الطب اليوناني القديم

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ‏ ابحث

الطب عند اليونان

أبوقراط أعظم أطباء زمانه

لقد كان أهم الحوادث في تاريخ العلوم اليونانية في عصر بركليز (القرن الخامس قبل الميلاد) نهضة الطب القائم على العقل لا على الخرافة، ذلك أنّ الطب اليوناني قبل ذلك الوقت كان وثيق الارتباط بالدين إلى حد كبير، وكان كهنة هيكل أسقليبيوس Asclepius لا يزالون يقومون بعلاج المرضى، وكان العلاج في هذا الهيكل يقوم على خليط من الأدوية التجريبية والطقوس الدينية والرُقى السحرية التي تؤثر في خيال المريض وتطلق عقاله، وليس ببعيد أنهم كانوا يلجؤون إلى التنويم المغناطيسي وإلى بعض المخدرات، وكان الطب الدنيوي ينافس الطب الديني ويحاول أن يتغلب عليه، وكان أنصار هذا وذاك يعزون منشأ علمهم إلى أسكليبيوس، ولكن الأسكليبيوسيين غير الدينيين كانوا يرفضون الاستعانة بالدين في عملهم، ولا يدَّعون أنهم يعالجون المرضى بالمعجزات، وقد أفلحوا شيئا فشيئا في إقامة الطب على قواعد العقل.

وتطور الطب الدنيوي في بلاد اليونان أثناء القرن الخامس قبل الميلاد في أربع مدارس كبرى: في كوس ونيدس من مدن آسيا الصغرى، وفي كرتونا وصقلية ب إيطاليا. وفي أكرغاس اقتسم أنبادوقليس (وهو نصف فيلسوف ونصف رجل معجزات) مفاخر الطب مع أكرون Acron الطبيب المفكر المنطقي.

وقد وصلت إلينا أنباء مدوَّنة ترجع إلى عام (520ق.م) عن طبيب يدعى ديموسيدس Democedes، ولد في كرتونا، ومارس مهنة الطب في إيجينا وساموس وسوسة، وعالج دارا والملكة أتوسا Atossa، ثم عاد ليقضي آخر أيامه في مسقط رأسه.

وفي كرتونا أيضا أخرجت المدرسةالفيثاغورثية أوسع أطباء اليونان شهرة قبل أبوقراط ونعني به ألكمايون Alcmaeon، الذي يُلقبونه الأب الحقيقي للطب اليوناني، ولكنه في واقع الأمر لم يكن إلا اسما متأخرا في ثبت طويل من أسماء الأطباء غير الدينيين الذين ضاعت أسماؤهم في ما وراء التاريخ، وقد نشر هذا الطبيب في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد كتابا في الطبيعة بيراي فيسيوس peri physeos، ومبلغ علمنا أنه كان أول من حدد من اليونان موضع العصب البصري وقناة أستاخيو التي تصل الطبلة إلى البلعوم (نفير أوستاش)، وشرَّح الحيوانات، وفسَّر فيزيولوجيا النوم، وقرر أنّ المخ هو العضو الرئيسي في عملية التفكير، وعرَّف الصحة تعريفا فيثاغورثيا فقال: إنها التوافق بين أجزاء الجسم المختلفة.

وكان أكبر رجال الطب في نيدس هو أوريفرون Euryphron، الذي كتب في الطب خلاصة موجزة تُعرف باسم الجمل النيدية، وقال عن التهاب البلورا إنه مرض في الرئتين، وإنّ الإمساك منشأ الكثير من الأمراض، وذاع صيته لنجاحه في عمليات التوليد، وقامت حرب مشؤومة بيم مدرستي كوس ونيدس لأنّ النيديين لم يكونوا يحبون ولع أبوقراط في أن يقوم التشخيص على معرفة طبائع الأمراض، ومن ثم أصروا على وجوب العناية بتصنيف الأمراض كلها تصنيفا دقيقا، وعلاج كل مرض منها بطريقته الخاصة،وتسرب في نهاية الأمر الكثير من الكتابات النيدية إلى المجموعة الطبية الأبوقراطية.

كوربوس أبقراط

أبوقراط أعظم أطباء زمانه بلا منازع[عدل]

وقد ولد في مدينة كوس في السنة التي ولد فيها ديموقريطوس (464ق.م)، وأصبح الرجلان صديقين حميمين بالرغم من بعد موطنهما، ولربما كان "للفيلسوف الضاحك" نصيب في توجيه الطب وجهة دنيوية، وكان أبوقراط ابن طبيب، ونشأ ومارس صناعة الطب بين آلاف المرضى والسُّياح الذين وفدوا على كوس لأخذ الماء من عيونها الساخنة، ووضع له معلمه هيرودكس السلمبري Herodicus الأساس الذي بنى عليه فنَّه بتعويده الاعتماد على نظام التغذية وعلى الرياضة الجسمية أكثر من اعتماده على الأدوية، وذاعت شهرة أبوقراط حتى كان من بين مرضاه بيرديكاس ملك مقدونية، وأردشير الأول ملك الفرس، وفي عام (430ق.م) استدعته أثينا ليحاول وقف انتشار الطاعون فيها، ومات أبوقراط في الثالثة والثمانين من عمره.

وليس في كل ما كُتب في الطب وفي كل ما يمكن أن يُكتب فيه ما هو أكثر اختلافا وأقل تجانسا من مجموعة الرسائل التي كانت تُعزى في القديم إلى أبوقراط، ففيها كتب مدرسية للأطباء ، ونصائح لغير رجال الطب، ومحاضرات للطلبة، وتقارير وبحوث وملاحظات، وتسجيلات سريرية لحالات طريفة، ومقالات كتبها سفسطائيون ممن يهتمون بالناحيتين العلمية والفلسفية في الطب، وكانت الاثنان والأربعون سجلا سريريا هي السجلات الوحيدة من نوعها في السبعة عشر قرنا التي أعقبت ذلك العهد، وكانت أعلى الأمثلة في الأمانة باعترافها أنّ المرض أو العلاج قد أعقبه الموت في ستين بالمائة من الحالات، وأربعة من هذه المؤلفات هي التي انعقد إجماع المؤرخين على أنها من كتابات أبوقراط وهي: ((الحكم))، ((الأدلة))، ((تنظيم التغذية والعوائد في الأمراض الحادة))، ورسالته في ((جروح الرأس))، أما ما عدا هذه الأربعة من المؤلفات المعزوة إلى أبوقراط فمن وضع مؤلفين مختلفين عاشوا في أوقات مختلفة بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد، يقول ول ديورانت: ((وفي هذه المجموعة قدر غير قليل من السخف والهذيان، ولكن أكبر الظن أنه ليس أكثر مما سيجده علماء المستقبل في رسائل هذه الأيام وتواريخها، وكثير من المعلومات التي في هذه الكتب والرسائل شذرات متفرقة، موضوعة في صورة حكم وقواعد مفككة تقترب بين الفينة والفينة من الغموض الذي يلازم كتابات الفيلسوف هيروقليطس، ومن بين حكم أبوقراط تلك العبارة الذائعة الصيت: الفن طويل ولكن الوقت يمر مرَّ السحاب)).

وأكبر الفضل لأبوقراط وخلفائه أنهم حرروا الطب من الدين والفلسفة، نعم إنهم يشيرون في بعض الأحيان بأن يستعين المريض بالصلاة والدعاء كما نرى ذلك في كتاب ((التنظيم)) ولكن النغمة السارية في صفحات المجموعة كلها هي وجوب الاعتماد الكلي على العلاج الطبي، وتهاجم رسالة ((المرض المقدس)) صراحة النظرية القائلة بأنّ الأمراض ترسلها الآلهة، ويقول مؤلفها: إنّ للأمراض جميعها عللا طبيعية بما في ذلك الصرع نفسه الذي يُفسِّره الناس بأنه تقمُّص الشيطان في جسم الإنسان، وكانت روح العصر البركليزي تتمثل أوضح تمثيل في عقلية أبوقراط، فقد كان واسع الخيال ولكنه واقعي، يكره الخفاء ولا يطيق الأساطير، يعترف بقيمة الدين ولكنه يكافح لفهم العالم على أساس العقل والمنطق، وإنا لنحس بأثر السفسطائيين في الحركة التي تهدف إلى تحرير الطب، وقد أثرت في طرق العلاج اليونانية تأثيرا بلغ من قوته أن قام نزاع بين العلم والفلسفة كما قام نزاع بين العلم وبين العقبات التي يضعها الفهم الخاطئ للدين في سبيله، وكان أبوقراط يُصر على أنّ النظريات الفلسفية لا شأن لها بالطب ولا موضع لها فيه، وأنّ العلاج يجب أن يقوم على شدة العناية بالملاحظة، وعلى تسجيل كل حالة من الحالات وكل حقيقة من الحقائق تسجيلا دقيقا، ولسنا ننكر أنّ أبوقراط لم يدرك كل الإدراك قيمة التجارب العلمية ولكنه كان يُصر على أن يهتدي في جميع أعماله بالخبرة والتجربة العملية.

وفي وسعنا أن نتبيَّن ما تلوث به الطب الأبوقراطي في منشئه من عدوى الفلسفة بالنظر إلى عقيدة الأخلاط الأربعة المشهورة، يقول أبوقراط: ((إنّ البدن يتكون من الدم، والبلغم، والصفراء، والسوداء، وإنّ الإنسان يستمتع بالصحة الكاملة إذا امتزجت فيه هذه العناصر بنسبها الصحيحة، وإنّ الألم ينشأ من نقص بعض هذه الأخلاط أو زيادتها أو انفصالها عن الأخلاط الأخرى))، وقد بقيت هذه النظرية وعاشت بعد زوال جميع الفروض الطبية القديمة ولم يتخل عنها الناس إلا في القرن الماضي، ولعلها لا تزال باقية في صورة أخرى هي عقيدة الهرمونات أو إفراز الغدد التي يقول بها الأطباء في هذه الأيام، إذ كان اليونان يعتقدون أنّ سير هذه الأخلاط يتأثر بالجو والطعام.

وكانت أكثر الأمراض انتشارا في بلاد اليونان هي أمراض البرد (الزكام)، وذات الرئة، والملاريا، وكتب أبوقراط رسالة موجزة في ((الأهوية والمياه والأماكن)) وعلاقتها بالصحة، وفيها يقول: ((في وسع الإنسان أن يُعرِّض نفسه للبرد وهو واثق من أنه لن يصيبه منه سوء إلا إذا فعل ذلك بعد الأكل أو الرياضة، وليس من الخير للجسم أن لا يتعرض لبرد الشتاء)) (قصة الحضارة)، وليس لنا أن نستخف بأقوال أبوقراط وأتباعه لأنّ من واجب الطبيب العلمي أن يدرس الرياح والفصول، وموارد ماء الشرب، وطبيعة الأرض، وأثر هذه العوامل كلها في السكان.

والتشخيص أضعف النقاط في طب أبوقراط، فلم يكن يعتني بقياس النبض، وكانت الحمَّى تُعرف باللمس البسيط، كما كان الاستماع يحصل بالأذن مباشرة، وكان أبوقراط يؤمن بالعدوى في أحوال الجرب، والرمد، والسل، وفي كتابه عن الجسم Corpus صور سريرية كثيرة للصرع، والتهاب الغدة النكفية الوبائي، وحمى النفاس، والحمى اليومية، وحمى الثلث، وحمى الربع، ولم يرد في المجموعة ذكر للجدري أو الحصبة أو الخناق (الدفتريا) أو الحمى القرمزية أو الزهري أو الحمى التيفية.

وتنزع رسائل ((التنظيم)) نحو الطب الوقائي بدعوتها إلى دراسة أحوال الداء في أول ظهوره ومحاولة معرفة أولى علامات المرض والقضاء عليه قبل أن يستفحل، وكان أبوقراط شديد الولع بمعرفة العواقب في الطب، ويرى أنّ الطبيب الماهر يعرف بتجاربه نتائج أحوال الجسم المختلفة، وفي مقدوره أن يتنبأ بسير المرض من مراحله الأولى، ويقول: إنّ معظم الأمراض تصل إلى مرحلة يُقضى فيها إما عليها أو على المريض ذاته، وإنّ التقدير الحسابي للمرض إلى أن يصل إلى أشد حالاته لمن أخص خصائص النظرية الأبوقراطية، ويقول بهذا المعنى: إذا استطاعت حرارة الجسم في هذه الأزمات أن تتغلب على سبب العلة وتطرده من الجسم شُفي المريض، ويقول: إنّ الطبيعة (أي قوى الجسم وبنيته) هي أهم علاج لكل مرض أيا كان نوعه، وإنّ كل ما يستطيع الطبيب أن يفعله هو أن يقلل أو يزيل العقبات القائمة في طريق الدفاع والشفاء الطبيعي، ولهذا فإنّ الطريقة الأبوقراطية لا تستخدم العقاقير في العلاج إلا قليلا، وأكثر ما تعتمد عليه هو الهواء النقي، والمقيئات، والحقن الشرجية، والحجامة، والإدماء، والكمادات، والمراهم، والتدليك، والمياه المعدنية، ومن أجل ذلك كان دستور الأدوية اليوناني صغير جدا ويتكون في معظمه من المسهلات، وكانت أمراض الجلد تعالج بالحمامات الكبريتية وبالتدليك بدهن كبد الحوت، ويُسدي أبوقراط للناس هذه النصيحة: ((عش عيشة صحية تنج من الأمراض إلا إذا انتشر في البلد وباء أو أصابتك حادثة، وإذا مرضت ثم اتبعت نظاما صالحا في الأكل والحياة أتاح ذلك لك أحسن الفرص للشفاء))، وكثيرا ما كان يوحي بالصوم إذا سمحت بذلك صحة المريض: ((كلما أكثرنا من تغذية الأجسام المريضة زدنا بذلك تعريضها للأذى))، ويمكن القول بوجه عام : ((الإنسان يجب أن لا يتناول إلا وجبة واحدة من الطعام في اليوم إذا كانت معدته شديدة الجفاف)) (قصة الحضارة).

وكان تقدم علمي التشريح ووظائف الأعضاء في بلاد اليونان بطيئا، وكان أكبر العوامل فيما أحرزاه من تقدم هو الفحص عن أحشاء الحيوانات، وفي المجموعة الأبوقراطية رسالة صغيرة في ((القلب)) تصف البطينين والأوعية الكبرى وصماماتها، وكتب سينيسس القبرصي وديوجين الكريتي يصفان الجهاز الدموي، وعرَّف ديوجين أهمية النبض، وكذلك عرَّف أنبادوقليس أنّ القلب مركز الجهاز الدموي ووصفه بأنه العضو الذي يحمل النيوما (الأوكسجين) إلى جميع أجزاء الجسم، وفي كتاب ((الجسم)) يحذو أبوقراط حذو ألكاميون فيجعل المخ مركز الشهور والتفكير ويقول: به نفكر ونبصر ونسمع ونميِّز القبيح من الجميل والغث من الثمين.

أما الجراحة فكانت ما تزال في معظم الأحوال عملا لا يتخصص فيه الطلاب، ويشتغل فيه كبار الأطباء، وإن كان من الموظفين في الجيوش جراحون، وتصف مؤلفات أبوقراط عمليات تربنة (فتح) الجمجمة، وطرقة معالجة انخلاع الكتف أو انخلاع الفك، وقد وُجدت في هيكل أسكلبيوس بأثينا لوحة نذور نُقشت عليها علبة تحتوي على مباضع ذات أشكال مختلفة، ويحتفظ متحف أثينا الصغير بعدد من الملاقط والمسابر والمباضع والقثاطر والنظارات الطبية القديمة لا تختلف في جوهرها عن أمثالها المستخدمة في هذه الأيام، ويبدو أنّ بعض ما هنالك من تماثيل هي نماذج أعدت لشرح الوسائل التي تتبع لرد الخلع في مفاصل العجز، وفي رسالة أبوقراط ((في الطب)) تعليمات مفصَّلة لتحضير حجرة العمليات الجراحية، وتنظيم ما فيها من ضوء طبيعي وصناعي، وتنظيف اليدين، والعناية بآلات الجراحة وطريقة استخدامها، وموضع المريض، وتضميد الجروح وغير ذلك.

ويتضح من هذه الفقرات وغيرها أنّ الطب اليوناني في عهد أبوقراط قد تقدم تقدما ملحوظا من الناحيتين الفنية والاجتماعية، فقد كان الأطباء اليونان قبل أبوقراط ينتقلون من مدينة إلى أخرى كلما دعتهم الحاجة إلى هذا الانتقال، أما في عهده فقد استقروا في مدنهم وافتتحوا مكاتب وأماكن للعلاج Iatreia يعالجون فيها المرضى تارة ويعالجونهم في منازلهم تارة أخرى، وكثرت عندهم الطبيبات، وكن يُستخدمن عادة في علاج أمراض النساء، وقد كتب بعضهن رسائل في العناية بالجلد والشعر تعد حجة في موضوعاتها، ولم تكن الدولة تحتم على من يريد ممارسة الطب أن يُقدم امتحانا عاما ولكنها كانت تطلب إليه أن يقدم أدلة مقنعة على أنه قد تمرَّن أو تتلمذ على طبيب مُعترَف به، ووقفت حكومات المدن بين الطب المؤمم والطب الخاص باستخدام أطباء للعناية بالصحة العامة ولعلاج الفقراء، وكان أكبر أطباء الدولة هؤلاء، أمثال ديموسيدز Democedes، يتقاضون وزنتين في العام، أي: ما قيمته (12000 ريال أمريكي)، وكان عندهم بطبيعة الحال دجالون كثيرون، كما كان عندهم عدد لا يُحصى من الهواة الذين يدَّعون العلم بكل شيء في الطب، وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان، ولقد قاست المهنة في تلك الأيام كما تُقاسي في كل جيل من الأجيال، الأمرَّين من أعمال أقلية فيها خربة الذمة، عاجزة عن القيام بواجبها، وثأر اليونانيون لأنفسهم كما ثأر غيرهم من الأمم، من عدم وثوقهم بأطبائهم بما كالوه لهم من السخرية والفكاهة اللاذعة.

قَسَم أبوقراط[عدل]

لقد رفع أبوقراط من شأن المهنة بتأكيده على الأخلاق في الطب، ذلك أنه لم يكن طبيبا فحسب بل كان طبيبا ومدرسا للطب في نفس الوقت، وربما كان القَسَم الشهير الذي يُعزى إليه قد وُضع لضمان ولاء طالب الطب لأستاذه، ويقال: إنّ القسم من وضع المدرسة الأبوقراطية لا من وضع أبوقراط نفسه، ونص القَسَم هو:

((أقسم بأبلو الطبيب، وبأسكابيوس، وبهيغيائيا HYGIAEA، وبباناسيا PANACEA، وبجميع الآلهة والإلهات، وأشهدها جميعا على أن أنفذ هذا القَسَم، وأوفي بهذا العهد بقدر ما تتسع له قدرتي وحكمتي، وأن أضع معلمي في هذا الفن في منزلة مساوية لأبوي، وأن أشركه في مالي الذي أعيش منه، فإذا احتاج إلى المال اقتسمت مالي معه، وأقسم أن أعد أسرته إخوة لي، وأن أعلمهم هذا الفن إذا رغبوا في تعلمه من غير أن أتقاضى منهم أجرا أو ألزمهم باتفاق، وأن ألقن الوصايا والتعاليم الشفوية وسائر التعاليم الأخرى لأبنائي، ولأبناء أستاذي، وللتلاميذ المتعاقدين الذين أقسموا يمين الطبيب، ولا ألقنها لأحد سواهم، وسوف أستخدم العلاج لمساعدة المرضى حسب مقدرتي وحكمتي، ولكن لا أستخدمه للأذى أو لفعل الشر، ولن أسقي أحدا السم إذا طلب إليَّ أن أفعل ذلك أو أشير بسلوك هذه السبيل، كذلك لن أعطي امرأة وصفة لإسقاط جنينها، ولكني سأحتفظ بحياتي وفني كليهما طاهرين مقدسين، ولن أستعمل المبضع ولو كنت محقا باستعماله لمن يشكو حصاة، بل أتخلى عن مكاني لمن يحذقون هذا الفن. وإذا دخلت بيت إنسان أيٍّ كان فسأدخله لمساعدة المرضى، وسأمتنع عن كل إساءة مقصودة أو أذى متعمَّد، وسأمتنع بوجه خاص عن تشويه جسم أيِّ رجل أو أية امرأة سواء كانا من الأحرار أو من الأرقاء، ومهما رأيت أو سمعت في أثناء قيامي بفروض مهنتي وفي خارج مهنتي في خلال حديثي مع الناس، إذا كان مما لا تجب إذاعته فلن أفشيه، وسأعد أمثال هذه الأشياء أسرارا مقدسة، فإذا ما ألزمت نفسي بإطاعة هذا القَسَم ولم أحنث فيه فإني أرجو أن أشتهر مدى الدهر بين الناس جميعا بحياتي وبفني، إما إذا نقضت العهد وحنثت بالقَسَم فليحلَّّ بي عكس هذا)).

ويضيف أبوقراط إلى هذا أنّ من واجب الطبيب أن يحتفظ بحسن مظهره الخارجي، وأن ينظف جسمه، ويتأنق في ملبسه، ويجب عليه أن يكون هادئا على الدوام، وأن يكون سلوكه بحيث يبعث الثقة والاطمئنان في نفس المريض، ويجب عليه أن يعتني بمراقبة نفسه، وأن لا يقول إلا ما هو ضروري، ثم يضيف: ((وإذا ما دخلت غرفة مريض فتذكر طريقة جلوسك، وكن متحفظا في كلامك، معتنيا بهندامك، صريحا حاسما في أقوالك، موجزا في حديثك، ولا تنس ما يجب أن تكون عليه أخلاقك وأنت إلى جانب فراش المريض، واضبط أعصابك، وازجر من يقلقك، وكن على استعداد لفعل ما يجب أن يُفعل، وأوصيك أن لا تقسو على أهل المريض، وأن تراعي بعناية أحوال مريضك المالية، وعليك أن تقدِّم خدماتك من غير أجر، وإذا لاحت لك فرصة لتؤدي خدمة لإنسان غريب ضاقت به الحال فقدِّم له معونتك كاملة، ذلك أنه حيث يوجد حب الناس يوجد حب الفن، وإذا أضاف الطبيب إلى هذا دراسة الفلسفة والعمل بها كان هو المثل الأعلى لأبناء مهنته، لأنّ الطبيب الذي يُحب الحكمة لا يقل عن الآلهة في شيء)) (قصة الحضارة). قلت: هذا النص في أخلاق الطبيب وآداب مهنة الطب هو من أقدس ما أنتجه الفكر البشري، وقسم أبوقراط ما يزال معمولا به في سائر المؤسسات الطبية في العالم، ولكن هناك إشكالان كبيران فيه وهما: (الأول) القسم بالآلهة هو من الشرك في الشريعة الإسلامية، ولذلك عمدت الدول الإسلامية إلى استبدال القسم بالآلهة بالقَسَم بالله العظيم. (الثاني) الحفاظ على أسرار المهنة الطبية يتعارض في بعض الأحيان مع القوانين المعمول بها في الدول كافة،وهذا الإشكال غالبا ما يحلّ لصالح القوانين وليس لصالح الحفاظ على سر المهنة وذلك لأنّ صاحب القانون هو الذي يملك السلطة والعقاب، وإني لأرجو أن يكون الحفاظ على سر المهنة مقدَّما على العمل بالقوانين التي توجب التبليغ عن حالات معينة، ومثال ذلك: إنّ بعض الأطباء تم سجنهم لمدد مختلفة بتهمة كتم معلومات حيث عالجوا فارِّين من السلطة ولم يُبلِّغوا عنهم.

تاريخ النبتات

ذروة مجد الطب اليوناني (مدرسة الإسكندرية)[عدل]

بعد عصر سقراط بدأت الثقافة اليونانية تتراجع حتى على الأرض التي ازدهرت عليها وانتقل مركز الثقافة إلى الإسكندرية حيث نشأت مدرسة طبية في عام (300ق.م) تقريبا. وقد أنجبت هذه المدرسة ثلاثة أطباء ذاع صيتهم في أرجاء العالم وهم:

وقد تقدم الطب بخطى سريعة في ذلك العصر، ولعل سبب تقدُّمه أنه كان لابد له أن يسير بنفس السرعة التي تفشو بها الأمراض الجديدة المتزايدة في حضارة المدن المعقدة، وكانت دراسة اليونان لمعلومات المصريين الطبية باعثا قويا على هذا التقدم، وكان البطالمة لا يترددون في تقديم أي معلومات يحتاجها علماء الطب، فقد كانوا يجيزون تشريح الحيوانات وجثث الموتى من الآدميين وكذلك كانوا يرسلون بعض المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام لتشريح أجسامهم وهم أحياء، وبفضل هذا التشجيع أصبح التشريح البشري علما وقلَّت إلى حد كبير الأغلاط التي وقع فيها الأطباء قبل ذلك العصر.

وفي عام (285ق.م) قام هيروفيلوس الذي كان يعمل في الإسكندرية بتشريح العين ووصف الشبكية وأعصاب النظر وصفا طبيا دقيقا، وشرح أيضا المخ ووصف مقدم الدماغ والمخيخ والسحايا، وأعاد للمخ مكانته السامية بأن جعله مركز التفكير، وفهم وظيفة الأعصاب وكان البادئ بتقسيمها إلى أعصاب حس وأعصاب حركة، وفصل أعصاب الجمجمة عن أعصاب النخاع الشوكي، وميَّز الشرايين من الأوردة، وحدد وظيفة الشرايين بأنها الأوعية التي تحمل الدم من القلب إلى مختلف أجزاء الجسم، وكشف في واقع الأمر الدورة الدموية قبل أن يكشفها هارفي بتسعة عشر قرنا، وضم جس النبض إلى وسائل تشخيص الأمراض، واستخدم ساعة مائية لقياس عدد ضربات القلب، وشرح المبيض والرحم والحويصلات المنوية وغدة البروستات ووصفها كلها، ودرس الكبد والبنكرياس وسمَّى المعي الإثنى عشري بالاسم الذي يُعرف به اليوم، وبناء على هذه الأعمال نظر المؤرخون إلى هيروفيلوس على أنه أعظم مشرِّح في العصور القديمة.

كما كان إرسيستراتوس أعظم علماء وظائف الأعضاء (الفيزيولوجيا) في العصور القديمة، حيث وُلد في كيوس، ودرس في أثينا، ومارس مهنة الطب في الإسكندرية حوالي عام (158ق.م)، وقد استطاع أن يميِّز المخ من المخيخ تمييزا أدق من هيروفيلوس، وأجرى تجارب على الأجسام الحية لدراسة عمليات المخ، ووصف وشرح عمل لسان المزمار والأوعية اللمفاوية في غشاء الأمعاء، والصمَّام الأبهر والصمَّام الرئوي في القلب، وكان لديه فكرة عن التمثيل الأساسي حيث اخترع مسعرا لقياس حرارة الزفير، ويقول إرسيستراتوس: إنّ كل عضو يتصل بسائر أجزاء الكائن بثلاث طرق هي: شك شريان ووريد وعصب، واجتهد أن يعلل جميع الظواهر الفيزيولوجية بعلل طبيعية، ورفض كل ما يشير إلى موجودات خفية، كما رفض نظرية الأخلاط التي قال بها هبارخوس واحتفظ بها هيروفيلوس، وكان يرى أنّ الطب هو فن منع المرض بمراعاة قواعد الصحة وليس هو علاج المرض بالدواء، وكان يقاوم كثرة استعمال العقاقير والحجامة، ويعتمد على تنظيم التغذية والاستجمام والرياضة الجسمية.

أولئك هم الرجال الذين جعلوا الإسكندرية في العصر القديم أشبه بفيينا في العصر الحديث، غير أنه كانت توجد أيضا مدارس طبية عظيمة في كل من تراليس وميليتس وإفسوس وبرجوم وتاراس وسرقوسة، وكان للكثير من المدن إدارات طبية بلدية يتقاضى الأطباء العاملون فيها مرتبا وسطا، وكان من أسباب فخرهم أنهم لا يفرِّقون بين الأغنياء والفقراء والأحرار والعبيد، وأنهم كانوا يهبون أنفسهم لعملهم في أي وقت مهما يكن الخطر المحدق بهم، فقد ذهب أبلونيوس الملطي ليكافح الطاعون في الجزائر القريبة من موطنه من دون أن ينال على ذلك أجرا، ولما فتك المرض بجميع أطباء كوس بعد أن بذلوا كل ما يستطيعون من الجهد لمقاومته أقبل غيرهم من أطباء المدن المجاورة لإنقاذهم، وما أكثر القرارات العامة التي أصدرها الحكام للإشادة بذكر الأطباء في ذلك العصر والاعتراف بفضلهم، ومع أنّ الكثير من القدماء كانوا يسخرون من عجز الأطباء المأجورين فإنّ هذه المهنة العظمى قد احتفظت بذلك المستوى الأخلاقي الرفيع الذي ورثته عن أبوقراط والذي كانت تعده أفخر تراثه وأثمنه.