إفشاء السر

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
  • السِّرُّ لغة: هو الحديث المكتم في النفس [1].

وهو خلاف الإعلان، يقال: أسررت الشيء إسرارًا خلاف أعلنته [2].

وسارَّه: إذا أوصاه بأن يُسرَّه، وتَسارَّ القومُ. وكنَّي عن النكاح بالسِّرِّ من حيث إنه يخفى [3].

  • الإفشاء لغة: فَشا الخبر أي: انتشر وذاع، وأفْشاهُ غيره، وتَـفَشَّى الشيء، أي: اتسع، وفشا الشيء: ظهر [4]
  • إفشاء السرهو: تعمد الإفضاء بسرٍّ من شخص ائتمن عليه، في غير الأحوال التي توجب فيها الشريعة الإسلامية الإفضاء.

النهي عن إفشاء السِّر وذَمِّهِ في القرآن الكريم[عدل]

قال تعالى (في سورة الأنفال): Ra bracket.png يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ Aya-27.png وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ Aya-28.png La bracket.png

قال ابن كثير: (كانوا يسمعون من النبي Mohamed peace be upon him.svg الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون)[5]. قال بعضهم: نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سرِّ المسلمين [6]. ومعنى الآية: (أي ولا تخونوا أماناتكم فيما بين بعضكم وبعض، من المعاملات المالية وغيرها، حتى الشئون الأدبية والاجتماعية، فـإفشاء السر خيانة محرمة)[7].

قال تعالى (في سورة التحريم): Ra bracket.png وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ Aya-3.png La bracket.png

قال القاسمي: (أشار تعالى إلى غضبه لنبيِّه مما أتت به من إفشاء السرِّ إلى صاحبتها، ومن مظاهرتهما على ما يقلق راحته، وأن ذلك ذنب تجب التوبة منه) [8]. قال الطبري: ("فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ": فلما أخبرت بالحديث الذي أسر إليها رسول الله Mohamed peace be upon him.svg صاحبتها وأظهره عليه)[9].

قال تعالى (في سورة النساء): Ra bracket.png وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً Aya-83.png La bracket.png

قال ابن عباس: (قوله ((أَذَاعُواْ بِهِ))، قال: أعلنوه وأفشوه)، وقال الطبري: (قوله تعالى:((أَذَاعُواْ بِهِ)): أي أفشوه وبثُّوه في الناس)[10].

قال تعالى (في سورة الإسراء): ((..وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ))

والسِّر الذي يستودعه أحدهم عندك أو يفضي به إليك، هو من باب العهد الذي أمر الله بالوفاء به وعدم خيانته.

النهي عن إفشاء السِّرِ وذَمِّهِ في السُّنة النَّبَوية[عدل]

قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: ( لا يتجالس قوم إلا بالأمانة )[11]

قال المناوي: (أي لا ينبغي إلا ذلك، فلا يحلُّ لأحدهم أن يفشي سرَّ غيره) [12].

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: ( إنَّ مِن أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها )[13]

قال النووي: (في هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه)[14].

وقال المناوي: ("ثم ينشر سرَّها": أي يبثُّ ما حقُّه أن يكتم من الجماع، ومقدماته، ولواحقه، فيحرم إفشاء ما يجري بين الزوجين من الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك بقول أو فعل)[15].

عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.png قال: ( حين تأيمت حفصة، قال عمر: لقيت أبا بكر فقلت: ((إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله Mohamed peace be upon him.svg، فلقيني أبو بكر فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أنَّ رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله Mohamed peace be upon him.svg، ولو تركها لقبلتها )[16]

(لم يقل له: أنا لا أريدها، لا رغبة لي فيها، أو أنا لا أريد الزواج أصلاً، بل هو له رغبة بها لو كان النبي Mohamed peace be upon him.svg لم يذكرها، فسكت، فلما تبين لعمر رضي الله عنه بعد ذلك ما تبين أخبره أبو بكر رضي الله عنه، فهذا فيه الأمانة، ولا يصح بحال من الأحوال أن الإنسان يُخبَر عن أمر، ويُطلَب منه كتمانه، ولو لم يُطلَب فمثل هذه الأمور أصلاً هي بالسر)[17]

قال ابن حجر: (وفيه أن من حلف لا يفشي سرَّ فلان، فأفشى فلان سرَّ نفسه، ثم تحدَّث به الحالف لا يحنث؛ لأنَّ صاحب السرِّ هو الذي أفشاه، فلم يكن الإفشاء من قبل الحالف، وهذا بخلاف ما لو حدث واحد آخر بشيء واستحلفه ليكتمه، فلقيه رجل فذكر له أنَّ صاحب الحديث حدَّثه بمثل ما حدَّثه به، فأظهر التعجُّب وقال: ما ظننت أنَّه حدَّث بذلك غيري؟! فإنَّ هذا يحنث؛ لأنَّ تحليفه وقع على أنَّه يكتم أنَّه حدَّثه، وقد أفشاه)[18].

أقوال العلماء والسلف عن إفشاء السِّر[عدل]

يقول قال الحسن البصري:
إفشاء السر (إنَّ من الخيانة أن تحدِّث بسرِّ أخيك)[19]. إفشاء السر
يقول الماوردي:
إفشاء السر (وإظهار الرجل سرَّ غيره أقبح من إظهاره سرَّ نفسه؛ لأنَّه يبوء بإحدى وصمتين: الخيانة إن كان مؤتمنًا، أو النَّمِيمَة إن كان مستودعًا، فأما الضرر فربما استويا فيه وتفاضلا. وكلاهما مذموم، وهو فيهما ملوم)[20]. إفشاء السر
يقول قال الراغب الأصفهاني:
إفشاء السر (إذاعة السرِّ من قلة الصبر، وضيق الصدر، وتوصف به ضعفة الرجال، والصبيان، والنساء)[21]. إفشاء السر
يقول قال معاوية:
إفشاء السر (ما أفشيت سرِّي إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلا أكسبني مجدًا، وذكرًا، وسناء، ورفعة. فقيل: ولا ابن العاص . قال: ولا ابن العاص . وكان يقول: ما كنت كاتمه من عدوِّك، فلا تظهر عليه صديقك)[22]. إفشاء السر
يقول قال أكثم بن صيفي:
إفشاء السر (إنَّ سِرَّك من دمك، فانظر أين تريقه)[23]. إفشاء السر
يقول قال أبو حاتم:
إفشاء السر (مَن حصَّن بالكتمان سرَّه تمَّ له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب والضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، والحازم يجعل سرَّه في وعاء ويكتمه عن كلِّ مستودع، فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له؛ لأنَّ السرَّ أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وعاؤه؛ فمن الأوعية مَا يضيق بما يودع، ومنها مَا يتسع لما استودع)[24]. إفشاء السر
  • وقال بعضهم: (ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه، ويمكِّن عدوَّه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سرِّ نفسه وسرِّ أخيه؛ ومن عجز عن تقويم أمره، فلا يلومنَّ إلا نفسه إن لم يستقم له)[22].
  • وقد قيل أنَّ أمامة بنت الحارث أوصت ابنتها أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني لما حان زفافها بعمرو بن حجر ملك كندة، بوصية قالت فيها:

    (فلا تعصينَّ له أمرًا، ولا تفشينَّ له سرًّا، فإنَّك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سرَّه لم تأمني غدره)[25].

  • قال الماوردي: (وفي الاسترسال بإبداء السرِّ دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة:
  1. إحداها: ضيق الصدر، وقلة الصبر، حتى أنَّه لم يتسع لسرِّ، ولم يقدر على صبر.
  2. والثانية: الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء. وقد قال بعض الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازمًا فيزل، ولا جاهلًا فيخون.
  3. والثالثة: ما ارتكبه من الغدر، واستعمله من الخطر. وقال بعض الحكماء: سرُّك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرقته)[20].

أقسام وصور إفشاء السر[عدل]

إفشاء السر المذموم[عدل]

  1. إفشاء سر الأهل والأقارب والأصدقاء والمسلمين كلهم بشكل عام.
  2. إفشاء أسرار الدولة أو مؤسساتها.
  3. إفشاء الأسرار الزوجية.
  4. إفشاء وإعلان الذنوب التي يقع فيها المسلم والمجاهرة بها:
إفشاء السر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله Mohamed peace be upon him.svg يقول: ((كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله؛ فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه))[26] إفشاء السر

إفشاء السر المحمود[عدل]

هذا وإفشاء السر في الأصل مذموم، ولا يُحمد إلا في حالات خاصة، منها:

  1. في سبيل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين: مثال ذلك، رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لما قال: ((لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)) [المنافقون: 8]، وسَمِعَ بذلك زيد بن أرقم، فأخبر رسول الله Mohamed peace be upon him.svg بما قاله ابن سلول [27].
  2. في سبيل أداء الشهادة عند القاضي لإحقاق الحق: فقد نهى الله تعالى عن كتمان الشهادة فقال (في سورة البقرة): ((..وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ..)).

بالعموم، فإن إفشاء السر يكون جائزاً في حالات منها:

  • أن يؤدي الكتمان إلى ضرر أكبر من ضرر الإفشاء.
  • أن يكون السبب الداعي للكتمان قد انقضى وزال.
  • أن يكون صاحب السر قد مات، وإفشاء سره لا يكون فيه عليه مضرة أو إساءة.
  • ويجوز أيضاً لدفع الخطر عن نفسه أو غيره.[28].

ضوابط البوح بسِّر النفس[عدل]

قال الماوردي: (واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم. فليختر العاقل لسرِّه أمينًا إن لم يجد إلى كتمه سبيلًا، وليتحرَّ في اختيار من يأتمنه عليه، ويستودعه إياه. فليس كلُّ من كان على الأموال أمينًا كان على الأسرار مؤتمنًا. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأنَّ الإنسان قد يذيع سرَّ نفسه ببادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشحُّ باليسير من ماله، حفظًا له وضنًّا به، ولا يرى ما أذاع من سرِّه كبيرًا في جنب ما حفظه من يسير ماله، مع عظم الضرر الداخل عليه. فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذرًا، وأقل وجودًا من أمناء الأموال. وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأنَّ أحراز الأموال منيعة، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق)[29].

من شعر العرب في السِّر وكتمانه[عدل]

قال محمد بن إسحاق الواسطي:

إذا المرءُ لم يحفظْ سريرةَ نفسِهوكان لسرِّ الأخ غيرُ كتومِ
فبعدًا له من ذي أخ ومودةٍوليس على ودٍّ له بمقيمِ

قال المنتصر بن بلال الأنصاري[24]:

سأكتمُه سرِّي وأكتمُ سرَّهولا غرَّني أني عليه كريمُ
حليمٌ فيفشي أو جهولٌ يذيعُهوما الناسُ إلا جاهلٌ وحليمُ

وقال آخر[22].:

ونفسُك فاحفظْها ولا تفشِ للعدَىمِن السرِّ ما يُطوي عليه ضميرُها
فما يحفظُ المكتومَ من سرِّ أهلِهإذا عُقدُ الأسرارِ ضاع كثيرُها
مِن القومِ إلا ذو عفافٍ يعينُهعلى ذاك منه صدقُ نفسٍ وخيرُها

المراجع[عدل]

  1. ^ المفردات في غريب القرآن (404\1)
  2. ^ مقاييس اللغة لابن فارس (ص4/504)
  3. ^ المفردات في غريب القرآن (404\1)
  4. ^ مقاييس اللغة لابن فارس (ص3/69)
  5. ^ تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ص4/42)
  6. ^ جامع البيان في تفسير القرآن للطبري(ص11/120)
  7. ^ تفسير المراغي لأحمد مصطفى المراغي (ص9/139)
  8. ^ محاسن التأويل للقاسمي (ص9/274)
  9. ^ جامع البيان في تفسير القرآن للطبري(ص23-91)
  10. ^ جامع البيان في تفسير القرآن للطبري(ص7/253)
  11. ^ حسَّنه الألباني في (صحيح الجامع) (7604)
  12. ^ فيض القدير (3/226)
  13. ^ رواه مسلم (1437)
  14. ^ شرح النووي على صحيح مسلم (10/8)
  15. ^ فيض القدير (2/538)
  16. ^ رواه البخاري (5145)
  17. ^ موقع الشيخ خالد بن عثمان السبت
  18. ^ فتح الباري لابن حجر (ص9/178)
  19. ^ إحياء علوم الدين للمباركفوري (ص1/239)
  20. أ ب أدب الدنيا والدين للماوردي (ص307)
  21. ^ (الذريعة إلى مكارم الشريعة) للراغب الأصفهاني (213)
  22. أ ب ت المحاسن والأضداد للجاحظ (ص46)
  23. ^ الآداب الشرعية لابن مفلح (ص2/174)
  24. أ ب روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي (189)
  25. ^ (فقه السنة) لسيد سابق (2/234)
  26. ^ رواه البخاري (6069)
  27. ^ جامع البيان في تفسير القرآن للطبري(ص14/346)
  28. ^ موقع الدرر السنية بتصرف يسير
  29. ^ أدب الدنيا والدين للماوردي (ص-308-307)