دار الوثائق القومية المصرية

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

دار الوثائق القومية من أقدم دور الأرشيف في العالم، فبينما أنشأ الأرشيف الوطني الفرنسي عام 1790، ودار المحفوظات العامة في لندن عام 1798، أنشأت دار الوثائق بالقاهرة عام 1828. ودار الوثائق لها تاريخ طويل يرجع إلى بدايات القرن التاسع عشر، حيث أنشأ محمد على أول مكان لحفظ السجلات الرسمية للدولة بالقلعة، وذلك في عام 1828 م، وقد أطلق عليها آنذاك " الدفتر خانه ". وكان هدفها جمع نتاج أنشطة أجهزة الدولة وحفظه، والتي صارت بمضى الوقت تراثاً قومياً. وتولى راغب أفندي منصب أول رئيس للدفتر خانه، بينما قام الخواجا يوحنا كاتب المصروفات بوضع لائحتها الداخلية.


واستمرت الدفتر خانه في أداء دورها في حفظ السجلات الحكومية بعد انتهاء الحاجة إليها إلى أن ضاق مبنى الدفتر خانه مما اضطر محمد على إلى إنشاء فروع للدفتر خانه في المصالح الحكومية وفروعها بالأقاليم، كما عهد إلى الخبير الفرنسي المسيو روسية بتطوير التشريع الخاص بالدفتر خانه مع الاستفادة بالنظم والتشريعات التي تنظم عمل الأرشيف القومي الفرنسي. وظل حال الدفتر خانه المصرية على هذا التنظيم الذي وضعه محمد على باشا (1805 – 1848) إلى أن تولى الخديوي إسماعيل حكم مصر (1863-1879) الذي ألغى فروع الدفتر خانه بالأقاليم وأمر بأن تودع السجلات والوثائق بالدفترخانه الأصلية بالقلعة. وفى عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1892-1914) صدرت لائحة جديدة اشتملت على 24 مادة لتنظيم طرق تسليم وتسلم المحفوظات، وصار اسم الدفتر خانه « دار المحفوظات العمومية» وظل مقرها بالقلعة. وخلال فترة حكم الملك فؤاد الأول (1917 ـ 1936) كانت بعض المصطلحات قد تغيرت وتحولت كلمة «نظارة» إلى «وزارة»، كما أن الدار لم تكن تعنى بنشر الوثائق مثل الأرشيفات العالمية، فعهد الملك فؤاد إلى المستشرق الفرنسي دينية Dény بمهمة فحص الوثائق التركية وتنظيمها تمهيداً لوضعها بين يدي الباحثين والمؤرخين.


وفى عام 1932 أنشأ الملك فؤاد « قسم المحفوظات التاريخية» بقصر عابدين ـ بناء على توصية دينية ـ وكان هذا القسم بمثابة الأرشيف القومي المصري الحديث، الذي يعمل على فهرسة وتصنيف الوثائق. واستطاع قسم المحفوظات التاريخية أن ينجز العديد من الإنجازات منها: 1- جمع الفرمانات التي أصدرها سلاطين آل عثمان، والتي تبلغ 1046 فرمان يرجع أقدمها إلى عام 1597 م. كما تم تصوير هذه المجموعة من الفرمانات بمصلحة المساحة المصرية في سبعة مجلدات. 2- تحليل وترتيب الوثائق الإفرنجية الخاصة بعهد الخديوي إسماعيل(حوالي 900000 بطاقة) وعمل ملخصات لبعضها وترجمتها. 3- عمل بطاقات فهرسة لعدد كبير من الوثائق العربية والتركية.


ومع قيام ثورة يوليو 1952 م لم تعد محفوظات عابدين تحقق ما ينشده رجال الثورة، خاصة فيما يخص أسرة محمد علي، التي كانت موضوعاً رئيسياً في محفوظات قصر عابدين، وبات من الضروري إعادة كتابة تاريخ هذه الأسرة. فكان هذا هو الدافع من وراء إنشاء «دار الوثائق القومية» حيث أنشأت بموجب القانون 356 لسنة 1954، والتي حدد القانون وظيفتها في جمع وحفظ الوثائق. ثم انتقلت دار الوثائق من قصر عابدين إلى مبنى خصص لها بالقلعة بالقاهرة في عام 1969. وفى عام 1990 نقلت دار الوثائق إلى موقعها الحالي بكورنيش النيل. ثم صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 176 لسنة 1993 بشأن إنشاء هيئة مستقلة تضم دار الكتب والوثائق القومية وفصلهما عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وعلى وجه الإجمال، تعد دار الوثائق القومية واحدة من أهم دور الأرشيف في العالم لاحتوائها على كم هائل من المصادر الوثائقية. حيث أن مصر كانت دوما دولة محورية لهذا فقد انعكس ذلك على محتويات الدار التي تضم وثائق باللغات العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية فضلا عن عدد من الوثائق باللغة الأمهرية، وهذه المجموعات تغطى الفترة من العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، مرورا بالعصر العثماني، ووصولا إلى القرنين التاسع عشر والعشرين. ''''''تطور نظام الحفظ في مصر قبل انشاء الدفتر خانة «


لقد كان المصري القديم أول من خطَّ بالقلم، وأول من صنع الورق، وكان أيضاً أول من اهتم بحفظ الوثائق والمستندات، فكانت الدولة تهتم بحفظ المكاتبات والسجلات وتنظيمها وترتيبها ؛ بغرض الحصول على البيانات والمعلومات. وكان من المبادئ الهامة في حياة آل فرعون: أن ما لم يقيد في وثيقة يعد غير موجود. واهتم المصريون القدماء بالتمييز بين الوثائق من حيث نوعها : كالرسائل والخرائط وكشوف الحسابات، ومن حيث قيمتها ودرجة سريتها، ومن حيث خاماتها وكونها وثيقة أصلية أم منسوخة. وفي العصر البطلمي كانت الإسكندرية مقراً للأرشيف الملكي، كما وجدت أرشيفات أخرى في الأقاليم، من أشهرها الأرشيف الذي عثر عليه في الفيوم والذي عرف باسم أرشيف زينون (الذي كان وزير مالية مصر في عصر فيلادلفوس الثالث).


وفي العصر الروماني زاد عدد دور الوثائق في مصر، فإلى جانب دار الوثائق العامة التي أنشأها الإمبراطور هادريان في السرابيوم؛ كانت هناك دار للوثائق في عاصمة كل إقليم، وقد عثر على إحدى الوثائق التي ترجع إلى عام 127 م تشرح أنواع دور الوثائق ونوعية ما بكل منها من سجلات ووثائق. وفي العصر الإسلامي تشير البرديات العربية إلى وجود نظام دقيق لحفظ الوثائق، وقد وضع أحمد بن طولون نواة النظام الذي عرف باسم "ديوان الإنشاء" الذي كان يحتفظ بنسخ من كل المكاتبات التي تصدر عن الوالي. وفي العصور التالية أصبح ديوان الإنشاء هو الجهة المسئولة عن حفظ الوثائق والمكاتبات ونصوص الأوامر والمراسيم التي يصدرها سلاطين الأيوبيين والمماليك. وفي العصر العثماني كانت كل مصلحة مسئولة عن حفظ وثائقها، فكانت الروزنامة مسئولة عن حفظ وثائق وسجلات المالية المصرية والضرائب والأطيان من خلال مؤسسة حفظ عرفت باسم الدفتر خانة، كما احتفظت المحاكم الشرعية بأعداد ضخمة من سجلاتها من خلال مؤسسة حفظ عرفت باسم "خزانة السجلات" ونتيجة لتنوع جهات الحفظ، وعدم وجود نظام محدد لأنواع الوثائق التي تحفظ أو تعدم قرر محمد علي إنشاء دار مخصصة لحفظ السجلات والأوراق "الدفترخانة"، وألزم كل المصالح والأفراد بتقديم دفاترهم وأوراقهم إليها. '''الدفترخانة المصرية «


لما كان نظام الحفظ المتبع في مصر في العصر العثماني ،والقائم على أساس احتفاظ كل مصلحة بدفاترها وأوراقها، واحتفاظ النظار والكتاب والصرافين بأوراقهم بعد عزلهم أو نقلهم؛ لا يحقق الهدف المرجو في بناء الدولة الحديثة التي أزمع محمد علي بناءها، ولا يمدها بالمعلومات والبيانات ؛ فهداه تفكيره إلى توحيد أماكن الحفظ في مؤسسة واحدة تكون مسئولة عن جمع السجلات والوثائق من كافة المصالح والدواوين والأقاليم، وقد شجعه على ذلك فقدان الكثير من الوثائق المهمة في أكثر من مناسبة: فعندما ثار عليه الجنود الأرناؤود بعدما قام بتخفيض رواتبهم ؛ اضطر إلى الهرب والإقامة بالقلعة؛ فنهبت داره التي كانت بالأزبكية، وفقدت الكثير من المستندات، ومن بينها وثيقة المعاهدة التي وقعها مع الجنرال فريزر قائد الحملة المشهورة باسمه. كما كان الكتخدا (نائب الباشا) يحتفظ في ديوانه بكميات كبيرة من السجلات والوثائق، وقد حدث أن شبَّ حريق في ديوان الكتخدا في 18 من يونيو 1828 ؛ فأتى على ما كان فيه من سجلات ووثائق. ولذلك كله رأى محمد علي ضرورة إيجاد مكان آمن يحتفظ فيه بدفاتره وأوراقه، ويكون صالحاً لحمايتها من الحريق والسرقة والتلف، وكانت القلعة هي المكان الأنسب لتحقيق هذه الأغراض؛ فأمر الباشا بإنشاء "الدفترخانة المصرية" في عام 1828 م وذلك قبل نحو عشر سنوات من إنشاء دار المحفوظات العامة في لندن Public Record Office، وبعد نحو ثلاثين عاماً من إنشاء الأرشيف الوطني الفرنسي L’archive National. وقد بلغت نفقات إنشاء "الدفترخانة المصرية" نحو 500000 قرش، وكانت أول لائحة للدفترخانة تلك التي وضعها الخواجة يوحنا كاتب المصروف، والتي أقرها "المجلس العالي" في 24 من رجب 1245 هـ/ 19 يناير 1830 م، وقد نصت تلك اللائحة على تعيين راغب أفندي ناظر الضربخانة كأول أمين للدفترخانة المصرية. كما نصت على أن يقوم أمين الدفترخانة في نهاية كل عام مالي بجلب الدفاتر التي انتهى العمل فيها بالدواوين والأقاليم وحفظها في الدفترخانة، وعليه التبليغ عن أسماء النظار والكتَّاب الذين يتقاعسون عن إرسال دفاترهم وأوراقهم، وكانت عقوبة هؤلاء حسب اللائحة الجلد 100 سوط. وكان نظام الحفظ يقوم على أساس وضع السجلات والأوراق في صناديق خشبية، ولكن لم تمض عدة سنوات حتى تكدست السجلات بالدفترخانة؛ فصدرت الأوامر بإنشاء عيون خشبية بالمخازن، فتم إنشاؤها بتكلفة 19636 قرشاً. وكانت الدفتر خانة تابعة لديوان الخديو، وفي عام 1846 م انتقلت تبعيتها إلى ديوان المالية، فاستعانت بالمسيو روسية لكتابة تقرير عن نظم الحفظ الفرنسية؛ للاهتداء بها في وضع لائحة جديدة للدفترخانة، وبعد أن قدم روسية تقريره، قامت "الجمعية العمومية" بوضع لائحة جديدة صدرت في 7 ذي الحجة 1262 هـ/ 6 ديسمبر 1846 م. وقد نصت تلك اللائحة على إنشاء دفترخانات في المديريات، وميزت بين أنواع الوثائق والدفاتر ومُدد حفظ كل منها في المديرية ومتى يجب نقلها إلى الدفترخانة، فنصت على بقاء دفاتر الاستحقاقات والأشوان في يد الكتاب لمدة عامين، ثم تسلم إلى دفتر خانة المديرية، فتبقى فيها لمدة عشر سنوات، ثم تنقل إلى الدفترخانة العمومية بالقلعة. وفي عام 1865 م ارتكب أحد كتاب دفترخانات المديريات جريمة تزوير في بعض الوثائق؛ فأمر الخديو إسماعيل بإلغاء دفترخانات المديريات، وألزم جميع الأقاليم والدواوين بإرسال أوراقهم وسجلاتهم إلى الدفترخانة العمومية بالقلعة. ونتيجة لعدم وجود أماكن بالدفترخانة لحفظ هذه الكميات الجديدة من السجلات؛ تم استخدام سجن القلعة وإحدى المغارات كمخازن للحفظ. وفى عهد الخديو عباس حلمي الثاني تغير اسم الدفترخانة إلى «دار المحفوظات العمومية» وظل مقرها بالقلعة. '''دار الوثائق التاريخية القومية « مع قيام ثورة يوليو 1952 لم يعد قسم المحفوظات التاريخية بقصر عابدين يحقق رغبة رجال الثورة في تقديم مادة تاريخية تصلح لكتابة تاريخ مصر القومي بكل عصوره، وتكون تلك المادة متاحة لجميع أفراد الشعب من باحثين ومستفيدين، ؛ فأصبح من الضروري استحداث «دار الوثائق التاريخية القومية» التي أنشأت بموجب القانون 356 لسنة 1954، والذي حدد وظيفتها في جمع وحفظ الوثائق وإتاحتها للباحثين، وظلت دار الوثائق التاريخية في القلعة حتى عام 1969 عندما عادت مرة أخرى إلى القلعة بالقاهرة. وفى عام 1979 أصدر رئيس الجمهورية قرار رقم 472 لسنة 1979 بشأن "المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وأسلوب نشرها واستعمالها" والذي نص على أن تحتفظ الجهات الحكومية بوثائقها التي تنتجها لفترة خمسة عشر عاما، ثم تنقل بعدها إلى دار الوثائق التاريخية، وبعد إيداعها في الدار تظل محتفظة بسريتها لمدة خمسة عشر عاما أخرى، ثم يُفرج عنها بعد ذلك للاطلاع عليها.


وفي عام 1990 انتقالت دار الوثائق من القلعة إلى موقعها الحالي بكورنيش النيل بالقاهرة، وتم إلحاقها بالهيئة المصرية العامة للكتاب. ثم جاءت النقلة الثانية بصدور قرار رئيس الجمهورية رقم 176 لسنة 1992 بشأن إنشاء هيئة مستقلة تضم دار الكتب والوثائق القومية وفصلهما عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وبذلك جمعت الدولة التراث الثقافي المصري المطبوع والمخطوط في هيئة واحدة ؛ فأصبحت "الهيئة المصرية العامة لدار الكتب والوثائق القومية" تمتلك نحو أربعة ملايين كتاب، ومائة وعشرة آلاف مخطوط، ومائة وستين ألف مجلد من الدوريات، وتسعة وثلاثين ألف مادة صوتية موسيقية، ونحو مائة مليون وثيقة تصور تاريخ مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ العصر الفاطمي وحتى سبعينيات القرن العشرين لمزيد من التفاصيل والاطلاع علي نشاط الدار ومقتنياتها وصور الوثائق يراجع www.nationalarchives.gov.eg