حرب العشرية السوداء في الجزائر
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
حرب العشرية السوداء في الجزائر صراع مسلح خلال العشرية السوداء بين النظام الجزائري القائم و فصائل متعددة وصفت بأنها تتبنى أفكار موالية ل الجبهة الإسلامية للإنقاذ و الإسلام السياسي. منها الجماعة الإسلامية المسلحة و الحركة الإسلامية المسلحة و الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح و الجيش الإسلامي للإنقاذ وهو الجناح المسلح لالجبهة الإسلامية للإنقاذ.
بدأ الصراع في يناير عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية لعام 1991 في الجزائر والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا مؤكدا مما حدا بالجيش الجزائري التدخل لالغاء الانتخابات التشريعية في البلاد مخافة من فوز الإسلاميين فيها.
بالرغم من أن حدة العنف قد خفت منذ عام 2002 ولكن وإستنادا إلى وزارة الداخلية الجزائرية لايزال هناك قرابة 1000 من ما تصفهم الحكومة بـ "المتمردين المسلحين" نشطين في الجزائر
في سبتمبر 2005 أيدت أغلبية كبيرة من الجزائريين العفو الجزئي الذي أصدرته الحكومة الجزائرية عن مئات من المسلحين الإسلاميين ضمن ما عرف "بميثاق السلم والمصالحة الوطنية" بهدف إنهاء أكثر من عقد من النزاع.
بموجب الميثاق، الذي اقترحه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تم العفو عن عدد كبير من الأشخاص الذين تورطو في أعمال عنف، لكن المعارضين للميثاق يعتبرون أن المصالحة غير ممكنة دون تحقيق العدالة ويطالبون بأن تفتح الدولة تحقيقا بشأن آلاف الأشخاص الذين اختفوا طيلة الأعوام الماضية ولم يعرف مصيرهم حتى الآن.
محتويات |
[عدل] البدايات
بعد تسلم الشاذلي بن جديد السلطة في الجزائر عام 1979 بدأت محاولاته لتطبيق خطته الخمسية التي كانت تهدف إلى إنشاء قواعد للاقتصاد الحر في الجزائر والنهوض بالمستوى الاقتصادي المتعثر للجزائر ولكن سنوات حكمه شهدت نشاطا من البربر أو الأمازيغ في مجال معارضتهم لما أسموه سياسة التعريب التي تنتهجها الحكومة و خاصة في مجال التعليم فبعد منع خطبة حماسية للناشط و الأستاذ الأمازيغي القبائلي مولود معمري في جامعة حسناوة بتيزي وزو في 10 مارس 1980 بدأت حملة منظمة من الطلاب و الأطباء و الناشطون الأمازيغ للبدأ في إضراب عام مما حدى بالرئيس الجزائري آنذاك بن جديد بأن يجري تعديلات على سياسة الحكومة ومنها على سبيل المثال منح حقوق ثقافية و إعلامية و جامعية للأمازيغ هذه التعديلات اعتبرت من قبل مما يوصفون اليوم باتباع منهج الإسلام السياسي بأنها تنازلات تهدد الهوية القومية للجزائر. ومن جهة أخرى كان لعدم قدرة الرؤساء السابقين للجزائر النهوض بالأقتصاد الجزائري وفشل الأفكار الشيوعية و القومية العربية في إيجاد حل جذري لمشاكل البلاد الداخلية، كل هذه العوامل أدت إلى بروز تيار قامت بتفسير التخلف و التردي في المستوى الأقتصادي و الاجتماعي إلى ابتعاد المسلمين عن التطبيق الصحيح لنصوص الشريعة الإسلامية وتؤثر حكوماتهم بالسياسة الغربية[1].
بدأ نشاط التيار الإسلامي السياسي بالإزدياد تدريجيا من خلال بعض العمليات التي كانت تستهدف محلات بيع المشروبات الروحية وممارسة الضغط على السيدات بارتداء الحجاب وفي عام 1982 طالب ذلك التيار علنا بتشكيل حكومة إسلامية ومع ازدياد أعمال العنف و خاصة في الجامعات الدراسية تدخلت الحكومة و قامت بحملة إعتقالات واسعة حيث تم اعتقال أكثر من 400 ناشط من التيار المتبني لفكرة الإسلام السياسي و كان من بينهم أسماء كبيرة مثل عبد اللطيف سلطاني ولكن الحكومة بدأت تدرك ضخامة و خطورة حجم هذا التيار فقامت وكمحاولة منها لتهدئة الجو المشحون بإفتتاح واحدة من أكبر الجامعات الإسلامية في العالم بولاية قسنطينة في عام 1984 وفي نفس السنة تم إجراء تعديلات على القوانين المدنية الجزائرية وخاصة في ما يخص قانون الأسرة حيث أصبحت تتماشى مع الشريعة الإسلامية [2] [3].
لكن الاقتصاد الجزائري استمر بالتدهور في منتصف الثمانينيات و إزدادت نسبة البطالة وضهرت بوادر شحة لبعض المواد الغذائية الرئيسية ومما ضاعف من حجم الأزمة كان انخفاض أسعار النفط في عام 1986 من 30 دولارا للبرميل إلى 10 دولارات وكان الخيار الوحيد أمام الشاذلي بن جديد للخروج من الأزمة هو تشجيع القطاع الخاص بعد فشل الأسلوب الاشتراكي في حل الأزمة وقوبلت هذه التغييرات بموجة من عدم الرضا وأخذ البعض في الشارع الجزائري يحس بأن الحكومة تظهر لامبالاة بمشاكل المواطن البسيط [4]
تصاعد الغضب في قطاعات واسعة من الشارع الجزائري وفي أكتوبر 1988 بدأت سلسلة من إضرابات طلابية و عمالية والتي أخذت طابعا عنيفا بصورة تدريجية وانتشرت أعمال تخريب للممتلكات الحكومية إلى مدينة عنابة و البليدة ومدن أخرى فقامت الحكومة بإعلان حالة الطوارئ وقامت باستعمال القوة وتمكنت من إعادة الهدوء في 10 أكتوبر بعد أحداث عنيفة أدت إلى قتل حوالي 500 شخص و اعتقال حوالي 3500 شخص وسميت هذه الأحداث من قبل البعض "بأكتوبر الأسود" كما يصفها البعض الآخر ب"انتفاضة أكتوبر" [5]. كانت للطريقة العنيفة التي انتهجتها الحكومة في أحداث أكتوبر نتائج غير متوقعة حيث قامت مجاميع تنتهج الإسلام السياسي بإحكام سيطرتها على بعض المناطق وطالبت منظمات عديدة في الجزائر بإجراء تعديلات وإصلاحات فقام الشاذلي بن جديد بإجراءات شجعت على حرية الصحافة و حرية الرأي و التعبير فقام عباسي مدني و علي بلحاج بتأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس 1989 بعد التعديل الدستوري وإدخال التعددية الحزبية [6]. وكان عباس مدني الأستاذ الجامعي و المحارب السابق في حرب التحرير الجزائرية يمثل تيارا دينيا معتدلا وكان لدوره السابق في حرب التحرير أثرا رمزيا في ربط الحركة الجديدة بتاريخ النضال القديم للجزائر وفي الجهة الأخرى وصف الكثيرون علي بلحاج الذي كان أصغر عمرا بأن أفكاره متطرفة حيث قال في أحد خطبه "إن المصدر الوحيد للحكم هو القرآن وإذا كان اختيار الشعب منافيا للشريعة الإسلامية، فهذا كفر و إلحاد حتى إذا كان هذا الاختيار قد تم ضمن انتخابات شعبية [7].
بدأت الجبهة تلعب دورا بارزا في السياسة الجزائرية وتغلبت بسهولة على الحزب الحاكم، جبهة التحرير الوطني الذي كان الحزب المنافس الرئيسي في انتخابات عام 1990 مما حدى بجبهة التحرير الوطني إلى إجراء تعديلات في قوانين الانتخابات وكانت هذه التعديلات في صالح الحزب الحاكم فأدى هذا بالتالي إلى دعوة الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى إضراب عام وقام الشاذلي بن جديد بإعلان الأحكام العرفية في 5 يونيو 1991 وتم اعتقال عباسي مدني و علي بلحاج.
في ديسمبر 1991 أصيب الحزب الحاكم بالذهول حيث أنه برغم التعديلات الانتخابية واعتقال قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلا أن الجبهة حصلت على أغلبية ساحقة من المقاعد في الدور الأول وهو 188 مقعدا ومحاولة من النظام القائم في الحيلولة دون تطبيق نتائج الانتخابات تم تأسيس المجلس الأعلى للدولة والذي يتكون من 5 أعضاء وهم الجنرال خالد نزار (وزير الدفاع) و علي كافي وعلي هارون و التيجاني هدام و محمد بوضياف والتي كانت عبارة عن مجلس رئاسي لحكم الجزائر وذلك بعد إجبار الشاذلي بن جديد على الإستقالة وإلغاء نتائج الانتخابات وكان رئيس المجلس هو محمد بوضياف إلى أن اغتيل في ظروف غامضة من طرف أحد حراسه والمعدو بو معرافي لمبارك في 29 يونيو 1992 ليحل محله علي كافي إلى أن تم استبداله باليمين زروال في 31 يناير 1994 واستمر حتى 27 أبريل 1999 [8].
[عدل] أطراف الصراع
كان الفوز الساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الأنتخابات أمرا غير مقبول لدى كبار رجال قيادات الجيش في الجزائر حيث قام رجال في الجيش باجبارالشدلي على الغاء النتائج لكنه رفض لأنه وعدشعبه بأن تكون النتائج من اختيار الشعب فأجبر على الإستقالة في 11 يناير 1992 وجلبوا المحارب القديم في حرب تحرير الجزائر ، محمد بوضياف والذي كان يعيش في المغرب بعيدا عن صراعات السلطة ليكون رئيس المجلس الأعلى للبلاد وتم اعتقال 5000 من أتباع الجبهة الإسلامية للإنقاذ حسب المصادر الحكومية بينما يؤكد الجبهة إنه تم اعتقال 30,000 من جماعتهم ونقلوا إلى سجون في الصحراء الكبرى وقامت منظمة العفو الدولية بالإشارة إلى الكثير من الانتهاكات في حقوق الإنسان خلال تلك الفترة و في 4 مارس 1992 قامت الحكومة بإلغاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ كحزب سياسي مرخص [9]. اعتبر أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين لم تطلهم يد الاعتقال تصرفات الجيش بمثابة إعلان حرب على الجبهة وقرروا البدأ بحرب عصابات بكل وسيلة متوفرة لهم وإنظم إلى الجبهة فصائل أخرى كانت تنتهج مبدأ الإسلام السياسي وكان أفراد الجيش و قوات الشرطة الهدف الرئيسي للمسلحين الذين اتخذوا من المناطق الجبلية في شمال الجزائر معاقل رئيسية لهم ولكن المناطق الغنية بالنفط بقيت تحت السيطرة الكاملة للحكومة و كانت بعيدة عن مناطق الصراع الرئيسية.
أدت هذه الأوضاع المتأزمة إلى تدهور أكثر في الاقتصاد الجزائري وزاد الوضع تأزما بعد اغتيال محمد بوضياف الذي كان أمل الجيش في إعادة الهدوء للبلاد لكونه رمزا من رموز تحرير الجزائر والذي تم اغتياله في 29 يونيو 1992 أثناء إلقاء خطاب في مراسيم افتتاح مركز ثقافي في عنّابة على يد أحد أعضاء فريق حمايته و الذي وصف بكونه "متعاطفا مع الإسلاميين" [10] وبعد عملية الاغتيال تلك حكم على عباسي مدني و علي بلحاج بالسجن لمدة 12 عاما .
في 26 أغسطس 1992 أخذ الصراع منعطفا خطيرا وهو استهداف الرموز المدنية للحكومة حيت تم استهداف مطار الجزائر وراح ضحية الانفجار 9 قتلى و اصيب 128 آخرين بجروح وقامت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الفور بشجب الحادث وإعلان عدم مسؤوليتها عن الانفجار [11], وأصبح واضحا وبصورة تدريجية إن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ليست لها الكلمة العليا في توجيه أساليب الصراع المسلح مع الحكومة وبدأت أسماء مثل مجموعة التكفير و الهجرة و الحركة الإسلامية المسلحة و الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح تبرز إلى السطح وهذه المجاميع كانت تعتبر متطرفة في تطبيقها لمبدأ الإسلام السياسي مقارنة بإسلوب الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي وصفت بأنها أكثر إعتدالا. فجماعة التكفير و الهجرة على سبيل المثال كانت مصرية المنشأ حيث إنبثقت في أواخر الستينيات وانتشرت في العديد من الدول وبرز اسم الجماعة بصورة ملفتة للنظر في عام 1977 حيث أصبح المهندس الزراعي المصري شكري مصطفى زعيما للجماعة وشكري مصطفى كان عضوا سابقا في حركة الإخوان المسلمين ولكنه انتهج أسلوبا أكثر تشددا بعد إعدام سيد قطب [12], وكان محمد بويري الذي قام بإغتيال المخرج الهولندي ثيو فان كوخ في 2 نوفمبر 2004 عضوا في جماعة التكفير و الهجرة [13]. كانت هناك بوادر واضحة على انعدام المركزية والتنسيق المنظم بين هذه المجاميع المختلفة وكان هناك بوادر خلافات بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كانت الطرف الرئيسي في نشوء الأزمة و الفصائل الإسلامية التي إنظمت إليها. في لقاء لقناة العربية الفضائية مع "الأمير الوطني" للجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مزراق في 18 أكتوبر 2004 قال مرزاق "الجماعة الإسلامية في الحقيقة جمعت شتاتاً غير متجانس, فهناك من كان في الهجرة والتكفير، وهناك من كان في الإخوان, وهناك من كان في التيار السلفي الذي لا يؤمن بالتكفير, وهناك من جاء من الخارج من أفغانستان, وطبعاً وجلب معه المتناقضات الموجودة في أفغانستان" و "لم تكن الجماعة الإسلامية تملك من النظام والتنظيم ما يسمح لها أن تضبط هؤلاء الأفراد" [14]. في ضل عدم وجود تنظيم و قيادة مركزية موحدة بدأت موجة من أعمال العنف التي إستهدفت مدنيين كالمعلمين و المدرسين و الموظفين والإعلاميين و المفكرين والأجانب بحجة إنهم متعاونون مع السلطة وكانت الجماعة الإسلامية المسلحة برئاسة عنتر الزوابري وراء الكثير من هذه العمليات [15] ، [16] [17].
[عدل] المفاوضات
استمرت أعمال العنف طيلة عام 1994 ولكن الاقتصاد الجزائري بدأ بالتحسن نوعا ما بعد قدرة الحكومة على تمديد فترة دفع بعض الديون و حصولها على مساعدات مالية عالمية بقيمة 40 مليار دولار [18], ولم تكن في الأفق بوادر توقف قريب لأعمال العنف وفي هذه الأثناء وفي 31 يناير 1994 تم اختيار اليمين زروال رئيسا للدولة لتسيير شؤون البلاد في المرحلة الإنقالية الذي كان أول أمازيغي يتقلد مسؤولية رئاسة الجمهورية منذ الاستقلال وكان زروال يفضل مبدأ الحوار و التفاوض أكثر مقارنة بالرئيس الذي سبقه علي كافي فبدأ زروال محادثات مع قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المسجونيين وأطلق سراح العديد منهم و أدى أسلوب زروال إلى حدوث انقسام بين مواقف الجهات المحاربة لفكر الإسلام السياسي فكانت جبهة التحرير الوطني و جبهة القوى الإشتراكية تفضل التفاوض لحل الأزمة بينما كان الأتحاد العام للعمال الجزائريين [19] و التجمع من اجل الثقافة و الديمقراطية [20] و منظمة الشباب الأحرار الجزائرية كانت تفضل تصفية كاملة لظاهرة الإسلام السياسي المسلح وبدأت منظمة الشباب الأحرار بالفعل باستهداف من اعتبرتهم "متعاطفين مع الإسلاميين" [21].
في هذه الأثناء برزت الجماعة الإسلامية المسلحة كفصيل نشيط في حرب العصابات وفي 26 أغسطس 1994 اعلنت الجماعة تطبيقها لقوانين الخلافة الإسلامية و اختارت لقب أمير المؤمنين لزعيمها وإستمرت في استهداف المدنيين و كان الشاب حسني, المطرب الجزائري من بين من تم استهدافهم حيث أغتيل في 29 سبتمبر 1994 [22]. في هذه الفترة و محاولة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ لإعادة زمام السيطرة على مجريات الصراع مع الحكومة شكلت الجبهة حركة جديدة ضمت مجاميع كانوا مشتركين بقناعة إن الأساليب المتطرفة التي تنتهجها الجماعة الإسلامية المسلحة سوف يؤدي إلى زيادة الأوضاع سوءا وتدريجيا أحكمت الجبهة زمام سيطرتها على مايقارب 50% من العمليات في شرق و غرب الجزائر ولكن منطقة وسط الجزائر بقيت مسرحا لعمليات الجماعة الإسلامية المسلحة.
في نهاية عام 1994 أعلن اليمين زروال فشل المفاوضات مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، وعبر عن نيته في إجراء انتخابات جديدة في مطلع عام 1995 و طرح فكرة إقامة ميليشيات للدفاع عن القرى و الأماكن المستهدفة حيث أن تحركات الجيش لم تكن كافية لإحتواء الأزمة [23]. وفي هذه الأثناء تمكن بعض قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ من مغادرة الجزائر إلى روما وبدؤا بمفاوضات مع أحزاب المعارضة الجزائرية الأخرى وإستطاعت ان توحد أراء 5 أحزاب أخرى في 14 يناير 1995 ونتج عن هذا الاتفاق جدول أعمال طالبت بإحترام حقوق الإنسان و التعددية و الديمقراطية و رفض التحكم المطلق للجيش في إدارة شؤون الجزائر و إطلاق سراح قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ والمطالبة بوقف أعمال العنف من قبل جميع الأطراف ولكن الحكومة لم توقع على هذا الاتفاق واعتبرتها تدخلا خارجيا في شؤون الجزائر [24] .
[عدل] المذابح
استمرت الجماعة الإسلامية المسلحة بفعالياتهم المثيرة للجدل وخاصة في جنوب الجزائر وعرف منطقة نشاطهم باسم مثلث الموت وكانت أطراف هذا المثلث عبارة عن ولاية الجزائر و بليدة و الأربعاء ووقع في هذا المثلث مذابح عديدة وكانت من أبشع الحملات الدموية التي قامت بها الجماعة هي قتل 400 مدني جزائري في بلدة تبعد 150 ميلا جنوب غرب الجزائر في 31 ديسمبر 1997 [25] ولم يكن استهداف الجماعة مقتصرا على أهداف مدنية حكومية أو شخصيات مدنية فقط بل إنها بدأت باستهداف الجبهة الإسلامية للإنقاذ أيضا وتم في 11 يوليو اغتيال عبد الباقي صحراوي في باريس و كان صحراوي أحد قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ [26].
في 16 نوفمبر 1995 فاز اليمين زروال بالانتخابات بأغلبية 60% وأشار المراقبون العرب و الدوليون إن الانتخابات كانت نزيهة [27] ، وكان التوجه العام للمقترعين هو إيجاد مخرج من دائرة العنف بغض النظر عن الجهة السياسية الفائزة في الانتخابات وبدأ زروال يدفع إلى كتابة دستور جديد للبلاد يمنح الحكومة و الرئيس بالتحديد صلاحيات واسعة وتم تمرير هذا الدستور بعد استفتاء شعبي عام. بدأت الميليشيات الموالية للحكومة بالإزدياد و الانتشار وكانت هذه الميليشيات عبارة عن مدنيين تم تدريبهم و تزويدهم بالأسلحة من قبل الجيش . في 5 يونيو 1997 فاز الحزب الجديد الذي شكله زروال باغلبية 156 مقعدا من اصل 380 مقعد في البرلمان الجزائري وبدأت الحكومة بإبداء مرونة أكثر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ فتم نقل مؤسس الجبهة عباس مدني من السجن إلى الإقامة الجبرية في منزله ولكن عام 1997 شهد منعطفا خطيرا في الصراع حيث بدأت سلسلة من العمليات التي إستهدفت المدنيين وكان الذبح الطريقة الشائعة في هذه المذابح وفيما يلي قائمة بهذه المذابح [28] [29]:
- مذبحة ثاليت في 3 ابريل 1997 في المدية وقتل فيها 52 شخص من مجموع 53 شخص من ساكني القرية .
- مذبحة حوش خميستي في 21 ابريل 1997 وقتل فيها 93 قروي في 3 ساعات.
- مذبحة دائرة لابقوير في 16 يونيو 1997 وقتل فيها 50 مدنيا.
- مذبحة سي زيروق في 27 يوليو 1997 وقتل فيها حوالي 50 مدنيا.
- مذبحة قويد الحاد و مزوارة في 3 اغسطس 1997 وقتل فيها مايقارب 76 مدنيا.
- مذبحة سوهاني في 20 اغسطس 1997 وقتل فيها 64 مدنيا.
- مذبحة بني علي في 26 اغسطس 1997 وقتل فيها مايقارب 100 مدنيا.
- مذبحة ريس في 29 اغسطس 1997 وقتل فيها 400 شخص.
- مذبحة بني مسوس في 5 سبتمبر 1997 وقتل فيها 87 مدنيا.
- مذبحة جويلب الكبير في 19 سبتمبر 1997 وقتل فيها 53 مدنيا.
- مذبحة بن طلحة في 22 سبتمبر 1997 وقتل فيها 200 قرويا.
- مذبحة سيد العنتري في 23 ديسمبر 1997 وقتل فيها 117 مدنيا.
- مذبحة سيدي حميد في 11 يناير 1998 وقتل فيها 103 مدنيا.
- مذبحة قويد بواجة في 26 مارس 1998 وقتل فيها 52 مدنيا.
- مذبحة تاجينا في 8 ديسمبر 1998 وقتل فيها 81 مدنيا.
وكانت هذه المذابح التي إستهدفت سكان هذه القرى لاتميز بين ذكر أو انثى أو بين طفل رضيع أو شيخ طاعن في السن وكانت طرق القتل في غاية الوحشية وكانت اصابع الاتهام موجهة إلى الجماعة الإسلامية المسلحة التي إعترفت بنفسها عن مسؤوليتها عن مذبحتي ريس و بن طلحة [30], وكان التكفير هو المبرر الذي إستعمله الجماعة فكل جزائري لا يقاتل الحكومة كان في نظرهم كافرا [31]
وكان المبرر الآخر هو انظمام بعض ساكني تلك القرى إلى الميليشيات الموالية للحكومة. من جهة أخرى كانت هناك تقارير من منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان مفاده ان تلك المذابح وقعت على مبعدة مئات الأمتار من مقرات الجيش الجزائري والذي حسب التقارير لم تفعل شيئا لأيقاف المذابح وكانت هناك إشاعات إن الجيش نفسه قام بعد من هذه المذابح و انتشرت هذه الدعيات بعد هروب أفراد من الجيش و لجوئهم إلى دول أوروبية حيث صرح هؤلاء ان الجيش كان له يد في بعض المذابح [32] [33]. وبدأت موجة من تبادل الاتهامات عن المسؤول عن هذه المذابح حيث بدأت الكثير من نظريات المؤامرة بالإنتشار وكانت من أبرزها ان الحكومة إستطاعت التغلغل في صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة وان لها دورا في هذه المذابح وإلقاء مسؤوليتها على الجماعة [34].
[عدل] ميثاق السلم و المصالحة الوطنية
أدت هذه المذابح إلى حدوث انشقاق في صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة و إنفصل البعض منها بسبب عدم قناعتهم بجدوى تلك الأساليب وفي 14 سبتمبر 1998 تشكلت المجموعة السلفية للتبشير والجهاد بزعامة حسن حطب [35] ، وفي 11 سبتمبر 1999 فاجأ اليمين زروال العالم بتقديم إستقالته ونظمت انتخابات جديدة في الجزائر وتم اختيار عبد العزيز بوتفليقة رئيسا في 15 ابريل 1999 وحصل إستنادا إلى السلطات الجزائرية على 74% من الأصوات إلى أن بعض المنافسين إنسحبوا من الانتخابات بدعوى عدم نزاهة الانتخابات. استمر بوتفليقة في الحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ وفي 5 يونيو 1999 حصل على موافقة مبدأية من الجبهة بنزع أسلحتها وأصدر بوتفليقة العفو عن العديد من المعتقليين وعرض ميثاق السلم و المصالحة الوطنية لاستفتاء عام وفيه عفو عن المسلحين الذين لم يقترفوا أعمال قتل أو اغتصاب إذا ماقرروا العودة و نزع سلاحهم وتمت الموافقة الشعبية على الميثاق في 16 سبتمبر 1999 وقامت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بنزع سلاحها بالكامل في 11 يناير 2000 وفي فبراير 2002 قتل عنتر الزوابري زعيم الجماعة الإسلامية المسلحة في إحدى المعارك مما ادى إلى تقليل ملحوظ في نشاط الجماعة [36]. وتم إطلاق سراح مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني و علي بلحاج وكان هذا مؤشرا على ثقة الحكومة بنفسها وبالفعل كان حدس الحكومة صائبا ففي انتخابات عام 2004 حصل بوتفليقة على 85% من الأصوات .
[عدل] مصادر و مراجع


