الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى (806)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نجمة المقالة المرشحة للاختيار
هذه المقالة مرشحة حاليًا لتكون مقالة جيدة، وتُعد من الصفحات التي تحقق مستوى معينًا من الجودة وتتوافق مع معايير المقالة الجيدة في ويكيبيديا. اطلع على عملية الترشيح وشارك برأيك في هذه الصفحة.
تاريخ الترشيح 24 أبريل 2019


الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى (806)
جزء من الحروب الإسلامية البيزنطية
Arab-Byzantine frontier zone-ar.svg
خريطة آسيا الصغرى التابعة للإمبراطورية البيزنطية ومنطقة الحدود البيزنطية العربية عام 780.
معلومات عامة
التاريخ 11 يونيو 806
الموقع الأناضول
النتيجة انتصار العباسيين واسئناف مؤقت لدفع الجزية من قبل البيزنطيين.
المتحاربون
Abbasid Flag.png الخلافة العباسية Byzantine imperial flag, 14th century.svg الإمبراطورية البيزنطية
القادة
هارون الرشيد نقفور الأول
القوة
غير معروفة غير معروفة

فتح هرقلة أو الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى 806 أو الغزو العباسي لآسيا الصغرى عام 806 هو أكْبَر عَمَليّة عسكرية شَنَّتها الخلافة العباسية على الإمبراطورية البيزنطية، وقد كان تحت إشْراف شخصي وقيادة الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي امتدَّ حكمه بين الأعوام 786-809. أراد هارون الرشيد من هذه الحملة الردّ على الزحف البيزنطي الذي امتدّ نحو مناطق الخلافة الحدودية في العام السابق والذي استهدف إخضاع العباسيين تحت حكم الإمبراطور البيزنطي نقفور الأول، الذي حكم بين الأعوام 802-811. وفقًا للمصادر الإسلامية التي تناولت هذا الحدث، فقد بلغ عدد أفراد الجيش العباسي أكثر من 135,000 رجل، وقد قام هذا الجيش بشَّن حملة على إِقليم قباذوقية بدون مقاومة، كما واستولى على عدد من المدن والحصون، أبرزها مدينة هرقلة، مما أجبر نقفور الأول على السعي لتحقيق السلام مقابل دفع الجزية، غير أنّه انتهك شروط المعاهدة بعد انسحاب الجيش العباسي، وأعاد احتلال الحصون الحدودية التي أُجبر على التخلي عنها. هذه الانتهاكات العسكرية لم تواجه بردود عباسية مماثلة بسبب انشغال الرشيد بمواجهة ثورات المتمردين في خراسان، ووفاته بعد ثلاث سنوات، واندلاع الحرب بين الأمين والمأمون بعد موته، التي بدأت في عام 809 بالإضافة إلى انشغال البيزنطيين بالبلغار. هذه العوامل كلها ساهمت في وقف الحروب الإسلامية البيزنطية لمدة عقدين من الزمن.

الخلفية التاريخية[عدل]

بعد عزل الإمبراطورة البيزنطية أيرين أثينا في شهر أكتوبر من العام 802، وتَولي الإمبراطور نقفور الأول الحكم بدلًا منها، بدأت الغارات والمناوشات العسكرية تشتد وتتزايد. وبعد عدد من الفتوحات العباسية في آسيا الصغرى، اضطرت أيرين أن تجنح للسلم وأن تطلب هدنة لمدة أربعة أعوام من الخليفة هارون الرشيد، وقد تقرّر بموجبها،[1] تبادل الأسرى وأن يتوقّف العباسيون عن التمدّد في الأملاك البيزنطية، مقابل أن تدفع بيزنطة الجزية سنويًا بنفس الشروط المتفق عليها في هدنة ثلاث السنوات السابقة، التي تلت أول حملة واسعة النطاق شنها هارون الرشيد في العام 782.[2][3][4] من جهة أخرى، فقد كان نقفور الأول أشدَّ حُبّاً للحروب. ووفقًا لمصدر سرياني، فقد قام أحد المنشقين البيزنطيين بعد معرفته باستلام نقفور الأول للحكم بتحذير الوالي العباسي لمنطقة الجزيرة الفراتية العليا، وأخبره أن يتخلص من لباسه الحريري وأن يتأهب ويستعد عسكريًا لما هو قادم. كان نقفور الأول مصممًا على إعادة ملء الخزينة الإمبراطورية، من خلال عدد من التدابير، أبرزها كان بوقف دفع الجزية،[5] بل ذهب أبعد من ذلك حين طلب استرداد الجِزى التي دفعتها الإمبراطورة أيرين، بحجة أنها لم تفعل ذلك إلا لضعفها لأنها امرأة،[1] وظهرت تواجهاته وأفكاره في محتوى كتابه - شديد اللهجة - الذي أرسله إلى هارون الرشيد، حيث توعّد العباسيين بالحرب لو لم ينزلوا تحت شروطه:[6]

الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى (806) من نقفور ملك الروم،

إلى هارون ملك العرب،
أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي (يقصد أيرين) أقامتكَ مقام الرخـ وأقامت نفسها مقام البَيْدق، فحملت إليكَ من أموالِها ما كُنتَ حَقيقًا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحُمْقِهن، فإذا قرأتَ كتابي، فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيفُ بيننا وبينك.

الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى (806)

وما إن قرأ هارون الرشيد الكتاب السابق، حتى غضب غضبًا شديدًا، "واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه" على حد وصف الطبري، فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر الكتاب،[6] رسالة مُختصرة غدت مثلًا يُضرب بين الناس:

الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى (806)
بسم الله الرحمن الرحيم

من هارون أمير المؤمنين،
إلى نقفور كلب الروم،
قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام.

الحملة الإسلامية على آسيا الصغرى (806)

حيث قام في ربيع العام 803، بقيادة حملة عسكرية للرد سريعًا على هذا التصرّف، ورافقه فيها ابنه القاسم.[1] لم يستطع نقفور الأول الرد على هذه الحملة، لأنه واجه تمردًا واسع النطاق، انتشر بين صفوف الجيش البيزنطي في آسيا الصغرى تحت قيادة باردينس توركوس، غير أنّ نقفور الأول تخلص من باردينس وحشد جيشه بعدها، واتجه لصد ثاني أكبر حملة عسكرية عربية قادها الخليفة نفسه. بعد قيام هارون بمداهمة المنطقة الحدودية، متوغّلا في منطقة قباذوقية،[1] تواجه الجيشان لمدة شهرين من غير خوض أي معركة في آسيا الصغرى، حيث قام كل من نقفور الأول والرشيد بتبادل الرسائل وتوصّلا إلى اتفاق هدنة لما بقي من العام،[2] بعد أن عرض نقفور الصلح والموادعة على خارج يدفعه كل عام، وافقَ الرشيد على العرض وبموجبه، قام بالانسحاب مكتفيًا بما حقّقه.[1][2][7]

في العام 804، عبرت قوة عسكرية عباسية بقيادة إبراهيم بن جبريل جبال طوروس في آسيا الصغرى، تجهز نقفور الأول لمواجهتها، إلا أنه فوجئ بهزيمة كبيرة في معركة كراسوس التي كاد أن لا ينجو منها بحياته، وهو ما أدى إلى عرضه من جديد الهدنة على هارون الرشيد، مقابل السلم ودفع الجزية، فتقبّلَها الخليفةُ - وقد كانت فرصة للرشيد أن يتفرغ لإنهاء الثورات التي اشتعلت في خراسان - وعلى أثر ذلك تم تبادل الأسرى بين الجانبين في فصل الشتاء على الحدود بين الإمبراطوريتين، بالقرب من نهر ليمونلو في قِلِيقِيَا حيث جرى تبادل 3,700 مسلم مقابل البيزنطيين اللذين أُسِروا في السنوات السابقة.[2][4][8]

ما إن اتجه هارون الرشيد إلى خراسان لمواجهة الثورات هناك، تاركًا ابنه القاسم أميرًا على المنطقة لمراقبة الحدود البيزنطية، حتى استغل نقفور الأول الفرصة في الربيع، ونقض العهد بإعادة بناء الحصون المدمرة في عدة مدن شملت صفصاف وثيباسا وأنقرة، وقام بحلول فصل الصيف بشن أول غارة بيزنطية على الثغور الحدودية العربية في قليقيا، ما عُدّت أول حملة بيزنطية استطاعت التوغل في الأراضي العباسية منذ عقدين من الزمن، حيث داهم الجيش البيزنطي المنطقة المحيطة بالحصون في المصيصة وعين زربة وقاموا باتخاذ الأسرى، وقد ردت الحامية العسكرية في المصيصة بمهاجمة القوة البيزنطية المعتدية واستعادت إثر ذلك معظم الأسرى والغنائم، غير أن البيزنطيين اتجهوا إلى طرطوس، التي كان الرشيد قد أمر في العام 786، بإعادة بناء حصونها وتهيئتها لتعزيزها أمام الهجمات، ولتساعد في بسط السيطرة على قليقيا، وسرعان ما سقطت قليقيا بيد البيزنطيين، وتم أسر الحامية العسكرية بأكملها، كذلك قامت قوة بيزنطية أخرى في نفس الفترة بمداهمة الجزيرة الفراتية، غير أنها لم تنجح بمحاصرة حصن مدينة مَلَطْية، كما بدأ تمرد بتحريض بيزنطي على الحامية العربية المحلية في قبرص.[2][9][10]

عودة الهجمات البيزنطية المفاجئة، أثارت قلق هارون الرشيد، الذي تلقى تقارير تفيد بأن نقفور الأول، يُخطط لهجمات مشابهة في العام المقبل، تهدف إلى إعادة احتلال كل المناطق الحدودية بين الدولتين. وكان الرشيد يهدف من خلال حملته هذه، الردّ على الزحف البيزنطي الذي امتدّ نحو المناطق الحدودية للخلافة، التي أطلق عليها اسم العواصم، وكانت تضم الأقاليم الخلفية للدولة، إضافة إلى الحصون الجنوبية، وامتدت من أنطاكية حتى الفرات، وجُعلت منبج عاصمة للعواصم، ثم غدت أنطاكية هي العاصمة، واختار الرشيد ابنه القاسم المؤتمن أميرًا عليها.[11] وقد سُمّيت بالعواصم، لأنها تعصم حدود الدولة العباسية من أن تقع بيد البيزنطيين، كما هدف الرشيد من هذه التسمية إلى التمييز بين المنطقة الحدودية الجنوبية والحصون الشمالية الخارجية المتاخمة لحدود الدولة البيزنطية، التي اصطلح على تسميتها بالثغور.[12] ويعتقد المؤرخ الأمريكي - المُتخصّص في التاريخ البيزنطي - وارن تريدغولد، بإن البيزنطيين، لو أنهم قد تمكّنوا من تحقيق أهدافهم من تلك الحملات (احتلال العواصم)، فإن الحاميات العسكرية البيزنطية في طرطوس وملطية، كانت ستغلق بشكل جزئي الطرق الرئيسية أمام الغزوات العربية عبر طرطوس باتجاه الأراضي البيزنطية، وهو ما كان سيصب في مصلحة البيزنطيين بحسب تعبيره. وقد علّل المؤرخ الأمريكي بأن هدف نقفور الأول من تلك الحملات على الدولة العباسية - على الرغم من إدراك الإمبراطور البيزنطي للتفوق العددي والمؤني الذي تمتاز به دولة الخلافة - كان على الأرجح استعراضًا للقوة من جانب نقفور الأوّل واختبارًا منه لقوة العباسيين.[13]

الحملة[عدل]

عاد هارون الرشيد إلى الحدود الغربية بعد حسم الأمور في خراسان في شهر تشرين الثاني من العام 805، وجهز لحملة ضخمة بهدف الانتقام في العام 806، وحشد الرجال من الشام وبلاد فارس ومصر. وفقًا للطبري، بلغ عدد هذا الجيش 135,000 جندي نظامي، بالإضافة إلى عدد من المتطوعين والاحتياطيين، وحسب ادعاءات تيوفان المعرّف البيزنطي فقد وصل العدد إلى 300,000 جندي، مما يجعله أكبر الأرقام المسجلة في تاريخ العصر العباسي بأكمله، ما يفوق مقدرة الجيش البيزنطي بكثير. على الرغم من أن إحصائيات تيوفان مبالغ فيها دون شك، إلا أنها تدل على حجم القوة العباسية. وفي نفس الوقت، ولى الأميرال حميد بن معيوف سواحل بحر الشام إلى مصر، حيث كانت تستعد قواته البحرية لمهاجمة قبرص.[14][15][16][17][18]

خريطة المنطقة الحدودية البيزنطية العربية في جنوب آسيا الصغرى حيث وقعت الحملة العباسية في عام 806.

غادر الجيش العباسي الضخم انطلاقًا من مدينة الرقة حيث محل إقامة هارون الرشيد في الشام، في تاريخ 11 حزيران من العام 806،[a] تحت إمرة الخليفة نفسه، وقد نقل الطبري أن الرشيد اتخذ خوذة نُقِش عليها عبارة "غازٍ حاجٍ".[19] عبر العباسيون قليقيا حيث أمر هارون بإعادة بناء طرطوس وقام بدخول المدينة البيزنطية قباذق عبر المداخل القليقية. ثم توجه هارون إلى مدينة طوانة التي انسحب منها البيزنطيون، وهناك بدأ تأسيس قاعدة عملياته وأمر عقبة بن جعفر الخزاعي بإعادة ترميم المدينة وإقامة مسجد فيها. سيطر القائد العسكري العباسي عبد الله بن مالك على ذي الكلاع (سيدروبالوس)، التي توجّه منها ابن عم الخليفة داود بن عيسى بن موسى مع نصف الجيش العباسي المقدر وفقًا للطبري بقرابة 70,000 رجل، إلى مدينة قباذق المدمرة، وقام شراحيل بن معن بن زائدة أحد القادة العسكريين في الجيش العباسي بالسيطرة على ما يُسمى قلعة السلاف الشهيرة باسم حصن الصقالبة، بالإضافة إلى مدينة دلسة (ثيفا) التي كان قد أُعيد بناؤها مؤخرًا بناء على أوامر نقفور الأوّل، بينما سيطر يزيد بن مخلد على حصن الصفصاف وملقونية، وامتدت سيطرة الجيش العباسي إلى مغارة الكحل[20] المعروفة في المصادر البيزنطية باسم أندراسوس (بالإنجليزية: Andrasos) (باليونانية: Ἀνδρασσός)؛ يُستدل من تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي أنها منطقة قريبة من المصيصة،[21] كذلك يُعتقد أنها من نواحي قباذوقية اليوم،[b] كذلك قاموا بمحاصرة كيزيسترا (من نواحي قيصرية اليوم[c])؛ بينما وصل الجيش العباسي حدود أنقرة التي لم يتحركوا لاحتلالها. توجه الرشيد مع النصف الآخر من قواته إلى الغرب وفتح هرقلة بعد شهر من الحصار في آب أو أيلول.[d] وقد أمر بهدم المدينة التي نُهِبت، وسُبي أهلها ورُحلوا إلى أراضي الدولة العباسية. وفي نفس الفترة، غزا حميد بن معروف قبرص ودمرها وسبى حوالي 17,000 من سكانها بمن فيهم رئيس الأساقفة، فأقدمهم الرافقة حيث بيعوا فيها، وبلغ فداء أسقف قبرص ألفي دينار على ما ذكر ابن الأثير الجزري في تاريخه.[22][23][24][25]

لم يتمكن نقفور الأول الذي تفوق عليه البلغار بالعدد وشكلوا مصدر تهديد له من مقاومة الهجمة العباسية، وبقي على وعي كامل بخصوص القوة العباسية الرئيسية حتى مع انتصاره ببعض الاشتباكات الصغيرة مع كتائب في مناطق معزولة. في النهاية وبسبب احتمالية أن يقوم الرشيد بحملة للسيطرة على طوانة خلال فصل الشتاء (تُسمّى اصطلاحًا: غزو الشاتية)، قرّر نقفور الأوّل ابتعاث ثلاثة رجال دين سفراء إلى هارون وهم: ميخائيل (أسقف سينادا)، بطرس (رئيس الدير في غولايون)، وجرجير (ممثل مدينة آماسرا)، حيث عرض على الرشيد السلام ودفع الخراج. وقد وافق هارون على الشروط التي تضمنت جزية سنويّة وفقًا لتيوفان بمقدار 30,000 قطعة ذهبية، بينما كانت 50,000 قطعة ذهبية وفقًا للطبري، بالإضافة إلى فرض الرشيد جزية شخصية إضافية كعقاب بحق الإمبراطور وابنه ووريثه ستوراكيوس، تكون ثلاث عملات ذهبية عن كل واحد منهما، تُقدّم للخليفة (تُدفع مرتين أو أربع مرات على التوالي وفقًا للطبري)، وكانت هذه العقوبة بمثابة اعتراف أن الإمبراطور البيزنطي وابنه وخليفته أصبحا أتباعًا للخليفة، كما اشتُرط على نقفور الأول ألا يُعيد بناء الحصون المدمّرة، وقد وعد الأخير بذلك. وبناءً على هذه المعاهدة، أمر هارون الرشيد قواته أن تقوم بالانسحاب من مختلف المناطق المُحاصرة، وأخلى الأراضي البيزنطية.[25][26][27][28]

تداعيات الحادثة[عدل]

تلى شروطَ اتفاقية السلام تبادلٌ وديٌ مفاجئ بين هارون الرشيد ونقفور الأول، وروى الطبريُّ أنّ نقفورًا طلب من الخليفة أن يرسل إليه عطورًا وفتاة من هرقلية كواحدة من العرائس المرشحة لابنه ستوراكيوس. كما روى للطبري أنّ هارون أمر بالبحث عن مثل هذه الفتاة وتم إحضارها وتزينها وإركابها على مقعد في خيمة سبق أن أقام فيها الخليفة نفسه، وتم تسليم الفتاة والخيمة ومحتوياتها والسفن وتجهيزاتها إلى مبعوث نقفور الأول، وأرسل هارون الرشيد أيضًا عطورًا إلى الإمبراطور كان قد طلبها بالإضافة إلى التمر وأطباق حلوى هلامية وزبيب وأدوية.[29][30]

رد نفقور الأول هذا الجميل وأرسل حصاناً محملاً بـ 50.000 قطعة نقدية فضية و100 قطعة من قماش الساتان و200 قطعة من الديباج الفاخر و12 صقرًا وأربع كلاب صيد وثلاث خيول أخرى، ولكن الإمبراطور وفور انسحاب العرب قام باستعادة الحصون الحدودية وتوقف عن دفع الجزية. ووفقًا لتيوفان فإن هارون قام بشكل غير متوقع بالعودة إلى ثيباسا والاستيلاء عليها كنوعِ من الرد على ذلك التصرف، ولكن هذا الأمر لم يتم إثباته في مصدر آخر.[2][28][30]

شن العرب غارات انتقامية متتابعة في العام التالي، ولكن الهجمة التي قادها يزيد بن مقلد الحبيري الفزاري هزمت وسقط فيها يزيد نفسه في أرض المعركة. أما الغارة الكبرى التي قادها هرثمة بن أعين فقد تصدى لها نقفور الأول بنفسه وتراجع كلا الطرفين بعد معركة غير حاسمة. قام البيزنطيون بالهجوم على مدينة مرعش بالمقابل، بينما شن حميد غارة بحرية ضخمة في أواخر الصيف تم على إثرها السيطرة على جزيرة رودس ووصلت الحملة لأقصى حدود بيلوبونيز وأثارت بها تمردًا من السكان السلافيّين المحليين. خسر حميد العديد من السفن بسبب عاصفة في طريق عودته، وتم إخماد الثورة السلافية بعد فشل السيطرة على باتراس.[31][32][33] تضاعف فشل الجهود العباسية في ذلك العام بسبب تمرد آخر نشب في خراسان أجبر هارون الرشيد على المغادرة إلى الشرق مرة أخرى، وأبرم الخليفة هدنة جديدة وتبادلاً آخر للأسرى في لاموس في عام 808، مما حفظ لنقفور الأول مكاسبه باستعادة الحصون الحدودية والتوقف عن دفع الجزية.[34]

التأثيرات[عدل]

خريطة التوسع الإسلامي والعالم الإسلامي في ظل الخلافة الأموية وبدايات الخلافة العباسية من القرن السابع إلى منتصف القرن العاشر الميلادي.

من الناحية العسكرية، حققّت حملات الرشيد العسكرية الضخمة نتائج أقل من المتوقع. ومع أنّها انتهت بفتح هرقلة، الفتح الذي حظي بمكانة بارزة في المصادر العربية، إلا أنها لم تُحقّق نصرًا عسكريًا دائمًا للدولة العباسية، ذلك أن نقفور الأول كان سبّاقًا إلى انتهاك بنود الهدن والمعاهدات التي كان يُبرمها مع الرشيد. وحسب بعض الباحثين الغربيين، لو أنّ الرشيد أخذ بالآراء التي قدمها له بعض قادته العسكريين، واتجه نحو الغرب البيزنطي، لغزو مدنها الكبرى، لكان الضرر الذي يلحق بالإمبراطورية البيزنطية طويل الأمد. إلا أن الخليفة، على ما يظهر، كان يعتقد بأن استعراض القوة العسكرية قادر على إرعاب نقفور الأول ومنعه من تكرار هجماته.a[›] وفي هذا الصدد يمكن القول بأن حملة فتح هرقلة قد حققت نجاحًا عباسيًا مؤكدًا، حيث قام الإمبراطور البيزنطي بعد العام 806، بالتخلي عن جميع خططه التوسعية داخل الدولة العباسية، ووجّه بدلًا من ذلك إمكانياته، نحو الإصلاحات المالية، ولاستعادة البلقان وحروبه على البلغار.[35][36] إلا أن جهود نقفور الأول كلها انتهت بمقتله بشكل مأساوي في معركة بليسكا الكارثية في العام 811، ومن جانب آخر، بدأت الخلافة العباسية بالتفكّك بعد وفاة هارون الرشيد في 24 آذار 809، حين نشبت حرب أهلية بين ابنيه، الأمين (حكم خلال الأعوام 809-813والمأمون (حكم خلال الأعوام 813-833)، عُرفت باسم الفتنة الرابعة، والتي بسببها، لم يستطع العباسيون أن يستغلوا التحولات في الدولة البيزنطية وحالة الضعف التي ضربتها.

كانت الحملة العسكرية التي شُنّت في العام 806، بقيادة الرشيد والتي أدّت إلى فتح هرقلة، والحملة التي سيّرها الرشيد بقيادة هرثمة بن أعين في العام 807 (غزو صائفة)،[37] آخر الحملات العباسية المُنظمة الرئيسية على الإمبراطورية البيزنطية التي امتدت لأكثر من عشرين عامًا، وحسبما يذكر الطبري، فلم تحدث بعدها، حتى العام 833، أي حملات عباسية واسعة النطاق،[38] جرى خلالها اختراق الحدود بين الجانبين، حتى جلس ثيوفيلوس على العرش (حكم خلال الأعوام 829-842)، حيث قاد بدوره مواجهات عسكرية على الدولة العباسية، تصدّى لها كل من المأمون ومن ثم المعتصم (حكم خلال الأعوام 833-842)، وكانت هذه المواجهات العسكرية الواسعة والعابرة للحدود هي استئناف للمواجهات بين الدولتين.[39][40]

كانت حملةُ هارون الرشيد ذاتَ تأثير عميق في الأعمال الأدبية. ووفقًا للمسعودي، فقد ارتبطت بالكثير من الأساطير بين العرب، وقد حظيت هذه الحملات بأهمية عظمى عند الأتراك العثمانيين، حيث تأثر أوليا جلبي بأحداث حملة الرشيد في عام 782، وأظهره محاصرًا للقسطنطينية مرتين، حيث انسحب هارون في المرة الأولى بعد أن سيطر على مساحات شاسعة جدًا من الأراضي البيزنطية، بانيًا قلعة هناك (محاكاة لحكاية الملكة عليسة)، وفي المرة الثانية، حين قام هارون بشنق نقفور الأول في آيا صوفيا.[41]

مشهد عام لأنقاض القصر

من جهته، أمر هارون الرشيد ببناء نصب تذكاري احتفالًا وتخليدًا لفتح هرقلة، وذلك على بُعد حوالي ثمانية كيلومترات إلى الغرب من الرقة حيث مكان أقامته الرئيسي، ويتكون هذا النصب الذي يعرف باسم قصر هرقلة (نسبة لمدينة هرقلة)، من بناء مربع بطول مائة متر ويُحيط به جدار دائري يبلغ قطره خمسمائة متر تقريبًا، وفيه أربع بوابات رئيسية. ويُزعم أن البناء الرئيسي، قد شُيِّد من الحجارة التي أُخذت من الكنائس التي هُدِمت - جراء الحملات العباسية - بناءً على أوامر الرشيد بين الأعوام 806-807.

ويوجد في الطابق الأرضي أربعة أواوين وسلم يؤدي إلى الطابق العلوي الذي تُرِك غير مكتمل البناء، بسبب مغادرة هارون إلى خراسان ووفاته هناك.[42] بينما يشير ياقوت الحموي إلى أن بناء القصر كان كاملًا، بقوله: «...وبقي الحصن عامرًا مدة حتى خرب، وآثاره إلى وقتنا هذا باقية وفيه آثار عمارة وأبنية عجيبة».

ملاحظات[عدل]

^ a: على عكس أسلافهم الأمويين، اتبع الخلفاء العباسيون سياسة خارجية محافظة وكانوا راضين بحدود الأراضي التي حازوها، وكانت الحملات الخارجية التي يشنونها انتقامية أو وقائية في هدفها من أجل الحفاظ على حدودهم وفرض الوجود العباسي على جيرانهم.[43] كانت الحملات على الإمبراطورية البيزنطية مهمة بشكل خاص من أجل مصادر الدولة، فقد كانت الغارات السنوية رمزًا للجهاد المستمر في الدولة الإسلامية في بدايتها وكانت الحملات الخارجية الوحيدة التي شارك فيه الخليفة أو أبناؤه بشكل شخصي، وكانت مماثلة لما كان يتم تداوله في سبيل الترويج لقيادة أفراد الأسرة العباسية في موسم الحج إلى مكة المكرمة، وكان لذلك دور في تسليط الضوء على دورهم في الحياة الدينية للمجتمع الإسلامي.[44][45]


انظر أيضًا[عدل]

المصادر[عدل]

  1. أ ب ت ث ج طقوش 2009، p.103.
  2. أ ب ت ث ج ح Brooks 1923, p. 126.
  3. ^ Treadgold 1988, p. 113.
  4. أ ب Kiapidou 2002, Chapter 1 "Archived copy". مؤرشف من الأصل في 2013-10-29. اطلع عليه بتاريخ 22 مارس 2012.  .
  5. ^ Treadgold 1988, pp. 127, 130.
  6. أ ب الطبري 839-923، p.8/308.
  7. ^ Treadgold 1988, pp. 131–133.
  8. ^ Treadgold 1988, p. 135.
  9. ^ Treadgold 1988, pp. 135, 138–139.
  10. ^ Bosworth 1989, pp. 261–262.
  11. ^ الطبري 839-923، p.8/302.
  12. ^ طقوش 2009، p.101-102.
  13. ^ Treadgold 1988, p. 139.
  14. ^ الطبري 839-923، p.8/320.
  15. ^ Bosworth 1989, p. 262.
  16. ^ Mango & Scott 1997, p. 661.
  17. ^ Kennedy 2001, pp. 99, 106.
  18. ^ Treadgold 1988, p. 144.
  19. ^ الطبري 839-923، p.8/320-321.
  20. ^ Honigmann 1935, p. 85–86.
  21. ^ الأنطاكي 975–1066، p.8/320.
  22. ^ ابن الأثير الجزري 1160-1233، p.5/342.
  23. ^ Treadgold 1988, pp. 144–145.
  24. ^ Bosworth 1989, pp. 262–263.
  25. أ ب Kiapidou 2002, Chapter 2 "Archived copy". مؤرشف من الأصل في 2013-10-29. اطلع عليه بتاريخ 22 مارس 2012.  .
  26. ^ Bosworth 1989, p. 263
  27. ^ Treadgold 1988, pp. 145, 408 (Note #190).
  28. أ ب Mango & Scott 1997, p. 662.
  29. ^ Bosworth 1989, p. 264.
  30. أ ب Treadgold 1988, p. 146.
  31. ^ Brooks 1923, p. 127.
  32. ^ Treadgold 1988, pp. 147–148
  33. ^ Bosworth 1989, pp. 267–268.
  34. ^ Treadgold 1988, p. 155.
  35. ^ Treadgold 1988, pp. 146, 157ff.
  36. ^ Kiapidou 2002, Chapter 3 "Archived copy". مؤرشف من الأصل في 2013-10-29. اطلع عليه بتاريخ 22 مارس 2012.  .
  37. ^ الطبري 839-923، p.8/323.
  38. ^ الطبري 839-923، p.8/327.
  39. ^ cf. Brooks 1923, pp. 127ff.
  40. ^ cf. Treadgold 1988, pp. 144–152, 157ff.
  41. ^ Canard 1926, pp. 103–104.
  42. ^ Meinecke 1995, p. 412.
  43. ^ El-Hibri 2010, p. 302.
  44. ^ El-Hibri 2010, pp. 278–279.
  45. ^ Kennedy 2001, pp. 105–106.

ملاحظات[عدل]

  1. ^ لعشر بقين من رجب من العام 190 هـ حسب تاريخ الطبري.
  2. ^ أندراسوس: (بالإنجليزية: Andrasos) (باليونانية: Κύζιστρα)؛ معجم الجغرافية التاريخية لدولة تركيا - بيلغه أومار - صفحة: 71 - دار الإنقلاب (بالتركية: İNKILAP KİTABEVİ)، تركيا.
  3. ^ كيزيسترا: (بالإنجليزية: Kyzistra) (باليونانية: Κύζιστρα)؛ معجم أسماء المناطق - التي غُيّرت - في تركيا - سيفان نيشانيان - صفحة: 198 - طبعة: إسطنبول، تركيا.
  4. ^ كان ذلك في شوّال من العام 191 هـ، حسب ابن كثير الجزري.

مراجع[عدل]