سفر الخروج

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث
سفر الخروج
Lukhot Habrit.svg
رسم رقمي للوحي الشريعة وعليها الوصايا العشر.
العنوان الأصلي שמות
الكاتب موسى (حسب التقليد)
تاريخ الكتابة القرن الخامس عشر قبل الميلاد - القرن الخامس قبل الميلاد.
اللغة الأصلية العبرية التوراتية
التصنيف التوراة، تناخ
الأسلوب أحكام الشريعة اليهودية، سرد قصصي.[1]
ويكي مصدر سفر الخروج
أسفار أخرى
سفر التكوين  link= سفر التكوين سفر التكوين
سفر اللاويين سفر اللاويين  link= سفر اللاويين

سفر الخروج أو كتاب الخروج(بالعبرية:שמות) هو أحد الأسفار المقدسة لدى الديانة اليهودية والمسيحية، يصنف هذا السفر كثاني أسفار العهد القديم التناخ؛ ولا يوجد خلاف حوله بين مختلف الطوائف المسيحية أو اليهودية حول قيمته المقدسة. يتحدّث هذا السفر عن كيفيَّة نجاة بني إسرائيل من استبداد وظلم وبطش فرعون مصر واستعباده إياهم، وذلك بقدرة وإرادة الله الذي خصّهم بالرسالة، وأرسل إليهم نبيه موسى ليعظهم ويُعلمهم، فقادهم في رحلةٍ طويلة عبر البراري حتى وصلوا جبل الطور في سيناء، حيث وعدهم الله أرض كنعان (أرض الميعاد)، وأخذ ميثاقهم، ثمَّ أنزل الشريعة على موسى، ليُعلمهم الدين.

ينسب سفر الخروج في التقاليد اليهودية والمسيحية إلى موسى، ويدعى إلى جانب أول أربعة أسفار في العهد القديم باسم أسفار موسى الخمسة أو التوراة أو الشريعة، حيث أن كلمة توراة في العبريّة تفسر بمعنى الشريعة.[2] النسبة إلى موسى تفهم لدى علماء النقد الأعلى حديثًا بشكل مغاير عن المعنى التقليدي بكون موسى شخصيًا من كتب السفر، يرى بعض الباحثين المُعاصرين أنَّ سفر الخُروج كُتب من تقاليد شفهية خلال عهد السبي إلى بابل أي في القرن السادس قبل الميلاد، وأنَّ صيغته النهائية وضعت في في العهد الفارسي اللاحق للسبي أي في القرن الخامس قبل الميلاد.[3] تقول الباحثة كارول مايرز في تعليقٍ لها على السفر، أنَّه أكثر أسفار الكتاب المُقدس أهميَّة، فهو على حدّ تعبيرها: يُمثّلُ التفاصيل التوضيحيَّة للهويَّة اليهوديَّة، فيعكس ذكريات ماضٍ مليء بالشقاء والهروب، وميثاق أخذه الله على بني إسرائيل وفضَّلهم بعده على العالمين، وتعاليمه التي بعث بها موسى ليُعلّمهم أسس بناء مُجتمع جديد وكيفيَّة الحفاظ على ديمومته.[4]

يلتقي سفر الخروج مع القرآن في كثير من الأحداث والشرائع، بل إن أغلب الروايات الواردة في سفر الخروج ذكرت في القرآن، وكذلك يوجد تشابه في الشرائع، كالتوافق في شرائع الزنى، ومن القصص المشتركة عصا موسى التي تحولت لأفعى، وعبور بنو إسرائيل للبحر الأحمر، وسواهما.

مؤلف السفر[عدل]

ينسب سفر الخروج كسائر الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم إلى النبي موسى،[5] بحسب التقليد اليهودي ثمّ المسيحي دون وجود أدلة تثبت ذلك. يرجح علماء النقد الأعلى فكرة كون الكاتب الأول مجهولاً، وكما يرجحون أن علاقته بموسى والفاصل الزمني بين الأحداث وتدوينها طويل نوعًا ما. بيد أن تطابق السفر من الناحية التاريخية في وصفه للممالك والأحداث كما هو معروف وشائع، يحفظ للسفر مكانته التاريخية والوثوقية؛ إذ من المستبعد كون السفر بأكمله مؤلّفًا استنادًا إلى نسج الخيال، وفي الوقت نفسه أن يكون متطابقًا مع أحداث حصلت قبل ألف عام من تاريخه؛ ولذلك فإن النسبة إلى موسى حسب الرأي المستقر، تفيد بتقاليد شفهية تناقلها الحفاظ مدة طويلة نسبيًا قبل أن تدون وتأخذ شكلها النهائي لدى العودة من السبي البابلي. لعلّ بداية تدوين التوراة - سوى ما نقش على الألواح - تعود لفترة حكم داوود أو ابنه سليمان لبني إسرائيل، أو خلال فترة السبي أو أثناء عودة اليهود من السبي البابلي. فالراجح أن السفر حتى لو لم يكن مؤلفه هو موسى، قد كتب استنادًا إلى نص أصلي منسوب إلى موسى أو نقلاً عن وثائق قديمة فقدت في العصر الحديث أو التقاليد التي حفظها لاويّو الشعب، وهذا رأي ريتشارد سيمون في القرن الثامن عشر، الذي يعتقد أن التوراة كانت مجموعة وثائق مختلفة نسجت في كتاب واحد على يد عزرا بُعيد العودة من سبي بابل. وفي حين يبدي الليبراليون من اليهود والمسيحيون قبولاً لهذا الرأي، يرفض المحافظون ذلك ويتمسكون بالتقليد القديم بكون موسى هو مؤلف السفر.

يرى القديس كليمان الاسكندري أن للنصوص المقدسة خمسة معاني: التاريخي والعقائدي والنبوي والفلسفي والصوفي.

يجب التمييز في التوراة عمومًا وسفر التكوين وسفر الخروج على وجه الخصوص، بين الجانب التاريخي والجانب الأسطوري الرمزي،[6] في حين يرى قاموس الكتاب المقدس:

«إن تفهم الديانة اليهودية مستحيل، ما لم يؤخذ بعين الاعتبار وبشكل مستمر، الأديان والثقافات الأخرى التي نشأت وترعرعت في وادي الفرات. فإن الأصول القضائية البابلية وكذلك الطقوس المعمول بها في المعابد البابلية، يجب أن تؤخذ كعوامل حاسمة التأثير على الشرائع العبرانية في الأصول القضائية والطقوس الدينية.[7]»

فهناك على سبيل المثال تشابه بين قصة طفولة موسى المذكورة في السفر وطفولة سرجون الأكادي: وحملت بي أمي، ووضعتني في سلة من الحناء قصيرة ورمتني في الماء الذي لم يغرقني، وحملني الماء إلى آكي ساقي الماء، فانتشلني ورباني وصرت له ولدًا.[8] وهو ما يدفع بعض الباحثين للقول بأن السفر بالشكل المتعارف عليه اليوم لم يتم كتابته إلا في أعقاب السبي البابلي، حيث أتيح لليهود التمازج مع الثقافات الفارسية والبابلية، ولا يرى المسيحيون واليهود الآن في ذلك انتقاصًا من قدسية السفر ومكانته، فغاية السفر الممثلة في الخلاص تجلت من خلال الأسطورة.[9] إذ أن المسيحيّين يعتقدون أن للنصوص المقدسة خمس معانٍ، معنى تاريخي وعقائدي ونبوي وفلسفي وصوفي. ويعتبر القديس كليمان الاسكندري هو أول من أرسى هذه القواعد في القرن الثاني.[10] ورأى أوريجين في منتصف القرن الثاني أن الكتاب المقدس يوحي بحقائق يتيسر فهمها، وليس بحقائق تاريخية، قائلاً:

صحيحٌ أننا لا نتصوره مؤلفًا
للأسفار بالمفهوم الحديث،
لكن ليس ثمة دافع لنرتاب
في أن له دورًا فريدًا مهمًا في
الأحداث التي تصفها تلك التقاليد
ولا سيما دوره كمشرع.

—النسخة الأمريكية الجديدة للكتاب المقدس.
«أحيانًا قد يكون المعنى الحرفي سهل القبول، بيد أن القارئ المنتبه سوف يتردد أمام بعض المقاطع، إذ لا يستطيع اتخاذ قراره دون تفحص عميق جدًا، إذا كانت حادثة ما تعتبر تاريخية أم حرفية أم لا.[11]»

أما القديس أوغسطين فيقول: «إن غلاف التوراة المنفر بوسعه أن يشتمل خلف الصور على حقائق جوهرية.[12]» بيد أنهم يشيرون إلى إمكانية وقوع هذه الأحداث أيضًا.

يستخدم السفر عبارة ألوهيم للإشارة إلى الإله، وهي صيغة جمع لأيل، وربما استخدمت للتفخيم، واستخدمت بشكل كثيف في الأسفار الخمسة الأولى كما استخدمت في بعض المزامير. ويرى المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون أن كلمة ألوهيم كانت تعني الإله الأعلى، في وقت كان الاعتقاد بتفرد الإله سائدًا في المجتمع اليهودي،[13] كما كان يطلق عليه اسم بعل وهو إله كنعاني أصبح مرادفًا لكلمة الله في الديانة اليهودية،[14] إلى جانب ورود لفظ يهوه والذي لم يتحول إلى اسم الجلالة الرسمي والأكثر شيوعًا حتى العودة من سبي بابل.

قصة السفر وأحداثه[عدل]

Köln-Tora-und-Innenansicht-Synagoge-Glockengasse-040.JPG
التوراة
أسفار موسى الخمسة
سفر التكوين
سفر الخروج
سفر اللاويين / الأحبار
سفر العدد
سفر التثنية

يعتبر سفر الخروج من الأسفار الطويلة في الكتاب المقدس، وهو يروي في حلقات متتابعة طفولة النبي موسى، وهربه من مصر، ثم عودته إليها ليقود أسباط يعقوب خارجًا من حكم الفرعون،[15] والأحداث التي رافقت المرحلة الأولى من خروج الشعب، الذي شكل الحدث الأساسي، ومنه استقى السفر اسمه.

المقدمة[عدل]

يبدأ سفر الخورج بذكر أسماء بني يعقوب الذين استقروا في مصر، عندما طلب يوسف إحضار إخوته وأبيه إليها،[16] أي أنه يبدأ من المكان الذي توقف عنده سفر التكوين،[17] وهو ما يؤيد نظرية كون الكاتب واحدًا. ويذكر السفر أن يوسف وإخوته الأحد عشر قد توفوا جميعًا في مصر، لكن ذريتهم تكاثرت حتى ملأت البلاد،[18] فتخوف الفرعون أن تؤدي هذه الزيادة الضخمة في أعداد بني يعقوب إلى انقلاب في حكم مصر إذا ما أصبحوا أكثر من المصريين،[19] أو أن يتعاملوا وقت الحرب مع أعداء مصر،[20] لذلك أمر الفرعون بإجهادهم في عمل السخرة، وإذلالهم خلال العمل.[21] ويصف السفر حياة بني إسرائيل ذلك الوقت بالعبودية القاسية،[22] لكن فرعون لم يستفد شيءًا من هذه السياسة، إذ استمر عدد اليهود بالتزايد، لذا طلب من القابلات اليهوديات قتل الذكور واستبقاء الإناث.[23] لكن القابلات رفضن طلب فرعون سرًا،[24] وعندما اكتشف فرعون ذلك أمر أن يرمى صغار بني يعقوب الذكور في نهر النيل.[25]

قصة موسى[عدل]

ابنة الفرعون تلتقط موسى من نهر النيل؛ لوحة لبوسان، 1638.

بدءًا من الفصل الثاني يذكر السفر قصة موسى، فهو من سبط لاوي،[26] أخفاه أهله ثلاث أشهر ثم اضطروا أن يضعوه في النهر،[27] حتى وجدته ابنة الفرعون فربته وأسمته موسى لأنها انتشلته من الماء،[28] ورغم تربيته المصرية ظل موسى مخلصًا لشعبه الأصلي.[29] اضطر موسى للهرب إلى مديان حيث تزوج ابنة كاهن القرية،[30] وبعد سبعة سنوات، ظهر له ملاك الرب في وسط عليقة تشتعل فيها النار ولا تحترق،[31] ثم ظهر الله له في العليقة فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله،[32] ويذكر هنا مصطلحين سيكون لهما عميق التأثير في الديانة اليهودية وهما يهوه، والتي تعني "أنا هو"،[33] ومصطلح إله الآباء: إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.[34]

بحسب السفر، فقد عيّن الله موسى لكي ينقذ شعب إسرائيل من العبودية، وقد فعل موسى كما طلب الله منه،[35] وبحسب السفر أيضًا فقد جعل الله عصا موسى تتحول إلى أفعى، كلما ألقاها موسى على الأرض،[36] لكي تكون دليلا لبني إسرائيل على حقيقة دعوة موسى.[37] وعين هارون أخاه لمساعدته، وبالفعل التقى موسى وهارون بفرعون، لكنه رفض إطلاق سراح الشعب، بل شدد من قسوته عليهم،[38] وعندما التقى موسى وهارون مرة جديدة بفرعون، اجترح موسى عجيبة العصا التي تحولت إلى أفعى.[39] لكن فرعون رفض إطلاق سراح بني إسرائيل من مصر فأخذت المصائب تتتالى عليه وعلى شعبه: فتحولت مياة الأنهار إلى دماء،[40] ثم غزا الذباب والضفادع جميع أماكن مصر،[41] تلى ذلك غزو الجراد لمحاصيل مصر وإتلافها،[42] وكذلك البرد،[43] وأخيرًا ماتت جميع بكور المواشي والأبناء في مصر. وهنا يذكر السفر أن الرب قد ميّز بين مواشي وأبناء بني يعقوب ومواشي وأبناء المصريين،[44] وعندها فقط وافق فرعون على إطلاق سراح بني يعقوب من مصر.

خروج الشعب[عدل]

بين موافقة الفرعون وخروج الشعب من مصر، يضع سفر الخروج على لسان الله، عددًا من التشريعات فينظم السنة العبرية،[45] وطرق الاحتفال بعيد الفصح اليهودي،[46] وحمل الفصح.[47] ويذكر أن خروج بني إسرائيل من مصر قد تم بعد أربعمائة سنة من استطيانهم فيها.[48] وخلال سيرهم في الصحراء، كان الرب يقودهم من خلال الترائي أمامهم في عمود من سحاب نهارًا وعمود من نار ليلاً،[49] وقد وعدهم بأنهم بعد خروجهم من مصر سيمنحهم أرض فلسطين ملكًا لهم.[50]

لكن فرعون أراد استرجاع بني يعقوب مجددًا لخدمة المصريين، لذلك قام بملاحقتهم مع جيشه،[51] حينها يذكر السفر أن الرب أمر موسى أن يضرب مياه البحر الأحمر، فانشق الماء وظهرت اليابسة في وسطه،[52] فدخل بنو إسرائيل إلى البحر ومشوا على اليابسة والماء سور لهم من اليمين واليسار.[53] وعندما وصلوا إلى الضفة المقابلة، كان المصريون قد وصلوا إلى نصف البحر فعادت المياة إلى حالتها الطبيعية فغرق الفرعون وجيشه.[54]

الفصل الخامس عشر من السفر يروي ابتهاج بني إسرائيل بنصرهم هذا وخروجهم، وينتقل في الفصل السادس عشر إلى ذكر المنّ والسلوى، الطعام اليومي المرسل من السماء للشعب أثناء عبورهم في الصحراء،[55] في حين يذكر الفصل السابع عشر، محاربة بني إسرائيل للعماليق وانتصارهم عليهم بمعجزة.[56] ثم ينظم عملية القضاء في حل المشاكل التي تنشأ بين الشعب.[57]

الوصايا والشريعة[عدل]

عندما تأخر موسى مدة أربعين يومًا على الجبل، أخذ الشعب بعبادة عجل الذهب؛ لوحة لنيكولا بوسان، 1633.
النبي موسى يحمل لوحي الشريعة.

بعد ثلاث أشهر من خروجهم، وصل بنو إسرائيل إلى برية سيناء، عندها أوصى الرب موسى بسلسلة من الطقوس الخاصة بتقديس وتطهير الشعب استعدادًا لنزول الشريعة على جبل سيناء، وفي اليوم المحدد تجمع الشعب في سفح الجبل وصعد موسى وحده، فاستلم لوحي الوصايا العشر، التي اشتملت إلى جانب أمور أخرى في التوراة: وحدانية الله وعدم الاعتراف بغيره إلهًا، تقديس يوم السبت وأحكامه، إكرام الوالدين والنفس البشريّة وأملاكها. يلحق بالنص الأصلي للوصايا العشر أحكام السنة السبتية، والزواج بما فيه المتعدد، وعقوبات القتل والسرقة والزنى، وأحكام الغرباء، والقروض، والتجديف، والنميمة، وأحكام خاصة بالفقراء، والرشوة، والأعياد اليهودية، التعامل مع الأوثان، تنظيم السنهدرين أي مجلس اليهود، وتنظيم الذبائح؛ بعض هذه الأحكام وردت أيضًا في عدد آخر من أسفار التوراة. وبكل الأحوال، فإنّ بعد أربعين يومًا نزل موسى من الجبل ومعه لوحي الوصايا فحسب، وفي اليوم التالي صعد مجددًا إلى الجبل مع الشيوخ السبعين وجلسوا في حضرة الله وعاينوا مجده.[58]

تنظم الفصول الأخيرة من السفر أحكام تابوت العهد، وخيمة الاجتماع حيث يوضع تابوت العهد، وأحكام الكهنة وأدوات الطقوس، والذبح مجددًا،وقد ظل موسى أربعين يومًا وهو ينقش مبادئ الشريعة، فلما تأخر عن الشعب، أخذوا بعبادة العجل الذهبي، فلما رآهم موسى حطم لوحي الشريعة وطحن العجل وذرّه في الماء،[59] ويروي السفر مراسم توبة بني إسرائيل،[60] وكيف نحت موسى لوحي شريعة جديدين،[61] أما الفصول بين الخامس والثلاثون حتى الأربعون تتكلم عن تنفيذ بني إسرائيل لشريعة الرب. ويرى بعض الباحثين أن العجل الذي عبده بنو إسرائيل هو عجل آبيس الذي كان يعبده قدماء المصريين.[8]

الغاية والأهمية[عدل]

الغاية الأساسية من السفر، التذكير بأنّ الخلاص يأتي من الله وحده: «لا تخافوا انظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم» (14/ 13)، وأنه كلّي القدرة وصانع للمعجزات: «لأجل هذا أقمتك لكي أريك قوتي ولكي يخبر باسمي في كل الأرض» (9/ 16)؛ «فمن مثلك يا الله معتزًا في القداسة مخوفًا في التسابيح صانعًا العجائب». (15/ 11).

وينحو العديد من المفسرين حديثًا، بأخذ بعض أحداث السفر بشكل رمزي؛ سوى ذلك، فإن أغلب التشريعات الواردة فيه لم تعد تأخذ على حرفيتها لدى غالبية الطوائف المسيحية واليهوديّة. ففي حين تمسكت بعض الفرق البروتستانتية واليهود الأرثوذكس، بجميع الشرائع، ترى سائر الطوائف، بأن هذه الشرائع تتكلم عن مرحلة تاريخية معينة، وأنه بتطور الأزمان تتطور معها الشرائع، فلا يوخذ النص بحرفيته وإنما يؤخذ بغايته.[62]

في اليهودية[عدل]

الفصل الأوَّل من سفر الخُروج باللُغة العربيَّة.

اعتبر سفر الخروج أهم أسفار التوراة، فخروج بني إسرائيل من مصر شكل الحدث الذي «خلق» فيه الأسباط الاثني عشر، وعلى الرغم من كل الأحداث اللاحقة، كدخول الأرض المقدسة مع يشوع أو إقامة الملكية مع داود، فإن حدث الخروج من مصر وفلق البحر الأحمر، ظل دومًا مرتكز الحياة اليهوديّة عمومًا حتى إن عبارة «الذي أخرجنا من أرض مصر» باتت أحد ألقاب الله الرئيسية في التراث العبري إن لم نقل أحد أسمائه.[63] وهذا ما يترجم في صلوات عيد الفصح اليهودي حيث يرد إرشاد بأنه «على كل إمرؤ، على مدى لأجيال، أن يعتبر نفسه قد خرج من مصر».[64]

يظهر تأثير سفر الخروج أيضًا في الصلوات والطقوس اليهودية اليومية، إذ تترافق صلاة المساء مع ذبائح المساء اليومية،[65][66] وفي البركات التسعة عشر التي تترافق مع جميع الصلوات اليهودية تعتمد البركة الأولى على ما ورد في السفر (3/ 15)، وتدعى هذه البركة بآبوي والتي تعني الآباء، إذ يذكر بها الآباء الأقدمون للشعب اليهودي.[67] كما أنّ له أهمية في تنظيم العشور والصدقات وضريبة خيمة الاجتماع، ومن ثم هيكل سليمان،[68] كذلك فإن السفر يعتمد عليه في تحديد أيام الصوم اليهودي،[69] والاحتفالات بالأعياد اليهودية،[70] إضافة إلى الحج.[71] إلى جانب ذلك فإن اليهود في صلواتهم اليومية يفتخرون بالتوراة وسفر الخروج جزءًا منها، وترد أدعية تفيد ذلك ويلقب الله في بعض الأحيان بمعطي التوراة.[72]

في المسيحية[عدل]

يسوع ويوحنا المعمدان كلاهما استشهد بسفر الخروج؛ اللوحة لإيدي هولزر، 1997.

في المسيحية، فقد وصف سفر الخروج بكونه «إنجيل العهد القديم»، لأنه على غرار الإنجيل، يعلن بشارة تدخل الله في حياة الناس ليحررهم،[73] وتظهر علاقة سفر الخروج بالعهد الجديد بشكل خاص في سفر الرؤيا، إذ إن الرؤيا تشيد بالمسيح بوصفه حمل الفصح (رؤ 5/ 6)، والنكبات التي تصيب عبدة الوحش مأخوذة من ضربات مصر (رؤ 15/ 5-21)، والمنتصرون في المجيء الثاني للمسيح على الوحش ينشدون هم أيضًا نشيد موسى (رؤ 15/ 3)؛ وأخيرًا فإن زوال البحر، وصف لظهور العالم الجديد الخالد. (رؤ 21/ 1).[74]

كما أن المسيح نفسه قد اعتمد على سفر الخروج في تعاليمه أو بعض نقاشاته كما ذكرتها أناجيل العهد الجديد،[75] كما في متى 12/ 1-8؛ وإشارة المسيح إلى واجب إكرام الوالدين في متى 15/ 4 يمكن مقابلته مع الخروج 20/ 12؛ أيضًا فمن المواضع الهامة التي أشار بها المسيح إلى السفر كانت في جداله مع الصدوقيين حول قيامة الموتى (متى 22/ 32؛ خروج 3/ 6). بل إن المسيح دعي في التقليد المسيحي «موسى الثاني»،[76] يعود ذلك لبعض أوجه التشابه، فكلاهما صاما أربعين يومًا وليلة (لوقا 34/ 28؛ خروج 34/ 28)، وكلاهما تعرضا لحادث تجلي (لوقا 9/ 29؛ خروج 34/ 29)؛ كما يحوي إنجيل يوحنا مقارنتين بين موسى والمسيح في 1/ 17؛ و5/ 46. كما يوجد تشابه بين بعض وصايا يوحنا المعمدان وسفر الخروج. (لوقا 3/ 14؛ وخروج 23/ 1).

يستشهد أيضًا بسفر الخروج في مجمع أورشليم الأول الوارد ذكره في سفر أعمال الرسل (أعمال 15/ 20؛ خروج 20/ 3-4)؛ وفي الرسائل تأتي بعض الاقتباسات في إطار الوعظ (الرسالةالأولى إلى كورنثس 5/ 7؛ خروج 12/ 21)؛ أو التذكير بأحكامه (الرسالة الأولى إلى كورنثس 7/ 3؛ خروج 21/ 10) أو إعادة تفسيرها على ضوء المعتقدات المسيحية. (الرسالة إلى روما 9/ 15؛ خروج 33/ 19).

كذلك، فإن تأثير السفر في الليتورجيا المسيحية واضح، ومنها قراءة عبور البحر ونشيد موسى (خروج 14-15) من ضمن صلوات الفصح ضمن كلا الطقسين البيزنطي والروماني، واستخدم حمل الفصح والمن والسلوى والصخر الذي انبجس منه الماء في عظات آباء الكنيسة وتفسير بعض الحركات الطقسية مرّات كثيرة، فالعبور بالبحر مثال للمعمودية، والمن والسلوى مثال للإفخارستيا؛[77] وكذلك فإنّ الوصايا العشرة، التي أوحيت إلى موسى حسب المعتقدين اليهودي والمسيحي، في الألواح، مثلت على الدوام ركنًا بارزًا من التعليم المسيحي، بناءً على وصية المسيح نفسه.[74][78]

السياق التاريخي[عدل]

الدراسات التاريخية الحديثة، سيّما في القرن العشرين بعد تقدم العلم، يمكن مقارنتها مع ما ورد في سفر الخروج. وقد ورد في نصوص ساميّة مختلفة ذكر لقوم ملقبين عبير أو عبيرو القريبة من مصطلح عبرانيين في الزمن الحاضر.[79] وفيما يتعلق بتحديد تاريخ موسى، هناك تردد بين القرن الخامس عشر قبل الميلاد أي عهد السلالة المصرية الثامنة عشر فيكون الفرعون المقصود تحتمس الثالث؛ أو القرن الثالث عشر قبل الميلاد، أي عهد السلالة المصرية التاسعة عشر وأن الفرعون المقصود هو سيتي الأول أو رمسيس الثاني أو مرنبتاح. غير أن أغلب المؤرخين، يفضلون الترتيب الذي يقال له "القصير" وهو الخاص بالقرن الثالث عشر قبل الميلاد.[79]

كذلك فإنه من الثابت، وجود عمالة سامية في مصر خلال تلك الفترة، ولعلها من بقايا الرعاة الهسكوس الذين طردوا في القرن السادس عشر قبل الميلاد، علمًا أن القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، وهي الفترة المفترضة لخروج موسى وقومه، اتسمت بالضعف المصري، بسبب الأزمات الدينية المتلاحقة والتي كان أقواها أزمة العمارنة، وما تأسيس السلالة التاسعة عشر على يد القائد حورمحب، إلا محاولة إصلاحيّة للضعف الحاصل، سيما بعد هجمات الحثيين.[80]

موازاة مع القرآن[عدل]

أغلب القصص الواردة عن موسى وقومه في سفر الخروج، وردت لاحقًا في القرآن. يمكن أن يستثنى الفصول 25-30 المتعلقة بتنظيم خيمة الاجتماع وقبة الشهادة، وهي تنظيم وقتي زال مع بناء الهيكل. القصص القرآنية ترد موزعة على عدد من السور أغلبها مكيّة، وهي غير مرتبة زمنيًا كما في سفر الخروج؛ كما أنها لا تدخل في التفاصيل الدقيقة التي ترد في السفر.

الحدث سفر الخروج القرآن ملاحظات
إذلال قوم فرعون لبني إسرائيل 1/ 8-14؛ 5/ 6-18 القصص 4؛ إبراهيم 6؛ الأعراف 141؛ البقرة 49.
ميلاد موسى 2/ 1-10 القصص 7-13؛ طه 38-40
موسى يقتل رجلاً مصريًا 2/ 11-15 قصص 4-21؛ طه 40.
حديث الشجرة المشتعلة 3/ 2 - 18 قصص 29-30؛ النمل 7-9؛ طه 9-16. لا يذكر يوم القيامة صراحة في سفر الخروج ضمن حديث الشجرة المتحرقة خلافًا للقرآن؛ لكن 3/ 6 درج التقليد الفريسي والمسيحي على اعتبارها إشارة إلى يوم القيامة. انظر مثلاً متى 22/ 23- 32.
ربّ الآباء 3/ 6 لشعراء 26 الآباء في التقليد العبري هم آدم، ونوح، وبشكل خاص إبراهيم، واسحق، ويعقوب.
موسى يهرب إلى مدين ويتزوج 2/ 15- 25 القصص 22- 28؛ طه 40. يذكر سفر الخروج الأسماء، فحمو موسى هو يثرون، وزوجته الأولى صفورة.
أعجوبتي عصا موسى ويده 4/ 1- 8 القصص 31 - 32؛ النمل 9؛ الأعراف 107-120؛ الشعراء 30-45؛ طه 17-23.
موسى يتشدد بأخيه هارون 4/ 10- 17 قصص 34-35؛ طه24-37
مواجهة فرعون وطلب إطلاق بني إسرائيل 5/ 1- 5 الشعراء 17؛ الأعراف 104-105
ضربات مصر 7/ 15- 11/ 6 الزخرف 98؛ النمل 12-14؛ الإسراء 101؛ الأعراف 133-136 ضربات مصر التسعة هي الدم والضفادع والبعوض والذباب وقتل المواشي والغبار والبَرد أي المطر والجراد وأخيرًا قتل الأبكار. ذكرها القرآن دون أن يفصلها.
حفظ تذكار النجاة من فرعون 12/ 1 - 13/ 16 - صوم المسلمين في يوم نجاة قوم موسى من فرعون وهو يوم عاشوراء،[81] دون استذكار حمل الفصح أو الخبز الفطير.
الرّب يطعمهم المنّ والسلوى 16/ 1- 26 طه 80-81؛ الأعراف 160؛ البقرة 57
موسى يفجر نبع ماء من الحجارة 17/ 1- 7 الإسراء 90؛ الأعراف 160؛ البقرة 60.
تعيين نقباء الأسباط 18/ 13- 27 الأعراف 160
موسى يعتكف على الجبل أربعين نهارًا وليلة 24/ 18 لأعراف 142- 143
تجلي الإله لموسى 19/ 14-21 الأعراف 142- 143 يوضح في سفر العدد أنه عاين "شبه مجد الرب".
نقش لوحي الشريعة 20/ 1 - 23/ 19 الأعراف 145 الألواح لم تذكر في القرآن إلا لمامًا، غير أن التشريع القرآني بحد ذاته مشابه لها: رفض الأصنام (20/ 4)، والأمر بالعدالة بين النساء (21/ 10؛ النساء 3)، وقتل القاتل (21/ 12؛ البقرة 178)، وقاعدة العين بالعين والسن بالسن (21/ 24؛ المائدة 45).
اختيار الشيوخ السبعين 24/ 1 الأعراف 155
اتخاذ العجل 32/ 1- 30 طه 86- 98؛ الأعراف 148- 154.

انظر أيضًا[عدل]

مراجع[عدل]

  1. ^ مقدمة في سفر الخروج الأنبا تكلا، 19 أيلول 2011.
  2. ^ موسوعة المعرفة المسيحية، أسفار الشريعة أو التوراة، مجموعة من المؤلفين بموافقة بولس باسيم النائب البابوي في لبنان، دار المشرق، طبعة أولى، بيروت 1990، ص.5.
  3. ^ Johnstone, p. 72.
  4. ^ Meyers, p. xv.
  5. ^ The first five books of the Old Testament الموسوعة الكاثوليكية، 29 أيلول 2010
  6. ^ العبادات في الديانة اليهودية، عبد الرزاق الموحي، دار الأوائل، طبعة أولى، دمشق 2004، ص.25
  7. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.115
  8. ^ أ ب العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.116
  9. ^ تفسير الكتاب المقدس، سفر الخروج موقع الأب بولس فغالي، 30 أيلول 2010.
  10. ^ الكنيسة والعلم، جورج مينوا، دار الأوائل، طبعة أولى، دمشق 2005، ص.91
  11. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.97
  12. ^ الكنيسة والعلم، مرجع سابق، ص.146
  13. ^ العبادات في الديانة اليهودية، عبد الرزاق الموحي، دار الأوائل، طبعة أولى، دمشق 2004، ص.23
  14. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.24
  15. ^ من هو فرعون موسى؟ أهل القرآن، 1 تشرين أول، 2010.
  16. ^ خروج 7/1
  17. ^ تكوين 20/50
  18. ^ 6-7/1
  19. ^ خروج 8/1
  20. ^ خروج 10/1
  21. ^ خروج 12/1
  22. ^ خروج 14/1
  23. ^ خروج 15/1
  24. ^ خروج 17/1
  25. ^ خروج 22/1
  26. ^ خروج 1/2
  27. ^ خروج 3/2
  28. ^ خروج 10/2
  29. ^ خروج 11/2
  30. ^ خروج 21/2
  31. ^ خروج 2/3
  32. ^ خروج 6/3
  33. ^ خروج 14/3
  34. ^ خروج 3/ 14-15
  35. ^ خروج 15/3
  36. ^ خروج 3/4
  37. ^ خروج 1/4
  38. ^ 6-7/5
  39. ^ خروج 7/ 9-13
  40. ^ خروج 7/ 19-24
  41. ^ خروج 6/8
  42. ^ خروج 12/10
  43. ^ 22/9
  44. ^ خروج 4/9
  45. ^ خروج 1/12
  46. ^ خروج 12/ 15-23
  47. ^ خروج 22/ 43-51
  48. ^ خروج 41/12
  49. ^ خروج 21/13
  50. ^ خروج 5/13
  51. ^ خروج 10/14
  52. ^ خروج 21/14
  53. ^ خروح 22/14
  54. ^ خروج 27/14
  55. ^ خروج 12/16
  56. ^ خروج 11/17
  57. ^ خروج 18/ 25-26
  58. ^ عدد 8/12
  59. ^ خروج 32
  60. ^ خروج 33
  61. ^ خروج 34
  62. ^ سفر الخروج موقع الكلمة، 19 أيلول 2010
  63. ^ موسوعة المعرفة المسيحية، مرجع سابق، ص.31
  64. ^ موسوعة المعرفة المسيحية، مرجع سابق، ص.33.
  65. ^ خروج 29/ 38-42
  66. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.50
  67. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.59
  68. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.70-71
  69. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.82
  70. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.83
  71. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.96-97
  72. ^ العبادات في الديانة اليهودية، مرجع سابق، ص.55
  73. ^ موسوعة المعرفة المسيحية، مرجع سابق، ص.28
  74. ^ أ ب موسوعة المعرفة المسيحية، مرجع سابق، ص.34
  75. ^ التفسير التطبيقي للعهد الجديد، لجنة من اللاهوتيين، دار تاندل للنشر، لندن بريطانيا العظمى، طبعة أولى 2004، ص.52
  76. ^ تأملات في حياة موسى، أوثوذكس أون لاين، 15 أكتوبر 2012.
  77. ^ سفر الخروج أعمال الأب بولس فغالي، 29 أيلول 2010
  78. ^ قارن متى 18/19 وخروج 20/ 12-17
  79. ^ أ ب موسوعة المعرفة المسيحية، مرجع سابق، ص.35
  80. ^ موسوعة معرفة الكتاب المقدس، مرجع سابق، ص.36
  81. ^ فقال «فأنا أحق بموسى منكم» كما جاء في حديث ابن عباس قال: «قدم النبي المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا" ؟ قالوا: "هذا يوم صالح، هذا يوم نجا الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى"، قال: "فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه»، رواه البخاري رقم الحديث 1500.

وصلات خارجية[عدل]

سبقه
سفر التكوين
العهد القديم تبعه
سفر اللاويين