودة عند جيرانهم الألبان والإغريق والأرومانيين، يقابله الزوج الجرماني فيورغن-فيورغن Fjörgynn–Fjörgyn، والليتواني بيركوناس-بيركونا، وله تشابهات مع الترانيم الفيدية إلى بارجانيا.
عبد الصقالبة الغربيون، لا سيما البلطيقيون، بشكل بارز سفيتوفيد («رب القوة»)، أما الشرقيون فعبدوا بشكل بارز بيرون نفسه، لا سيما بعد تجديدات فلاديمير في سبعينيات القرن العاشر وثمانينياته. كان يُعتقد أن الأرواح المختلفة تتجلى في أماكن مخصوصة اعتُبرت مقدسة، منها الينابيع والأنهار والبساتين والقمم المستديرة للتلال والجروف المستوية المطلة على الأنهار. كانت الطقوس الموسمية تُقام مع الأرواح التي كان يُعتَقَد أن لها فترات إشعاع وخفوت في السنة، محددةً دورة الخصوبة الزراعية.[17][18][19][20]
انظر أيضًا
[عدل | عدل المصدر]المراجع
[عدل | عدل المصدر]- ↑ Ivakhiv 2005، صفحة 214.
- ↑ Rudy 1985، صفحة 3.
- ↑ Pettazzoni 1967، صفحة 154.
- ↑
Ivanits 1989, pp. 15–16
- Rudy 1985, p. 9
- Gasparini 2013.
- ↑ Ivanits 1989، صفحة 16.
- ↑ Ivakhiv 2005، صفحة 211.
- 1 2 Rudy 1985، صفحة 4.
- ↑ Rudy 1985، صفحة 32.
- ↑
Ivakhiv 2005, p. 211
- Rudy 1985, p. 4.
- 1 2 Rudy 1985، صفحة 5.
- ↑ Rudy 1985، صفحات 4–5, 14–15.
- ↑ Ivakhiv 2005، صفحات 211–212.
- 1 2 Gasparini 2013.
- ↑ Ivanits 1989، صفحة 17.
- ↑ Hanuš 1842، صفحات 151–183.
- ↑ Creuzer & Mone 1822، صفحات 195–197.
- ↑ Pettazzoni 1967، صفحة 155.
- ↑ Rudy 1985، صفحات 21–22.
- ↑ Rudy 1985، صفحات 20–21.
- ↑ Rudy 1985، صفحات 5–6, 17–21.